أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب.
والتعفير: مصدر عَفَّر مضعفا، قال في المصباح: العَفَر بفتحتين وجه الأرض، ويطلق على التراب، وعَفَرت الإناء عَفْرًا من باب ضرب: دَلَكْتُهُ بالعَفَر، فانعفر هو، واعتفر، وعفَّرته بالتثقيل مبالغة،
فتعفر اهـ.
فمعنى قوله تعفير الإناء بالتراب: دَلْكُهُ به.
٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) القيسي أبو عبد الله (الصنعاني) (^١)
_________________
(١) "الصنعاني" نسبة إلى صنعاء بلدة من قواعد اليمن، والأكثر فيها المد، والنسبة إليها صنعاني بالنون، والقياس صنعاوي بالواو. اهـ المصباح.
[ ٢ / ١٤٠ ]
ثم البصري، روى عن يزيد بن زُريَعْ وعثَّام بن علي، وعنه مسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي وابن ماجه، وثقه أبوزرعة، وأبو حاتم، قال البخاري: مات سنة ٢٥٤، وفي (ت) ثقة من العاشرة، أخرجوا له إلا البخاري.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي، أبو عثمان البصري ثقة ثبت من [٨] تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي الواسطي ثم البصري الحجة المثبت من [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو التياح) بفتح المثناة والتحتانية الثقيلة يزيد بن حميد الضُّبَعي بضم المعجمة البصري أحد الأئمة، عن أنس، ومطرف بن عبد الله، وأبي عثمان النَّهْدي، وجب عة، وعنه هَمّام، والحمادان، وطائفة. قال أحمد: ثقة ثبت، قال عمرو بن علي: مات سنة ١٢٨، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة ثبت من الخامسة.
٥ - (مطرف) بن عبد الله بن الشِّخير العامري، الحَرَشي، بفتح المهملتين، آخره معجمة، أبو عبد الله البصري، أحد سادة التابعين، عن أبيه، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وجماعة، وعنه أخوه أبو العلاء، ويزيد الرِّشْك، وابن واسع، وطائفة: قال ابن سعد: ثقة له فضل، وَوَرعَ، وعقل، وأدب، ومن كلامه: عقول الناس على قدر زمانهم، فضل العلم أحب إلى من فضل العبادة وخير دينكم الورع. قال عمرو بن علي: مات سنة ٩٥، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة عابد فاضل من الثانية.
[ ٢ / ١٤١ ]
٤٦ - (عبد الله بن المغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء بن عبيد بن نهيم، صحابي نزل البصرة ﵁، وتقدم في ٣٢/ ٣٦.
(فائدة) يقال في ابن المغفل: ابن مغفل بدون "ال" وهي للمح الصفة، كالحسن، وحسن، قاله في زهر جـ ١/ ص ٥٤.
قال ابن مالك في الخلاصة:
وَبعْضُ الأعْلام عَلَيْه دَخَلَا … للَمْح مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقلا
كَالْفَضْل وَالحَارث وَالنُّعْمَانِ … فَذكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سيَّانِ
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وكلهم بصريون، وهذا من أغرب اللطائف فإن كونهم من بلدة واحدة وهم ثقات أجلاء قلما يتفق، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود في القدر.
وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، يزيد، عن مطرف، وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن المغفل) ﵁ (أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الكلاب) وسبب ذلك كما في صحيح مسلم عن ابن عباس، عن ميمونة ﵃: أن جبريل وَعَدَ النبي - ﷺ - أن يأتيه، فلم يأته، فقال النبي - ﷺ -: "أما والله ما أخلفني" قال: فَظَلَّ رسول الله - ﷺ - يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب كان تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل ﵇، فقال له: "قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، قال: أجل،
[ ٢ / ١٤٢ ]
ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة" فأصبح رسول الله - ﷺ - يومئذ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
وقيل: إنما أمر بذلك تغليظا عليهم؛ لأنهم كانوا مُولَعين به.
والأمر بقتل الكلاب كان أوّلا، ثم نسخ في غير الكلب الأسود والعقور، فقد أخرج مسلم عن جابر قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم نهى النبي - ﷺ - عن قتلها، وقال: "عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان".
