أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الماء الدائم، والدائم هو الراكد الذي لا يجري.
٥٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ". قَالَ عَوْفٌ: وَقَالَ خِلَاسٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ.
٥٨ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ يَعْقُوبُ لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلاَّ بِدِينَارٍ.
[ ٢ / ٤٥ ]
رجال الإسناد الأول: ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه الثقة الثبت [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي الثقة [٨] تقدم في ٨/ ٨.
٣ - (عوف) بن أبي جميلة العبدي أبو سهل الهجري البصري، المعروف بالأعرابي عن أبي العالية، وأبي رجاء، وأبي عثمان النهدي، وعنه غندر وشعبة، والنضر بن شميل، وخلق، وثقه النسائي، قال ابن سعد: مات سنة ١٤٦، أخرج له الجماعة.
واسم أبي جميلة بندويه، ويقال: بل بندويه اسم أمه، واسم أبيه رزينة اهـ تهذيب التهذيب، وفي التقريب: ثقة ورمي بالقدر وبالتشيع من السادسة، أخرج له الجماعة.
قال الجامع عفا الله عنه: وقد استوفى أقوال العلماء فيه الحافظُ الذهبي في "ميزان الاعتدال"، والحافظ في "تهذيب التهذيب" والذي يظهر أنه يكون في مرتبة الصدوق، لا في مرتبة الثقة على الإطلاق، كما
صرح به مسلم.
٤ - (محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر البصري، إمام وقته، عن مولاه أنس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعائشة، وطائفة من كبار التابعين، وعنه الشعبي، وثابت، وقتادة، وأيوب، ومالك بن دينار، وسليمان التيمي، وخالد الحذاء، والأوزاعي، وخلق كثير، قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس، وقال خالد الحذاء: كل شيء يقول: يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من عكرمة أيام المختار، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا عاليا، رفيعا فقيها،
[ ٢ / ٤٦ ]
إماما، كثير العلم.
وقال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين في السوق، فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى.
وقال بكر المزني: والله ما أدركنا من هو أورع منه، وروي أنه اشترى بيتا فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه منه شيء فتركه.
وقال جرير بن حازم: سمعت محمدا يقول: رأيت الرجل الأسود، ثم قال: أستغفر الله، ما أرانا إلا اغتبناه. وروي أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما.
قال حماد بن زيد: مات سنة ١١٠، وأخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة عابد كبير القدر، لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة.
٥ - (خِلَاس) بكسر أوله ابن عمرو الهَجَري بفتحتين، البصري، عن علي وعمار، وعائشة، وأبي هريرة. وعنه قتادة، وعوف بن أبي جميلة. قال أحمد: ثقة ثقة، قال أبو داود: لم يسمع من علي، وسمعت
أحمد يقول: لم يسمع من أبي هريرة، قلت: حديثه عنه عند (خ) مقرونا، أخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة، يرسل، من الثانية، وصح سماعه من عمار.
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١.
رجال الإسناد الثاني: خمسة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي أبو يوسف العبدي البغدادي الثقة [١٠] تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية البصري، ثقة حافظ
[ ٢ / ٤٧ ]
[٨] تقدم في ١٨/ ١٩.
٣ - (يحيى بن عَتِيق) بفتح فكسر الطُّفاوي (^١) البصري، عن مجاهد، والحسن، وعنه الحمادان، وعبد العزيز بن المختار، وثقه أحمد، وابن معين، علق له البخاري، وأخرج له مسلم وأبو داود، والمصنف، وفي (ت) ثقه، من السادسة.
٤، ٥ - محمد بن سيرين، وأبو هريرة، تقدما في السند السابق.
لطائف الإسنادين
من لطائف الإسناد الأول:
أنه من خماسياته، وأن رواته ثقات، وهم ما بين مروزي، وكوفي وبصريين ومدني.
وأن لعوف شيخين محمد وخلاس، كلاهما عن أبي هريرة.
ومن لطائف الثاني:
أنه من خماسياته أيضا، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بغدادي، وبصربين، ومدني.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله - ﷺ -) أنه (قال: لا يبولن) بفتح اللام وبنون التوكيد الثقيلة، وفي رواية ابن ماجه "لا يبول" بغير تأكيد، قاله العيني.
(أحدكم) أيتها الأمة، فيشمل الذكر والأنثى، وأتى بصيغة خطاب المذكر تغليبا، وإلا فلا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٢٤٤.
_________________
(١) الطفاوي -بضم الطاء-: نسبة إلى طفاوة بنت جرم.
[ ٢ / ٤٨ ]
(في الماء الدائم) أي الساكن، قال في اللسان: دام الشيء يدُوم، ويدَاَم، قال (من الرجز):
يَا مَيَّ لا غَرْوَ وَلا مَلَامَا … في الحُبِّ إنَّ الحُبَّ لَنْ يَدَامَا
قال كراع: دام يدوم فَعَل يَفْعَلُ، وليس بقوي، دَوْما ودَوَاما وديمومة، قال أبو الحسن: في هذه الكلمة نظر، ذهب أهل اللغة في قولهم: دِمْتَ تَدُوم إلى أنها نادرة كمِتَّ تموتُ، وفَضِل يَفضُل، وحَضِرَ يَحضُر، وذهب أبو بكر إلى أنها متركبة، فقال: دُمتَ تَدُوم، كقُلت تقول، ودِمْتَ تَدَام كخِفت تَخَاف، ثم تركبت اللغتان فظن قوم أن تَدُوم على دِمت، وتدام على دُمت، ذهابا إلى الشذوذ، وإيثارا له، والوجه ما تقدم من أن تدام على دِمت، وتدوم على دُمت، وما ذهبوا إليه من تشذيذ دِمت تدُوم أخف مما ذهبوا إليه من تسويغ دُمت تَدَام، إذ الأُولى ذات نظائر، ولم يعرف من هذه الأخيرة إلا كُدت تَكَاد، وتركيب اللغتين باب واسع كقَنَطَ يَقْنَطُ، وركَن يَرْكَن، فيحمله جهال أهل اللغة على الشذوذ. اهـ لسان. جـ ٢ ص ١٤٥٧.
