أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الوضوء بالثلج.
وقال في اللسان: الثلج الذي يسقط من السماء معروف، وفي حديث الدعاء: "واغسل خطاياي بماء الثلج، والبرد" إنما خصهما بالذكر تأكيدا للطهارة، ومبالغة فيهما لأنهما ماءان مفطوران على خلقتهما، لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما الأرجل، كسائر المياه التي خالطت التراب وجرت في الأنهار، وجُمعَت في الحياض، فكانا أحق بكمال الطهارة اهـ.
وفي المعجم الوسيط: الثلج ما جَمَدَ من الماء اهـ.
٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: "أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّي الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ".
[ ٢ / ٨٨ ]
رجال الإسناد: خمسة
١ - (علي بن حجر) بضم فسكون السعدي المروزي، ثقة من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة [٨] تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (عمارة) بضم العين، ابن القعقاع، بن شُبْرُمة، الكوفي الضبي روى عن عبد الرحمن بن أبي نعيم، وأبي زرعة، والأخنس بن خليفة، والحارث العُكْلي، وعنه السفيانان، وشريك، والأعمش، وفضيل بن
غَزْوَان، وآخرون. وثقه النسائي، وابن معين، وابن سعد، ويعقوب ابن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، روى له الجماعة. وفي (ت) ثقة أرسل عن ابن مسعود من السادسة.
٤ - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) اسمه هرم بن عمرو وقيل غير ذلك، الكوفي ثقة [٣] تقدم في ٤٣/ ٥٠.
٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات وكلهم كوفيون، إلا شيخ المصنف فهو مروزي، وأبا هريرة مدني، وفيه الإخبار، والعنعنة، والقول.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة) أي كبر للصلاة (سكت هنيهة) أي ساعة لطيفة تصغير هَنْت وفي اللسان: وقالوا: هَنْت بالتاء ساكنة النون، فجعلوه
[ ٢ / ٨٩ ]
بمنزلة بنت، وأخْت، وهنتان، وهنات، تصغير ها: هُنَيَّة، وهنيهة، فهنية على القياس، وهنيهة على إبدال الهاء من الياء في هنية للقرب الذي بين الهاء وحروف اللين، والياء في هنية بدل من الواو في هُنَيْوَة، والجمع هَنَات على اللفظ، وهَنَوَات على الأصل، قال ابن جني: أما هَنْت فيدل على أن التاء بدل من الواو في قولهم هنوات.
وقال الجوهري: في تصغيرها هنية تردها إلى الأصل وتأتي بالهاء كما تقول: أخية وبنية.
وقد تبدل من الياء الثانية هاء، فيقال: هنيهة، وفي الحديث: "أنه قام هنية" أي قليلا من الزمان، وهو تصغير هنة، ويقال: هنيهة أيضا. اهـ لسان باختصار.
وقال العيني: وأما هُنَيئة ففيه أوجه، الأول بضم الهاء وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة، وقال ابن قرقول: كذا عند الطبري ولا وجه له، قال: وعند الأصيلي، وابن الحذّاء، وابن السكن: هنيهة بالهاء المفتوحة موضع الهمزة، وهو الوجه الثاني، الوجه الثالث قاله النووي: هنية بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة، ومن همزها فقد أخطأ، وأصلها هَنْوَة فلما صغرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
وفي الموعب لابن التباني: هُنَيَّة هي اليسير من الشيء ما كان اهـ عمدة باختصار جـ ٥/ ص ٣٢.
والمراد بالسكوت: لا يقرأ جهرا، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يتأتي السؤال بقوله: ما تقول في سكوتك؟ أفاده السندي.
(فقلت) القائل هو أبو هريرة ﵁.
[ ٢ / ٩٠ ]
(بأبي أنت وأمي يا رسول الله) متعلق بمحذوف إما اسم فيكون تقديره أنت مَفْديّ بأبي وأمي، وإما فعل فالتقدير: فَدَيْتُك بأبي، وحذف تخفيفا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به، فلما حُذف الفعل
انفصل الضمير.