وعن ابن عمر أنه - ﷺ - قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" رواه الجماعة إلا الترمذي، وإذا جاز للمحرم فغيره أولى.
قال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث بقتل الكلاب إلا ما استثني، وهذا مذهب مالك وأصحابه، وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعا، ونسخ قتلها إلا الأسود البهيم، قال: وعندي أن النهي أوّلا كان نهيا عاما عن اقتنائها جميعا، والأمر بقتلها جميعًا، ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى، ونقل النووي عن إمام الحرمين أن الأمر بقتل الأسود البهيم كان في الابتداء وهو الآن منسوخ. اهـ المنهل جـ ١ / ص ٢٦٣.
(ورخص) أي سَهَّل ويسَّر، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا، وأرخص إرخاصا: إذا يسره وسهله، والرخصة، وزان غُرْفَة، وتضم خاؤه للإتباع جمعه رُخَص مثل غُرَف: التسهيل في الأمر والتيسير. أفاده في المصباح.
[ ٢ / ١٤٣ ]
(في) اقتناء كلب (الصيد) أي الكلاب التي تصيد (والغنم) أي الكلاب التي تحرس الغنم، زاد في رواية مسلم "والزرع" أي التي تحرس الزرع (وقال) - ﷺ - (إذا ولغ الكلب) من باب نفع، وشرب، ووعد، وورث، ووجل، كما تقدم، أي شرب بطرف لسانه (في الإناء) فحركه، وقوله "في الإناء" مبين أن قوله فيما تقدم "في إناء أحدكم" بالإضافة غير معتبر تقييده كما حققناه فيما مضى (فاغسلوه سبع مرات) فيه دلالة على نجاسة ولوغه وما ولغ فيه وسيأتي تحقيق المسألة (وعفروه) أي ادلكوا الإناء (الثامنه) أي في الغسلة الثامنة (بالتراب) متعلق بـ"عفروه"، وظاهر الحديث وجوب غسلة ثامنة، وأن غسله بالتراب غير الغسلات السبع بالماء، وبه قال الحسن البصري، وأحمد بن حنبل في
رواية حرب الكرماني عنه، وروي عن مالك أيضا، وهو المذهب الراجح، وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه هنا ٦٧، ٣٦٦، وفي الكبرى بهذا السند، وفي ٣٣٧ عن عمرو بن يزيد، عن بهز عن شعبة به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في الطهارة، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، وعن محمَّد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، وعن يحيى بن حبيب بن عربي، عن خالد بن الحارث، وعن محمَّد بن الوليد، عن غندر: أربعتهم عن شعبة، عن أبي التياح، عن مطرف بن عبد الله، عن عبد الله بن مغفل ﵁، وفي البيوع عن هؤلاء الأربعة، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شميل، وعن أبي
[ ٢ / ١٤٤ ]
موسى، عن وهب بن جرير كلاهما عن شعبة به، ولم يذكر في البيوع قصة الولوغ عن أحد منهم.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، بتمامه.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة، وفي الصيد، مُقَطَّعا، عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن شبابة بن سَوَّار، عن شعبة به، وفي الصيد أيضًا عن بندار، عن عثمان بن عمر، وعن محمَّد بن الوليد، عن محمَّد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، دون قصة الولوغ. أفاده الحافظ المزي ﵀.
وأخرجه أحمد، وابن منده، والدارقطني، والبيهقي. اهـ المنهل.
المسألة الرابعة: دل الحديث زيادة على ما تقدم، على وجوب التعفير في تطهير ما ولغ فيه الكلب، وقد اختلف العلماء في وجوب التتريب.
فذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، ومحمد بن جرير الطبري، وأكثر الظاهرية إلى وجوبه.
وذهب أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، إلى أنه لا يجب التتريب، وإنما الواجب الماء فقط، وأوجب بعضهم التتريب فيما لا يفسد به كالإناء، دون ما يفسد به كالثياب ونحوها أفاده العراقي ﵀ في
طرح جـ ١/ ص ١٢٨.