وقال العلامة العيني بعد ما نقل نحو ما تقدم عن ابن سيده ما نصه: وأصله من الاستدارة، وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء الدائم إذا كان بمكان، فإنه يكون مستديرا في الشكل، ويقال الدائم
الواقف الذي لا يجري. اهـ عمدة جـ ٣/ ص ٤٨.
وفي رواية البخاري بعد قوله "الدائم" زيادة "الذي لا يجري"، قال الحافظ: قيل: هو تفسير "الدائم" وإيضاح لمعناه، وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه كالبِرَك، وقيل: احترز به عن الماء الدائر لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى.
ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية أبي عثمان، عن أبي هريرة التي
[ ٢ / ٤٩ ]
تقدمت الإشارة إليها، حيث جاء فيها بلفظ الراكد بدل الدائم، وكذا أخرجه مسلم من حديث جابر، وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن، والدائر، ومنه أصاب الرأس دوام أي دوار، وعلى هذا فقوله: "الذي لا يجري"، صفة مخصصة لأحد معنى المشترك، وقيل الدائم، والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم الذي له نبع، والراكد الذي لا نبع له. اهـ فتح جـ ١/ ص ٤١٣.
(ثم يتوضأ منه) وفي الرواية الثانية "ثم بغتسل منه" وهي رواية البخاري، وغيره، ثم المشهور رفع الفعل، فتكون الجملة خبرا لمبتدإ محذوف، أي ثم هو يتوضأ منه، والجملة بمنزلة علة النهي، أي لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، لأنه يتوضأ منه، أو يغتسل منه بعدُ، و"ثُمَّ" للاستبعاد، فكأنه قال: كيف يبول فيه، وهو يحتاج إليه للوضوء أو الغسل، أفاده في المنهل.
وقال الحافظ في الفتح: قوله "ثم يغتسل منه" بضم اللام على المشهور، وقال ابن مالك: يجوز الجزم عطفا على "يبولن" لأنه مجزوم الموضع بلا الناهية، ولكنه بني على الفتح لتوكيده بالنون، ومنع من ذلك القرطبي فقال: لو أراد النهي لقال: ثم لا يغتسلن فيه، فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنه لأن المحل الذي تواردا عليه شيء واحد وهو الماء، قال: فعدوله عن ذلك يدل على أنه لم يرد العطف، بل نبه على مآل الحال، والمعنى أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله، ومَثَّلَه بقوله - ﷺ -: "لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها" فإنه لم يروه أحد بالجزم، لأن المراد النهي عن الضرب، لأنه يحتاج في مآله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له مقصوده، وتقدير اللفظ ثم هو يضاجعها، وفي حديث الباب "ثم هو يغتسل منه".
[ ٢ / ٥٠ ]
وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي، أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد، لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنى ليس للآخر.
قال القرطبي: ولا يجوز النصب إذ لا تضمر "أن" بعد "ثم"، وأجازه ابن مالك بإعطاء "ثم" حكم الواو، وتعقبه النووي بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين دون إفراد أحدهما، وضعفه ابن دقيق العيد، بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، قال الحافظ: وهو ما رواه مسلم من حديث جابر عن النبي - ﷺ - "أنه نهى عن البول في الماء الراكد" وعنده من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة بلفظ "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" وروى أبو داود النهي عنهما في حديث واحد، ولفظه "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة" اهـ فتح جـ ١/ ص ٤١٣ - ٤١٤. قال في المنهل جـ ١/ ص ٢٤٤ ما حاصله، وقد أجاب عن ابن مالك أيضا ابن هشام بأنه إنما أراد إعطاء "ثُمَّ" حكم الواو في النصب، لا في المعية، وأيضا فإن ما أورده النووي إنما جاء من قبيل المفهوم لا المنطوق، وقد قام دليل آخر على عدم إرادته، ثم ذكر نحو ما تقدم عن ابن دقيق العيد وكلام الحافظ.
قال: والحاصل: أنه قد ورد النهي عن كل منهما على انفراده، وهو يستلزم النهي عن فعلهما جميعا بالأولى، وقد ورد النهي عن الجمع بينهما، كما في رواية أبي داود المتقدمة، وكذا في هذه إن صحت الرواية بالنصب، ويكون دالا على النهي عن كل واحد على رواية الجزم، أما على رواية الرفع فيكون المنهي عنه البول في الماء لما يترتب عليه من نجاسته أو النفرة منه، فلا يغتسل منه عند الحاجة إليه، وتقدم هذا في حديث "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه" اهـ المنهل بتصرف.
[ ٢ / ٥١ ]
وقوله (منه) أي من الماء الدائم، وهو هكذا في رواية البخاري من طريق أبي الزناد، وكذا لمسلم من طريق ابن سيرين، وفي رواية للبخاري من طريق أخرى "ثم يغتسل فيه"، وكل من اللفظين يفيد حكما
بالنص، وحكما بالاستنباط، قاله ابن دقيق العيد.
قال الحافظ: ووجهه أن الرواية بلفظ "فيه" تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ "منه" بعكس ذلك، وكله مبني على أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة، والله أعلم اهـ فتح جـ ١/ ص ٤١٥.
(قال عوف) أي ابن أبي جميلة الأعرابي بالسند السابق.
(قال خِلَاس) بكسر الخاء ابن عمرو البصري الهَجَري (عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - مثلَه) بالنصب مقول القول، لأن القول ينصب ما كان في معني الجملة، وإن كان مفردا، كقلت قصيدة، قاله العلامة الخضري في حاشيته على ابن عقيل: والقول إذا كان بمعنى التلفظ لا ينصب إلا الجمل كقلت: جاء زيد، أو مفردا في معناها، كقلت قصيدة أو شعرا، أو مفردا قصد لفظه، نحو ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أو مفردا مسماه لفظ كقلت: كلمة، أي لفظ رجل مثلا.
