أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على جواز الوضوء بماء الثلج.
وتقدم في الباب السابق أن الثلج ما ينزل من السماء ماء، ثم ينعقد في الأرض جامدا، ثم يذوب.
٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (^١) جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، ثقة حجة من [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي نزيل الرَّيّ وقاضيها ثقة من [٨] تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير بن العَوَّام الأسدي، أبو المنذر، أحد الأعلام، عن أبيه، وزوجته فاطمة بنت المنذر، وأبي سلمة، وخلق، وعنه أيوب، وابن جريج وشعبة، ومعمر، وخلق، قال ابن المديني: له نحو أربعمائة حديث، وقال ابن سعد: ثقة حجة، وقال أبو
_________________
(١) وفي نسخة: أنبأنا.
[ ٢ / ٩٧ ]
حاتم: إمام، قال أبو نعيم: توفي سنة ١٤٥ وقيل ٦ وله ٨٧ سنة، وتكلم فيه مالك وغيره، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة فقيه، ربما دلس، من الخامسة.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وأحد علماء التابعين، عن أبيه، وأمه، وخالته عائشة، وعلي، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة، وعنه أولاده: عثمان، وعبد الله، وهشام، ويحيى، ومحمد، وسليمان بن يسار، وابن أبي مليكة وخلائق. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، فقيه، عالم، ثبت، مأمون. وقال العجلي: لم يدخل نفسه في شيء من الفتن. وقال الزهري: كان يتألف الناس على حديثه، قال عروة: ما ماتت عائشة حتى تركتها قبل ذلك بثلاث سنين. وقال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدلاء، قال ابن شوذب: كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن، مات وهو صائم، ولد سنة ٢٩ أرخه مصعب، وقال ابن المديني: مات سنة ٩٢، وقال خليفة: سنة ٣، وقال ابن سعد: سنة ٤، وقال يحيى ابن بكير: سنة ٥، قلت: عروة عن أبيه مرسل، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة فقيه مشهور من الثالثة.
٥ - (عائشة) الصديقة بنت الصديق أكبر، أم المؤمنين ﵄، تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين مروزي، وهو الأول، وكوفي وهو الثاني، ومدنيين وهم الباقون.
وأن فيه الراوي عن أبيه عن خالته.
وأن تابعيه من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول
[ ٢ / ٩٨ ]
بعضهم: (من الطويل)
ألا إنَّ مَنْ لا يَقْتَدي بائمَّة … فقسْمَتُهُ ضيزَى عن الحَقِّ خارجَهْ
فقُلْ هُمْ عُبَيْدُ الله عُرْوَةُ قَاسمٌ … سَعيدٌ أبُو بكْر سُلَيْمَانُ خَارجَهْ
وأن فيه الإخبارَ، والعنعنةَ، والقولَ.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كان النبي - ﷺ - يقول: اللهم اغسل خطاياي) أي ذنبي، وكان النبي - ﷺ - يكثر الاستغفار امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وأمْرُ الله تعالى بالاستغفار من ذنبه اختلف العلماء في المراد به:
قال القرطبي في تفسيره: قوله تعالى ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني استغفر الله أن يقع منك ذنب. الثاني: استغفر الله ليعصمك من الذنب.
وقيل: لما ذكر له حال الكافرين والمؤمنين، أمره بالثبات على الإيمان: أي أثبت على ما أنت عليه من التوحيد والإخلاص والحذر عما تحتاج معه إلى استغفار، وقيل: الخطاب له والمراد به الأمة، وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الإنسان لجميع المسلمين، وقيل: كان ﵇ يَضيق صدره من كُفر الكفَّار، والمنافقين، فنزلت الآية، أي فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله فلا تعلق قلبك بأحد سواه.
وقيل: أمر بالاستغفار لتقتدي به الأمة اهـ تفسير القرطبي ١٦/ ٢٤٢.
(بماء الثلج والبرد) تقدم الكلام عليه.
(ونق قلبي من الخطايا) أي طهر قلبي من أثر الخطايا، لأن الإنسان إذا عمل ذنبا أثَّر ذلك في قلبه.
[ ٢ / ٩٩ ]
ففد أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صُقِّلَ قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تَعْلو قلبه، وهو الرَّان الذي قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأخرج مسلم في صحيحه عن الأغر المزني: قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنه ليُغَان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم مائة مرة" وفي رواية "توبوا إلى ربكم فوالله إني أتوب إلى ربي ﷿ مائة مرة في اليوم".
واختلف العلماء في المراد بالغَيْن المذكور: فقيل: هو من المتشابه، فقد سئل عنه الأصمعي فقال: لو كان قلب غير النبي - ﷺ -، لتكلمت عليه، ولكن العرب تزعم أن الغَيْن الغَيْم الرقيق. وقيل: سبب الغين هو ما أطلعه الله عليه من أحوال أمته بعده، فأحزنه ذلك حتى يستغفر لهم.