وقال الشوكاني ﵀: وقد خالفت الحنفية، والعترة في وجوب التتريب، كما خالفوا في التسبيع، ووافقهم ها هنا المالكية مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم، قالوا: لأن التتريب لم يقع في، رواية مالك، قال القرافي منهم: قد صحت فيه الأحاديث، فالعجب
[ ٢ / ١٤٥ ]
منهم كيف لم يقولوا بها؟ وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة لأنها ذكرت بلفظ "أولاهن"، وبلفظ " أخراهن" وبلفظ "إحداهن" وفي رواية "السابعة"، وفي رواية "الثامنة" والاضطراب يوجب الاطراح.
وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرات، وبأن "إحداهن" مبهمة و"أولاهن" معينة، وكذلك "أخراهن" و"السابعة" و"الثامنة" ومقتضى حَمْل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى المرات المعينة، ورواية "أولاهن" أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضا لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح اهـ نيل جـ ١/ ص ٦٧ - ٦٨.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى حمل المبهمة على الثامنة لأنها أرجح كما سيأتي تحقيقه قريبا إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة: اختلفت الروايات في المرة التي يجعل فيها التراب فعند مسلم "أولاهن" أو قال "أخراهن بالتراب"، وفي رواية لأبي بكر البزار في مسنده "إحداهن" بالحاء والدال المهملتين، ومن ذكر من المصنفين أنها لم ترد من حديث أبي هريرة فمردود عليه بذكر البزار لها في مسنده، وقد رواها الدارقطني هكذا أيضا من حديث علي فقال فيه: "إحداهن بالبطحاء" وذكر النووي في الفتاوى أنها رواية ثابتة، ولمسلم من حديث عبد الله بن مغفل "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب".
وقد اختلف كلام الشارحين في الجمع بينها، فجمع النووي بينها بأن التقييد بالأولى، وبغيرها ليس على الاشتراط، بل المراد احداهن، قال: وأما رواية "وعفره الثامنة بالتراب" فمذهبنا، ومذهب الجماهير أن
[ ٢ / ١٤٦ ]
المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن بتراب مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا، وأشار ابن دقيق العيد إلى تضعيف هذا الجواب بأنه تأويل فيه استكراه، وهكذا يدل كلام البيهقي في السنن على تعذر الجمع بين رواية الثامنة بالتراب وبين ما تقدم فإنه صار إلى الترجيح، دون الجمع، فقال بعد ذكر حديث ابن مغفل في الثامنة: ما صورته: وأبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى، فرجح البيهقي روايته بكونه أحفظ، وهو أحد وجوه الترجيح عند المعارضة، وقد استشكل ابن دقيق العيد إجزاء التتريب في أي غسلة شاء من الغسلات السبع بأن رواية إحداهن على تقدير ثبوتها مطلقة، وقد قيدت في بعضها بأولاهن وفي بعضها بالسابعة فلا يجزي التتريب في غيرهما لاتفاق القيدين على نفيه وما ذكره استشكالا وبحثا قد نص عليه الشافعي في مختصر البويطي فقال: وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعا أولاهن أو أخراهن بالتراب ولا يطهر غير ذلك، وكذلك روي عن النبي - ﷺ - هذا لفظه بحروفه، وعبارته في الأم قريبة من ذلك، وقد تبعه من أصحابه على تقييد ذلك بالأولى أو الأخرى الزبيري في الكافي والمرعشي في كتاب ترتيب الأقسام، ونقله الدارمي أيضا في الاستذكار عن ابن جابر.
وقد ضعف بعض مصنفي الحنفية الرواية التي ذكر فيها التراب بهذا الاضطراب من كونها أولاهن، أو أخراهن، أو إحداهن، أوالسابعة، أو الثامنة، فقال: يقتضي طرح ذكر التراب رأسا، وكذا قال صاحب المفهم: أن هذه الزيادة مضطربة وفيما قالاه نظر، فإن الحديث المضطرب إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب، أما إذا ترجح بعض الوجوه فالحكم للرواية الراجحة، فلا يقدح فيها رواية من خالفها، كما هو معروف في علوم الحديث، وإذا تقرر ذلك فلا شك أن رواية "أولاهن" أرجح من سائر الروايات فإنه رواها عن محمَّد بن سيرين
[ ٢ / ١٤٧ ]
ثلاثة: هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام، فترجح بأمرين: كثرة الرواة، وتخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض، وأما رواية "أخراهن" بالخاء المعجمة والراء فلا توجد منفردة مسندة في شيء من كتب الحديث، إلا أن ابن عبد البر ذكر في التمهيد أنه رواها خلاس عن أبي هريرة، إلا أنها رويت مضمومة مع "أولاهن"، وأما رواية "السابعة بالتراب" فهي وإن كانت بمعناها فإنه تفرد بها عن محمَّد بن سيرين قتادة، وانفرد بها أبو داود، وقد اختلف فيها على قتادة، فقال أبان عنه هكذا، وهي رواية أبي داود، وقال سعيد بن بشير عنه: "الأولى با لتراب" فوافق الجماعة، رواه كذلك الدارقطني في سننه، والبيهقي من طريقه، وهذا يقتضي ترجيح رواية "أولاهن" المُوَافقة للجماعة.
