أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على التوقيت أي التحديد في قدر الماء الذي يتنجس والذي لا يتنجس.
والتوقيت: مصدر وقَّت الشيءَ: إذا عَيَّن له غايةً.
قال في المصباح: الوقت مقدار من الزمن مفروض لأمر ما، وكل شيء قدرت له حينا فقد وقته توقيتا، وكذلك ما قدرت له غاية، ووقت الله الصلاة توقيتا، وَوَقَتَهَا يَقِتُهَا من باب وَعَدَ: حدد لها وقتا، ثم قيل لكل شيء محدود: مَوقُوت ومُوَقَّت. ا. هـ باختصار.
وقال العلامة السندي في شرحه: باب التوقيت في الماء: أي التحديد فيه بأن أيّ قدر يتنجس بوقوع النجاسات، وأيّ قدر لا. ا. هـ.
٥٢ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ. فَقَالَ: "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ".
رجال السند سبعة
١ - (هناد بن السري) بفتح الهاء وتشديد النون، وبفتح السين وكسر
[ ٢ / ٥ ]
الراء الخفيفة بن مصعب التميمي الدارمي، أبو السري الحافظ الصالح ثقة من العاشرة، عن شريك، وأبي الأحوص، وابن عيينة، وعَبْثَر، وخلق وعنه (عخ م ٤) وخلق، وثقه النسائي، قال السراج: مات سنة ٢٤٣، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، والباقون.
٢ - (الحسين بن حُرَيْث) بالتصغير فيهما، بن الحسن بن ثابت مولى عمران بن حُصَيْن أبو عمَّار الخُزاعي، المروزي، ثقة من العاشرة، عن الفضل بن موسى، والنضر بن شميل، وفضيل بن عياض، وابن
المبارك، والوليد بن مسلم، وخلق وعنه (خ م ت س) و(د) بالإجازة، وثقه النسائي، مات راجعا من الحج سنة ٢٤٤، أخرج له الجماعة إلا ابن ماجَهْ.
٣ - (أبو أسامة) (ع) حماد بن أسامة الهاشمي، مولاهم الكوفي، الحافظ، ثقة من التاسعة، عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، والأجْلَح، وخلق، وعنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وابن المديني، وخلائق، قال أحمد: ثقة ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ، قال البخاري: مات بالكوفة سنة ٢٠١ وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل، أخرج له الجماعة.
٤ - (الوليد بن كثير) القرشي مولاهم، أبو محمد المدني، صدوق عارف بالغازي، ورمي برأي الخوارج، من السادسة، عن بُشَير بن يسار، والأعرج، وجماعة، وعنه إبراهيم بن سعد، وأبو أسامة، والواقدي، وطائفة، وثقه ابن معين، وأبو داود، وقال ابن سعد: ليس بذاك. مات سنة ٢٥١ أخرج له الجماعة.
٥ - (محمد بن جعفر) بن الزبير بن العوَّام الأسدي المدني، ثقة من السادسة، عن عمه عروة، وابن عمه عباد بن عبد الله، وعنه عبيد الله
[ ٢ / ٦ ]
ابن أبي جعفر، وابن إسحاق، وجماعة، وثقه النسائي، وفي (ت) مات سنة بضع عشرة ومائة اهـ أخرج له الجماعة.
٦ - (عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة من الثالثة، وصيُّ أبيه، عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه عبد الله بن أبي سلمة، والقاسم بن محمد، وثقه وكيع وأبوزرعة، وفي (ت) مات سنة ١٠٥ أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه.
٧ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته ما بين كوفيين: وهما هناد، وأبو أسامة، ومروزي: وهو الحسين بن حريث، ومدنيين: وهم الباقون، وكلهم ثقات، وأن فيه الإخبار في أوله، والعنعنة في البواقي، وأن فيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عبد الله بن عمر) المكبر، وسيأتي عن الحافظ أن الصواب إذا كان عن محمد بن جعفر فهو عن عبيد الله المصغر، وإذا كان عن محمد بن عباد بن جعفر فهو عن عبد الله المكبر فتفطن.
(عن أبيه) ابن عمر ﵄ أنه (قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الماء) أي عن حكمه هل هو طاهر أم نجس؟.
(و) سئل عن (ما) اسم موصول أي الشيء الذي (ينوبه) أي ينزل به ويقصده اهـ زهر، وقال السندي: مِنْ ناب المكانَ، وانتابه، إذا تردد إليه مرة بعد أخرى، ونَوْبَةً بعد نَوْبة، وهو عطف على الماء بطريق
[ ٢ / ٧ ]
البيان، نحو أعجبني زيد، وكرمُهُ. قال الخطابي: فيه دليل على أن سؤر السباع نجس، وإلا لم يكن لسؤالهم عنه، ولا لجوابه إياهم بهذا الكلام معنى، قال السندي: قلت وكذا على أن القليل من الماء يتنجس بوقوع النجاسة ا. هـ كلام السندي ١/ ٤٧، وفي النيل وحكى الدارقطني أن ابن المبارك صحفه فقال (يثوبه) بالثاء المثلثة ا. هـ ١/ ٥٩.
