أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك التوقيت في الماء، وتقدم معنى التوقيت في الباب السابق.
٥٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "دَعُوهُ، لَا تُزْرِمُوهُ". فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَعْنِي: لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ.
٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
٥٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى الْمَسْجِدِ فَبَالَ، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اتْرُكُوهُ".
[ ٢ / ٢٨ ]
فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ أَمَرَ بِدَلْوٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
٥٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".
رجال الأسانيد الأربعة ١٥ شخصا
الإسناد الأول فيه ٤:
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلاني، ثقة [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري الثقة المثبت [٨] تقدم في ٣/ ٣.
٣ - (ثابت) بن أسلم البناني (بضم الموحدة وبنونين) مولاهم أبو محمد البصري أحد الأعلام ثقة عابد من الرابعة، عن ابن عُمَر، وعبد الله بن المغفل، وأنس وخلق من التابعين، وعنه شعبة، والحمادان، ومعمر، قال ابن المديني: له نحو مائتين وخمسين حديثا، وقال حماد بن زيد: ما رأيت أعبد من ثابت، وقال شعبة: كان يختم
[ ٢ / ٢٩ ]
في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر، وثقه النسائي، وأحمد، والعجلي، قال ابن علية: مات سنة ١٢٧ وقيل سنة ٣ عن ٨٦ سنة، أخرج له الجماعة.
٤ - (أنس) بن مالك أبو حمزة، خادم رسول الله - ﷺ -، وتقدم ﵁ في ٦/ ٦.
الإسناد الثاني فيه ٤ أيضا:
١ - قتيبة المتقدم.
٢ - (عَبيدة) بفتح العين، بن حميد بن صهيب الكوفي أبو عبد الرحمن، صدوق، نحوي، ربما أخطأ [٨] تقدم في ١٣/ ١٣.
٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري أبو سعيد المدني ثقة [٥] تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٤ - (أنس بن مالك) ﵁ المذكور آنفا.
الإسناد الثالث فيه ٤ أيضا:
١ - (سويد بن نصر) المروزي أبو الفضل المعروف بالشاه، عن ابن المبارك وابن عيينه وعنه (ت س) ووثقه، قال البخاري: مات سنة ٢٤٠.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الجليل الثقة المروزي [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣، ٤ - يحيى بن سعبد، وأنس، تقدما.
الإسناد الرابع فيه سبعة:
١ - (عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو بن ميمون الأموي، مولى آل عثمان، أبو سعيد الدمشقي القاضي دُحَيْم الحافظ عن معروف الخياط (^١)
_________________
(١) هو معروف بن عبد الله الخياط، أبو الخطاب الدمشقي ضعيف من الخامسة، وكان معمرا، عاش-١٣٠، أو أزيد أهـ "ت".
[ ٢ / ٣٠ ]
التابعي، وابن عيينة، والوليد بن مسلم، وخلق، وعنه (خ دس ق) (^١) قال النسائي: ثقة مأمون، قال أبو داود: حجة لم يكن بدمشق في زمنه مثله، قال ابنه عمرو: ولد سنة ١٧٠، مات سنة ٢٤٥.
٢ - (عمر بن عبد الواحد) بن قيس السلمي، أبو حفص الدمشقي، عن الأوزاعي، والنعمان بن المنذر، وعنه داود بن رُشَيد، وإسحاق، وثقه العجلي، قال دُحَيم: مات سنة ٢٠٠ روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجَهْ.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الشامي، الإمام العلم من [٧] عن عطاء، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، ونافع، وخلق، وعنه يحيى بن أبي كثير شيخه، وبقية، وهِقْل بن زياد، ويحيى ابن حمزة، وأمم، قال ابن مهدي: إمام، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا فاضلا خيرا، كثير الحديث والعلم، والفقه، قال إسحاق: إذا اجتمع الأوزاعي، والثوري، ومالك على الأمر فهو سنة، وقال ضمرة: هو حميري، وقال أبو زرعة: أصله من سبي السند، توفي سنة ١٥٧، أخرج له الجماعة.
