أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم سؤر الكلب.
قال في اللسان: السؤر: بقية الشيء وجمعه أسآر، وأسأر منه شيئا: أبقى، والنعت منه سَأر على غير قياس؛ لأن قياسه فيه مُسئر، وقال الجوهري: ونظيره أجبره، فهو جَبَّار.
ويستعمل في الطعام والشراب وغيرهما، وقال في التهذيب: وأما قولهم: وسائر الناس هَمَج، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن معنى سائر في أمثال هذا الموضع بمعنى الباقي من قولك: أسأرت سؤرا وسؤرة، إذا أفضلتها، وأبقيتها، والسائر: الباقي، وكأنه من سَأرَ يَسْأر فهو سائر، قال ابن الأعرابي فيما رَوَى عنه أبو العباس: يقال: سأر وأسأر: إذا أفضل فهو سائر، جعل سأر وأسأر، واقعين، ثم قال: وهو سائر، قال -أي أبو العباس- قال ابن الأعرابي: فلا أدري أراد بالسائر المسْئِر؟ وفي الحديث: "فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (^١) أي باقيه، والسائر، مهموز: الباقي، قال ابن الأثير: والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وتكررت هذه اللفظة في الحديث، وكله بمعنى باقي الشيء، والباقي: الفاضل. اهـ المقصود من اللسان باختصار.
والكلب: كل سبع عقور، وفي الحديث: "أما تخاف أن يأكلك كلب الله" فجاء الأسد ليلا فاقتلع هامته من بين أصحابه. والكلب معروف، واحد الكلاب، قال ابن سيده: وقد غلب الكلب على هذا
_________________
(١) صحيح أخرجه ابن ماجه من حديث أنس ﵁. انظر صحيح الجامع الصغير للشيخ الألباني جـ ٢/ ص ٧٧٦.
[ ٢ / ١١٠ ]
النوع النابح، وربما وصف به، يقال: امرأة كلبة، والجمع أكلُب، وأكالبُ، جمعُ الجمع، والكثير كلاب، وفي الصحاح: الأكالب جمع أكلُب، وكلاب: اسم رجل سُمِّي بذلك، ثم غلب على الحي،
والقبيلة اهـ لسان.
قال الجامع عفا الله عنه: المراد في حديث الباب هو الحيوان النابح المعروف، لا كل سبع عقور، والله أعلم.
٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
٦٤ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
٦٥ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هِلَالُ بْنُ
[ ٢ / ١١١ ]
أُسَامَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يُخْبِرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ.
رجال السند الأول: خمسه
١ - (قتيبة) بن سعيد بن جميل بن طَريف، أبو رجاء الثقفي البَغْلاني ثقة ثبت من [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله إمام دار الهجرة الحجة المثبت من [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (أبوالزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم، المدني، يكنى أبا عبد الرحمن، كان أحد الأئمة، عن أنس، وابن عمر، وعمر بن أبي سَلمة مرسلا، وعن الأعرج فأكثر، وابن المسيب، وطائفة، وعنه موسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، ومالك، والليث، والسفيانان، وخلق، قال أحمد: ثقة أمير المؤمنين، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه صاحب سنة، وقال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وقال الليث: رأيت أبا الزناد، وخلفه ثلاثمائة طالب، قال الواقدي: مات فجأة سنة ١٣٥، قال عمرو بن علي، وابن معين، سنة إحدى، قال الحافظ شمس الدين الذهبي: ولي بعض أمور بني أمية فتُكُلِّم فيه لأجل ذلك، وهو ثقة حجة لا يعلق به جرح، والله أعلم، أخرج له الجماعة، اهـ صه، وفي (ت) ثقة فقيه من الخامسة.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (بضم الهاء والميم بينهما راء ساكنة) الهاشمي مولاهم، أبو داود المدني، الأعرج القارئ، عن أبي هريرة ومعاوية، وأبي سعيد، وعنه الزهري، وأبو الزبير، وخلق، وثقه
[ ٢ / ١١٢ ]
جماعة. قال أبو عبيد: توفي سنة ١١٧ بالإسكندرية، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة عالم ثبت من الثالثة.
٥ - (أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، تقدم في ١/ ١.
رجال السند الثاني: ستة
١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخَثْعَمي بمثلثة أبو إسحاق المقْسَمي بكسر الميم، المصيصي، عن مَخْلد بن يزيد، والحارث بن عطية، وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، في تفسيره، وثقه النسائي. مات سنة ٢٢٩ قاله أبو إسحاق إبراهيم بن الأدهم السوقيني، وفي (ت) ثقة من الحادية عشرة.
٢ - (حجاج) بن محمَّد الأعور المصيصي، أبو محمَّد الترمذي الأصل، نزيل بغداد، ثم المصيصة، ثقة ثبت من [٨] تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو الوليد، وأبو خالد المكي الفقيه أحد الأعلام، عن ابن أبي مليكة وعكرمة، وعن طاوس مسألة، ومجاهد، ونافع، وخلق، وعنه يحيى ابن سعيد الأنصاري أكبر منه، والأوزاعي، والسفيانان، وخلق. قال ابن المديني: لم يكن في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج. وقال أحمد: إذا قال: أخبرنا وسمعت حسبك به. وقال ابن معين: ثقة إذا رَوَى من الكتاب. وقال أبو نعيم: مات سنة ١٥٠ أو بعدها وقد جاز ٧٠، أخرج له الجماعة. اهـ صة، وفي (ت) فقيه فاضل، وكان يدلس، ويرسل من السادسة.