وفيه تفدية النبي - ﷺ - بالآباء والأمهات،، وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين، فيه مذاهب، أصحها نعم بلا كراهة، وثانيها: المنع وذلك خاص به، وثالثها: يجوز تفدية العلماء والصالحين. أفاده العيني ﵀ جـ ٥/ ص ٣٢.
(ما تقول في سكلوتك بين التكبير والقراءة؟) أيَّ شيء تقول في حال سكوتك.
قال العلامة بدر الدين العيني: قيل: السكوت مناف للقول فكيف يصح أن يقال: ما تقول في سكوتك؟ وأجيب بأنه يحتمل أنه استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدل به على قراءة القرآن في الظهر والعصر باضطراب اللحية. اهـ عمدة. جـ ٥/ ص ٣٢.
(قال) رسول الله - ﷺ - جوابًا لسؤاله (أقول) بينهما (اللهم باعد) أي أبعد، قال الكرماني: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة، قال البدر العيني: لم يقل أهل التصريف إلا للتكثير نحو ضاعفت، بمعنى ضعفت، وفي المبالغة معنى التكثير. اهـ عمدة.
(بيني وبين خَطَايَاي) جمع خَطيَّة، كالعَطَايا جمع عَطيَّة، يقال: خَطَأ في دينه خَطَأ: إذا أثم فيه، والخِطْءُ بالكسر: الذنب والإثم.
وأصل خطايا: خطاييء، فقلبوا الياء همزة، كما في قبائل جمع قبيلة، فصار خطائئ بهمزتين، فقلبوا الثانية ياء، فصار خطائي، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة فصارت خطاييَ، فقلبت الياء ألفا فصارت
خطايا.
[ ٢ / ٩١ ]
ثم إن الخطايا إن كان يراد بها اللاحقة، فمعناه: إذا قُدَّرَ لي ذنب فبَعِّدْ بيني وبينه، وإن كان يراد بها السابقة، فمعناه المَحْو والغفران، ويقال: المراد بالمباعدة هو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهذا مجاز، لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان، والمكان، قاله البدر العيني ﵀.
وفي المنهل: وفي هذا اللفظ مجازان: الأول: استعمال المباعدة في
المعاني التي هي في الأصل تستعمل في الأجسام، الثاني: استعمالها في الإزالة بالكلية مع أن أصلها لا يقتضي الزوال. اهـ جـ ٥/ ص ١٩٤.
(كما باعدت بين المشرق والمغرب) قال العيني: كلمة "ما" مصدرية تقديره كتبعيدك بين المشرق والمغرب، ووجه الشبه أن التقاء المشرق، والمغرب لما كان مستحيلا شبه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق والمغرب.
وقال الكرماني: كرر لفظ البين في قوله: "وباعد بيني وبين خطاياي" ولم يكرر بين المشرق والمغرب، لأنه إذا عطف على المضمر المجرور أعيد الخافض. اهـ عمدة جـ ٥/ ص ٣٣.
[قال الجامع عفا الله عنه]: هذا الذي قاله الكرماني هو قول جمهور النحاة، ولا يلزم ذلك عند ابن مالك كما قال في خلاصته:
وعَوْدُ خَافض لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَميرخَفْض لازمًا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عندي لَازِمًا إذْ قدْ أتَى … في النَّظمِ وَالنَّثْرِ الصَّحيحِ مُثْبَتًا
(اللهم نقني) بتشديد القاف وهو من نقّى ينقي تنقية، وهو مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها (من خطاياي) وفي رواية البخاري "من الخطايا".
[ ٢ / ٩٢ ]
(كما يُنقى الثوبُ الأبيض) أي طهرني من خطاياي وأزلها عني، كما يطهر الثوب الأبيض (من الدنس) بفتحتين وهو الوَسَخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض لأن ظهور النَّقَاء فيه أشد وأكمل لصفائه بخلاف غيره من الألوان.
(اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج) ماء ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جُمُوده.
(والماء والبرد) بفتح الراء هو حَبُّ الغمام، وهو ماء ينزل من السماء جامدًا كالملح ثم يذوب على الأرض، أي طهرني من الخطايا التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأوساخ.
وذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبيانا لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها اهـ المنهل جـ ٥/ ص ١٩٤.