وأما رواية "إحداهن" بالحاء المهملة والدال، فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما رواها البزار كما تقدم، وأما رواية "أولاهن" أو "أخراهن" فقد رواها الشافعي، والبيهقي في سننه من طريقه بإسناد صحيح، وفيه بحث أذكره، وهو أن قوله "أولاهن" أو "أخراهن" لا تخلو إما أن تكون مجموعة من كلام الشارع، أو هو شك من بعض رواة الحديث، فإن كانت مجموعة من كلام النبي - ﷺ - فهو دال على التخيير بينهما، ويترجح حينئذ ما نص عليه الشافعي ﵀ من التقييد بهما، وذلك لأن من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى، أو السابعة لأن كلا منهن (^١) حفظ مرة فاقتصر عليها، وحفظ هذا الجامع بين الأولى والأخرى فكان أولى، وإن كان ذلك شكا من بعض الرواة فالتعارض قائم ويرجع إلى الترجيح، فترجح الأولى كما تقدم، ومما
_________________
(١) هكذا نسخة الطرح: لأن كلا منهن، الخ والكلام غير مستقيم فلعل فيه تحريفا فليحرر.
[ ٢ / ١٤٨ ]
يدل على أن ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع: اقول الترمذي في روايته "أولاهن" أو قال "أخراهن بالتراب" فهذا يدل على أن بعض الرواة شك فيه، فيترجح حينئذ تعيين الأولى، ولها شاهد أيضا من رواية خلاس عن أبي رافع، عن أبي هريرة، كما سيأتي في الوجه الذي يليه، وإذا كان ذكر الأولى أرجح ففيه حجة لما ذكر أصحابنا (يعني الشافعية) من كون التتريب في المرة الأُولى أوْلي، وذكروا له معنى آخر، وهو أنه إذا قدم التتريب في الأولى فتناثر من بعض الغسلات رشاش إلى غير الموضع المتلوث بالنجاسة الكلبية لم يجب تتريبه بخلاف ما إذا أخر، فكان هذا أرفق، لكن حمله على الأولوية متقاصر عما دلت عليه الرواية "الصحيحة" فينبغي حمله على تعيين المرة الأولى والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٣١.
وقال الحافظ في التلخيص: وأجاب أصحابنا (يعني الشافعية) عنه (يعني حديث ابن مغفل "وعفروه الثامنة بالتراب") بأجوبة:
أحدها: قال البيهقي بأن أبا هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى، وهذا الجواب متعقب؛ لأن حديث عبد الله بن مغفل صحيح، قال ابن منده: إسناد مجمع على صحته، وهي زيادة
ثقة فيتعين المصير إليها، وقد ألزم الطحاويُّ الشافعيةَ بذلك.
ثانيها: قال الشافعي: هذا الحديث لم أقف على صحته، وهذا العذر لا ينفع أصحاب الشافعي الذين وقفوا على صحة الحديث، لا سيما مع وصيته.
ثالثها: يحتمل أن يكون جعلها الثامنة لأن التراب جنس غير جنس الماء، فجعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودا باثنين، وهذا جواب الماوردي وغيره.
[ ٢ / ١٤٩ ]
رابعها: أن يكون محمولا على من نسي استعمال التراب، فيكون التقدير: اغسلوا سبع مرات إحداهن بالتراب كما في رواية أبي هريرة، فإن لم تعفروه في إحداهن فعفروه الثامنة، ويغتفر مثل هذا الجمع بين اختلاف الروايات، وهو أولى من إلغاء بعضها والله أعلم اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٢٤.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي الأخذ بحديث ابن مغفل كما هو مذهب الحسن البصري، والإمام أحمد في رواية، وروي عن مالك أيضا.