٤ - (زياد بن سعد) الخراساني أبو عبد الرحمن المكي نزيل اليمن، عن الزهري، وأبي الزبير، وعنه ابن جريج، وهمام بن يحيى،
[ ٢ / ١١٣ ]
ومالك. قال النسائي: ثقة ثبت أخرج له الجماعة اهـ صة، وفي (ت) ثقة ثبت، قال ابن عيينة: أثبت أصحاب الزهري من السادسة.
٥ - (ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد) هو ثابت بن عياض الأحنف المدني، مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي، عن أبي هريرة، وعنه سليمان الأحول، ومالك، قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ثقة أخرج له البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي. اهـ صة، وفي (ت) ثقة من الثالثة.
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١.
رجال الإسناد الثالث: سبعة
كلهم تقدموا في السند الذي قبله إلا اثنين:
١ - (هلال بن أسامة) هو هلال بن علي بن أسامة نسب إلى جده، ويقال ابن هلال القرشي، العامري، المدني، عن أنس وعطاء بن يسار، وعنه سعيد بن أبي هلال، ومالك، وفليح، قال النسائي: ليس به بأس، قال الواقدي: مات في آخر خلافة هشام بن عبد الملك، أخرج له الجماعة. اهـ صة بزيادة.
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: هلال بن علي، ويقال هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال العامري مولاهم المدني، وبعضهم نسبه إلى جده، فقال: ابن أسامة، روى عن أنس بن مالك، وعبد الرحمن ابن أبي عمرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وأبي ميمونة المدني. وروى عنه يحيى بن أبي كثير، وزياد بن سعد، ومالك، وفليح، وسعيد بن أبي هلال، وعبد العزيز بن الماجشون. قال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدارقطني: هلال بن علي ثقة، وقال مسلمة في
[ ٢ / ١١٤ ]
الصلة: ثقة قديم اهـ باختصار، وفي (ت) ثقة من الخامسة مات سنة بضع عشرة ومائة. أخرج له الجماعة.
٢ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ثقة ثبت فقيه من [٣] تقدم في ١/ ١.
لطائف الأسانيد الثلاثه
من لطائف الإسناد الأول: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم مدنيون إلا شيخ المؤلف فهو بغلاني -قرية من قرى بلخ-.
ومنها: أنهم ثقات أجلاء، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
ومنها: أن فيه مَنْ لُقِّب بكنية، وله كنية أخرى، وهو أبو الزناد، فإنه لقب لا كنية، لقب به لسرعة فهمه، وكنيته أبو عبد الرحمن.
ومنها: أن فيه، الإخبار، والعنعنة.
ومنها: أن صحابيه أحد الكثرين السبعة، بل هو أكثرهم رواية، فإنه روى [٥٣٧٤] حديثا، وإلى السبعة أشار السيوطي في الألفية حيث قال:
وَالمْكثرُونَ في روَايَة الأثَرْ … أبُو هُرَيْرةَ يَليه ابْنُ عُمَرْ
وأنَسٌ وَالبَحْرُ كَالخْدُريِّ … وَجَابرٌ وَزَوْجَةُ النَّبيِّ
لطائف الإسناد الثاني:
منها: أنه من سداسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصيصيين -بكسر الميم
[ ٢ / ١١٥ ]
والصاد المهملة المشددة، وسكون الياء بعدها صاد مهملة: مدينة على ساحل البحر، قاله في اللباب- وهما شيخ المصنف، وشيخه فإنه مصيصي أيضا ترمذي الأصل، نزيل بغداد، ثم المصيصة كما تقدم، ومكيين وهما ابن جريج، وشيخه، فهو خراساني، ثم مكي، ثم يمني ومدنيين، وهما ثابت، وأبو هريرة، وأن فيه الإخبار والتحديث، والسماع، والعنعنة.
لطائف الإسناد الثالث:
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصيصين، ومكيين، ومدنيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه راو هو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وتقدم غير مرة، وهو أبو سلمة، وأن اسمه كنيته على الصحيح، وفيه الإخبار والتحديث، والسماع، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم) ظاهره العموم في الَانية، وهو يخرج ما كان من المياه في غيرالأنية.
وقيل: أصل الغسل معقول المعنى، وهو النجاسة، فلا فرق بين الإناء وغيره، وقال: العراقي: ذكر الإناء خرج مخرج الغالب لا للتقييد اهـ نيل جـ ١/ ص ٣.
وقال بعض المحققين: الإضافة هنا مُلْغى اعتبارها؛ لأن الطهارة لا تتوقف على ملكه، وكذا قوله "فليغسله" لا يتوقف أن يكون هو الغاسل اهـ.
وفي الرواية الثانية (إذا ولغ الكلب) أي شرب منه بلسانه، يقال:
[ ٢ / ١١٦ ]
ولغَ الكلبُ يَلَغُ وَلَغًا ووُلُوغا من بابي نفع وشرب، وحذفت واوه في المضارع، كما في يقع، ووَلغَ يَلَغ من بابي وعد وورث لغة، ويَوْلَغ مثل وَجِل يَوْجَل لغة أيضا، ويتعدى بالهمزة، يقال: أولغته: إذا سقيته، ويتعدى أيضا بالباء "ومن" "وفي" يقال: وَلَغ الكب بشرابنا، ومن شرابنا، وفي شرابنا، قال ابن الأثير: وأكثر ما يكون الولوغ في السباع اهـ. وقال في الفتح: وَلَغ يَلَغ بالفتح فيهما: إذا شرب بطرف لسانه فيه فحركه، وقال ثعلب: الولوغ أن يدخل لسانه في الماء، وغيره من كل مائع فيحركه، زاد ابن درستويه: شرب أو لم يشرب، قال ابن مكي: فإن كان غير مائع يقال: لعقه، وقال المطرزي: فإن كان فارغا يقال: لحسه اهـ المنهل جـ ١/ ص ٢٥٢.