وقال العلامة الأمير في حواشي الشذور: الأسهل أن يقال: القول
إنما يتوجه للَّفظ جملةً كان، أو غيرها، فقلت جاء زيد، معناه قلت: هذا اللفظ، فإن توجه للمعنى كان بمعنى الاعتقاد، كقلت بأن النية واجبة، وإن كان اللفظ مسماه لفظا، توجه للدال، أو المدلول كقلت: كلمة، أو قصيدة، يحتمل قلت: هذا اللفظ، أو قلت معناه، وهو لفظ رجل مثلا أو اللفط المنظوم اهـ. خضري جـ ١/ ص ٧.
وحاصل المعنى: أن عوفا يروي هذا الحديث عن شيخين: محمد بن
[ ٢ / ٥٢ ]
سيرين، وخلَاس بن عمرو، فأما محمد، فاللفظ المذكور له، وأما خلاس فلفظه مماثل للفظ محمد.
فائدة:
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ ﵀: إن مما يَلزَمُ الحَديثيّ من الضبط والإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه، فلا يحل أن يقول مثله، إلا إذا علم أنهما اتفقا في اللفظ، ويحل له أن يقول نحوه إذا كان بمعناه،
نقله في التقريب، وشرحه التدريب جـ ٢/ ص ١٢٠، وإلى هذا أشار السيوطي في ألفيته فقال:
الحْاكمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بالمعْنَى … ومثْلَهُ باللَّفْظ فَرْقٌ يُعْنَى
فمراد المصنف أن محمدا، وخلاسا اتفقا في لفظ الحديث، فعلى هذا فاللفظ المذكور لهما فتنبه.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (كان يعقوب) بن إبراهيم الدورقي شيخه.
(لا يحدث بهذا الحديث) أي حديث أبى هريرة في البول في الماء الدائم (إلا بدينار) أي بأخذ دينار ممن يحدثه؛ لأنه كان يَرَى جواز أخذ الأجرة على التحديث وهي مسألة خلافية بين العلماء.
قال النووي: في التقريب: من أخذ على التحديث أجرا لا تقبل روايته عند أحمد، وإسحاق، وأبي حاتم الرازي، وتقبل عند أبي نعيم الفضل بن دُكَين، وعلي بن عبد العزيز، وآخرين، وأفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أبا الحسن ابن النَّقُّور بجوازها؛ لأنه ممن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب التحديث، ويشهد له جواز أخذ الوصي الأجرة من مال اليتيم إذا كان فقيرا أو اشتغل بحفظه عن الكسب من غير رجوع لظاهر القرآن. اهـ تقريب مع شرحه التدريب جـ ١/ ص ٣٣٧ - ٣٣٨.
[ ٢ / ٥٣ ]
وسيأتي قريبا في المسائل تتميم الكلام على هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بحديث هذا الباب
المسألة الأولى في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥٧، ٥٨، وفي الكبرى ٥٥، ٥٦، ٥٧ بالأسانيد المذكورة.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري عن طريق الأعرج عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم، وأبو داود عن طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي عن طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه عن طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة وأخرجه مسلم أيضا من حديث جابر عن رسول الله - ﷺ - "أنه نهى أن يبال في الماء الراكد" وأخرجه الطحاوي أيضا، وابن ماجه، والطبراني في الأوسط، وأخرجه ابن ماجه أيضا، من حديث نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يبولن أحدكم في الماء الناقع".
وأخرجه أحمد، والبيهقي.
المسألة الرابعة: قد استدل بعضهم بحديثي الباب على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه مطهرا، لأن النهي ها هنا عن مجرد الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، والمفسدة خروجه عن كونه مطهرا، إما لنجاسته، أو لعدم طَهُوريته، ومع هذا فلابد من تقييده بما دون القلتين على مذهب الشافعي ومن وافقه، وبغير المستبحر على مذهب الحنفية لأن
[ ٢ / ٥٤ ]
القلتين فأكثر عند الشافعية، والمستبحر عند الحنفية لا يؤثر فيه الاستعمال، والوضوء كالغسل في هذا الحكم، لأن المقصود من النهي التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقدر الماء، كما
يقذره الغسل.
وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه واحتجوا بحديث الباب وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة، وبما رواه مسلم وابن ماجَهْ، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا.
واحتج لهم بعضهم بما يروى عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه.
وأجيب عن الاستدلال الأول بما ذكر بأن علة النهي لا تنحصر في الاستعمال، بل يحتمل أن يكون النهي للاستخباث والاستقذار، والدليل إذا تطرقه الاحتمال، سقط به الاستدلال، وبأن الدليل أخص
من الدعوى لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة والمدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية.
وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا، ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى؛ لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم، وأحمد، من حديث ابن عباس "أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة" وأخرجه أحمد أيضا وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي، والترمذي، وصححه من
[ ٢ / ٥٥ ]
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي، والترمذي، وصححه من حديثه بلفظه "اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فجاء النبي - ﷺ - ليتوضأ منها أو يغتسل" الحديث، وأيضا النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال.
وعن الاحتجاج بتكميل السلف الطهارة بالتيمم، لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن منهم من قال بطهورية المستعمل كالحسن البصري، والزهري، والنخعي، وإحدى الروايات عن مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر.
وبأن المتساقط قد فني لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار.
وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية، ويتحتم البقاء على البراءة الأصلية، ولا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث "خلق الماء طهورا" وحديث "مسحه - ﷺ - رأسه بفضل ماء كان بيده" وغيرهما. أفاده العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار
جـ ١/ ص ٤٨ - ٤٩.
