أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الترغيب في السواك. وتقدم إعراب باب. والسواك: يحتمل أن يكون بمعنى العود فيكون المعنى على حذف مضاف أي باب الترغيب في استعمال السواك، ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر فلا يحتاج إلى تقدير مضاف.
٥ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (حميد بن مسعدة) (م ٤) بن المبارك السامي بالمهملة أو الباهلي، بصري صدوق، من العاشرة مات سنة ٢٤٤. وفي (صة) عن حماد بن زيد وعبد الوارث، وبشر بن المفضل. وعنه (م ٤) قال أبو حاتم: صدوق. اهـ.
ووثقه المصنف، في أسماء شيوخه، وذكره ابن حبان في الثقات. أفاده في تت.
٢ - (محمَّد بن عبد الأعلى) (م قد ت س ق) الصنعاني البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٥. وفي (صة) عن يزيد بن زريع،
[ ١ / ٢٦٠ ]
وعثام بن علي وثقه أبو زرعة، وأبو حاتم. اهـ.
٣ - (يزيد بن زريع) (ع) بتقديم الزاي مصغرا البصري، أبو معاوية، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ١٨٢. وفي (صة) التميمي العيشي بتحتانية، أبو معاوية، البصري، الحافظ أحد الأعلام. عن أيوب، وحميد، وسليمان التيمي، وابن عون، وخلق. وعنه ابن المديني، ومحمد بن المنهال، وقتيبة، وخلق. قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: ثقة إمام. قال أحمد: ما أتقنه، ما أحفظه؟ قال عمرو بن علي: ولد سنة إحدى ومائة ومات سنة ١٨٢. اهـ.
٤ - (عبد الرحمن بن أبي عتيق) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أبو عتيق مقبول، من السابعة. (بخ س). وفي (صة) أبو عتيق، المدني، عن أبيه، وعطاء، وعنه ابن إسحاق، وسليمان بن بلال، وثقه ابن حبان.
قال الجامع عفا الله عنه: نسبه في السند إلى جده، وهكذا اشتهر بالنسبة إليه كما أشار إليه الحافظ في التقريب، فافهم.
٥ - (أبوه) عبد الله (خ م د س) بن محمَّد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني أخو القاسم، ثقة، من الثالثة، قتل بالحرة سنة ثلاث وستين. وفي (صة) عن عائشة، وابن عمر، وعنه ابناه محمَّد وعبد الرحمن، وثقه العجلي.
٦ - (عائشة) (ع) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقا وأفضل أزواج النبي - ﷺ -، إلا خديجة، ففيها خلاف مشهور، ماتت سنة ٥٧ علي الصحيح. وفي (صة) التيمية أم عبد الله، الفقيهة أم المؤمنين الربانية حبيبة النبي - ﷺ -، لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث اتفقا على ١٧٤ وانفرد (خ) ٥٤ و(م) ٦٨، وعنها مسروق، والأسود،
[ ١ / ٢٦١ ]
وابن المسيب، وعروة، والقاسم، وخلق. قال ﵇: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". وقال عروة: ما رأيت أعلم بالشعر من عائشة، وقال القاسم: كانت تصوم الدهر. وقال هشام بن عروة: توفيت سنة سبع وخمسين، ودفنت بالبقيع.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات إلا ابن عتيق فوثقه ابن حبان، وأنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون. ومدنيين وهم الباقون، وأن حميدا ممن أخرج له الجماعة، إلا البخاري، ومحمد بن عبد الأعلى ممن أخرج له مسلم وأبو داود في القدر، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وعائشة ويزيد ممن اتفقوا عليهم، وعبد الرحمن ممن أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وأبوه ممن أخرج له الشيخان وأبو داود، والنسائي.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن عائشة من السبعة المكثرين روت ٢٢١٠ حديثا، وقد تقدم هذا في ١/ ١.
ومنها: أن فيه ما تقدم قريبا من القاعدة المشهورة، وهي قوله: وهو ابن زريع حيث لم ينسبه له شيخه. انظر تحقيقها في ٤/ ٤.
ومنها: أن فيه الإخبار في موضع، والعنعنة في موضعين، والتحديث في موضعين أيضا، والسماع في موضع.
شرح الحديث
"عن النبي - ﷺ -" أنه "قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب"
[ ١ / ٢٦٢ ]
قال النووي رحمه الله تعالى: مطهرة بفتح الميم وكسرها لغتان ذكرهما ابن السكيت وآخرون، والكسر أشهر، وهو كل آلة يتطهر بها، شَبَّهَ السواك بها لأنه ينظف الفم، والطهارة: النظافة اهـ المجموع جـ ١/ ص ٢٦٨.