(فيغسله سبع مرات) قال أبو البقاء: أصله مرات سبعا على الصفة، فلما قدمت الصفة وأضيفت إلى المصدر نصبت المصدر. اهـ زهر جـ ١/ ص ٥٣
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا حديث متفق عليه.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه: أخرج هذا الحديث كما قال العراقي الأئمة الستة خلا الترمذي، من طريق مالك هكذا، إلا أنه ليس في رواية اللؤلؤي، وابن داسة، وابن الأعرابي، عن أبي داود، وإنما هو في رواية أبي الحسن بن العبد عنه.
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وأخرجه الترمذي من رواية محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، ورواه النسائي من رواية ثابت بن عياض الأحنف، وأبي سلمة عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه أيضا من رواية أبي رزين عنه. اهـ طرح جـ ١/ ص ١١٩،
[ ٢ / ١١٧ ]
وأخرجه الطحاوي، والبيهقي، الدراقطني.
المسأله الثالثة: قال العراقي: قال ابن عبد البر في التمهيد: هكذا يقول مالك في هذه االحديث: "إذا شرب الكلب" وغيره من رواة حديث أبي هريرة هذا بهذا الإسناد، وبغيره على تواتر طرقه وكثرتها عن أبي هريرة وغيره كلهم يقول: "إذا ولغ الكلب" ولا يقولون شرب الكلب، وهو الذي يعرفه أهل اللغة، اهـ.
وسبقه إلى ذلك الحافظان أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، وأبو عبد الله محمَّد بن إسحاق بن منده، فقالا: إن مالكا تفرد بقوله: "شرب"، وليس كما ذكروا، فقد تابع مالكا على قوله "شرب" مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، وورقاء بن عمر، كما بينه ابن دقيق العيد في الإمام، على أن بعض الرواة عن مالك رواه عنه بلفظ "ولغ" كما رواه غيره، ورواه ابن ماجه من رواية رَوح بن عُبَادة عن مالك هكذا في بعض نسخ ابن ماجه، وفي بعضها "شرب"، وذكر أبو العباس أحمد بن طاهر الداني في أطراف الموطأ أن أبا علي الحنفي رواه عن مالك بلفظ "ولغ".
والمعروف عن مالك "شرب" كما اتفق عليه رُوَاةُ الموطأ اهـ كلام العراقي طرح. جـ ١ ص ١٢٠.
المسألة الرابعة: استدل بالأمر بالغسل من ولوغ الكلب على نجاسة سؤره ولعابه، وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي
ثور، ومحمد بن جرير الطبري، وأكثر أهل الظاهر.
وذهب مالك وداود إلى طهارته، قال ابن عبد البر: جملة ما ذهب إليه مالك، واستقر عليه مذهبه عند أصحابه أن سؤر الكلب طاهر، ويغسل الإناء من ولوغه سبعا تعبدا، واستحبابا أيضا لا إيجابا، قال:
[ ٢ / ١١٨ ]
ولا بأس عنده بأكل ما ولغ فيه الكلب من اللبن والسمن، وغير ذلك، ويستحب أن يهريق ما ولغ فيه من الماء، وقال في هذا الحديث: ما أدري حقيقته؟ وضعفه مرارا فيما ذكره ابن القاسم عنه أنه لا يغسل الإناء من ولوغ الكلب إلا في الماء وحده، وروى ابن وهب أنه يغسل من الماء وغيره، ويؤكل الطعام، ويغسل الإناء بعدُ تعبدا، أو لا يراق شيء من الطعام، وإنما يهراق الماء عند وجوده ليسارة مؤنته.
وقال داود: سؤره طاهر، وغسل الإناء منه سبعا فرض، ويتوضأ بالماء، ويؤكل الطعام والشراب الذي ولغ فيه.
ويرد قول مالك وداود ما ثبت في صحيح مسلم من الأمر بإراقته، رواه من رواية علي بن مسهر أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرقْه، ثم ليغسله سبع مرات"، قال النسائي: لا أعلم أحدا تابع علي بن مسهر على قوله "فليرقه" وكذا قال أبو عبد الله بن منده أن علي بن مسهر تفرد بالأمر بالإراقة فيه.
وقال ابن عبد البر: لم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ مثل شعبة وغيره، وكذا قال حمزة بن محمَّد الكناني: لم يروها غير علي بن مسهر، قال: وهذه الزيادة في قوله "فليرقه" غير محفوظة.
قال العراقي: قلت: وهذا غير قادح فيه فإن زيادة الثقة مقبولة عند أكثر العلماء من الفقهاء والأصوليين، والمحدثين، وعلي بن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحدا تكلم فيه، فلا يضره تفرده به. وكذلك ما حكاه ابن القاسم عن مالك من كونه ضعف أصل الحديث فما أدري ما وجه ضعفه، وقد أنكر مالك ﵀ على أهل
[ ٢ / ١١٩ ]
العراق ردهم لحديث المُصَرَّاة، وهو بهذا الإسناد من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فرَوَى ابنُ وهب عن مالك أنه قال: وهل في هذا الإسناد لأحد مقال؟ وصدق ﵀، وقال البخاري: ان هذا الإسناد أصح أسانيد أبي هريرة.
