أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الوضوء بماء البَرَد، والبرد بفتحتين: حَبُّ الغَمَام، وهو ما ينزل من السماء جامدا كالملح، ثم يذوب على الأرض، بخلاف الثلج، فإنه ينزل من السماء ماء ثم ينعقد على الأرض جامدا، ثم يذوب.
٦٢ - أَخْبَرَنِا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ، فَسَمِعْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ".
رجال الإسناد: سته
١ - (هارون بن عبد الله) بن مروان الحَمَّال بمهملة البزاز أبو موسى،
[ ٢ / ١٠٣ ]
الحافظ البغدادي، عن ابن عيينة، وعبد الله بن نمير، وأبي أسامة، وخلق، وعنه مسلم، والأربعة، وخلق، وثقه الدارقطني، والنسائي، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقد ناهز الثمانين، وفي (ت) ثقة من العاشرة.
٢ - (معن) بفتح فسكون بن عيسى بن يحيى، الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار العاشرة مات سنة ١٩٨ أخرج له الجماعة.
٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير بضم المهملة الأولى الحضرمي، أبو عبد الرحمن الحمصي، أحد الأعلام، وقاضي الأندلس، عن مكحول، وربيعة بن يزيد، وخلق، وعنه الثوري، والليث، وابن
وهب وخلق، وثقه أحمد، وابن معين، وقال ابن عدي: هو عندي ثقة إلا أنه يقع في حديثه إفرادات، قال أبو صالح الفراء: مات سنة ١٥٨ أخرج له مسلم والأربعة، وفي (ت) صدوق له أوهام، من السابعة.
٤ - (حبيب) مكبرا (بن عبيد) مصغرا الرَّحَبي بمهملتين مفتوحتين أبو حفص الحمصي.
عن العرباض بن سارية، وعوف بن مالك، وعنه يزيد بن خُمَير، ومعاوية بن صالح، وثقه النسائي، وأخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، وفي (ت) ثقة من الثالثة.
٥ - (جبير بن نفير) بنون وفاء مصغر الاسمين الحضرميُّ، أبو عبد الرحمن، الشامي، مخضرم أسلم في زمن أبي بكر، عن عبادة، ومعاذ بن جبل، وخالد بن الوليد، وأبي الدرداء وأبي ذر، وعنه ابنه عبد الرحمن، وخالد بن مَعدان، ومكحول، وطائفة وثقه أبو حاتم، قال أبو حسان الزيادي: توفي سنة ٧٥، أخرج له البخاري في الأدب
[ ٢ / ١٠٤ ]
المفرد، ومسلم والأربعة، وفي (ت) ثقة جليل من الثانية، ولأبيه صحبه، ت سنة ٨٥، وقيل: بعدها.
٦ - (عوف بن مالك) بن أبي عوف الأشجعي، الغطفاني، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو محمَّد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو، شهد فتح مكة، يقال: كانت معه راية أشجع، ثم سكن دمشق، روى عن النبي - ﷺ -، وعن عبد الله بن سلام.
وعنه أبو مسلم الخولاني، وأبو مليح، وجبير بن نفير، وعاصم بن حميد السكوني، وكثير بن مرة، وأبو إدريس الخولاني، وأبو المليح بن أسامة، وسيف الشامي، وشداد بن عمار، وعبد الرحمن بن عامر وحبيب بن عبيد، وراشد بن سعد وجماعة، قال الواقدي: شهد خيبر ونزل حمص وبقي إلى خلافة عبد الملك، ومات سنة ٧٣ وفيها أرخه غير واحد وذكر ابن سعد أن النبي - ﷺ - آخي بينه وبين أبي الدرداء، أخرج له الجماعة. اهـ تهذيب التهذيب جـ ٨/ ص ١٦٨.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم شاميون إلا شيخ المصنف، فإنه بغدادي، وشيخ شيخه فمدني، وفيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع، وفيه استعمال القاعدة المشهورة عند المحدثين وهي أن الراوي إذا قرأ بنفسه على الشيخ يقول: أخبرني، وإذا سمع قارئا يقرأ على الشيخ يقول: أخبرنا، كما يستحسن لمن سمع من الشيخ وحده أن يقول: حدثني، ومع غيره: حدثنا.