قال العلامة ابن دقيق العيد: والرواية التي فيه "وعفروه الثامنة بالتراب تقتضي زيادة ثامنة ظاهرا، والحديث قوي فيه، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويل بوجه فيه استكراه. اهـ باختصار من إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٩ والله أعلم.
المسألة السادسة: قال ابن دقيق العيد: قوله - ﷺ -: "فاغسلوه سبعا أولاهن أو أخراهن بالتراب" يدل لما قاله أصحاب الشافعي، أو بعضهم أنه لا يكتفى بذَرِّ التراب على المحل، بل لابد أن يجعله في الماء، ويوصله إلى المحل، ووجه الاستدلال أنه جعل مرة التتريب داخلة في مسمى الغسلات، وذَرّ التراب على المحل لا يسمى غسلا، وهذا ممكن، وفيه احتمال أنه إذا ذر التراب على المحل، فأتبعه بالماء يصح أن يقال غسل بالتراب، ولابد من مثل هذا في أمره - ﷺ - في غسل الميت بماء وسدر عند من يرى أن الماء المتغير بالطاهر غير طهور إن جرى على ظاهر الحديث
في الاكتفاء بغسلة واحدة إذ بها يحصل مسمى الغسل، وهذا جيد، إلا أن قوله "وعفروه" قد يشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذر التراب على المحل، وإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرا لغة، فقد ثبت ما
[ ٢ / ١٥٠ ]
قالوه؛ لأن لفظ التعفير حينئذ ينطلق على ذر التراب على المحل، وعلى إيصاله بالماء إليه، والحديث الذي دل على اعتبار مسمى الغسلة يدل على خلطه بالماء، وإيصاله إلى المحل به، وذلك أمر زائد على مطلق التعفير على التقدير الذي ذكرناه من شمول اسم التعفير للصورتين معا أعني ذر التراب وإيصاله بالماء اهـ إحكام جـ ١/ ص ٢٩ - ٣٠.
المسألة السابعة: قال ابن دقيق العيد أيضا: قوله بالتراب يقتضي تعينه، وفي مذهب الشافعي ﵀ قول، أو وجه أن الصابون والأشنان والغسلة الثامنة يقوم مقام التراب في ذلك.
قال الجامع: ومثله عن أحمد، فإنه يقول: يقوم الأشنان، والصابون، والنخالة، ونحوها من كل ما له قوة في الإزالة مقام التراب ولو مع وجوده، وعدم تضرر المحل به؛ لأنها أبلغ منه في الإزالة، فنصه
على التراب تنبيه عليها، ولأنه جامد أمر به في إزالة النجاسة فالحق به ما هو أقوى منه في ذلك، أفاده في كشاف القناع، وغيره قاله في المنهل جـ ١/ ص ٢٥٣.
قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا عندنا ضعيف؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص واطراح خصوص المعين فيه، والأمر بالتراب، وإن كان محتملا لما ذكروه، وهو زيادة التنظيف، فلا يجزم بتعيين ذلك المعنى، فإنه يزاحمه معنى آخر، وهو الجمع بين مطهرين أعني الماء والتراب، وهذا المعنى مفقود في الصابون والأشنان، وأيضا فإن هذه المعاني المستنبطة إذا لم يكن فيها سوى مجرد المناسبة، فليست بذلك الأمر القوي، فإذا وقعت فيها الاحتمالات، فالصواب اتباع النص، وأيضًا فإن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بالإبطال والتخصيص، فمردود عند جميع
[ ٢ / ١٥١ ]
الأصوليين اهـ إحكام جـ ١/ ص ٣٢.
قال الجامع: وهذا الذي قاله العلامة ابن دقيق العيد هو الصواب الحقيق بالقبول، والحاصل أنه يتعين التراب، اتباعا للنص الوارد فيه، إذ التنصيص عليه مع وجود غيره في ذلك الوقت، وتيسيره يدل على أن في التراب معنى ملائما لإزالة أثر ولوغ الكلب، فلا ينبغي تجاوزه إلى غيره. فتبصر. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ١٥٢ ]