وقوله (من الدواب والسباع) بيان لما، والدواب جمع دابة، وهي لغةً ما يدبُّ على وجه الأرض، وفي العرف تطلق على ذوات الأربع، مما يركب، قال في الصحاح: الدابة التي تركب، نقله في المنهل ١/ ٢٢٣.
وفي المصباح: وكل حيوان في الأرض دابة، وتصغيره دُوَيبة على القياس، وسمع دُوَابَّة بقلب الياء ألفا على غير قياس، وخالف فيه بعضهم، فأخرج الطير من الدواب، ورُدَّ بالسماع، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] قالوا: أي خلق الله كل حيوان مميِّزًا كان أو غير مميز، وأما تخصيص الفرس، والبغل بالدابة عند الإطلاق، فعرف طارئ، وتطلق الدابة على الذكر والأنثى، والجمعُ دَوَابّ. اهـ.
والسباع: جمع سبع بضم الباء، قال في المصباح: وإسكان الباء لغة، حكاها الأخفش وغيره، وهي الفاشية عند العامة، ولهذا قال الصغاني: السبع يعني بالضم والسبع يعني بالسكون لغتان، وقري بالإسكان في قوله تعالى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] وهو مروي عن الحسن البصري، وطلحة بن سليمان، وأبي حيوة، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير أحد السبعة، ويُجمع في لغة الضم على سباع، مثل رجل، ورجال، لا جمع له غير ذلك، على هذه اللغة، قال الصغاني:
[ ٢ / ٨ ]
وجمعه على لغة السكون في أدنى العدد: أسْبُع، مثل فَلْس، وأفْلُس، وهذا كما خفف ضَبُع، وجمع على أضْبُع.
ويقع السبع على كل ما له ناب يَعْدُو به، ويفترس كالذئب، والفهد والنمر، وأما الثعلب: فليس بسبع، وإن كان له ناب لأنه لا يعدو به، ولا يفترس، وكذلك الضبع، قاله الأزهري. اهـ. المصباح باختصار.
قال الجامع: فالعطف يكون من عطف الخاص على العام، إن قلنا بعموم الدواب، ومن عطف المغاير إن قلنا بالعرف الذي يخصه بذوات الأربع، مما يركب.
(فقال) - ﷺ - مجيبا عن السؤال "إذا كان الماء قلتين" تثنية قلة، بضم القاف وتشديد اللام، وهي الجَرَّة المعظيمة، والجمع قلال مثل بُرْمَة وبرَام، أو قُلَل مثل غُرْفة وغُرَف.
وقال في المصباح بعد ذكر نحو هذا ما نصه: قال الأزهري: ورأيت القلة، من قلالى هَجَر، والأحْسَاء، تَسَعُ ملء مَزَادة، والمزادة شطر الرواية، كأنها سميت قُلَّة؛ لأن الرجل القوي يُقلها أي يحملها، وكل شيء حملته: فقد أقللته، وأقَلْتَه عن الأرض: رفعته بالألف أيضا، ومن باب قتل لغة، وفي نسخة من التهذيب قال أبو عبيد: والقُلَّة حُبّ كبير، والجمع قلال، وأنشد لحسان (من الطويل):
وَقَدْ كَانَ يُسْقَى فِي قِلَالٍ وَحَنْتَمِ
وعن ابن جريج قال: أخبرني من رأى قلال هجر أن القلة تسع فَرَقا، قال عبد الرزاق: والفرق يسع أربعة أصواع بصاع النبي - ﷺ - اهـ. عبارة المصباح.
وقد اختلفوا في مقدار القلتين، فمنهم من قَدَّر بخمس قِرَب، ومنهم من قدر بخمسمائة رطل، وسيأتي مزيد بسط في كلام النووي ﵀
[ ٢ / ٩ ]
وقال الخطابي ﵀: وقد تكون القلة الإناءَ الصغير الذي تُقله الأيدي، ويتعاطى فيه الشراب، كالكيزَان ونحوها، وقد تكون القلة الجرة الكبيرة التي يقلها القوي من الرجال، إلا أن مخرج الخبر قد دل على أن المراد به ليس النوع الأول؛ لأنه إنما سُئل عن الماء الذي يكون بالفلاة عن الأرض في المصانع، والوهَاد، والغُدْران ونحوها، ومثل هذه المياه لا تُحمَل بالكوز والكوزين، في العرف والعادة، لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسه فعلم أنه ليس معنى الحديث، وقد روي من رواية ابن جريج مرسلا "إذا كان الماء قلتين بقلال هجر"، وقال: وقلال هجر مشهووة الصَّنْعَة معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصِّيعَان، والقرَب المنسوبة إلى البلدان المحدودة على مثال واحد، وهي أكبر ما يكون من القلال، وأشهرها لأن الحد لا يقع بالمجهول، ولذلك قيل قلتين على لفظ التثنية، ولو كان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته فلما ثناها دلَّ على أنه أكبر القلال، لأن التثنية لا بد لها من فائدة، وليست فائدتها إلا ما ذكرناه. اهـ. كلام الخطابي باختصار يسير.