وقال ابن دقيق العيد: والحمل على التنجيس أولى لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدا وكونه معقول المعنى، فالمعقول المعنى أولى لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى. اهـ طرح جـ ١/ ص ١٢٢.
ونقل في المنهل جـ ١/ ص ٢٢٥: إن في سؤر الكلب في مذهب مالك أربعة أقوال:
أحدها: أنه طاهر، وهو قول ابن وهب وأشهب؛ لأن الكلب سبع من السباع، وهي طاهرة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، لكن روايته عن مالك فيه أن الكلب ليس كغيره من السباع.
الثاني: أنه نجس كسائر السباع، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، لما جاء عن النبي - ﷺ - من الأمر بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه.
الثالث: الفرق بين الكلب المأذون في اتخاذه وغيره، وهو أظهر الأقوال لأن علة الطهارة التي نص النبي - ﷺ - عليها في الهرة موجودة في الكلب المأذون في اتخاذه.
الرابع: الفرق بين البدوي والحضري، وهو قول ابن الماجشون في رواية أبي زيد عنه.
فمن رأى سؤر الكلب طاهرا قال: أمر النبي - ﷺ - بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه عبادة لا لعلة، ومن رآه نجسا قال: ما يقع له الإنقاء من الغسلات واجب للنجاسة، وبقية السبع غسلات تعبد، لا لعلة كالأمر
[ ٢ / ١٢٠ ]
في الاستنجاء بثلاثة أحجار، الواجب منها ما يحصل به الإنقاء وبقية الثلاثة تعبد. اهـ المنهل.
قال الحافظ في الفتح: ودعوى بعض المالكية أن المأمور بالغسل من ولوغه الكلب المنهي عن اتخاذه دون المأذون فيه تحتاج إلى ثبوت تقدم النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل، وإلى قرينة تدل على أن المراد ما لم يؤذن في اتخاذه؛ لأن الظاهر من اللام في قوله الكلب أنها للجنس، أو لتعريف الماهية، فيحتاج المدعي أنها للعهد إلى دليل.
ومثله تفرقة بعضهم بين البدوي والحضري، ودعوى أن ذلك مخصوص بالكَلْب الكَلب، وأن الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطب لأن الشارع اعتبر السَّبعْ في مواضعِ منه كقوله "صُبُّوا علي من سبع قرب" وقوله "مَنْ تصبَّح بسبع تمرات عَجْوَة".
وتعقب بأن الكَلْب الكَلب لا يقرب الماء فكيف يؤمر بالغسل عن ولوغه، وأجاب حفيد ابن رشد: بأنه لا يقرب الماء بعد استحكام الكَلَب منه، أما في ابتدائه فلا يمتنع، وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه يستلزم التخصيص بلا دليل، والتعليل بالتنجيس أقوى لأنه في معنى المنصوص، وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب لأنه رجس، ورواه محمَّد بن نصر المروزي بإسناد صحيح، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه اهـ كلام الحافظ.
وقال الشوكاني في النيل جـ ١/ ص ٦٤: واستدل بهذا الحديث على نجاسة الكلب لأنه إذا كان لعابه نجسا، وهو عَرَقُ فمه ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك لأن لعابه جزء من فيه، وفمه أشرف ما فيه، فبقية بدنه أولى، وقد ذهب إلى هذا الجمهورُ، وقال عَكرمة ومالك في رواية عنه أنه طاهر، ودليلهم قول الله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا
[ ٢ / ١٢١ ]
أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ولا يخلوا الصيد عن التلوث بريق الكلاب، ولم نؤمر بالغسل.
وأجيب عن ذلك: بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم، ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه، واستدلوا أيضا بما ثبت عند أبي داود من حديث ابن عمر بلفظ: "كانت الكلاب تُقْبل وتدبر في زمان رسول الله - ﷺ - في المسجد، فلم يكونوا يرشون من ذلك" وهو في البخاري، وأخرجه الترمذي بزيادة "وتبول" ورد بأن البول مجمع على نجاسته، فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد حجة يعارَضُ بها الإجماع، وأما مجرد الإقبال والإدبار، فلا يدلان على الطهارة، وأيضا يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة، أو لطهارة الأرض بالجَفَاف، قاله المنذري: إنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، ثم تقبل وتدبر في المسجد.
قال الحافظ: والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على
أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها.
واستدلوا على الطهارة أيضا بما سيأتي من الترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع، وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، غاية الأمر انه تكليف سياق، وهو لا ينافي التعبد به. اهـ نيل جـ ١/ ص ٤.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي قول الجمهور، وهو نجاسة ولوغ الكلب لحديث أبي هريرة عند مسلم "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه" الحديث، ولحديث الأمر بالإراقة الآتي إن شاء الله تعالى في
[ ٢ / ١٢٢ ]
٥٢/ ٦٦. وأما سائر أجزائه فلم يقم دليل على نجاسته، فهو باق على أصل البراءة الأصلية، فتفطن. والله أعلم.
المسألة الخامسة: استدل بهذا الحديث على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب.
وإليه ذهب ابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، وإسحق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود.
وذهبت العترة والحنفية إلى عدم الفرق بين لعاب الكلب وغيره من النجاسات، وحملوا حديث السبع على الندب، ومما احتج به للحنفية ومن تبعهم، حديث يرويه عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - في الكلب يلغ في الإناء قال: "يغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا".