والأوزاعي: نسبة إلى الأوزاع قرى متفرقة بالشام، فجمعت، وقيل لها الأوزاع، والأوزاع التي ينسب إليها أبو عمرو قرية خارج باب الفراديس.
وقال في اللباب بعد ما نقل ما ذكرنا ما نصه: والصواب أن الأوزاع بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل الأوزاع بطن من هَمْدان، نزلوا بالشام، فنسبت القرى التي سكنوها إليهم والله أعلم. اهـ بتصرف واختصار. جـ ١ ص ٩٢ - ٩٣.
٤ - (محمد بن الوليد) بن عامر الزبيدي بالضم، أبو الهذيل
_________________
(١) زاد في تهذيب التهذيب مسلما، ولم يذكره في تهذيب الكمال، ولم يرمز له في صه، ولا "ت"
[ ٢ / ٣١ ]
القاضي الحمصي، أحد الأعلام من [٧] عن مكحول، والزهري، ونافع، وخلق، وعنه الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن حرب، وخلق، وثقه ابن معين، وقال أبو داود: ليس في حديثه خطأ،
قال ابن سعد: مات سنة ١٤٨ روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه.
٥ - (الزهري) أبو بكر محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور من [٤] تقدم في ١/ ١.
٦ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني الأعمى الفقيه أحد الفقهاء السبعة من [٣] عن عمر، وابن مسعود مرسلا، وعن أبيه، وعائشة، وعنه أخوه عون، وعراك بن مالك، والزهري، وأبو الزناد، وخلق، قال أبو زرعة: ثقة مأمون، إمام، وقال العجلي: كان جامعا للعلم، قال البخاري: مات سنة ٩٤، وقال ابن نمير سنة ٨ وقال ابن المديني سنة ٩، أخرج له الجماعة.
وقد تقدم أنه أحد الفقهاء السبعة المجموعين في قول بعضهم (من الطويل):
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ … مَقَالتُهُمْ ليْسَتْ عَنِ الحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعيِدُ أبُو بكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
٧ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف الأسانيد
الأول: أنه من رباعياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء وهم ما بين بغلاني، وهو الأول، وبصريين، وهم الباقون.
والثاني: أيضا من رباعياته، وكلهم ثقات أجلاء، وهم ما بين بغلاني، وهو الأول، وكوفي وهو عبيدة، ومدني وهو يحيى، وبصري وهو أنس.
[ ٢ / ٣٢ ]
والثالث: أيضا من رباعياته، وكلهم ثقات وهم ما بين مروزيَّين، وهما سُوَيد، وعبد الله، ومدني وهو يحيى، وبصري وهو أنس.
والرابع: من سباعايته ورواته كلهم ثقات وكلهم شاميون، إلا عبيد الله، وأبا هريرة فمدنيان، والزهري وإن كان مدنيا إلا أنه سكن الشام.
شرح الحديث
حديث أنس الأول:
(أن أعراببا) أي رجلا واحدا من الأعراب.
قال في المصباح: الأعراب بالفتح، أهل البدو من العرب، الواحد أعرابي، بالفتح أيضا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعة (^١) وارتياد للكلأ، وزاد الأزهري: فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم قال: فمن نزل البادية، وجاور البَادينَ وظعن بظعنهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المُدُن والقرى العربية وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فصحاء. اهـ.
قال الجامع:
فالياء: هي التي يفرق بها بين الواحد واسم الجنس الجمعي كما في روم ورومي، ويهود ويهودي، ومجوس ومجوسي.
واسم هذا الأعرابي: حُرْقُوص بن زُهَير ذو الخويصرة التميمي، وقيل عُيَيْنة بن حصْن الفزاري، قال الحافظ في الفتح عند قول البخاري (قام أعرابي) ما نصه: زاد ابن عيينة عند الترمذي، وغيره في أوله أنه صلى، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي - ﷺ -: "لقد تحجرت واسعا" فلم يلبث أن بال في المسجد.
