أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم سؤر الهرة.
وتقدم معنى السؤر.
وفي اللسان: والهرّ: السّنّور جمعه هِرَرَة، مثل قرد وقِرَدَة اهـ.
وفي المصباح: الهرّ: الذكر، وجمعه هرَرَة، مثل قرد وقردة، والأنثى هرّة، وجمعها هرَر، مثل سدْرَة وسدَر، قاله الأزهري، وقال ابن الأنباري: وقد يُدخلون الهاء في المؤنث، وتصغير الأنثى هُرَيْرَة، وبها كني الصحابي المشهور ﵁. اهـ.
٦٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَكَرَتْ كَلِمَةً مَعْنَاهَا فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ".
[ ٢ / ١٥٣ ]
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي الثقة المثبت من [١٠] تقدم في١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة ثقة حجة من [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري أبو يحيى المدني، عن أبيه، وأنس والطفيل بن أبي بن كعب، وعنه حماد ابن سلمة، وابن عيينة، ومالك، قال ابن معين: ثقة حجة، قال ابن سعد: توفي سنة ١٣٢، وقال الفلاس: سنة أربع، أخرج له الجماعة، وفي (ت) ثقة حجة من الرابعة.
٤ - (حُمَيْدة بنت عُبَيْد بن رفَاعة) زوج إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، والدة ولده يحيى، المدنية، عن خالتها كبشة بنت كعب، وعنها يحيى بن إسحاق بن عبد الله، وزوجها إسحاق، مقبولة من الخامسة، أخرج لها الأربعة. قال ابن عبد البر: هي بضم الحاء، وفتح الميم، عند رواة الموطأ إلا يحيى الليثي، فقال: إنها بفتح الحاء وكسر الميم. اهـ المنهل.
٥ - (كبشة بنت كعب بن مالك) الأنصارية المدنية زوج عبد الله بن أبي قتادة، قال ابن حبان: لها صحبة وتبعه الزبير بن بكار، وأبو موسى قاله في "تت". وفي الخلاصة روت عن أبي قتادة، وعنها بنت أختها حميدة أم يحيى، وثقها ابن حبان، وصحح الترمذي حديثها، أخرج لها الأربعة.
٦ - (أبو قتادة) الأنصاري الحارث بن ربعي، ﵁، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
[ ٢ / ١٥٤ ]
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم مدنيون إلا شيخه فبغلاني وأن فيه رواية صحابية عن صحابي، على قول لابن حبان، وأن فيه الإخبار، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة (بنت كعب بن مالك) الأنصارية زوج عبد الله بن أبي قتادة (أن أبا قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ (دخل عليها) أي كبشة (ثم ذكرت) كبشة (كلمة) أي كلاما لأن قوله "فسكبت له وضوءا" جملة وإطلاق الكلمة على الكلام شائع لغةً كما قال ابن مالك في ألفيته:
وَكِلْمَةٌ بهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قوله ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] و"لا إله إلا الله" كلمة الإخلاص.
(معناها) أي معنى تلك الكلمة، وحاصل معنى الكلام أن الراوية عن كبشة نسيت لفظ كبشة، وحفظت معناه، فعبرت به، فقوله "معناها" مبتدأ خبره جملة قوله (فسكبتْ له وَضُوءا) أي صَبَّتْ كبشةُ لأبي قتادة ماء يتوضأ به، فالوضوء بفتح الواو لا غير، والتاء الساكنة للتأنيث، أو هي مضمومة للمتكلم، قال السندي: ولا يخلو عن بُعْد.
قال الجامع: لابعد فيه، بل في بعض الرواية ما يؤيده كما يأتي في كلام النووي في المسألة الرابعة فتنبه.
(فجاءت هرة فشربت منه) أي أرادت أن تشرب، أو شرعت في الشرب من ذلك الوَضوء (فأصغى) أي أمال أبو قادة (لها) أي للهرة
[ ٢ / ١٥٥ ]
(الإناء) أي الوعاء الذي فيه الماء لتتمكن من الشرب منه رفقا بها (حتى شربت) الهرة منه (قالت كبشة: فرآني انظر إليه) متعجبة من فعله (فقال: أتعجين) من باب تَعبَ، قال في المصباح: وعَجِبتُ من الشيء عَجَبًا، من باب تَعب وتَعَجَّبْت، واستعجبت، وهو شيء عجيب، أي يُعجَب منه، وأعجبني حسنه.
قال: ويستعمل التعجب على وجهين: أحدهما: ما يحمده الفاعل، ومعناه الاستحسان والإخبار عن رضاه به، والثاني: ما يكرهه، ومعناه الإنكار، والذم له، ففي الاستحسان يقال: أعجبني بالألف، وفي الذم يقال: عجبت، وزان تعبت، وقال بعض النحاة: التعجب انفعال النفس لزيادة وَصف المتعجب منه، نحو ما أشجعه. اهـ باختصار.