وقيل: إنه لما كان يشغله النظر في أمور المسلمين ومصالحهم حتى يرى أنه قد شغل بذلك، وإن كان من أعظم طاعة وأشرف عبادة عن أرفع مقام مما هو فيه وهو التفرد بربه ﷿، وصفاء وقته معه، وخلوص همه من كل شيء سواه، فلهذا السبب كان - ﷺ - يستغفر الله فإن حسنات الأبرار سيآت المقربين، وقيل: هو مأخوذ من الغين، وهو الغيم الرقيق الذي يغشى السماء فكأن هذا الشغل، والهم يغشى قلبه - ﷺ -، ويغطيه فكان يستغفر الله منه.
وقيل: هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه - ﷺ -، وكأن سبب استغفاره لها إظهار العبودية، والافتقار إلى الله تعالى، وحكى الشيخ محيي الدين النووي عن القاضي عباض أن المراد به الفَتَرَات، والغفلات من الذكر الذي كان شأنه - ﷺ - الدوام عليه فإذا فتر وغفل عَدَّ ذلك ذنبا،
[ ٢ / ١٠٠ ]
واستغفر منه، وحكى الوجوه المتقدمة عنه، وعن غيره، وقال الحارث المحاسبي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام وإجلال، وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالي، وقيل: يحتمل أن هذا الغين حالة حسنة وإعظام يغشى القلب ويكون استغفاره شكرا كما قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" اهـ تفسير الخازن من سورة محمد - ﷺ - بزيادة شيء يسير في أوله.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ صحيح.
المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد الصنف ﵀، أخرجه هنا ٧١ وفي ٣٣٢ بالسند المذكور، كما أشار إليه الحافظ المزي في تحفته ص ١٢/ ص ١٢٥. وأخرجه في الكبرى ٥٩ بهذا السند أيضا.
وأخرجه مطولا في كتاب الاستعاذة في الباب ٢٦ "الاستعاذةُ من شر فتنة الغنى" الحديث ٥٤٧٧ بهذا السند نفسه ولفظه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جرير عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وفتنة النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة المسيح الدجال، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم".
المسألة الثالثة: من فوائد هذا الحديث:
استحباب ملازمة الاستغفار للإنسان، وقد جاءت أحاديث كثيرة تحث على ذلك، والدعاء بصفاء القلوب عن درن الذنوب، وذلك لأنه مَلِكُ الأعضاء، مدار صلاحها عليه، كما جاء في الحديث المتفق عليه: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
ومنها: ما ترجم له المؤلف وهو جواز الوضوء بماء الثلج، وقد تقدم
[ ٢ / ١٠١ ]
تحقيق هذا في الباب السابق.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في جواز اختصار الحديث، قال النووي في التقريب: اختلف العلماء في رواية بعض الحديث الواحد دون بعض، فمنعه بعضهم مطلقا بناء على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم مع تجويزها بالمعنى إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا، وجوزه بعضهم مطلقا، وهذا مقيد بما إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمَأتيّ به تعلقا يُخلّ بالمعنى حذفُه كالاستثناء، والشرط، والغاية، ونحو ذلك، وإلا فممنوع اتفاقًا.
والصحيح التفصيل، وهو المنع من غيرالعالم، وجوازه من العالم إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جَوَّزنا الرواية بالمعنى أم لا، رواه قبلُ تاما أم لا، لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين، هذا إذا ارتفعت منزلته عن التُّهَمَة، فأما من رواه تاما فخاف إن رواه ناقصا أن يُتَّهَم بزيادة أوَّلا، أو نسيان لغفلة وقلة ضبط ثانيا فلا يجوز له النقصان ثانيا ولا ابتداء إن تعين عليه أداء تمامه لئلا يخرج بذلك باقيه عن الاحتجاج به.
وأما تقطيع المصنف الحديث الواحد في الأبواب بحسب الاحتجاج به في المسائل، كل مسألة على حدة فهو إلى الجواز أقرب، قال الشيخ ابن الصلاح: ولا يخلو من كراهة، قال النووي: وما أظنه يُوَافَقُ عليه، فقد فعله الأئمة: مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. اهـ تقريب النووي بزيادة من شرحه التدريب جـ ٢/ ص ١٠٣ - ١٠٥.
وإلى ذلك أشار السيوطي في ألفيته حيث قال:
وَجَائزٌ حَذْفُك بَعضَ الخَبَر … إِنْ لمْ يُخِلَّ البَاقي عنْد الأكْثَرِ
وامنع لذي تُهَمَةٍ فَإنْ فَعَلْ … فلا يُكمِّل خَوْفَ وَصْفٍ بخَلَل
وَالخُلْفُ في التَّقطْيعِ في التَّصنْيفِ … يَجْرِي وَأوْلَى منهُ بالتَّخْفيفِ
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ١٠٢ ]