والجواب عنه: أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ لأن راويه عبد الوهاب مجمع على ضعفه وتركه، قال العقيلي والدارقطني: متروك الحديث، وقال البخاري: عنده عجائب، وقال ابن أبي حاتم:
قال أبي: كان عبد الوهاب يكذب، قال: وحدث بأحاديث كثيرة موضوعة فخرجت إليه فقلت: ألا تخاف الله ﷿؟ فضمن لي أن لا يحدث، فحدث بها بعد ذلك.
وفيه إسماعيل بن عياش اتفق على ضعفه في روايته عن الحجازين، واختلف في روايته عن الشاميين، وقد روى هذا الحديث عن هشام بن عروة، وهو حجازي، فلا يحتج به، أفاده النووي في المجموع
جـ ٢/ ص ٥٨١ - ٥٨٢.
[ ٢ / ١٢٣ ]
واحتجوا بما رواه الطحاوي، والدارقطني موقوفا على أبي هريرة أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات، وهو الراوي للغسل سبعا، فثبت بذلك نسخ السبع، وهو مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب العمل بتأويل الراوي وتخصيصه ونسخه، وغيرُ مناسب لأصول الجمهور من عدم العمل به.
ويحتمل أن أبا هريرة أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع، لا وجوبها، أو أنه نسي ما رواه، وأيضا قد ثبت عنه أنه أفتى بالغسل سبعا، ورواية من روى عنه موَافَقَةَ فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتَها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، أما من حيث الإسناد، فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد، والمخالفة من رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير، قاله الحافظ في الفتح.
وأما من حيث النظر فظاهر، وأيضا قد روى التسبيع غير أبي هريرة، فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره، وعلى كل حال فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله - ﷺ -.
ومن جملة أعذارهم عن العمل بالحديث: أن العَذرَة أشد نجاسة من سؤر الكلب ولم يقيِّد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب أولى، ورُدَّ بأنه لا يلزم كونها أشد في الاستقذار أن لا يكون الولوغ أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار.
ومنها أيضا: أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نهي عن قتلها نسخ الأمر بالغسل، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدًّا لأنه من رواية أبي هريرة، وعبد الله ابن مغفل، وكان إسلامهما سنة سبع، وسياق حديث ابن مغفل ظاهر
[ ٢ / ١٢٤ ]
في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب فإنه قال: "أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب" ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب" ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم، وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعَفِّرُوه الثامنة بالتراب" رواه الجماعة إلا البخاري
والترمذي، أفاده في نيل جـ ١/ ص ٦٣.
المسألة السادسة: قد ذكر العلامة المباركفوري في تحفته تنبيهات نفيسة في رد تعصبات بعض الحنفية في هذه المسألة، وأنا أسوقها برمتها لنفاستها: قال رحمه الله تعالى:
تنبيه: ذكر النَّيموي فعل أبي هريرة عن عطاء عن أبي هريرة: أنه إذا ولغ الكلب في الإناء غسله ثلاث مرات" قال رواه الدارقطني وآخرون، وإسناده صحيح، ثم ذكر قول أبي هريرة عن عطاء عن أبي
هريرة قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات" قال: رواه الدارقطني والطحاوي وإسناده صحيح انتهى.
قال المباركفوري: قلت: مدار فعل أبي هريرة، وقوله على عبد الملك بن أبي سليمان لم يروهما غيره، وهو وإن كان ثقة لكن كان له أوهام، وكان يخطئ.
قال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام، وقال الخزرجي في الخلاصة: قال أحمد: ثقة يخطئ، قال الدارقطني بعد روايته هذا موقوف، ولم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء اهـ قال البيهقي: تفرد به عبد الملك من أصحاب عطاء، ثم أصحاب أبي هريرة، والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء، وأصحاب أبي هريرة يروون سبع مرات، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف
[ ٢ / ١٢٥ ]
الثقات، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض روايته، تركه شعبة بن الحجاج، ولم يحتج به البخاري في صحيحه. انتهى.
كذا ذكر العيني كلام البيهقي في شرح البخاري، ولم يتكلم عليه، إلا أنه نقل عن أحمد والثوري أنه من الحفاظ، وعن الثوري: هو ثقة فقيه متقن، وعن أحمد بن عبد الله ثقة ثبت في الحديث، وقد عرفت أنه ثقة يخطئ، وله أوهام، ولم يحتج به البخاري في صحيحه فكيف ما رواه مخالفا، وقد ثبت عن أبي هريرة بإسناد أصح من هذا أنه أفتى بغسل الإناء سبع مرات موافقا لحديثه المرفوع، ففي سنن الدارقطني جـ ١/ ص ٦٤: حدثنا المحاملي نا حجاج بن الشاعر، نا عارم نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمَّد، عن أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء قال: يهراق، ويغسل سبع مرات، قال الدارقطني: صحيح موقوف. انتهى.
وقول أبي هريرة هذا أرجح، وأقوى إسنادا من قوله وفعله المذكورين المخالفين لحديثه المرفوع، كما عرفت في كلام الحافظ، فقوله الموافق لحديثه المرفوع يقدم على قوله وفعله المذكورين.