وإلى ذلك أشار السيوطي في ألفيته، حيث قال:
وَاسْتَحْسَنُوا لمُفْرَد حَدَّثنَي … وَقَارئ بنَفْسه أخْبَرَني
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَإنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً حَدَّثنا … وَإنْ سَمعْتَ قَارئًا أخْبَرَنَا
شرح الحديث
(عن جير بن نفير) الحضرمي الشامي، قال (شهدت) أي حضرت (عوف بن مالك) الأشجعي الغطفاني ﵁ (يقول) حال من عوف (سمعت رسول الله - ﷺ -) أي كلامه (يصلي) حال من رسول الله أي حال كونه مصليا (على ميت) بتشديد الياء وتخفيفها للتخفيف، وقد
جمعها الشاعر فقال: (من الخفيف):
ليْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بميْتٍ … إنَّمَا الميْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ
وأما الحي، فميت بالتشديد لا غير، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] أي ستموتون. أفاده في المصباح.
وفي القاموس: مات يموت، ويَمَات، ويَمِيتُ، فهو مَيْت، ومَيِّت: ضد الحي، ومات سكن، ونام، وبَلِيَ، أو الميْت مخففة الذي مات، والميِّت والمائت: الذي لم يمت بعدُ اهـ.
قال المرتضى: قال الخليل: أنشدني أبو عمرو: (من الطويل)
أَياَ سَائلِي تَفْسيرَ مَيْت وَمَيِّتِ … فَدُونَكَ قَدْ فَسَّرْتُ إنْ كُنْتَ تَعْقلُ
فَمَنْ كان ذَا رُوحٍ فَذلكَ مَيِّتٌ … وَمَا الميْتُ إلَّا مَنْ إِلَى القَبْر يُحْمَلُ
وحكى الجوهري عن الفراء يقال لمن لم يمت: إنه مائت عن قليل، ومَيِّت ولا يقولون لمن مات: هذا مائت، قيل: وهذا خطأ، وإنما ميت يصلح لما قد مات، ولما سيموت، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وجمع بين اللغتين عَديّ بن الرَّعْلاء، فقال: (من الخفيف)
لَيْسَ مَنْ ماتَ فاسَتَراحَ بميْتٍ … إنما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ
إنَّمَا الميْتُ مَنْ يَعيشُ شَقِيَّا … كَاسِفًا بَالُهُ قَلِيلُ الرَّجَاءِ
[ ٢ / ١٠٦ ]
فَأُناس يمَصِّصُونَ ثِمَادًا … وَأنَاسٌ حُلُوقُهُم في المَاءِ
فجعل الميت كالميت.
وقال الزجاج: الميّت بالتشديد، إلا أنه يخفف، يقال: مَيِّت، ومَيْت، والمعنى واحد ويستوي فيه المذكر والمؤنث، قال تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان: ٤٩] ولم يقل: مَيْتَةِ اهـ.
وجمع الميت أموات، ومَوتَى، ومَيْتُون، ومَيِّتُون، والأنثى مَيِّتَة بالتشديد، ومَيْتَة بالتخفيف ومَيْت بغيرها مشددا، ومخففا، والميتة ما لم تلحقه الذكاة. اهـ (ق) وتاج باختصار وتغيير يسير.
قال الجامع عفاالله عنه: فتحصل من مجوع ما تقدم أن الميِّت مشددا، ومخففا، يطلق على الذي خرجت روحه، وعلى من سيموت، وأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، ويقال أيضا للأنثى: ميتة بهاء مشددا ومخففا، وأن فعله مثلث المضارع بالضم من باب قال، يقول، والكسر كباع يبيع، وهي لغة مرجوحة أنكرها جماعة كما في التاج، والفتح، كخاف يخاف، وفيه لغة أخرى مِتَّ بالكسر، تموتُ بالضم، وهي من باب تداخل اللغتين والله أعلم.