_________________
(١) النجعة كالغرفة اسم من نجع ينجع، كنفع ينفع، إذا ذهب لطلب الكلأ في موضعه، أفاده في المصباح.
[ ٢ / ٣٣ ]
وهذه الزيادة ستأتي عند المصنف (يعني البخاري) مفردة في الأدب من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وقد روى ابن ماجه، وابن حبان الحديث تاما من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وكذا رواه ابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع.
وأخرجه أبو موسى المديني في الصحابة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، قال: إذ طلع ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلا جافيا، فذكره تاما بمعناه، وزيادة، وهو مرسل، وفي إسناده أيضا مبهم بين محمد بن إسحاق، وبين محمد بن عمرو بن عطاء وهو عنده من طريق الأصم عن أبي زرعة الدمشقي، عن أحمد بن خالد الذهبي عنه، وهو في جمع مسند ابن إسحاق لأبي زرعة الدمشقي من طريق الشاميين عنه بهذا السند، لكن قال في أوله: اطلع ذو الخويصرة التميمي، وكان جافيا، والتميمي هو حرقوص بن زهير الذي صار بعد ذلك من رؤوس الخوارج، وقد فرق بعضهم بينه وبين اليماني، لكن له أصل أصيل، واستفيد منه تسمية الأعرابي.
وحكى أبو بكر التاريخي عن عبد الله بن نافع المزني: أنه الأقرع بن حابس التميمي، ونقل عن أبي الحسين بن فارس أنه عيينة بن حصن، والعلم عند الله. اهـ. كلام الحافظ في فتحه ١/ ٣٨٧.
(بال في المسجد) أي النبوي، فأل للعهد الذهني.
(فقام عليه بعض القوم) أي ليزجروه عن إتمام بوله.
(فقال رسول الله - ﷺ -: "دعوه") أي اتركوه، أمر من وَدَعَ يَدَع وَدْعًا: إذا تَرَك، وأصل المضارع الكسر ومن ثم حذفت الواو، ثم فتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي يَدعَ ومصدره، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة
[ ٢ / ٣٤ ]
ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحوي ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي الحديث: "لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات" أي عن تركهم، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونقلت من طريق القراء فكيف يكون إماتة، وقد جاء في الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. اهـ. المصباح.
(ولا تزرموه) بفتح التاء وضمها ثلاثيا ورباعيا، قال في اللسان: وزَرَمَ يَزرِمه زَرْمًا، يعني من باب ضرب، وأزرمه يعني بالألف وزَرَّمه يعني مضعفا: قطعه، وقال أيضا: يقال للرجل إذا قطع بوله: قد أزرمت بولك، وأزرمه غيره: أي قطعه. اهـ باختصار.
أي: لا تقطعوا عليه بوله.
وإنما أمرهم بتركه يبول في المسجد لأنه شرع في المفسدة، فلو منع لزادت، إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين: إما أن يقطعه فيتضرر، وإما أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو
ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد. قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٨٦.
(فلما فرغ) أي انتهى من بوله.
(دعا بدلو من الماء) أي طلب النبي - ﷺ - دلوا مملوءا بماء، قال في اللسان: الدلو معروفة واحدة الدلاء التي يُسْتَقَى بها، تذكر وتؤنث، والتأنيث أكثر. اهـ. باختصار.
(فصبه) أي سكب الماء الذي في الدلو، يقال: صببت الماء، فانصب أي سكبته فانسكب، والماء ينصب من الجبل، أي ينحدر، قاله العيني.
(عليه) أي على محل بوله.