(لم يَحمل الخَبَث) بفتحتين؛ أي النجس، كما وقع تفسيره بالنجس في الروايات الآخر، والمعنى لم يَقبَل النجاسةَ، بل يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن لتقييد بالقلتين معنى، فإن ما دونها أولى بذلك، وقيل: معناه: لا يقبل حكم النجاسة. اهـ نيل.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى في درجته:
هذا الحديث صحيح، قال الحافظ أبو الفضل العراقي في أماليه: قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من أئمة الحفاظ: الشافعي، وأبو عبيد، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن
حبان، والدارقطني، وابن منده، والحاكم، والخطابي، والبيهقي،
[ ٢ / ١٠ ]
وابن حزم، وآخرون. كذا في قوت المغتذي، وقال الحافظ في الفتح: رواته ثقات، وصححه جماعة من أهل العلم. اهـ وقال في التلخيص: قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وقد احتجا بجميع رواته، وقال ابن منده: إسناده على شرط مسلم، وقال ابن معين: الحديث جيد الإسناد، وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريق الفقهاء؛ لأنه وإن كان مضطرب الإسناد، مختلفا في بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنه بجواب صحيح، بأن يمكن الجمع بين الروايات. اهـ تحفة الأحوذي ١/ ٢١٧.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٤٤ - ٥٢ وفي الكبرى ٣٧/ ٥٠ عن هناد بن السَّري والحُسين بن حُريث، كلاهما عن أبي أسامة، وفي ٣٢٨ عن الحسين بن حريث عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن
عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود عن أبي كريب، وعثمان بن أبي شيبة، والحسن بن علي، وغيرهم، كلهم عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد ابن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، وقال أبو داود بعد أن ساق الحديث ما نصه: هذا لفظ ابن العلاء -يعني أبا كريب- وقال عثمان، والحسن بن علي عن محمد بن عباد بن جعفر، قال أبو داود: والصواب محمد بن جعفر. اهـ.
تنبيه:
اختلف في سند هذا الحديث مع كون مداره على الوليد بن كثير، فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل عنه عن محمد بن عباد بن
[ ٢ / ١١ ]
جعفر، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، والجواب: أن هذا ليس اضطرابا قادحا، فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظا، انتقال من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق: الصواب أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمده بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وَهمَ.
وقد رواه جماعة عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين، وله طريق ثالثة رواها الحاكم وغيره، من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، وسئل ابن معين عن هذه الطريق، فقال: إسنادها جيد، قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه؟ فقال: وإن لم يحفظ ابن علية، فالحديث جيد الإسناد. أفاده الحافظ في التلخيص ١/ ١٧ - ١٨.
المسألة الرابعة:
قد ذكر الإمام النووي ﵀ في المجموع شرح المهذب ما يتعلق بحديث الباب من الكلام على الحديث سندا، ومتنا، ومن مذاهب العلماء في حكم المسألة، وهاك نصه:
قال ﵀: هذا الحديث حديث حسن ثابت من رواية عبد الله ابن عمر بن الخطاب ﵄، رواه أبو عبد الله الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجَهْ (^١)، وأبو عبد الله الحاكم في المستدرك على الصحيحين، قال الحاكم: هو حديث صحيح على
_________________
(١) قلت بقي عليه المصنف فإنه أخرجه هنا، وفي ٣٢٨.
[ ٢ / ١٢ ]
شرط البخاري، ومسلم، وجاء في رواية لأبي داود وغيره "إذا كان الماء قلتين لم يَنْجُس" قال البيهقي وغيره: إسناد هذه الرواية إسناد صحيح، والخَبَث بفتح الخاء والباء ومعناه هنا لم ينجس كما جاء في الرواية الأخرى.
وأما حكم المسألة:
وهي إذا وقع في الماء الراكد نجاسة، ولم تغيره، فحكى ابنُ المنذر وغيرُه فيها سبعة مذاهب للعلماء:
أحدها: إن كان قلتين فأكثر لم ينجس وإن كان دون قلتين نجس، وهذا مذهبنا، ومذهب ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأحمد، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه.
الثاني: إنه إن بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء، حكوه عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، ومحمد بن المنكدر.
الثالث: إن كان كُرّا (^١) لم ينجسه شيء، روي عن مسروق، وابن سيرين.
الرابع: إذا بلغ ذَنُوبين لم ينجس، روي عن ابن عباس، وفي رواية، وقال عكرمة: ذنوبا أو ذنوبين.
الخامس: إن كان أربعين دلْوا لم ينجس، روي عن أبي هريرة.
السادس: إذا كان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر نجس، وإلا فلا، وهو مذهب أبي حنيفة.
السابع: لا ينجس كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير، حكوه عن ابن
_________________
(١) بضم الكاف وتشديد الراء: ستون قفيزا، والقفيز ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف، فعلى هذا فهو اثنا عشر وَسْقًا، كل وَسْق ستون صاعا. ا. هـ. من هامش المجموع.
[ ٢ / ١٣ ]
عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي.
وهو مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وداود، ونقل عن أبي هريرة، والنخعي.
قال ابن المنذر: وبهذا المذهب أقول، قال النووي: وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا، واحتج لأبي حنيفة بأشياء ليس في شيء منها دلالة، قال النووي: لكني أذكرها لبيان جوابها إن أوردَت على ضعيف المرتبة:
منها قوله - ﷺ -: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه" حديث صحيح متفق عليه، قالوا: وروي أن زنجيا مات في زمزم، فأمر ابن عباس بنزحها، ومعلوم أن ماء زمزم يزيد على قلتين، ولأنه مائع ينجس بورود النجاسة عليه، إذا قل فكذا إذا كثر كسائر المائعات، ولأنه
تيقن حصول نجاسة فيه فهو كالقليل.