وقال فيه أيضا عند الكلام على حديث "صب النبي - ﷺ - وَضُوءه على المُغْمَى عليه، وتبرك الصحابة بوَضوئه" ما نصه:
وقد استدل الجمهور بصبه - ﷺ - لوَضوئه على جابر، وتقريره للصحابة على التبرك بوضوئه على طهارة الماء المستعمل للوضوء، وذهب بعض
[ ٢ / ٥٦ ]
الحنفية، وأبو العباس إلى أنه نجس واستدلوا على ذلك بأدلة:
منها: حديث أبي هريرة فذكر حديث الباب، قالوا: والبول ينجس الماء، فكذا الاغتسال، لأنه - ﷺ - قد نهى عنهما جميعا.
ومنها: الإجماع على إضاعته، وعدم الانتفاع به، ومنها أنه ماء أزيل به مانع من الصلاة، فانتقل المنع إليه، كغسالة النجس المتغيرة.
ويجاب عن الأول بأنه أخذ بدلالة الاقتران، وهي ضعيفة (^١) وبقول أبي هريرة يتناوله تناولا، فإنه يدل على أن النهي إنما هو عن الانغماس، لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق.
وعن الثاني: بأن الإضاعة لإغناء غيره عنه، لا لنجاسته.
وعن الثالث: بالفرق بين مانع هو النجاسة ومانع هو غيرها، وبالمنع من أن كل مانع يصير له بعد إنتقاله الحكم الذي كان له قبل الانتقال، وأيضا هو تمسك بالقياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار (^٢)، ويلزمهم أيضا تحريم شربه وهم لا يقولون به.
ومن الأحاديث الدالة على ما ذهب إليه الجمهور:
حديث أبي جحيفة عند البخاري قال: "خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة فأتي بوَضُوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به".
وحديث أبي موسى عنده أيضا قال: دعا النبي - ﷺ - بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجَّ فيه ثم قال لهما يعني أبا موسى وبلالا: "اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونُحُوركما".
_________________
(١) لأنه لا يلزم من الاقتران اشتراك القرينين في الحكم كما في قوله تعالى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فالأكل غير واجب، والإيتاء واجب، قاله في المنهل جـ ١/ ص ٢٥١.
(٢) قد أجاد من قال:، وأحسن في المقال: (من الوافر): إذَا جَالَت خُيُولُ النصِّ يَوْمَا … تُجاَري في مَيَادين الْكفَاح غَدَت شُبَهُ القياَسيِّين صَرْعَى … تَطيُر رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاح
[ ٢ / ٥٧ ]
وعن السائب بن يزيد عنده أيضا قال: "ذهبت بي خالتي إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَجِع -أي مريض- فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وَضُوئه، ثم قمت خلف ظهره" الحديث.
فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما يتوضأ به - ﷺ -، ولعل ذلك من خصائصه
قلنا: هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد، إلا أن يقوم دليل يقتضي بالاختصاص، ولا دليل، وأيضًا الحكم يكون الشيء نجسا حكم شرعي، يحتاج إلى دليل، يلتزمه الخصم فما هو؟. اهـ نيل جـ ١/ ص ٤١.
وقال في المنهل جـ ١/ ص ٢٥٠: وقال مالك ومن ذكر معه آنفا: أنه طاهر مطهر، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ولما ورد في أبي داود عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوّذ "أن النبي - ﷺ - توضأ فمسح رأسه بفضل ماء في يده"، وفي حديث آخر "أنه مسح رأسه ببلل لحيته" وعن ابن عباس أنه - ﷺ - اغتسل فنظر لمعة من بدنه لم يصبها الماء، فأخذ شعرا من بدنه عليه ماء فأمَرَّه على ذلك الموضع" أفاده النووي في شرح المهذب.
قالوا: ولأنه ماء لاقى طاهرا مطهرا كما لو غسل به ثوب طاهر،
ولأنه مستعمل فجازت الطهارة به كالمستعمل في تجديد الوضوء، ولأن ما أدي به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدى به ثانيا، كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد، وكما يخرج الطعام في الكفارة، ثم يشتريه ويخرجه فيها ثانيا، وكما يصلي في الثوب الواحد مرارا، ولأنه لو لم تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة؛ لأنه بمجرد جريان الماء على
[ ٢ / ٥٨ ]
بعض العضو يصير مستعملا، فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن البلل لا يرفع الحدث، وهذا متروك بالإجماع، فدل على أن المستعمل مطهر.
وأدلة هذا القول وإن نوقش في بعضها لكن يؤيدها أن طهورية الماء ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فلا يخرجه عنها إلا دليل صحيح صريح، ولا دليل كذلك، وما ذكر أصحاب القول الأول من الأدلة الناقلة للماء المستعمل عن الطهورية، فقد علمت أنها غير صالحة للاحتجاج بها على ذلك.
قال في الروضة الندية: الحق أن الماء المستعمل طاهر، ومطهر عملا بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور، لا يخرج عن كونه طهورا بمجرد استعماله للطهارة، إلا أن تغير بذلك ريحه، أو لونه، أو طعمه،
وإن إخراج ما جعله الله طهورا عن الطهورية لا يكون إلا بدليل -يعني ولا دليل- اهـ ملخصا.
وقال ابن المنذر: وروي عن علي، وابن عمر وأبي أمامة، وعطاء، والحسن، ومكحول، والنخعي، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد بللا يكفيه مسحه بذلك، قال: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرا، وبه أقول. اهـ.
وعن أبي حنيفة ثلاث روايات:
الأولى: أنه نجس نجاسة مغلظة وهي رواية الحسن بن زياد عنه، وهي شاذة غير مأخوذ بها.
الثانية: نجس نجاسة مخففة وهي رواية أبي يوسف عنه، قال عبد الحميد القاضي: أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة عن أبي حنيفة.