وقال السندي بعد نقل كلام النووي هذا: ما نصه: لا حاجة إلى اعتبار التشبيه؛ لأن السواك بكسر السين اسم للعود الذي يدلك به الأسنان، ولا شك في كونه آلة لطهارة الفم بمعنى نظافته. اهـ جـ ١ / ص ١٠.
وقال السيوطي ﵀: وقال زين العرب في شرح المصابيح: مطهرة ومرضاة: بالفتح كل منهما مصدر بمعنى الطهارة والرضا، والمصدر يجيء بمعنى الفاعل، أي مُطَهِّر للفم، ومُرض للرب، أو هما باقيان على مصدريتهما، أي سبب للطهارة، والرضا، ومرضاة جاز كونها بمعنى المفعول، أي مرضي للرب، وقال الكرماني: مطهرة ومرضاة: إما مصدرا ميمي بمعنى اسم الفاعل، وإما بمعنى الآلة، فإن قلت: كيف يكون سببا لرضا الله تعالى؟ قلت: من حيث إن الإتيان بالمندوب موجب للثواب، ومن جهة أنه مقدمة للصلاة، وهي مناجاة للرب، ولا شك أن طيب الرائحة يحبه صاحب المناجاة، وقيل: يجوز أن يكون المرضاة بمعني المفعول، أي مرضي للرب. وقال الطيبي: يمكن أن يقال: إنها مثل "الولدُ مَبْخَلَة مَجْبَنَة"، أي السواك مظنة للطهارة والرضا، إذ يحملُ السواكُ الرجلَ على الطهارة، ورضا الرب، وعطف مرضاة يحتمل الترتيب بأن يكون الطهارة علة للرضا، وأن يكونا مستقلين في العلية اهـ زهر جـ ١/ ص ١١.
قال الجامع عفا الله عنه: كلام الطيبي هذا بعيد عن مقصود الحديث
[ ١ / ٢٦٣ ]
فلا ينبغي أن يلتف إليه، بل المعني: أن السواك مطهر للفم، ومرض للرب لا مظنة لهما، فتأمل. والله أعلم.
وقال العلامة السندي رحمه الله تعالى: بعد ذكر كون مطهرة ومرضاة بمعنى اسم الفاعل: ما نصه: والمناسب بهذا المعنى أن يراد بالسواك استعمال العود، لا نفس العود، إما على ما قيل: إن اسم السواك قد يستعمل بمعنى استعمال العود أيضا، أو على تقدير المضاف، ثم لا يخفى أن المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل يكون بمعنى اسم الفاعل من ذلك المصدر لا من غيره، فينبغي أن يكون ها هنا مطهرة ومرضاة بمعنى طاهر وراض، لا بمعنى مطهر ومرض، ولا معنى لذلك، فليتأمل. اهـ
كلام السندي جـ ١/ ص ١١.
والرب هو الله ﷿، ويطلق الرب في اللغة: على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله ﷿، وإذا أطلق على غيره أضيف، فقيل: رب كذا، وقد جاء في الشعر مطلقا على غير الله تعالى وليس بالكثير، ولم يذكر في غير الشعر. قاله ابن منظور في اللسان جـ ١/ ص ٣٩٩ - ٤٠٠.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في الأذكار: قال العلماء لا يطلق الرب بالألف واللام إلا على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: رب المال، ورب الدار، وغير ذلك. ومنه قول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح في ضالة الإبل: "دعها حتى يلقاها ربها". والحديث الصحيح: "حتى يُهمَّ ربَّ المال من يقبل صدقته"، وقول عمر ﵁ في الصحيح: "رب الصُّرَيمَة والغُنَيْمَة". ونظائره في الحديث كثيرة مشهورة. وأما استعمال حملة الشرع ذلك فأمر مشهور معروف. قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي يعني في حديث
[ ١ / ٢٦٤ ]
أبي هريرة ﵁ عند الشيخين عن النبي - ﷺ - قال: "لا يَقُلْ أحدكم: أطعم ربك، وضيء ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي". ولمسلم: "ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي ومولاي، وله أيضا: لا يقولن أحدكم: عبدي، فكلكم عبيد، ولا يقل العبد ربي، وليقل: سيدي" وفي رواية له "لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد لله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي".
قالوا: لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية، وأما حديث: "حتى يلقاها ربها" "ورب الصُّرَيمة"، وما في معناها: فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: رب الدار، ورب المال. وأما قول يوسف - ﷺ -: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فعنه جوابان:
أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى - ﷺ - للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧] أي الذي اتخذته إلها.