واحتج أصحابنا يعني الشافعية على أبي حنيفة بحديث ابن عمر المذكور يعني حديث القلتين، وبحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في وضوء النبي - ﷺ - من بئر بضاعة وكان يُلقَى فيها لحوم الكلاب، وخرق الحيض، وهو حديث صحيح، وهذه البئر كانت صغيرة، وهم لا يجيزون الوضوء من مثلها، قالوا: إنما توضأ منها لأنها كانت جارية، قال الواقدي: كان يسقى منها الزرع والبساتين،، وكذا قاله الطحاوي ونقله عن الواقدي، قال أصحابنا: هذا غلط، ولم تكن بئر بضاعة
جارية بل كانت واقفة، لأن العلماء ضبطوا بئر بضاعة، وعَرَّفُوها في كتب مكة والمدينة، وأن الماء لم يكن يجري.
قال أبو داود في سننه: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قَيِّم بئر
[ ٢ / ١٤ ]
بضاعة عن عمقها، قال: أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة، قال أبو داود: وقَدَّرت بئر بضاعة بردائي، مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضها ست أذرع، وقال لي الذي فتح لي الباب يعني باب البستان الذي هي فيه: لم يغير بناؤها عما كانت عليه، قال: ورأيت فيها الماء متغير اللون. اهـ.
وما نقل عن الواقدي فمردود، لأن الواقدي ضعيف عند أهل الحديث، وغيرهم، لا يحتج برواياته المتصلة فكيف بما يرسله، أو يقوله عن نفسه، ولو صح أنه كان يُسقَى منها الزرع، لكان معناه أنه يُسقَى منها بالدلو والناضح، عملا بما نقله الأثبات في صفتها.
قال النووي: قال أصحابنا -يعني الشافعية- وعمدتنا حديث القلتين، فإن قالوا: هو مضطرب؛ لأن الوليد بن كثير رواه تارة عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة عن محمد بن جعفر بن الزبير، وروي تارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، وهذا اضطراب ثان.
فالجواب: أن هذا ليس اضطرابا، بل رواه محمد بن عباد، ومحمد ابن جعفر. وهما ثقتان معروفان، ورواه أيضا عبد الله، وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر، عن أبيهما، وهما أيضا ثقتان، وليس هذا من الاضطراب.
وبهذا الجواب أجاب أصحابنا، وجماعات من حفاظ الحديث، وقد جمع البيهقي طرقه وَبيَّن رواية المحمدين وعبد الله، وعبيد الله، وذكر طرق ذلك كله، وبينها أحسن بيان، ثم قال: فالحديث محفوظ عن عبد الله، وعبيد الله، قال: وكذا كان شيخنا أبو عبد الله الحافظ الحاكم يقول: الحديث محفوظ عنهما، وكلاهما رواه عن أبيه، قال وإلى هذا
[ ٢ / ١٥ ]
ذهب كثير من أهل الرواية، وكان إسحاق بن راهويه يقول: غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله، إنما هو عبيد الله بن عبد الله بالتصغير، وأطنب البيهقي في تصحيح الحديث بدلائله، فحصل أنه غير مضطرب.
وقال الخطابي: ويكفي شاهدا على صحته أن نجوم أهل الحديث صححوه وقالوا به، واعتمدوه في تحديد الماء، وهم القدوة، وعليهم المُعَوَّل في هذا الباب، فممن ذهب إليه: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وغيرهم، وقال النووي: وقد سَلَّمَ أبو جعفر الطحاوي إمام أصحاب أبي حنيفة في الحديث، والذاب عنهم، صحة هذا الحديث، لكنه دفعه، واعتذر عنه بما ليس بدائع ولا عذر، فقال: هو حديث صحيح، لكن تركناه لأنه روي قلتين أوثلاثا ولأنا لا نعلم قدر القلتين، فأجاب أصحابنا: بأن الرواية الصحيحة المعروفة المشهورة قلتين، ورواية الشك شاذة غريبة فهي متروكة، فوجودها كعدمها، وأما قولهم: لا نعلم قدر القلتين، فالمراد قلال هجر، كما رواه ابن جريج، وقلال هجر كانت معروفة عندهم مشهورة، يدل عليه حديث أبي ذر في الصحيحين أن النبي - ﷺ - أخبرهم ليلة الإسراء فقال: "ورفعت لي سدرة المنتهى، فإذا ورقها مثل آذان الفِيَلَة، وإذا نَبْقُهَا مثل قلال هَجَر" فعلم بهذا أن القلال معلومة عندهم مشهورة، وكيف يظن أنه - ﷺ - يحدد لهم أو يمثل لهم بما لا يعلمونه، ولا يهتدون إليه؟.
فإن قالوا: روي أربعين قلة، وروي أربعين غربا، وهذا يخالف حديث القلتين، فالجواب: أن هذا لا يصح عن النبي - ﷺ -، وإنما نقل أربعين قلة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأربعين غربًا، أي دلوا عن أبي هريرة، وحديث النبي - ﷺ - مقدم على غيره، وأجاب أصحابنا أيضا بأنه ليس مخالفا، بل يحمل على أن تلك الأربعين صغار تبلغ قلتين
[ ٢ / ١٦ ]
بقلال هجر فقط.