الثالثة: طاهر غير مطهر، وهي رواية محمد بن الحسن عنه، وهو الصحيح المفتى به عندهم، وبه قالت الشافعية اهـ. المنهل جـ ١/ ص ٢٥٠.
[ ٢ / ٥٩ ]
المسألة الخامسة:
قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد ﵀: وهذا الحديث مما استدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الدائم، وإن كان أكثر من القلتين، فإن الصيغة صيغة عموم، وأصحاب الشافعي يخصون هذا العموم، ويحملون النهي على ما دون القلتين، وعدم تنجيس القلتين فما زاد إلا بالتغيير مأخوذ من حديث القلتين، فيحمل هذا الحديث العام في النهي على ما دون القلتين جمعا بين الحديثين، فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقهما، وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه، والخاص مقدم على العام.
ولأحمد طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي، وما في معناه من العذرة المائعة، وغير ذلك من النجاسات، فأما بول الآدمي وما في معناه، فينجس الماء، وإن كان أكثر من القلتين، وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان، وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين، عام بالنسبة إلى النجاسات، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي، فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير، ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين بخصوصه، فينجس الماء دون غيره من النجاسات ويلحق بالبول المنصوص عليه ما يعلم أنه في معناه اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢١ - ٢٢.
(قال الجامع) قد عرفت فيما سبق أن المذهب الراجح هو العمل بما اقتضاه حديث القلتين. فتبصر. والله أعلم.
المسألة السادسة:
قال ابن دقيق العيد أيضا: واعلم أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد، لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته
[ ٢ / ٦٠ ]
النجاسة امتنع استعماله.
فمالك - ﵀ - إذا حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير لابد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة، أعني عن الحكم بالكراهة، فإن الحكم ثمة التحريم، فإذًا لا بد من الخروج عن الظاهر عند الكل، فلأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج عنه المستبحر الكثير جدا بالإجماع فيبقى ما عداه على حكم النص فيدخل تحته ما زاد عن القلتين، ويقول أصحاب الشافعي خرج الكثير المستبحر الذي ذكرتموه، وخرج القلتان، فما زاد بمقتضى حديث القلتين، فيبقى ما نقص عن القلتين
داخلا تحت مقتضى الحديث.
ويقول من نصر قول أحمد ﵀ المذكور: خرج ما ذكرتموه، وبقي ما دون القلتين داخلا تحت النص، إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس، فيخص بول الآدمي، ولمخالفهم أن يقول: قد علمنا جزما أن هذا النهي إنما هو لمعنى في النجاسة وهو عدم التقرب إلى الله بما خالطها، وهذا المعنى تستوي فيه سائر الأنجاس، ولا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى فإن المناسب لهذا المعنى أعني التنزه عن الأقذار أن يكون ما هو أشد استقذارًا أوقع في هذا المعنى، وأنسب له فلا يبقى تخصيصه دون غيره بالنسبة إلى المنع معنى فيحمل الحديث على أن ذكر البول وقع تنبيها على غيره مما يشركه في معناه من الاستقذار.
والوقوف على مجرد الظاهر ها هنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر الأنجاس ظاهرية محضة.
وأما مالك رحمه الله تعالى فإذا حمل النهي على الكراهة ويستمر حكم الحديث في القليل والكثير غير المستثنى بالاتفاق، وهو المستبحر مع
[ ٢ / ٦١ ]
حصول الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول، فهذا يلتفت إلى حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وهي مسألة أصولية، فإن جعلنا النهي للتحريم، كان استعماله في الكراهة، والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على منعه والله أعلم.
وقد يقال على هذا إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ، فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وهذا متجه إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث. اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٢ - ٢٣.
(قال الجامع): قد تبين لك مما سبق أن ما ذهب إليه الشافعي ﵀ ومن معه هو الأقوى. فتبصر. والله أعلم.
المسألة السابعة: في مذاهب العلماء في أخذ الأجرة على التحديث، وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعض أقوال العلماء، ونزيد الآن شرحا، وإيضاحا للمسألة، ملخصا ما كتبه العلامة الحافظ السخاوي ﵀ في فتح المغيث شرح ألفية الحديث، فإنه قد استوعب الكلام هناك، وحاصله أن في أخذ الأجرة على التحديث مذاهب للعلماء:
الأول: أنه لا تقبل رواية من يأخذ الأجرة على التحديث:
وممن قال بذلك: إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وآخرون، أما إسحاق، فإنه حين سئل عن المحدث يحدث بالأجر، قال: لا يكتب عنه، وكذا قال أبو حاتم الرازي حين سئل عمن يأخذ على التحديث.
وأما أحمد: فإنه قيل له: أيكتب عمن يبيع الحديث؟ فقال: لا ولا كرامة. فأطلق أبو حاتم جواب الأخذ الشامل للإجارة، والجعَالة، والهبَة، والهدية، وهو ظاهر في الجعالة لوجود العلة فيها أيضا، وإن كانت الإجارة أفحش.
وقد قال سليمان بن حرب: لم يبق من أمر السماء إلا الحديث،
[ ٢ / ٦٢ ]
والقضاء، وقد فسدا جميعا، القضاة يَرشُون حتى يُوَلَّوْا، والمحدثون يأخذون على حديث رسول الله - ﷺ - الدراهم.
قال الخطيب: إنما منعوا من ذلك تنزيها للراوي عن سوء الظن به، فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عثر على تزيده، وادعائه ما لم يسمع لأجل ما كان يعطى، ومن هذا بالغ شعبة فيما حكي عنه، وقال: لا تكتبوا عن الفقراء شيئا، فإنهم يكذبون، ولذا امتنع من الأخذ مَن امتنع، بل تورع الكثير منهم عن قبول الهدية والهبة.
فقال سعيد بن عامر: لما جلس الحسن البصري للحديث أهدي له فرده، وقال: إن مَن جلس هذا المجلس، فليس له عند الله خلاق، يعني إن أخذ.