وأما قول النَّيمُوي في التعليق: ولم يرو أحد من أصحابه، يعني أصحاب أبي هريرة أثرا من قوله أو فعله خلاف ما رواه منه عطاء، إلا ابن سيرين في رواية عند البيهقي، قال في المعرفة: وروينا عن حماد بن زيد ومعتمر بن سليمان، عن أيوب، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة من قوله نحو روايته عن النبي - ﷺ - قال: ولم يذكر السند حتى ينظر فيه. انتهى، فمبني على قصور نظره، أو على فرط تعصبه، فإن البيهقي وإن لم يذكرسنده، فالدارقطني ذكره في سننه، وقال بعد
[ ٢ / ١٢٦ ]
روايته: صحيح موقوف، وقد صرح الحافظ في الفتح بأن سنده أرجح وأقوى من سند قوله المخالف لحديثه.
والعجب من النَّيمُوي أنه رأى في سنن الدارقطني قول أبي هريرة المخالف لروايته، ونقله منه، ولم ير فيه قوله الموافق لحديثه، وكلاهما مذكوران في صفحة واحدة.
تنبيه آخر: قال صاحب العرف الشذي: وجواب الحديث من قبلنا: إن التسبيع مستحب عندنا كما صرح به الزيلعي شارح الكنز، ثم وجدته مرويًا عن أبي حنيفة في تحرير ابن الهمام. انتهى.
قال المباركفوري ﵀: فبطل بهذا قولكم بادعاء نسخ التسبيع يا معشر الحنفية، ثم حمل الأمر بالتسبيع على الاستحباب ينافيه قوله - ﷺ - "طهور إناء أحدكم" الحديث. ثم قال: (يعني صاحب العرف الشذي) ولو كان التسبيع واجبا كيف اكتفى بالتثليث؟ قلت: تقدم جوابه في كلام الحافظ.
ثم قال: أيضا وفتوى التثليث مرفوعة في كامل ابن عدي عن الكرابيسي، وهو حسين بن علي تلميذ الشافعي، وهو حافظ إمام، فالحديث حسن أو صحيح.
قال المباركفوري: قلت: تفرد برفعها الكرابيسي، ولم يتابعه على ذلك أحد، وقد صرح ابن عدي في الكامل بأن المرفوع منكر، قال الحافط في لسان الميزان: ما لفظه: قال يعني ابن عدي: حدثنا أحمد بن
الحسن، ثنا الكرابيسي، ثنا إسحاق الأزرق، ثنا عبد الملك، عن عطاء، عن الزهري، رفعه "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات".
ثم أخرجه ابن عدي من طريق عمر بن شَبَّةَ، عن إسحاق موقوفا،
[ ٢ / ١٢٧ ]
ثم قال: تفرد الكرابيسي برفعه، وللكرابيسي كتب مصنفة ذكر فيها الاختلاف، وكان حافظا لها، ولم أجد له منكرا غير ما ذكرت. انتهى ما في اللسان.
فقول صاحب العرف الشذي: فالحديث حسن أو صحيح، ليس مما يلتفت إليه.
تنمبيه آخر: للعيني تعقبان على كلام الحافظ الذي نقلناه عن الفتح كلها مخدوشة واهية، لا حاجة إلى نقلها، ثم دفعها، لكن لما ذكرها صاحب بذل الجهود، وصاحب "الطِّيب الشَّذي"، وغيرهما، واعتمدوا عليها، فعلينا أن نذكرها، ونظهر ما فيها من الخدشات.
قال العيني: كون الأمر بقتل الكلاب في أوائل الهجرة يحتاج إلى دليل قطعي ولئن سلمنا ذلك، فكان يمكن أن يكون أبو هريرة، وابن المغفل، قد سمعا ذلك من صحابي آخر فأخبرا عن النبي - ﷺ - لاعتمادهما صدق الراوي عنه؛ لأن الصحابة كلهم عدول. انتهى.
قلت: (القائل المباركفوري) قد رد هذا التعقب المولوي عبد الحي اللكنوي في السعاية ردًا حسنا، فقال: وهذا تعقب غير مرضي عندي، فإن كون رواية أبي هريرة، وابن المغفل بواسطة صحابي آخر احتمال مردود، لورود سماع أبي هريرة عن النبي - ﷺ - وشهادته على أبلغ وجه بسماعه، أخرجه ابن ماجه عن أبي رَزين قال: رأيت أبا هريرة يضرب جبهته بيده، ويقول. يا أهل العراق: أنتم تزعمون أني أكذب على رسول الله - ﷺ - ليكون لكم المهْنَأْ وعليَّ الإثم، أشهد أني لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات"، وكذا ابن المغفل سمع أمر قتل الكلاب كما أخرجه الترمذي عنه وحسنه، قال: إني لممن يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول الله - ﷺ - وهو
[ ٢ / ١٢٨ ]
يخطب، فقال: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم، وما من أهل بيت يرتبطون كلبا، إلا نقص من عملهم كل يوم قيراط، إلا كلب صيد، أو كلب حرث، أو كلب غنم".
فهذا يدل على أنه سمع بلا واسطة نسخ عموم القتل، والرخصة في كلب الصيد ونحوه، وظاهر سياق مسلم عنه أن الأمر بالغسل وقع بعد ذلك، ويدل عليه صريحا رواية الطحاوي في شرح معاني الآثار عنه، قال: إن النبي - ﷺ - أمر بقتل الكلاب، ثم قال: "مالي وللكلاب؟ " ثم قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب" فدل ذلك صريحا على أن الأمر بالغسل سبعا كان بعد نسخ الأمر بقتل الكلاب لا في ابتداء الإسلام انتهى ما في السعاية.
قال العيني: بعد ذكر احتمال اعتقاد الندب والنسيان: هذه إساءة ظن بأبي هريرة، فالاحتمال الناشئ من غير دليل، لا يسمع. انتهى.