وفي رواية البخاري: "فلما قضى بوله أمر النبي - ﷺ - بذنوب من ماء
[ ٢ / ٣٥ ]
فأهريق عليه" وفي رواية لمسلم "فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو فسنه عليه" بالسين المهملة، ويروى بالمعجمة، وهو رواية الطحاوي أيضا، والفرق بينهما أن السَّنَّ بالمهملة: الصَّبُّ المتصل، وبالمعجمة: الصب المتقطع، قاله ابن الأثير.
والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيمة، وقيل لا يسمى ذنوبا إلا إذا كان فيه ماء، قاله العلامة العيني في عمدته جـ ٢/ ص ٤٤٢.
(قال أبو عبد الرحمن) أي المصنف والظاهر أنه ملحق من بعض التلاميذ، ويحتمل أنه من كلامه مفسرا لقوله "لا تزرموه" (يعني) أي يقصد النبي - ﷺ - بقوله: "ولا تزرموه" (لا تقطعوا عليه) البول.
وقوله في الحديث الثاني (فصب عليه) بالبناء للمفعول، وقوله في الحديث الثالث (فصاح به الناس) قال في المصباح: صاح بالشيء يصيح به صيحة أي بالفتح، وصيَاحا أي بالكسر: صَرَخَ. اهـ، أي رفعوا
أصواتهم بزجره، ففي رواية مسلم، فقالوا: (مه مه)
وقوله (حتى بال) أي انتهى من بوله.
وقوله في حديث أبي هريرة ﵁ (قام أعرابي) أي من مجلسه من المسجد، ففي رواية الترمذي وغيره، أنه صلى ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي - ﷺ -: لقد تحجرت واسعا، فلم يلبث أن بال في المسجد.
(فتناوله الناس) أي أصابوا منه الوقيعة، يقال: نال فلان من فلان: أي أصاب منه الوقيعة، يعني أنهم وقعوا فيه، والمراد تناوله بألسنتهم، لا بأيديهم، لما في رواية مسلم، فقال الصحابة: (مه مه).
قال السندي: أو أرادوا أن يتناولوه بأيديهم، فقد قاموا إليه. اهـ.
قوله: (وأهريقوا) أي صبوا، وأصله أريقوا، أمرًا من أراق يُريق إذا صب.
[ ٢ / ٣٦ ]
قال في المصباح: راقَ الماءُ والدمُ وغيره رَيْقًا، من باب باع: انصب، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُريق والمفعول مُرَاق.
وتبدل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقَه، والأصل هَرْيَقَه وزان دَحْرَجَه، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَريقه، كما تفتح الدال من يدحرجه، وتفتح من الفاعل، والمفعول أيضا فيقال مُهَريق ومُهَراق، والأمر هَرِق ماءَك، والأصل هَرْيقْ وزان دَحْرج.
وقد يجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهْرَاقه يُهْريقُه ساكن الهاء تشبيها له بأسْطاع يُسْطيع، كأن الهمزة زيدت عوضا عن حركة الياء في الأصل ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيا.
وفي التهذيب من قال: أهْرَقْت، فهو خطأ في القياس، ومنهم من يجعل الهاء كأنها أصل ويقول: هَرَقْته هَرْقًا من باب نفع، وفي الحديث "أن امرأة كانت تُهَرَاق الدماءَ" بالبناء للمفعول، والدماء نصب على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصل تهراق دماؤها، ولكن جعلت الألف والسلام بدلا عن الإضافة كقوله تعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحها. اهـ. عبارة المصباح ببعض اختصار.
وقال ابن التين: "أهْريقوا" بإسكان الهاء، ونقل عن سيبويه أنه قال: أهْرَاق يُهْريق إهْريَاقًا، مثل أسْطاع يُسْطيع اسْطيَاعا بقطع الألف وفتحها في الماضي، وضم الياء في المستقبل، وهي لغة في أطَاع يُطيع، فجعلت السين والهاء عوضا من ذهاب حركة عين الفعل، قال: وروي بفتح الهاء ووجه بأنها مبدلة من الهمزة، لأن أصل هراق أراق ثم اجتبلت الهمزة، وسكنت الهاء عوضا عن حركة عين الفعل كما تقدم، فتحريك الهاء على إبقاء البدل والمبدل منه، وله نظائر.