وكذا لم يكن النووي يقبل ممن له به علقة من إقراء، أو انتفاع ما.
قال ابن العطار: للخروج من حديث إهداء القوس، يعني الوارد في الزجر عن أخذه ممن علمه القرآن، قال: وربما أنه كان يرى نشر العلم متعينا عليه مع قناعة نفسه وصبرها، قال: والأمور المتعينة لا يجوز أخذ الجزاء عليها كالقرض الجارّ إلى منفعة، فإنه حرام باتفاق العلماء. انتهى.
وقال جعفر بن يحيى البرمكي: ما رأينا في القراء مثل عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عرضت عليه مائة ألف، فقال: لا والله، لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إلى، فأما على الحديث فلا، ولا شَرْبَة ماء ولا إهْليلَجَة (^١).
وهذا بمعناه، وأزيد عند أبي الفرج النهرواني في "الجليس الصالح" قال: دخل الرشيد الكوفة، ومعه ابناه الأمين والمأمون، فسمعا من عبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس، فأمر لهما بمال جزيل، فلم يقبلا، وقال له عيسى: لا، ولا إهليلجة، ولا شربة ماء على حديث رسول الله - ﷺ -، ولو ملأت لي هذا المسجد إلى السقف ذهبًا.
_________________
(١) الإهْليلَجَة - بكسر، فسكون فكسر اللام الأولى وفتح الثانية، وقد تكسر ثمر معروف، أفاده في "ق".
[ ٢ / ٦٣ ]
وقال جرير بن عبد الحميد: مر بنا حمزة الزيات فاستسقى، فدخلت البيت فجئته بالماء، فلما أردت أن أناوله نظر إلى فقال: أنت هو؟ قلت نعم، فقال: أليس تحضرنا في وقت القراءة؟ قلت: نعم، فرده، وأبى أن يشرب ومضى.
وأهدى أصحاب الحديث للأوزاعى شيئا، فلما اجتمعوا، قال لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلته، ولم أحدثكم، أورددته وحدثتكم، فاختاروا الرد وحدثهم، ونحوه عن حماد بن سلمة كما قال الخطيب في الكفاية.
وقال هبة الله بن المبارك السقطي: كان أبو الغنائم محمد بن علي بن الحسن بن الدجاجي البغدادي ذا وجاهة وتقدم وحال واسعة وعهدي بي، وقد أخذني عليه الزمان بصروفه، وقد قصدته في جماعة مثرين لنسمع منه، وهو مريض، فدخلنا عليه، وهو على بادية، وعليه جبة قد أكلت النار أكثرها، وليس عنده ما يساوي درهما، فحمل على نفسه حتى قرأنا عليه بحسب شرهنا، ثم قمنا، وقد تحمل المشقة في إكرامنا، فلما خرجنا قلت: هل مع سادتنا ما نصرفه إلى الشيخ؟ فمالوا إلى ذلك، فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل، فدعوت ابنته وأعطيتها، ووقفت لأرى تسليمها إليه، فلما دخلت وأعطته لَطَمَ حُرَّ وجهه، ونادى وافضيحتاه! آخذ على حديث رسول - ﷺ - عوضا؟ لا والله، ونهض حافيا، فنادى بحرمة ما بيننا إلا رجعت، فعدت إليه، فبكى، وقال: تفضحني مع أصحاب الحديث؟ الموت أهون من ذلك، فأعدت الذهب إلى الجماعة، فلم يقبلوه، وتصدقوا به.
ومرض أبو الفتح الكروخي راوي الترمذي، فأرسل إليه بعض من كان يحضر مجلسه شيئا من الذهب، فما قبله، وقال: بعد السبعين، واقتراب الأجل آخذ على حديث رسول الله - ﷺ - شيئا، ورده مع الاحتياج إليه.
[ ٢ / ٦٤ ]
المذهب الثاني: الجواز للحاجة والفقر:
وممن قال بهذا: أبو نعيم الفضل بن دُكَين، فقد كان يأخذ على التحديث الأجر بحيث كان إذا لم يكن معهم دراهم صحاح، بل مكسرة أخذ صرفها.
ومنهم: عفان بن مسلم، أحد الحفاظ الأثبات من شيوخ البخاري، فقد قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله، يعني الإمام أحمد يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نَلقَى من الناس في أمرهما ما اللهُ به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد مثل ما قاما به: عفان وأبو نعيم، يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث، ووصف أحمد مع هذا عفان بالثبت، وقيل له: مَن تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد؟ وأبا نعيم الحجةَ الثبتَ، وقال مرة: أنه يزاحَمُ به ابنُ عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله.
فيمكن الجمع بين هذا وإطلاقهما كما مضى أولا عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، أو الأخذ مختلف في الموضعين، كما يشعر به السؤال لأحمد هناك، ومضايقة البغوي التي كانت سببا لامتناع النسائي من الرواية عنه، كما سيأتي قريبًا.
وعلى هذا يحمل قول محمد بن عبد الملك بن أيمن: لم يكونوا يعيبون مثل هذا، إنما العيب عندهم الكذب.
وممن كان يأخذ ممن احتج به الشيخان: يعقوب الدورقي، كما ذكره النسائي هنا، ومنهم هشام بن عمار، فقد قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه، فقال له المستملي: من ذكرتَ؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس، فقال لهم المستملي: لا تنتفعون به، فجمعوا له شيئا، فأعطوه، فكان بعد ذلك يُمْلي عليهم.
[ ٢ / ٦٥ ]
بل قال الإسماعيلي: عن عبد الله بن محمد بن سَيَّار: أن هشاما كان يأخذ على كل ورقتين درهما ويشارط، ولذا قال ابن وَارَة: عزمت أن أمسك عن حديث هشام؛ لأنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد: إنه كان لا يحدث ما لم يأخذ.