فإن قالوا: يحمل على البخاري، فالجواب: أن الحديث عام يتناول البخاري، والراكد، فلا يصح تخصيصه بلا دليل، ولأن توقيته بقلتين يمنع حمله على البخاري عندهم، فإن قالوا: لا يصح التمسك به لأنه متروك بالإجماع في المتغير بنجاسة، فالجواب أنه عام خصص في بعضه فبقي الباقي على عمومه، كما هو المختارفي الأصول.
فإن قالوا: قد رَوى ابنُ عُليَّة هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر، فالجواب: أنه صح موصولا مرفوعا إلى النبي - ﷺ - من طرق الثقات، فلا يضر تفرد واحد بوقفه، وقد روى البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن يحيى بن معين إمام هذا الشأن، أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: جيد
الإسناد، قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه؟ قال يحيى: وإن لم يحفظ ابن علية، فالحديث جيد الإسناد.
فإن قالوا: إنما لم يحمل الخبث لضعفه عنه، وهذا يدل على نجاسته، فالجواب: أن هذا جهل بمعاني الكلام، وبطرق الحديث، أما جهل قائله بطرق الحديث، ففي رواية صحيحة لأبي داود "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس" فإذا ثبتت هذه الرواية تعين حمل الأخرى عليها، وأن معنى لم يحمل خبثا لم ينجس، وقد قال العلماء: أحسن تفسير غريب الحديث أن يفسر بما جاء في رواية أخرى لذلك الحديث.
وأما جهله بمعاني الكلام، فبيانه من وجهين:
أحدهما: أنه - ﷺ - جعل القلتين حَدّا، فلو كان كما زعم هذا القائل، لكان التقييد بذلك باطلا، فإن ما دون القلتين يساوي القلتين في هذا.
الثاني: أن الحمل ضربان: حمل جسم، وحمل معنى، فإذا قيل في حمل الجسم: فلان لا يحمل الخشبة مثلا، فمعناه لا يطيق ذلك لثقلها،
[ ٢ / ١٧ ]
وإذا قيل في حمل المعنى: فلان لا يحمل الضيم، فمعناه لا يقبله ولا يلتزمه، ولا يصبر عليه، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [سورة الجمعة: ٥] معناه لم يقبلوا أحكامها، ولم يلتزموها، والماء من هذا الضرب لا يتشكك في هذا من له أدنى فهم ومعرفة، والله أعلم.
والجواب عما احتج به الحنفية من حديث "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه" من وجهين:
أحدهما: أنه عام مخصوص بحديث القلتين.
الثاني وهو الأظهر: أنه نهي تنزيه، فيكره كراهة شديدة، وسبب الكراهة الاستقذار لا النجاسة، ولأنه يؤدي إلى كثرة البول وتغير الماء به.
وأما قولهم: أن زنجيا مات في زمزم فنَزَحَهَا ابن عباس، فجوابه من ثلاثة أوجه، أجاب بها الشافعي ثم أصحابه، أحسنها: أن هذا الذي زعموه باطل لا أصل له، قال الشافعي: لقيت جماعة من شيوخ مكة فسألتهم عن هذا، فقالوا: ما سمعنا هذا، وروى البيهقي، وغيره عن سفيان بن عيينة إمام أهل مكة، قال: أنا بمكة منذ سبعين سنة، لم أر أحدًا لا صغيرًا ولا كبيرًا يعرف حديث الزنجي الذي يقولونه، وما سمعت أحدًا يقول: نُزحَت زمزم، فهذا سفيان كبير أهل مكة قد لقي خلائق من أصحاب ابن عباس، وسمعهم، فكيف يتوهم بعد هذا صحة هذه القصة التي من شأنها إذا وقعت أن تشيع في الناس لا سيما أهل مكة، لا سيما أصحاب ابن عباس، وحاضروها، وكيف يصل هذا إلى أهل الكوفة، ويجهله أهل مكة، وقد رَوَى البيهقي هذا عن ابن عباس من أوجه كلها ضعيفة، لا يلتفت إليها.
الثاني: لو صح لحمل على أن دمه غلب على الماء فَغَيَّرَه.
[ ٢ / ١٨ ]
الثالث: فعله استحبابا، وتنظفا، فإن النفس تعافه، والمشهور عن ابن عباس أن الماء لا يتنجس إلا بالتغير كما نقله ابن المنذر وغيره.
وأما قياسهم على المائع فجوابه من أوجه:
أحدها: أنه قياس يخالف السنة فلا يلتفت إليه.
الثاني: أنه لا يشق حفظ المائع وإن كثر، بل العادة حفظه.
الثالث: أن للماء قوة في دفع النجس بالإجماع، وهو إذا كان بحيث لا يتحرك طرفه الآخر بخلاف المائع.
الرابع: للماء قوة رفع الحدث، فكذا له دفع النجس، بخلاف المائع.
وأما قياسهم على الماء القليل فجوابه ظاهر مما ذكرناه.