قال المباركفوري: قد رده صاحب السعاية، فقال: احتمال النسيان، واعتقاد الندب، ليس بإساءة ظن، وليس فيه قدح بوجه من الوجوه. انتهى.
قال المباركفوري: وفي احتمال اعتقاد الندب كيف يكون إساءة الظن، وقد قال صاحب العرف الشذي: وجواب الحديث من قبلنا أن التسبيع مستحب عندنا، كما صرح به الزيلعي شارح الكنز، ثم وجدته مرويا عن أبي حنيفة في تحرير ابن الهمام. انتهى.
قال العيني بعد ما ذكر أن قياس سؤر الكلب على العذرة قياس في مقابلة النص وهو فاسد إلاعتبار ما لفظه: ليس هو قياسا في مقابلة النص، بل هو من باب ثبوت الحكم بدلالة النص انتهى.
قال المباركفوري: قلت: قد رده صاحب السعاية، فقال: هذا لو
[ ٢ / ١٢٩ ]
تمَّ لدَلَّ على تطهير الإناء من سؤر الكلب واحدا أو ثلاثا بدلالة النص، وأحاديث السبع دالة بعبارتها على اشتراط السبع، وقد تقرر في الأصول أن العبارة مقدمة على الدلالة، قال: وأيضا هذا منقوض بنقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة مع عدم نقضه بسب المسلم في الصلاة، وهو أشد منه، فالجواب الجواب. انتهى.
وإن شئت الوقوف على ما بقي من تعقباته مع بيان ما فيها من الخدشات، فارجع إلى السعاية.
تنبيه أخر: اعلم أن الشيخ ابن الهمام قد تصدَّى لإثبات نسخ أحاديث السبع، فذكر فيه تقريرات في فتح القدير، وقد رد تلك التقريرات صاحب السعاية ردًا حسنا، وقال في أول كلامه عليها: ما لفظه: وفيه على ما أقول خدشات تنبهك على أن تقريره كله ناشئ عن عصبية مذهبية، وقال في آخر كلامه عليها: ما لفظه: فتأمل في هذا المقام، فإن المقام من مَزَالّ الأقدام، حتى زَلَّ قدم ابن الهمام. انتهى إلى آخر كلام العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٣٠٦.
المسألة السابعة: قال العراقي: استدل بقوله "في إناء أحدكم" على أنه إنما يغسل من ولوغ الكلب إذا كان ولوغه في إناء، أما إذا ولغ في ماء مستنقع فإنه لا يغسل منه، ولا ينجسه، وإن كان الماء قليلا حكاه الطحاوي عن الأوزاعي، وهو قول شاذ، فإن ذلك لم يخرج مخرج القيد، وإنما خرج مخرج الغالب، لكون الغالب وضع مياههم وأطعماتهم في الآنية. والله أعلم اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٢٠.
المسألة الثامنة: قال العراقى أيضا: استدل بعض الظاهرية بقوله "إذا ولغ" أو "إذا شرب" على أن هذا الحكم لا يتعدى الولوغ والشرب، لأن مفهوم الشرط حجة عند الأكثرين ومفهومه أن الحكم ليس كذلك عند
[ ٢ / ١٣٠ ]
عدم الشرط، وهو الولوغ، فذهب قائل هذا إلى أنه لو وقع لعابه في الإناء من غير أن يلغ فيه أنه لا يغسل الإناء منه ولا يتنجس ما فيه، وكذلك لو وقع في الماء غير فمه من أعضائه كيده أو رجله لا ينجس، وكذا لو بال في الإناء، أو تغوط فيه لا يجب غسله سبعا، وإنما يغسل مرة كسائر النجاسات لتقييد الأمر بالولوغ، أو الشرب وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي في غير لعابه أنه إنما يغسل منه مرة وإن كان بولا أو عذرة أو دما حكاه الرافعي، وقال النووي في الروضة: إنه شاذ، ولكنه عبر عن
اللعاب بالولوغ فاقتضى أن تناثر لعابه يكفي فيه الغسل مرة عند صاحب هذا الوجه، وليس كذلك، وقد رجحه النووي في شرح المهذب بقوله: إنه متجه قوي من حيث الدليل لأن الأمر بالغسل سبعا من الولوغ إنما كان لتنفيرهم عن مؤاكلة الكلاب. انتهى.
والمذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي، وجزم به عامة أصحابه، وجوب التسبيع في سائر أجزاء الكلب، وأنه إنما نص على الولوغ لكونه الغالب فيما تصيبه الكلاب من الأواني، فإنها إنما تقصد الأكل والشرب من الأواني، فخرج بذلك مخرج الغالب لا مخرج الشرط. قال الشافعي ﵁: وجميع أعضاء الكلب يده، أو ذنبه، أو رجله، أو عضو من أعضائه، إذا وقع في الإناء غسل سبع مرات بعد هراقة ما فيه، قال: وفي قول رسول الله - ﷺ - في الهرة "ليست بنجس" دليل على أن في الحيوان من البهائم ما هو نجس، وهو حي، وما ينجس بولوغه.
