أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على الأمر بإراقة ما في الإناء من الماء وغيره إذا ولغ فيه الكلب.
والإراقة: مصدر أراق الشيء: إذا صبه.
قال في المصباح: راق الماءُ وغيرُه، رَيْقًا من باب باع: انصَبَّ، ويتعدى بالهمزة فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُريق والمفعول مُرَاق، وتبدل الهمزة هاء فيقال: هراقه، اهـ وقد مضى تحقيق هذا في باب "ترك التوقيت في الماء".
٦٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَنَا (^١) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيُرِفْهُ، ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَلِيَّ بْنَ مُسْهِرٍ عَلَى قَوْلِهِ "فَلْيُرِقْهُ".
رجال الإسناد: سته
١ - (علي بن حجر) بضم فسكون السعدي المروزي ثقة من
_________________
(١) وفي نسخة أخبرنا.
[ ٢ / ١٣٥ ]
صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (علي بن مسهر) بصيغة اسم الفاعل، القرشي أبو الحسن الكوفي الحافظ، عن الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وعنه خالد بن مخلد، وهناد، وعبيد بن محمَّد المحاربي، وثقه ابن معين، قال ابن منجويه: مات سنة ١٨٩. أخرج له الجماعة اهـ صة وفي (ت) ثقة له غرائب بعد ما أضَرَّ من الثامنة.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الثقة ثبت من [٥] تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (أبو رَزين) بفتح الراء وكسر الزاي، مسعود بن مالك؛ الأسدي الكوفي. عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وغيرهم، وعنه ابنه عبد الله، وعاصم بن أبي النَّجُود، والأعمش، وغيرهم، وثقه أبو زرعة، مات سنة ٨٥، وهو غير أبي رَزين عبيد الذي قتله عبيد الله بن زياد بالبصرة، ووهم من خلطهما، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة اهـ صة بزيادة، وفي (ت) ثقة فاضل من الثانية.
٥ - (أبو صالح) السمان ذكوان المدني ثقة من [٣] تقدم في ٣٦/ ٤٠.
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزي، وهو شيخه، وكوفيين وهما: علي بن مسهر، وأبو رزين، ومدنيين: وهما أبو صالح، وأبو هريرة، وأن فيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، والقول.
ومنها: أنه يقرأ قبل قوله: "عن أبي هريرة" لفظ "كلاهما" كما تقدم غيرة مرّة.
[ ٢ / ١٣٦ ]
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا ولغ الكلب) قال النووي ﵀: قال أهل اللغة يقال: وَلَغَ الكلب يَلَغ بفتح اللام فيهما، وحكى أبو عمر الزاهد عن ثعلب عن ابن الأعرابي أن من العرب من يقول: ولِغ بكسرها، والمصدرمنها ولَغًا ووُلوغا، ويقال: أولغه صاحبه، قال: الولوغ في الكلب، والسباع كلها: أن يدخل لسانه في المائع فيحركه، ولا يقال: ولغ بشيء من جوارحه غير اللسان، ولا يكون الولوغ لشيء من الطير، إلا الذباب، ويقال: لَحَسَ الكلبُ الإناءَ، وقَفَنَه ولَجَنَه ولَجَدَه بالجيم فيهما كله بمعنى، إذا كان فارغًا، فإن كان فيه شيء، قيل: ولغ، وقال صاحب المطالع: الشرب أعم من الولوغ فكل ولوغ شرب، ولا عكس. قال الجوهري: قال أبو زيد: يقال: ولغ الكلب بشرابنا، وفي شرابنا ومن شرابنا. والله أعلم. اهـ المجموع جـ ٢/ ص ٥٨٨.
(في إناء أحدكم) تقدم عن العراقي أن ذكر الإناء خرج مخرج الغالب، فلا فرق بين الإناء وغيره، وكذا إلغاء اعتبار الإضافة، فلا يشترط كون الإناء ملكه، وكذا قوله (فليرقه) أي ليصبه (ثم ليغسله) لا يشترط أن يكون المريق، والغاسل صاحب الإناء (سبع مرات) تقدم إعرابه.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي صاحب الكتاب (لا أعلم أحدا تابع علي بن مسهر على قوله "فليرقه") يعني أنه تفرد بزيادة "فليرقه" على غيره من أصحاب الأعمش، فإنهم كلهم قالوا: "فليغسله سبع مرات" وكذا قال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة.
وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي
[ ٢ / ١٣٧ ]
معاوية، وشعبة. وقال ابن منده: لا نعرف عن النبي - ﷺ - بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف ﵀ أراد بهذا تضعيف هذه الزيادة بسبب تفرد علي بن مسهر بها، ومثله حمزة الكناني وابن عبد البر، وابن منده. ولكن غيرهم لم يضعفوها، بل قالوا: إنها زيادة ثقة، فتقبل، ولذا أخرجها مسلم في صحيحه، وقال الحافظ العراقي بعد نقل كلامهم ما نصه: قلت: وهذا غير قادح فيه، فإن زيادة الثقة مقبولة عند أكثر العلماء من الفقهاء والأصوليين، والمحدثين، وعلي ابن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحدا تكلم فيه فلا يضره تفرده به. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٢١ - ١٢٢.
وقال الدارقطني: إسناده حسن، رواته كلهم ثقات، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريقه ولفظه "فليهرقه" اهـ تلخيص الحبير جـ ١/ ص ٢٣.
وقال الحافظ: قد ورد الأمر بالإراقة من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا، أخرجه ابن عدي لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف، وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفا وإسناده صحيح، أخرجه الدارقطني وغيره. اهـ زهر.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تصحيح هؤلاء مقدم على تضعيف الأولين؛ لأن علي بن مسهر ثقة حافظ، وزيادته ليست منافية لروايات الآخرين، فتكون مقبولة، والله أعلم.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم كما مر آنفا، وأن العلة التي ذكرها المصنف لا تقدح فيه كما قال الحافظ العراقي.
[ ٢ / ١٣٨ ]
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٥ وفي الكبرى ٦٥ بالسند المذكور، وفي الزينة عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية عن الأعمش به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في الطهارة عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، وعن محمَّد بن الصباح، عن إسماعيل بن زكريا كلاهما، عن الأعمش، عن أبي رَزين، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، به. أفاده المزي.
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، والدارقطني، كما مر آنفا وابن حبان في صحيحه.
المسألة الرابعة: يستفاد من الأمر بالإراقة وكذا مما ثبت في صحيح مسلم وغيره من قوله "طهور إناء أحدكم" نجاسة ولوغ الكلب وهو الراجح من أقوال العلماء كما تقدم تحقيقه في الباب السابق، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ١٣٩ ]