قال النووي: قال أصحابنا: اعتبرُوا حدًا واعتبرنا حدًا، وحَدُّنا ما حدَّه رسولُ الله - ﷺ - الذي أوجب الله تعالى طاعته وحرم مخالفته، وحدهم مخالف حده - ﷺ -، مع أنه حد بما لا أصل له، وهو أيضا حد لا ضبط فيه فإنه يختلف بضيق موضع الماء وسعته، وقد يضيق موضع الماء الكثير لعمقه، ويتسع موضع الماء القليل لعدم عمقه.
وأما مالك وموافقوه فاحتُجَّ لهم بقوله - ﷺ -: "الماء طهور لا ينجسه شيء" وهو حديث صحيح، وبالقياس على القلتين، وعلى ما إذا ورد الماء على النجاسة.
قال النووي: واحتج أصحابنا عليهم بحديث القلتين، وقد وافقنا مالك ﵀ على القول بدليل الخطاب، وبحديث أبي هريرة ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده" رواه البخاري
[ ٢ / ١٩ ]
ومسلم، فنهاه - ﷺ - عن غمس يده في الإناء وعلله بخشية النجاسة، ويعلم بالضرورة أن النجاسة التي تكون على يده، وتخفى عليه لا تغير الماء، فلولا تنجيسه بحلول نجاسة لم تغيره لم ينهه، وبحديث أبي هريرة أيضا أن النبي - ﷺ - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" رواه الشيخان، وفي رواية لمسلم: "فليرقه ثم ليغسله سبع مرات" فالأمر بالإراقة والغسل دليل النجاسة، وبحديث أبي قتادة ﵁ أنه كان يتوضأ، فجاءت هرة، فأصغى لها الإناء فشربت فتُعُجِّبَ منه، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" حديث صحيح رواه مالك في الموطأ، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفيه دلالة ظاهرة أن النجاسة إذا وردت على الماء نجسته، واحتجوا، بغير ذلك من الأحاديث.
وأما الجواب عن الحديث الذي احتجوا به فهو: أنه محمول على قلتين فأكثر، فإنه عام، وحديث القلتين خاص، فوجب تقديمه جمعا بين الحديثين.
والجواب عن قياسهم على ما إذا ورد الماء على النجاسة، من وجهين:
أحدهما: من حيث النص، وهو أنه - ﷺ - فرق بينهما، وذلك في حديثين: أحدهما "إذا استيقظ أحدكم" فمنع - ﷺ - من إيراد اليد على الماء، وأمر بإيراده عليها ففرق بينهما، والثاني أنه - ﷺ - أمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب لورود النجاسة، وأمر بإيراد الماء على الإناء.
والجواب الثاني: من حيث المعنى وهو أنا إذا نجسنا دون القلتين لورود النجاسة لم يشق، لإمكان الاحتراز منها، ولو نجسنا دون القلتين
[ ٢ / ٢٠ ]
بوروده على نجاسة لشق وأدى إلى أن لا يطهر شيء حتى يغمس في قلتين، وفي ذلك أشد الحرج، فسقط. والله أعلم اهـ كلام النووي ﵀ في المجموع باختصار ١/ ١١٢ - ١١٨.
وقال الحافظ في الفتح: قول من لا يعتبر إلا التغير وعدمه قوي، لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر من القول بأن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة، كالجرة، ولم يثبت من الحديث تقديرهما، فيكون مجملا، فلا يعمل به، وقواه ابن دقيق العيد، لكن استدل له غيرهما، فقال أبو عبيد القاسم بن سَلاَّم: المراد القلة الكبيرة، إذ لو أراد الصغيرة لم يحتج لذكر العدد، فإن الصغيرتين قدر واحدة كبيرة، ويرجع في الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجاز، والظاهر أن الشارع ﵇ ترك تحديدهما على سبيل التوسعة والعلم محيط بأنه ما خاطب الصحابة إلا بما يفهمون فانتهى الإجمال. اهـ كلام الحافظ ١/ ٤١٤.
وقال الزيلعي في نصب الراية: قال البيهقي في كتاب المعرفة: وقلال هجر كانت مشهورة عند أهل الحجاز، ولشهرتها عندهم شبه رسول الله - ﷺ - ما رأى في ليلة العراج من نبق سدرة المنتهى بقلال هجر، فقال في حديث مالك بن صعصعة: "رفعت إليَّ سدرة المنتهى فإذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها مثل قلال هجر" قال: واعتذار الطحاوي في ترك الحديث أصلا بأنه لا يعلم مقدار القلتين لا يكون عذرا عند من عَلمه. انتهى.
وقال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام البيهقي هذا: فإن قيل: أيّ ملازمة بين هذا التشبيه وبين ذكر القلة في حد الماء، فالجواب: أن التقييد بها في حديث المعراج دالّ على أنها كانت معلومة عندهم بحيث يُضرب
[ ٢ / ٢١ ]
بها المثل في الكبر، كما أن التقييد المطلق إنما ينصرف إلى التقييد المعهود.
وقال الأزهري: القلال مختلفة في قُرى العرب، وقلال هجر أكبرها، وقلال هجر مشهورة الصنعة، معلومة المقدار، والقلة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها، وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار جعل الشارع الحد مقدرا بعدد، فدل على أنه أشار إلى أكبرها، لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. اهـ.