قال الكرماني: الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار، فلم ذكر كذلك؟
فأجاب ناقلا عن محيي السنة: معناه طهرني من الذنوب، وذكرها مبالغة في التطهير.
وقال الخطابي: هذه أمثال ولم يُرَدْ بها أعيان هذه المُسَمَّيَات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما استعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب.
وقال التوربشتي: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها بيانا لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها، أي طهرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث.
[ ٢ / ٩٣ ]
وقال الطيبي: يمكن أن يقال: ذكر الثلج والبرد بعد ذكر الماء يعني في رواية البخاري حيث قدم الماء عليها لطلب شمول الرحمة بعد المغفرة، والتركيب من باب رأيته متقلدا سيفا ورُمْحا، أي اغسل خطاياي بالماء: أي اغفرها، وزد على الغفران شمول الرحمة، طلب أوّلا المباعدة بينه وبين الخطايا، ثم طلب تنقية ما عسى أن يبقى منها شيء تنقية تامة، ثم سأل ثالثا بعد الغفران غاية الرحمة عليه بعد التخلية.
وقال الكرماني: والأقرب أن يقول جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم لأنها مستوجبة لها بحسب وعيد الشارع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا في الإطفاء، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثم إلى أبرد من الثلج، وهو البرد، بدليل جموده، لأن ما هو أبرد فهو أجمد، وأما تثليث الدعوات، فيحتمل أن يكون نظرا إلى الأزمنة الثلاثة. فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي اهـ عمدة جـ ٥/ ص ٣٣.
مسائل تتعلق بالحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٠، وفي الكبرى ٦٠ بهذا السند، وفي الصلاة ٨٩٥ عن علي بن حُجْر عن جرير، عن عُمَارة به، وفي ٨٩٤ عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن عمارة به مختصرا.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في الصلاة عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، ومسلم في الصلاة عن
[ ٢ / ٩٤ ]
زهير بن حرب، عن جرير، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن محمد بن فضيل، وعن أبي كامل عن عبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن عمارة بن القعقاع به.
وأخرجه أبو داود في الصلاة عن أبي كامل الجحدري به، وعن أحمد بن أبي شعيب الحرَّاني، عن محمد بن فضيل به.
وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد الطنافسي كلاهما عن محمد بن فضيل به. أفاده الحافظ المزي ﵀، تحفة جـ ١٠/ ص ٤٤١.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف وهو جواز الوضوء بالثلج.
وذلك حيث شبه محو الذنوب عن الشخص بمحو الأوساخ بهذه الآلات فأفاد أن هذه الآلات تفيد الغسل الشرعي، وأنها مما يزال بها الأحداث والأخباث، وبقية الفوائد ستأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة: قال الإمام النووي ﵀ في المجموع: قال أصحابنا: إذا استعمل الثلج والبرد قبل إذابتهما فإن كان يسيل على العضو لشدة حر، وحرارة الجسم، ورخاوة الثلج، صح الوضوء على الصحيح، وبه قطع الجمهور، لحصول جريان الماء على العضو، وقيل: لا يصح على الصحيح، لأنه لا يسمى غسلا، وإن كان لا يسيل، لم يصح الغسل بلا خلاف. ويصح مسح الممسوح، وهو الرأس والخف والجبيرة هذا مذهبنا.
وحكى أصحابنا عن الأوزاعي جواز الوضوء به، وإن لم يسل،
[ ٢ / ٩٥ ]
ويجزيه في المغسول، والممسوح، وهذا ضعيف، أو باطل، إن صح عنه لأنه لا يسمى غسلا، ولا في معناه.
قال الدارمي: ولو كان معه ثلج أو برد لا يذوب، ولا يجد ما يسخنه به صلى بالتيمم، وفي الإعادة أوجه: ثالثها: يعيد الحاضر دون المسافر بناء على التيمم لشدة البرد، ووجه الإعادة ندور هذا الحال، قلت: أصحها الثالث. اهـ المجموع باختصار جـ ١/ ص ٨١ - ٨٢.
قال الجامع عفا الله عنه: وفي تصحيحه القول الثالث نظر، وسيأتي تحقيق المسألة في محله إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ٩٦ ]