والجواب الثاني: أن هذا شرع من قبلنا لا يكون شرعا لنا إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه، وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يرد شرعنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعا لنا أم لا؟ اهـ كلام النووي في أذكاره ص ٣١٢ وقال في المجموع جـ ١ / ص ٢٦٨ بعد ذكر نحو ما تقدم: وقد أنكر بعضهم: إضافة رب إلى الحيوان، وهذا الحديث يرد قوله. يعني حديث ضالة الإبل "دعها حتي يلقاها ربها".
وقد تقدم لغات الفم في ٢/ ٢ فارجع إليه تستفد علمًا.
[ ١ / ٢٦٥ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث عائشة ﵂ حديث صحيح.
"المسألة الثانية" في بيان مواضعه عند المصنف:
لم يذكر المصنف هذا الحديث إلا في هذا الموضع في الطهارة ٥/ ٥ المجتبى، ٤/ ٤ الكبرى عن حميد بن مسعدة، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن يزيد بن زريع، عن عبد الرحمن بن أبي عَتيق، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه من أصحاب الأصول "خت".
قال الحافظ في التلخيص: هذا الحديث علقه البخاري بلا إسناد، ووصله النسائي، وأحمد، وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن أبي عتيق، سمعت عائشة بهذا، قال ابن حبان أبو عتيق هذا هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال الحافظ: هو كما قال، لكن الحديث إنما هو من رواية ابنه عبد الله، فإن صاحب الحديث هو عبد الرحمن بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن نسب في السياق إلى جده وكلام ابن حبان يوهم أنه من رواية أبي عتيق نفسه، وليس كذلك، وقد أوضحه المعمري في اليوم والليلة، ويؤيده، رواية أحمد بن حنبل عن عبدة بن سليمان، عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن محمَّد، سمعت عائشة به. ورواه الشافعي، عن ابن عيينة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي عتيق، عن عائشة. ورواه الحميدي عن ابن عيينة، ثنا محمَّد بن إسحاق. وقيل: إنه رواه عن ابن إسحاق بواسطة مسعر، حكاه البيهقي عن رواية ابن أبي عمر، عن سفيان، لكن الذي في مسند بن أبي عمر ليس فيه
[ ١ / ٢٦٦ ]
مسعر، فيحتمل أن يكون عنده علي الوجهين، وروي من طريق ابن أبي عتيق، عن القاسم، عن عائشة.
وقال الدارقطني في العلل: الصحيح أن ابن أبي عتيق سمعه من عائشة. ورواه ابن خزيمة من طريق عبيد بن عمير، عن عائشة. وجزم الشيخ تقي الدين في الإلمام: أن الحاكم أورده في المستدرك، ومراده بالطريق الأولى لا بهذه الطريق، وإن كان سياقه قد يوهم خلاف ذلك. ورواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني: هو خطأ، والصواب عن عائشة.
وفي الباب: عن أبي هريرة رواه ابن حبان بلفظ: "عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرب"، أخرجه من طريق حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عنه، والمحفوظ عن حماد بغير هذا الإسناد من حديث أبي بكر كما تقدم، والمحفوظ عن عبيد الله ابن عمر بهذا الإسناد بلفظ "لولا أن أشق" رواه النسائي، وابن حبان، وعن ابن عمر رواه أحمد، وفي سنده ابن لهيعة، وعن أنس رواه أبو نعيم. وفيه يزيد الرَّقَاشي، وهو ضعيف جدًا، وعن أبي أمامة رواه ابن ماجه، وفيه عثمان ابن أبي العاتكة، وهو متروك. وأخرجه الطبراني من وجهين آخرين ضعيفين أيضا عن أبي أمامة، ورواه أيضا من طرق ضعيفة عن ابن عباس أيضا بزيادة "مجلاة للبصر". اهـ كلام الحافظ في التلخيص جـ ١ / ص ٦٠.
وقال العلامة الألباني: صحيح أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٧، ٦٢، ١٢٤، ٢٣٨. وكذا الشافعي في الأم ١/ ٢٠ وفي المسند ص ٤، والبيهقي ١/ ٣٤ من طريقين عن عبد الله بن محمَّد بن
[ ١ / ٢٦٧ ]
عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: سمعت عائشة به مرفوعًا.
قلت: وإسناده صحيح، وعلقه البخاري في صحيحه ٢/ ٢٧٤ مجزوما به، قال المنذري ١/ ١٠١: وتعليقاته المجزومة صحيحة، وكذا قال النووي في المجموع ١/ ٢٦٨، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وله طرق أخرى أخرجه الدارمي ١/ ١٧٤، وأحمد ٦/ ١٤٦، والبيهقي من طريقين عن القاسم بن محمَّد عنها، وهو عند ابن خزيمة برقم ١٣٥، وابن حبان ١٤٣ قلت: وهذا سند صحيح. اهـ إرواء الغليل جـ ١/ ص ١٠٥. باختصار.