ومنهم: علي بن عبد العزيز البغوي نزيل مكة وأحد الحفاظ المكثرين مع علو الإسناد، فإنه كان يطلب الأجر على التحديث، وآخرون.
وهؤلاء فعلوه ترخصا للحاجة فقد قال علي بن خشرم: سمعت أبا نعيم الفضل يقول: يلومونني على الأخذ، وفي بيتي ثلاثة عشر نفسا، وما فيه رغيف، ورآه بشر بن عبد الواحد في المنام بعد موته فسأله: ما فعل بك ربك في ذلك؟ فقال: نظر القاضي في أمري، فوجدني ذا عيال، فعفا عني.
وكذا كان البغوي يعتذر بأنه محتاج، وإذا عاتبوه على الأخذ حين يقرأ كتب أبي عبيد على الحاج إذا قدم عليه مكة يقول: يا قوم أنا بين الأخشبين إذا خرج الحاج نادى أبو قبيس قُعَيقعَان مَن بقي؟ فيقول: بقي المجاورون، فيقول: أطبقْ.
لكن قد قبحه النسائي ثلاثا، ولم يرو عنه شيئا، لا لكذبه، بل لأنه اجتمع قوم للقراءة عليه فبروه بما سهل عليهم، وفيهم غريب فقير، فأعفوه لذلك، فأبى إلا أن يدفع كما دفعوا، أو يخرج عنهم، فاعتذر
الغريب بأنه ليس معه إلا قصعة صغيرة فأمره بإحضارها، فلما أحضرها حدثهم.
ونحوه أن أبا بكر الأنصاري المعروف بقاضي المرستان، شَمَّ من أبي الحسن سعد الخير الأنصاري رائحة طيبة، فسأله عنها؟ فقال: هي عود، فقال: ذا عود طيب، فحمل إليه نزرا قليلا، ودفعه لجارية الشيخ،
فاستحيت من إعلامه به لقلته، وجاء سعد الخير على عادته، فاستخبر الشيخ عن وصول العود، فقال له: لا، وطلب الجارية، فاعتذرت
[ ٢ / ٦٦ ]
لقلته، وأحضرت ذلك فأخذه الشيخ بيده، وقال لسعد الخير: أهو هذا؟ قال: نعم، فرمى به إليه، وقال: لا حاجة لنا فيه، ثم طلب منه سعد الخير أن يسمع ولده جزء الأنصاري، فحلف أن لا يسمعه إياه إلا أن يحمل إليه خمسة أمناء من عود، فامتنع، وألح على الشيخ في تكفير يمينه فما فعل، ولا حمل هو شيئا، ومات الشيخ ولم يسمع ابنه الجزء ولكنه في المتأخرين أكثر.
ومنهم: من كان يمتنع من الأخذ من الغرباء خاصة، فروى السِّلَفيّ في معجم السَّفَر له، من طريق سهل بن بشير الإسفرائيني قال: اجتمعنا بمصر طبقة من طلبة الحديث، فقصدنا علي بن مُنير الخلال، فلم يأذن لنا في الدخول، فجعل عبد العزيز بن علي النخشبي فاه على كوة بابه ورفع صوته بقوله: قال رسول الله - ﷺ -: "من سئل عن علم" الحديث، قال: ففتح لنا الباب ودخلنا، فقال: لا أحدث اليوم إلا من وزن الذهب، فأخذ من كل من حضر من المصريين، ولم يأخذ من الغرباء شيئا، وكان فقيرًا لم يكن له من الدنيا شيء وهو من الثقات.
ومنهم: من لم يكن يشترط شيئا ولا يذكره غير أنه لا يمتنع من قبول ما يعطى له بعد ذلك أو قبله.
ومنهم: من كان يقتصر في الأخذ على الأغنياء.
ومنهم: من كان يمتنع في الحديث فقط، قال أبو أحمد بن سكينة: قلت للحافظ ابن ناصر أريد أن أقرأ عليك شرح ديوان المتنبي لأبي زكريا، وكان يرويه عنه، فقال: إنك دائما تقرأ علي الحديث مَجَّانًا، وهذا شعر، ونحن نحتاج إلى دفع شيء من الأجر عليه، لأنه ليس من الأمور الدينية، قال: فذكرت ذلك لوالدي فدفع إلى كاغدًا (^١) فيه خمسة دنانير، فأعطيته إياه، وقرأت عليه الكتاب، وكان مع ذلك فقيرا.
_________________
(١) الكاغد: نوع من الورق، وقال في المصباح: الكاغد بفتح الغين وبالدال المهملة وربما قيل بالذال المعجمة وهو معرب.
[ ٢ / ٦٧ ]
ونحوه أن أبا نصر محمد بن موهوب البغدادي الضرير الفرضي كان يأخذ الأجرة ممن يعلمه الجبر والمقابلة دون الفرائض والحساب، ويقول: الفرائض مهمة، وهذا من الفضل حكاهما ابن النجار.
ومنهم: من كان لا يأخذ شيئا، ولكن يقول: إن لنا جيرانا محتاجين، فتصدقوا عليهم، وإلا لم أحدثكم، قال زيد بن الحباب عن شيخه: إنه كان يفعله.
المذهب الثالث: الجواز لمن كان مشغولا عن الكسب لعياله، وهذا هو المختار كما يأتي للسيوطي في ألفيته.
وممن أفتى بذلك: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، حين سأله مُسْند العراق في وقته أبو الحسين بن النَّقُّور، لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله فكان يأخذ كفايته، وعلى نسخة طالوت ابن عباد أبي عثمان الصيرفي بخصوصها دينارا، واتفق أنه جاء غريب فأراد أن يسمعها منه، فاحتال بأن اقتصر على كنية طالوت لكونه لم يكن يعرفه بها، وذلك أنه قال له: أخبرك أبو القاسم بن حبابة، قال: حدثنا البغوي، حدثنا أبو عثمان الصيرفي، وساق النسخة إلى آخرها،
فبلغ مقصوده بدون دينار، لكون ابن النقور لم يعلم أن أبا عثمان الصيرفي هو طالوت.