وقال العلامة المباركفوري في شرح الترمذي: قلت: وقد جاء في حديث ضعيف تقييد القلتين بقلال هجر، وهو ما رواه ابن عدي من حديث ابن عمر "إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء" قال الحافظ في التلخيص: في إسناده المغيرة بن سقلاب وهو منكر الحديث، قال النفيلي: لم يكن مؤتمنا على الحديث، وقال ابن عدي: لا يتابع على عامة حديثه. اهـ.
قلت: قال الذهبي في الميزان في ترجمة المغيرة بن سقلاب: قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس (^١) به. اهـ. فالاعتذار من القول بحديث القلتين بزعم الإجمال في معنى القلة اعتذار بارد.
ومن الذين لم يقولوا به مَن اعتذر بأن الحديث ضعيف مضطرب الإسناد.
قالوا: إن محمد بن إسحاق يروي تارة عن محمد بن جعفر عن عبيد الله، عن ابن عمر، رواه الترمذي وغيره، وتارة عن الزهري عن سالم، عن ابن عمر، وتارة عنه عن عبيد الله، عن أبي هريرة، ثم وقع الاختلاف في شيخ محمد بن جعفر، فقال مرة: عن عبد الله بن عبد الله المكبر، ومرة عن عبيد الله بن عبد الله المصغر.
_________________
(١) انظر الجرح والتعديل ج ٨ ص ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ٢ / ٢٢ ]
قال المباركفوري: قلت هذا الاعتذار أيضا بارد، فإن هذا الاختلاف ليس قادحا مورثا لضعف الحديث، فإن وجوه الاختلاف ليست بمستوية، فإن الرواية الصحيحة المحفوظة هي رواية ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله، عن ابن عمر، كما رواها الترمذي وغيره، كذلك رواها جماعة كثيرة عن ابن إسحاق.
قال الدارقطني في سننه: رواه إبراهيم بن سعد، وحماد بن سلمة، ويزيد بن زريع، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن نمير، وعبد الرحيم ابن سليمان، وأبو معاوية الضرير، ويزيد بن هارون، وإسماعيل بن عياش، وأحمد بن خالد الوهبي، وسفيان الثوري، وسعيد بن زيد، أخو حماد بن زيد، وزائدة بن قدامة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عن النبي - ﷺ -. اهـ.
وقال الدارقطني فيه: ورواه عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، فكان في هذه الرواية قوة لرواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه. اهـ.
وأما رواية ابن إسحاق عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر فمدارها على عبد الوهاب بن عطاء وهو مدلس، رواها عن ابن إسحاق بالعنعنة، فهي ضعيفة لمظنة التدليس، على أنه قد خالف أصحاب ابن
إسحاق.
وأما روايته عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة، فليست بمحفوظة، قال الدارقطني: نا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد، وعمر بن عبد العزيز بن دينار، قالا: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي: نا محمد بن وهب السّلَميُّ: نا ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن
[ ٢ / ٢٣ ]
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: "أنه سئل عن القليب" الحديث، قال الدارقطني: كذا رواه محمد بن وهب، عن إسماعيل بن عياش، بهذا الإسناد، والمحفوظ عن ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه. اهـ.
وقد اعتذروا أيضا بأن الحديث مضطرب المتن، ففي بعضها قلتين، وفي بعضها قلتين أو ثلاثا، وفي رواية موقوفة أربعين قلة، وكذلك في رواية مرفوعة أربعين قلة.
قال المباركفوري: هذا الاعتذار أيضا بارد، فإن هذا الاختلاف أيضا ليس قادحا مورثا للضعف، فإن رواية أربعين قلة التي هي مرفوعة ضعيفة جدًا، فإن في سندها القاسم بن عبد الله العمري، قال ابن التركماني في الجوهر النقي: حكى البيهقي أنّ القاسم بن عبد الله العمري: كان ضعيفا كثير الخطأ.
وفي كتاب ابن الجوزي: قال أحمد: ليس هو عندي بشيء، كان يكذب ويضع الحديث، ترك الناس حديثه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال مرة: كذاب خبيث، وقال الرازي، والنسائي، والأزدي: متروك الحديث، وقال أبو زرعة: لا يساوي شيئا، متروك الحديث اهـ.
وقال الزيلعي في نصب الراية: روى الدارقطني في سننه، وابن عدي في الكامل، والعقيلي في كتابه عن القاسم بن عبد الله العمري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث" اهـ.
قال الدارقطني: كذا رواه القاسم العمري، عن ابن المنكدر، عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفا كثير الخطأ، وخالفه روح بن القاسم، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد، رووه عن ابن المنكدر، عن
[ ٢ / ٢٤ ]
عبد الله بن عمر موقوفا. ورواه أيوب السختياني، عن محمد بن المنكدر، من قوله، لم يجاوزه، ثم رَوَى بإسناد صحيح من جهة روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو، قال: "إذا بلغ
الماء أربعين قلة لم ينجس" اهـ.
فرواية أربعين قلة التي هي مرفوعة لشدة ضعفها، لا تساوي رواية قلتين، وأما رواية أربعين قلة التي هي موقوفة فهي قول عبد الله بن عمرو، وقوله هذا وإن كان صحيحا من جهة السند، فهو لا يساوي رواية قلتين التي هي قول رسول الله - ﷺ -، وأما رواية قلتين، أو ثلاثا، فقد قال البيهقي في المعرفة: قوله أو ثلاثا شك وقع لبعض الرواة. اهـ.