قال: ولا أعلمه إلا الكلب المنصوص عليه، ثم ذكر الخنزير، هكذا حكاه ابن عبد البر في التمهيد عن الشافعي، وفي الاستدلال به على نجاسة الكلب نظر لأنه مفهوم لقب، وليس بحجة عند الجمهور، فلا
يلزم من كون الهرة ليست بنجسة أن يكون غيرها نجسا، وقول الرافعي:
[ ٢ / ١٣١ ]
إن وجه الاستدلال من هذا الحديث على نجاسة الكلب مشهور أشار بذلك إلى زيادة ذكرها بعض أصحابنا من الفقهاء في تصانيفهم، وهي أن رسول الله - ﷺ - كان يأتي دار قوم من الأنصار، ودونهم دار، فشق ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله تأتي دار فلان، ولا تأتي دارنا: فقال النبي - ﷺ -: "إن في داركم كلبا، قالوا: في دارهم سنَّوْرًا، فقال النبي - ﷺ -: "إنها ليست بنجس" فلو ثبتت هذه الزيادة هكذا كان وجه الاستدلال منه مشهورا، إلا أنه لا يعرف أصلا في شيء من كتب الحديث هكذا، وقد رواه بهذه الزيادة الإمام أحمد في مسنده، والدارقطني في سننه، والحاكم في المستدرك من رواية عيسى بن المسيب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، إلا أنهما لم يقولا: إنها ليست بنجس، وإنما قالا: فقال النبي - ﷺ - "السنور سبع" وقال الدارقطني بعد تخريجه: وعيسى بن المسيب صالح الحديث، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وعيسى بن المسيب ينفرد عن أبي زرعة، إلا أنه صدوق، ولم يجرح قط.
قال العراقي: بلى جرحه ابن معين، وأبوداود، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني، في غير هذا الموضع، وليس في هذا اللفظ ما يقتضي نجاسة الكلب، وإنما فيه اجتناب دخول الدار التي فيها كلب، وفيه أن الكلب ليس بسبع، وكأنه إنما ذكر ذلك لكونهم كانوا قد علموا طهارة سؤر السباع، فبين لهم أن الهرة سبع ليعلموا طهارة فمها بخلاف الكلب فإنه ليس بسبع والله أعلم اهـ جـ ٢/ ص ١٢٣.
المسألة التاسعة: قال العراقي أيضا: استدل بهذا الحديث على أنه يجب الغسل من ولوغ الكلب على الفور؛ لأن الأمر يقتضي الفورية عند أكثر الفقهاء، وهو المختار، وينبغي أن يجري الخلاف الذي حكاه الماوردي في وجوب إراقة الإناء الذي ولغ فيه الكلب على الفور،
[ ٢ / ١٣٢ ]
والأكثرون على أن الفورية مستحبة فإذا أراد استعمال الإناء وجبت الإراقة. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٢٥.
المسألة العاشرة: قال العراقي أيضا: هل تتعدد الغسلات الواجبة في ولوغ الكلب بتعدد الولغات من كلب واحد أو كلبين، فأكثر فيه خلاف بين أصحابنا، والأصح أنه يكفي للجميع سبع، وقيل: يجب لكل ولغة سبع، وقيل: يكفي السبع في ولغات الكلب الواحد، وتتعدد بتعدد الكلاب، وكذلك لو تنجس بنجاسة أجنبية غير الكلب لم تجب الزيادة على السبع بل يندرج الأصغر في أكبر، كالحدث على الصحيح، وادعى النووي وابن الرفعة نفي الخلاف فيه، وليس بجيد، ففيه وجه حكاه الرافعي في الشرح الصغير أنه يجب غسله للنجاسة الأجنبية.
المسألة الحادية عشرة: من جعل العلة في التسبيع من ولوغ الكلب كونه منهيا عن اتخاذه واقتنائه كما تقدم حكايته عن بعضهم عدَّى حكم الكلب إلى الخنزير؛ لأنه منهي عن اقتنائه مطلقا بخلاف بعض الكلاب المتخذة للصيد والزرع، فهو إذا أسوأ حالًا من الكلب في ذلك، وهذا قول الشافعي الجديد أنه يجب الغسل منه سبعا كالكلب، وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يجب التسبيع من نجاسة الخنزير، ويقتصر في التسبيع على مورد النص، وهو قول قديم للشافعي، قال النووي في شرح مسلم: وهو قوي في الدليل، وكذا قال في شرح المهذب إنه الراجح من حيث الدليل، قال: وهذا هو المختار؛ لأن الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع، لا سيما في هذه المسألة المبنية على التعبد، وذكر نحوه في شرح الوسيط، بل ذهب كثير من العلماء إلى طهارة الخنزير، ومن ادعى من أصحابنا الإجماع على نجاسته فقد أخطأ لوجود الخلاف فيه والله أعلم، قاله العراقي ﵀ طرح جـ ٢/ ص ١٢٦.
[ ٢ / ١٣٣ ]
قال الجامع: هذا الذي اختاره النووي هو التحقيق الراجح عندي لما ذكره والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة: محل الأمر بغسل الإناء سبعا من نجاسة الكلب، وكذلك محل الأمر بالإراقة هو ما إذا كان ما في الإناء مائعا، أما إذا كان جامدا، فإن الواجب حينئذ إلقاء ما أصاب الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء حينئذ إلا إذا أصابه فم الكلب مع وجود الرطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعا، كالفأرة تقع في السمن سواء، ولقائل أن يقول: ليست هذه الصورة داخلة في الحديث؛ لأنه إن كان ما فيه جامدا لا يسمى أخْذُ الكلب منه شربا، ولا ولوغا بل هو أكل، وإنما الولوغ الأخذ بطرف اللسان، أفاده العراقي ﵀ جـ ٢/ ص ١٢٦.
قال الجامع: وهذا الذي قاله العراقي آخرًا حسن جدًا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
[ ٢ / ١٣٤ ]