وممن أفتى بالجواز قبل أبي إسحاق: ابنُ عبد الحكم المالكي ﵀، فقال خالد بن سعد الأندلسي: سمعت محمد بن فطيس وغيره يقولون: جمعنا لابن أخي ابن وهب، يعني أحمد بن عبد الرحمن دنانير أعطيناها إياه، وقرأنا عليه موطأ ابن عمه وجامعه، قال محمد: فصار في نفسي من ذلك، فأردت أن أسأل ابن الحكم، فقلت: أصلحك الله، العالم يأخذ على قراءة العلم؟ فاستشعر فيما ظهر لي، أني إنما أسأله عن أحمد، فقال لي: جائز، عافاك الله حلال، ألا أقرأ لك ورقة إلا بدرهم، ومن أخذني أن أقعد معك طول النهار، وأدع ما يلزمني
[ ٢ / ٦٨ ]
من أسبابي ونفقة عيالي؟.
قال السخاوي ﵀: إذا علم هذا، فالدليل لمطلق الجواز القياس على القرآن، فقد جوَّز أخنه الأجرة على تعليمه الجمهور، لقوله - ﷺ -: "أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله".
والأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك (^١) لا تنتهض بالمعارضة، إذ ليس فيها ما تقوم به الحجة خصوصا، وليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الصحيح، وقد حملها بعض العلماء على الأخذ فيمن تعين عليه تعليمه، لا سيما عن عدم الحاجة.
وكذا يمكن أن يقال في تفسير أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة من آية رقم ٤١] أي لا تأخذوا عليه أجرا، وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم عَلِّم مجَّانا، كما عُلِّمت مجانا.
وليس في قول عازب لأبي بكر حين سأله أن يأمر ابنه البراء ﵃ يحمل ما اشتراه منه معه: لا حتى يحدثنا بكذا، مُتَمَسَّك للجواز لوقفه، كما قال شيخنا -يعني الحافظ بن حجر- على أن عازبا لو استمر على الامتناع من إرسال ابنه، لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث يعني، فإنه حينئذ لو لم يجز لما امتنع أبو بكر ولا أقر عازبا عليه ولكن ليس هذا بلازم، لاحتمال أن يكون امتناعه تأديبا وزجرا، وتقريره عازبا، فلكونه فهم عنه قصد المبادرة لإسماع ابنه وكونه حاضرا معه،
_________________
(١) منها حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إلى رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال، وأرمي بها في سبيل الله، فسألت رسول الله - ﷺ - عنها؟ فقال: "إن سرك أن تطوق بها طوقًا من نار فاقبلها". أخرجه أبو داود، وابن ماجه وفي سنده الأسود بن ثعبة مجهول. ومنها حديث أبي بن كعب ﵁ قال علمت رجلا القرآن، فأهدى إلى قوسا، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: "إن أخذتها أخذت قوسًا من نار" رواه أبو داود، وابن ماجه، وفي سنده عبد الرحمن بن سلهم مجهول. لكن الحديث يتقوى بمجموعه فيصلح للاحتجاج به، فلابد من تأويله لئلا يتعارض مع أحاديث الإباحة، فيؤل بمن تعين عليه التعليم، أو بمن أخد عن المساكين، كأهل الصفة. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٩ ]
خوفا من الفوات، لا خصوص هذا الحكي، وعلى هذا فما بقي متمسك، وعلى كل حال فقد سبق للمنع من الاستدلال به الخطابي، وابن الجوزي.
وقال: ومن المهم هنا أن نقول قد علم أن حرص الطلبة للعلم قد فتر، لا، بل قد بطل، فينبغي للعلماء أن يحببوا إليهم، وإلا فإذا رأى طالب الأثر أن الإسناد يباع، والغالب على الطلبة الفقر، ترك الطلب فكان سببا لموت السنة ويدخل هؤلاء في معنى الذين يصدون عن ذكر الله، وقد رأينا من كان على مأثور السلف في نشر السنة بورك له في حياته، وبعد مماته، وأما من كان على السيرة التي ذممناها لم يبارك له على غزارة علمه. اهـ.
وقد حكى ابن الأنماطي الحافظ قال: رَغَّبْتُ أبا علي حنبلَ بن عبد الله البغدادي الرصَافي راوي مسند أحمد في السفر إلى الشام، وكان فقيرا جدا، فقلت له: يحصل لك من الدنيا طرف صالح، وتُقبل عليك وجوه الناس ورؤساؤهم، فقال: دعني، فوالله ما أسافر لأجلهم، ولا لما يحصل منهم، وإنما أسافر خدمة لحديث رسول الله - ﷺ - أروي أحاديثه في بلد لا تروى فيه، قال: ولما عَلم اللهُ منه هذه النية الصالحة، أقبل بوجوه الناس إليه، وحرك الهمم للسماع عليه، فاجتمع إليه جماعة لا نعلمها اجتمعت في مجلس سماع قبل هذا بدمشق، بل لم يجتمع مثلها قط لأحد ممن روى المسند نسأل الله الإخلاص قولا وفعلا اهـ. خلاصة ما كتبه الحافظ السخاوي في فتح المغيث شرح ألفية الحديث للحافظ العراقي (في باب من تقبل روايته ومن ترد) جـ ١/ ص ٣٢٠ - ٣٢٨
وقال الحافظ السيوطي ﵀ في ألفيته مشيرًا إلى المذاهب المذكورة:
وآخدٌ أجْرَ الحديث يَقدَحُ … جَمَاعَةٌ وآخَرُونَ سَمَحُوا
وآخَرُونَ جَوَّزُوا لمَنْ شُغِلْ … عَنْ كسبه فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبِلْ
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ٧٠ ]