فرواية قلتين أو ثلاثا بالشك ترجع إلى رواية قلتين التي هي خالية من الشك، والظاهر أن الشك من حماد بن سلمة فإن بعض أصحابه يروون عنه قلتين، وبعضهم قلتين أو ثلاثا، أو من عاصم بن المنذر، فإن كل من روى هذا الحديث غيره عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر إنما رواه بلفظ قلتين بغير شك.
وقد اعتذروا أيضا بأن الحديث مضطرب من جهة المعنى، فإن القلة مشترك بين رأس الرجل ورأس الجبل، والجَرَّة والقرْبَة، وغير ذلك، ولم يتعين معناها، وإن أريد بها الأواني كالجرة والخابية فلم يثبت مقدارها، مع أنها متقاربة جدا.
قال المباركفوري: هذا الاعتذار أيضا ليس بشيء فإن القلة بمعنى رأس الرجل، أو رأس الجبل، لا يحصل بها التحديد البتة، والمقصود من الحديث ليس إلا التحديد، فلا يجوز أن يراد من القلة رأس الرجل، أو رأس الجبل، فتعين أن المراد من القلة الأواني.
ولما كانت قلال هجر مشهورة معروفة المقدار عند العرب كثيرة الاستعمال في أشعارهم، ولذلك شبه رسول الله - ﷺ - سدرة المنتهى بقلال هجر تعين أن تكون هي مرادة في الحديث.
[ ٢ / ٢٥ ]
والحاصل أن حديث الباب صحيح قابل للاحتجاج به، وكل ما اعتذروا به عن العمل، والقول به مدفوع ا. هـ. كلام المباركفوري ﵀ في تحفته جـ ١/ ٢١٧ - ٢٢١.
قال الجامع: هذا الذي قاله المباركفوري ﵀ كلام نفيس جدًا والله أعلم.
وقال العلامة ابن القيم بعد نقل أقوال المصححين لإسناد الحديث ما حاصله: ومع صحة سنده فهو غير صحيح المتن، لأنه لا يلزم من صحة السند صحة الحديث، ما لم ينتف عنه الشذوذ والعلة، أما الشذوذ فإن هذا الحديث مع شدة حاجة الأمة إليه لفصله بين الحلال والحرام، والطَّاهر والنجس، لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير ابنيه، فأين نافع، وسالم، وأيوب، وسعيد بن جبير، وأين أهل المدينة، وعلماؤها من هذه السنة، وهم أحوج الخلق لعزة الماء عندهم، ومن البعيد جدا أن تكون هذه السنة عند ابن عمر، وتخفى على علماء المدينة ولا يذهب إليها أحد منهم، ولا يروونها، ومن أنصَفَ لم يخْفَ عليه امتناع هذا، فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه، وأهل المدينة أول من يقول بها ويرويها، وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر، علم أنه لم يكن عنده فيه سنة عن النبي - ﷺ -.
وأما علته: فالاختلاف فيه على عبد الله رفعا ووقفا، وقد رجح شيخ الإسلام أبو الحجاج المزي، وأبو العباس ابن تيمية وقفه، ويدل على وقفه أن مجاهدًا، وهو العلم المشهور، والثبت المعروف، رواه عنه موقوفا، كما صوبه الدارقطني، والبيهقي، قال: قال شيخنا أبو العباس تقي الدين: هذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي - ﷺ -، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه ذلك عنه اهـ. كلام ابن القيم بتصرف.
[ ٢ / ٢٦ ]
قال صاحب المنهل بعد نقل كلامه ما نصه: وقد يقال: إن ما ذكره من الشذوذ والعلة ليس بقادح في صحة الحديث، فإن انفراد الصحابي بحديث، وسكوت بقية الصحابة لا يستلزم رد ذلك الحديث، وإلا لسقط كثير من الأحاديث الصحيحة التي تفرد بها الصحابي، ولا يخفى بعده، وأما كونه موقوفا على ابن عمر من طريق مجاهد، فلا ينافي ما ثبت عن الثقات من رفعه إلى النبي - ﷺ -. اهـ كلام صاحب المنهل ١/ ٢٢٩.
قال الجامع عفا الله عنه:
إن ما حاول به العلامة ابن القيم لتضعيف هذا المتن غير واضح لمن تأمله، لأن صحة الحديث لا يشترط فيه أن ينقله جماعة، بل إذا كان منقولا عن صحابي واحد، واتصل السند إليه بالعدول الضابطين فهو صحيح، فانفراد صحابي بنقله لا يكون علة، وكذلك كونه موقوفا عليه لا ينافي ما رواه مرفوعا لصحة أن يروي المرفوع في وقت، ويسئل عن الحكم، فيفتي في وقت آخر، وأيضا إذا تعارض الرفع والوقف قدم الرفع على الأرجح، لا سيما وقد رفعه اثنان عبيد الله وعبد الله والواقف مجاهد فقط.
والحاصل أن الذهب الراجح هو مذهب من يرى العمل بحديث القلتين لصحته، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ٢٧ ]