(فسمعت من دعائه) - ﷺ - (وهو يقول) جملة حالية: أي كونه قائلا: فقدله: فسمعت تفصيل وتفسير لسمعت الأول (اللهم) أي يا ألله، حذفت "يا" فعوض عنها اليم في الآخر، ولا يجمع بينهما إلا في الشعر كقوله: (من الرجز)
إنِّي إذَا مَا حَدَثٌ أَلَماَّ … أقُوُلُ يا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُماَّ
وإلى ذلك أشار ابن مالك في ألفيته، حيث قال:
وَالأكْثَرُ الَلَّهُمَ بالتَّعْويضِ … وَشَذَّ يا اللَّهُمَّ في قَريضِ
(اغفْر له) أي لهذا الميت، يقال: غفر الله له، غفْرا، من باب ضرب، وغُفرانا: صفح عنه. قاله في المصباح.
[ ٢ / ١٠٧ ]
(وارحمه) أي ارفق به، يقال: رحمتُ زيدا، رُحْمًا بضم الراء ورَحمة، ومَرحمة، إذا رفقت له وحننت. اهـ مصباح.
(وعافه) أي ادفع عنه المكروه، ففي "ق" والعافية: دفاع الله عن العبد، ويقال عافاه الله تعالى عن المكروه عِفاء بالكسر، ومعافاة وعافية: إذا وهب له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه. اهـ "ق" وتاج جـ ١/ ص ٢٤٨.
(واعف عنه) أي امح عنه ذنوبه، يقال: عفا عنه، وعفا له ذنبه وعن ذنبه: تركه ولم يعاقبه.
والعفو: الصفح، وترك عقوبة المستحق، قال المرتضى: الصفح ترك التَّأنيب، وهو أبلغ من العفو، فقد يعفو، ولا يصفح، وأما العفوَ، فهو القصد، لتناول الشيء، هذا هو المعنى الأصلي، قال الراغب: فمعنى عفوت عنك، كأنه قصد إزالة ذنبه صارفا عنه فالمعفو المتروك، "وعنك" متعلق بمضمر، فالعفو هو التجافي عن الذنب اهـ "ق، وتاج" باختصار وتغيير.
(وأكرم نزله) بضمتين، ويخفف بتسكين ثانيه، في الأصل طعام الضيف الذي يُهَيَّأ له، والمراد هنا ما يعطيه الله لعبده، عند لقائه، ممالا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
(وأوسع مدخله) بفتح الميم، وضمها أي محل دخوله، وهو القبر.
(واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا) أي طهره من الذنوب.
(كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) أي كما ينظف الثوب الأبيض من الوسخ، وتقدم وجه التشبيه به في شرح حديث أبي هريرة ﵁ ٤٨/ ٦٠.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عوف بن مالك ﵁ هذا أخرجه مسلم في صحيحه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا ٦٢ وفي الجنائز ١٩٨٤ عن هارون بن عبد الله، عن معن بن عيسى،
[ ٢ / ١٠٨ ]
عن معاوية بن صالح، عن حَبيب بن عُبيد، عن جُبَير بن نُفَير، عن عوفا بن مالك ﵁، وفي الجنائز ١٩٨٣، وعمل اليوم والليلة عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي حمزة بن سليم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في الجنائز عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن معاوية بن صالح، عن حبيب بن عبيد، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير كلاهما، عن جبير بن نفير به، وعن نصر بن علي، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن عيسى بن يونس، وعن هارون بن سعيد، وأبي الطاهر بن السرح، كلاهما عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، كلاهما عن أبي حمزة بن سليم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير به.
وأخرجه الترمذي في الجنائز عن ابن بشار، عن ابن مهدي، عن معاوية، عن عبد الرحمن، نحوه، وقال: حسن صحيح، قال محمَّد: هذا أصح شيء في هذا الباب. أفاده الحافظ المزي في التحفة جـ ٨/ ص ٢١٠.
المسألة الرابعة: في فوائده:
يستفاد من هذا الحديث مشروعية الصلاة على الجنائز، والجهر بالدعاء له، واستحباب الدعاء للميت بهذا الدعاء.
ويستفاد منه أيضا ما ترجم له المصنف، وهو جواز الوضوء بماء البرد، وقد تقدم البحث فيه في الباب السابق، وسيأتي بأتم من هذا في الجنائز إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ١٠٩ ]