"المسألة الرابعة" في فوائد هذا الحديث:
منها: أن السواك يطهر الفم، فيصلح الإنسان لمناجات الله تعالى، وتلاوة كلامه، ودنو الملائكة منه لكونهم يحبون النظافة، فإنهم يتأذون مما يتاذي منه بنو آدم كما صح ذلك في الحديث، فينبغي الحرص على هذه الغنيمة الجليلة.
ومنها: أنه سبب لرضا الله تعالى، فعلى العبد أن يلازم ما فيه رضي ربه ﷿، فإن رضاه هو الغاية القُصوى.
ومنها: أنه يستفاد منه استحباب أخذ السواك باليد اليمنى؛ لأنه من باب الطهارة، وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانت يد رسول الله - ﷺ - وسلم اليمنى لطَهوره، وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى" (^١) وهذه المسألة اختلف فيها العلماء كما ذكره الحافظ العراقي في طرح التثريب جـ ٢/ ص ٧١ ونصه فيها:
السواك المأمور به هل الأولى أن يباشره المستاك بيمينه، أو بشماله، ذكر بعض متأخري الحنابلة ممن رأيته أنه يستاك بيمينه لأنه ورد في بعض
_________________
(١) رواه أبو داود بإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٦٨ ]
طرق حديث عائشة المشهور "كان يعجبه التيمن في ترجله، وتنعله، وتطهره، وسواكه". وسمعت بعض مشايخنا الشافعية يبني ذلك على أن السواك هل هو من باب التطهير والتطييب، أو من باب إزالة القاذورات، فإن جعلناه من باب التطييب استحب أن يكون بيمينه، وإن جعلناه من باب إزالة القاذورات استحب أن يليه بشماله، لحديث عائشة ﵂، فذكر الحديث الذي ذكرناه عن أبي داود، قال: وله (^١) من حديث حفصة: "كان يجعل يمينه لطعامه، وشرابه، وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك".
وما استدل به على أنه يستحب باليمين ليس فيه دلالة على ما ذهب إليه، فإن المراد منه البداءة بالشق الأيمن في الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهر، والبداءة بالجانب الأيمن من الفم في الاستياك كما تقدم، وأما كونه يفعل ذلك بيمينه فيحتاج إلى نقل، والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه، فيكون باليسري، وقد صرح بذلك أبو العباس القرطبي من المالكية، فقال في المفهم حكايته عن مالك أنه لا يتسوك في المسجد لأنه من باب إزالة القذر. اهـ كلام العراقي.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي أنه من باب التطهير والتطييب لأن حديث الباب صريح فيه، فهذا كان كذلك فاستعماله باليمين أولى لحديثي عائشة، وحفصة المتقدمين، فقول العراقي في اعتراضه: فيحتاج إلى نقل غير سديد؛ لأن هذا الحديث نقل واضح فأي نقل أصرح من هذا. وما قاله القرطبي مخالف للنصوص الدالة على جواز الاستياك في المسجد، كحديث "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" المتفق عليه، وسيأتي للمصنف ٧/ ٧، فإنه
_________________
(١) أي لأبي داود.
[ ١ / ٢٦٩ ]
ظاهر في المسجد لأن الصلاة غالبا تكون فيه، وقد ثبت "أن زيد بن خالد الجهني كان يشهد الصلوات في المساجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن، ثم رده إلى موضعه"، أخرجه أبو داود والترمذي، وسيأتي، وغير ذلك من النصوص الواضحة فيه.
والحاصل أن السواك من باب التطييب والتطهير فالمستحب أخذه باليمين، فتفطن ولا تكن أسير التقليد، فإنه مُسْتَنَد البليد. والله أعلم.
وروى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: "عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، يزيد في الحسنات، وهو من السنة يجلو البصر، ويذهب الخضرة، ويشد اللِّثَهَ، ويذهب البلغم، ويطيب الفم" وزاد البيهقي في رواية أخرى: "ويُصحُّ المعدة" وفي بعض طرقه عند غير البيهقي: "ويزيد في الفصاحة." قال البيهقي: تفرد به الخليل بن مرة، وليس بالقوي، انتهي. وقد قال فيه أبو زرعة شيخ صالح، وقال ابن عدي: يكتب حديثه، وضعفه الجمهور. قاله الحافظ العراقي طرح جـ٢/ ص ٦٧. والله ولي التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٢٧٠ ]