[ ٢ / ٣٧ ]
وذكر الجوهري: توجيها آخر، أن أصله أأريقه فأبدلت الهمزة الثانية هاء للخفة، وجزم ثعلب في الفصيح بأن أهريقه بفتح الهاء، نقله السيوطي في الزهر جـ ١/ ص ٤٨.
(دلوا من ماء) من زائدة، زيدت للتأكيد، كما قال الكرماني.
ثم بين سبب أمره لهم بتركه بقوله (فإنما بعثتم) أي بعث نبيكم على حذف مضاف، قاله السندي، وقال السيوطي: إسناد البعث إليهم على طريق المجاز؛ لأنه - ﷺ - هو المبعوث بما ذكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، أو هُمْ يبعثون من قبَله بذلك مأمورون، وكان ذلك شأنه - ﷺ - في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات يقول: "يسروا ولا تعسروا" اهـ زهر جـ ١/ ص ٤٩.
وقال السندي: ويحتمل أن يكون إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠] فيكون ذلك بمنزلة البعث. اهـ.
(مبسرين) حال من الضمير النائب.
(ولم تبعثوا معسرين) قال العلامة العيني: ما معناه: فائدة هذه الجملة تأكيدُ مَا قبله دلالةً على أن الأمر مبني على اليسر قطعا اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٤٤٦.
قال الجامع:
يعني أن أمر الشريعة ميسر، لا يتطرق إليه عسر بوجه من الوجوه، نظير قوله تعالى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي هو ضرر محض، لا يشوبه نفعٌ مَا، فرب شيء يكون ضارّا، ويكون فيه نفع كبعض الأدوية.
[ ٢ / ٣٨ ]
مسائل تتعلق بحديثي الباب
المسألة الأولى: في درجتهما:
أما حديث أنس فمتفق عليه، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف لهما:
أخرج حديث أنس: هنا ٥٣، ٥٤، ٥٥، وفي الكبرى ٥١، ٥٢، ٥٣، بهذه الأسانيد، وأخرج حديث أبي هريرة هنا ٥٦، وفي الكبرى ٥٤ بهذا السند، وأخرجه في الصلاة أيضا عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن به، ولم يذكر قصة البول. قاله المزي.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجهما معه:
أما حديث أنس: فأخرجه البخاري في الطهارة عن موسى بن إسماعيل، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس، وأخرجه عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عنه. وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن زهير بن حرب، عن عمرو بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق، عنه، وعن أبي موسي عن يحيى القطان، وعن يحيى بن يحيى، وقتيبة كلاهما عن عبد العزيز بن عمر.
وأخرجه الترمذي أيضا عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة.
قال العلامة العيني: وفات المزي هذا في الأطراف.
وأما حديث ابي هريرة: فأخرجه البخاري في الطهارة عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عنه، وأخرجه أيضا في الأدب عن أبي اليمان به.
[ ٢ / ٣٩ ]
وأخرجه أبو داود من حديث الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي في آخر الطهارة عن ابن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن عنه به.
المسألة الرابعة: في بيان الفوائد:
قال الحافظ في الفتح: وفي هذا الحديث من الفوائد:
* أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته - ﷺ - قبل استئذانه، ولما تقرر عندهم أيضا من طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* واستدل به على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص، قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن التمسك يتحتم عند احتمال التخصيص عند المجتهد، ولا يجب التوقف عن العمل بالعموم لذلك، لأن علماء الأمصار ما برحوا يفتون بما بلغهم من غير توقف على البحث عن التخصيص، ولهذه القصة أيضا إذ لم ينكر النبي - ﷺ - على الصحابة، ولم يقل لهم: لم نهيتم الأعرابي؟ بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
* وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع، لأمرهم عند فراغه بصب الماء.
* وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة، لأن الجفاف بالريح، أو الشمس، لو كان يكفي لما حصل التكليف بطلب الدلو.
* وفيه أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، ويلتحق به غير الواقعة لأن البلَّة الباقية على الأرض غسالة نجاسة، فإذا لم يثبت أن
[ ٢ / ٤٠ ]
التراب نقل، وعلمنا أن المقصود من التطهير تعين الحكم بطهارةا البلة وإذا كانت طاهرة فالمنفصلة أيضا مثلها لعدم الفارق.
* ويستدل به أيضا على عدم اشتراط نضوب الماء لأنه لو اشترط نضوب الماء لتوقف طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب إذ لا فارق.
قال الموفق في المغني بعد أن حكى الخلاف: الأولى الحكم بالطهارة مطلقا لأن النبي - ﷺ - لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئا.
* وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، إذا لم يكن ذلك منه عنادا، ولا سيما إذا كان ممن يحتاج إلى استئلافه.
* وفيه رأفة النبي - ﷺ - وحسن خلقه، قال ابن ماجه وابن حبان في حديث أبي هريرة فقال الأعرابي بعد أن فقه في الإسلام: فقام إليَّ النبي - ﷺ - بأبي وأمي فلم يُؤَنِّبْ ولم يَسُبَّ.
* وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار، وظاهر الحصر من سياق مسلم في حديث أنس حيث قال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكلر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن" أنه لا يجوز في المسجد شيء غير ما ذكر من الصلاة، والقرآن والذكر، لكن الإجماع على أن مفهوم الحصر منه غير معمول به، ولا ريب أن فعل غير المذكورات، وما في معناها، خلاف الأولى، والله أعلم.
* وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها، ولا يشترط حفرها، خلافا للحنفية، حيث قالوا: لا تطهير إلا بحفرها، كذا أطلق النووي وغيره، والمذكور في كتب الحنفية التفصيل بين ما إذا كانت رخوة بحيث يتخللها الماء حتى يغمرها، فهذه لا تحتاج إلى حفر، وبين ما إذا كانت صلبة، فلابد من حفرها وإلقاء التراب؛ لأن الماء لم يَغْمُر أعلاها
[ ٢ / ٤١ ]
وأسفلها، واحتجوا فيه بحديث جاء من ثلاث طرق أحدها موصول عن ابن مسعود أخرجه الطحاوي، لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره، والآخران مرسلان أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل ابن مُقَرِّن، والآخر من طريق سعيد بن منصور عن طريق طاوس ورواتها ثقات، وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد مطلقا، والشافعي إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، وكان من أرسل إذا سَمَّى لا يسمي إلا ثقة وذلك مفقود في المرسلين المذكورين على ما هو ظاهر من سنديهما والله أعلم. اهـ كلام الحافظ ﵀ جـ ١/ ص ٣٨٨ - ٣٨٩.
وقال في تلخيص الحبير عند قوله: ولم يؤمر بنقل التراب ما نصه: يعني في الحديث المذكور، وهو كذلك، لكن قد ورد أنه أمر بنقله من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات.
قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد، ثنا عبد الجبار بن العلاء، ثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس أن أعرابيا بال في المسجد، فقال النبي - ﷺ -: "احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء" وأعله الدارقطني بأن عبد الجبار تفرد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دخل عليه حديث في حديث، وأن عند ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلا وفيه "احفروا مكانه" وعن يحيى بن سعيد عن أنس موصولا، وليست فيه الزيادة، وهذا تحقيق بالغ إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة، وقد أخرجها الطحاوي مفردة من طريق ابن عيينة عن عمرو، وعن طاوس، وكذا رواه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، فمن شواهد هذا المرسل، مرسل آخر رواه أبو داود، والدارقطني من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن المزني، وهو تابعي، قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فبال
[ ٢ / ٤٢ ]
فيها، فقالى النبي - ﷺ -: "خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" قال أبو داود: روي مرفوعا يعني موصولا، ولا يصح، قلت: وله إسنادان موصولان:
أحدهما: عن ابن مسعود، رواه الدارمي، والدارقطني، ولفظه: "فأمر بمكانه، فاحتفر وصب عليه دلو من ماء" وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوي، قاله أبو زرعة، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة هو حديث منكر، وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم: لا أصل له
ثانيهما: عن واثلة بن الأسقع، رواه أحمد والطبراني، وفيه عبيد الله بن أبي حميد الهُذَلي وهو منكر الحديث، قاله البخاري، وأبو حاتم. اهـ كلام الحافظ في التلخيص جـ ١/ ص ٣٧.
وقال في المنهل: بعد نقل نحو ما تقدم عن الحافظ ما نصه: وبهذا تعلم أن مذهب الجمهور القائلين بتطهير الأرض بصب الماء عليها مطلقا، هو الأقوى لقوة دليله. اهـ. جـ ١/ ص ٢٥٨.
* واستدل بالحديث أيضا على نجاسة بول الآدمي، قال النووي ﵀: وهو مجمع عليه، بإجماع من يعتد به، ولا فرق بين الكبير والصغير، إلا أن بول الصغير يكفي فيه النضح، ولم يخالف في بول الصبي إلا داود الظاهري. ذكره في المنهل جـ ١/ ص ٢٥٨.
المسألة الخامسة: أخذ المصنف ﵀ من هذا الحديث من قوله "فصب عليه" أن الماء لا ينجس، وإن قل، فترجم عليه حيث قال (ترك التوقيت في الماء) وذلك لأن الدلو من الماء قليل، وقد صب على البول، فيختلط به، فلو تنجس الماء باختلاط البول يلزم أن يكون هذا تكثيرا للنجاسة لا إزالة لها، وهو خلاف المعقول، فلزم أن الماء لا يتنجس باختلاط النجس وإن قل.
[ ٢ / ٤٣ ]
قال السندي: وفيه بحث، أما أولًا: فيجوز أن يكون صب الماء عليه لدفع رائحة البول لا لتطهير المسجد، وتكون طهارته بالجفاف، والطهارة بالجفاف قول لعلمائنا الحنفية، وهو أقوى دليلا، ولذا مال إليه أبو داود في سننه، واستدل عليه بحديث بول الكلاب في المسجد.
وأما ثانيا: فيجوز أن يفرق بين ورود الماء علي النجاسة فيزيلها، وبين ورود النجاسة عليه، فتنجسه كما يقول به الشافعية.
وأما ثالثا: فيمكن أن يقال كانت الأرض رخوة فشربت البول، لكن بقي بظاهرها أجزاء البول، فحين صب عليه الماء تسفلت تلك الأجزاء، واستقر مكانها أجزاء الماء، فحيث كثر الماء، وجذب مرارا، كذلك ظاهرها وبقي مستقلا بأجزاء الماء الطاهرة، فصب الماء إذا كان على هذا الوجه لا يؤدي إلى طهارة ظاهر الأرض فليتأمل. اهـ كلام السندي جـ ١/ ص ٤٨.
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الثاني هو القوي لقوة دليله، إذ حديث الباب واضح فيه، وكذا حديث "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس" الحديث، فإنه واضح في الفرق بين ورود النجاسة على الماء، ووروده عليها، فما ذهب إليه الشافعية هو الراجح.
وأما الوجه الأول: فغير واضح، فجفاف الأرض لا يطهرها لعدم ورود نص بذلك، وحديث بول الكلاب في المسجد ليس واضحا في ذلك للاحتمالات التي ذكروها هناك حتى إن بعض العلماء يرى عدم نجاسة بولها، وكذا الوجه الثالث غير واضح أيضا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ٤٤ ]