قال الجامع عفاالله عنه: والتعجب هنا هو من النوع الثاني: أي أتنكرين عَلَيَّ؟.
(يا ابنة أخي) إِمَالتَي الإناء للهرة وشربها منه.
وأراد أخوة الإسلام على عادة العرب من أن بعضهم يقول لبعض: يا ابن أخي، ويا ابن عمي، وإن لم يكن بينهما نسب على سبيل التلطف والإكرام، قالت كبشة (فقلت: نعم) بفتح العين المهملة، وكنانة تكسرها، وبها قرأ الكسائي، وبعضهم يبدلها حاء، وبها قرأ ابن مسعود، وبعضهم يكسر النون اتباعا لكسرة العين قاله في المنهل.
وفي المصباح: وقولهم: نَعَم في الجواب معناها: التصديق إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد؟ والوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم: قال سيبويه: نعم عدَةٌ وتصديق، قال ابن باب شاذ: يريد أنها عدة في الاستفهام، وتصديق للإخبار، ولا يريد إجتماع الأمرين
[ ٢ / ١٥٦ ]
فيها في كل حال، قال النِّيليُّ: وهي تُبقي الكلام على ما هو عليه من إيجاب أو نفي؛ لأنها وضعت لتصديق ما تقدم من غير أن ترفع النفي وتبطله، فإذا قال القائل: ما جاء زيد، ولم يكن قد جاء، وقلت في جوابه: نعم، كان التقدير: نعم ما جاء، فصدقت الكلام على نفيه، ولم تبطل النفي كما تبطله "بلى" وإن كان قد جاء قلت في الجواب "بلى" والمعنى قد جاء، فنعم تبقي النفي على حاله، ولا تبطله، وفي التنزيل ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولو قالوا: نعم كان كفرا، إذ معناه نعم لست بربنا؛ لأنها لا تزيل النفي بخلاف "بلى"، فإنها للإيجاب بعد النفي، اهـ. المصباح.
(قال) أبو قتادة مزيلا لاستغرابها (إن رسول الله - ﷺ - قال) مبينا لحكم الهرة (إنها ليست بنجس) قال المنذري، ثم النووي، ثم ابن دقيق العيد، ثم ابن سيد الناس: مفتوح الجيم من النجاسة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] اهـ. زهر ص ٥٥.
وقال السندي: بفتحتين مصدر نجس الشيء بالكسر، فلذلك لم يؤنث، كما لم يجمع في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، كون والصفة نجس بكسر الجيم وفتحها، ولو جعل المذكور في الحديث صفة يحتاج التذكير إلى التأويل أي ليس بنجس ما تَلَغُ فيه. اهـ، أي ليست الهرة نجسة الذات، بل هي طاهرة.
ثم ذكر علة عدم نجاستها بقوله (إنها من الطوافين عليكم) فالجملة مستأنفة، فيها معنى التعليل إشارة إلى أن علة الحكم بعدم نجاستها هي الضرورة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها بحيث يصعب صون الأواني والثياب ونحوها عنها، فجعلها الله تعالى طاهرة رأفة بالعباد للحرج، قاله في المنهل جـ ١/ ص ٢٦٥.
[ ٢ / ١٥٧ ]
و"الطوَّافين": جمع طوَّاف، وهو مَن يُكثر الدَّوَرَان على الشيء، ويُطلَق على الخادم الذي يخدُم برفق وعناية، شبهها بالخادم الذي يطوف على مولاه ويدور حوله أخذا من قوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وألحقها بهم حيث أطلق عليها الصيغة الموضوعة للعقلاء، لأنها خادمة أيضا فإنها تقتل المؤذيات.
ويحتمل أنه شبهها بمن يطوف للحاجة يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواسات من يطوف للحاجة، والأول هو المشهور، وقول الأكثر، وصححه النووي في شرح أبي داود، وقال: ولم يذكر جماعة سواه. أفاده في زهر، والمنهل.
(والطوافات) وفي رواية الترمذي، أو "الطوافات"، وكلا الوجهين يُروى عن مالك قال المباركفوري: شك من الراوي كذا قاله ابن الملك، وقال في الأزهار شبه ذكورها بالطوافين وإناثها بالطوافات، وقال ابن حجر: وليست للشك لوروده بالواو في روايات أخر، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من المذكور والإناث كذا في المرقاة. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٣٠٩.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال المنذري: قال البخاري: جوَّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره، وقال الشوكاني: وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والعقيلي، وأعله ابن منده بأن في سنده حُمَيدة وكَبْشَة، وهما مجهولتان، لم يعرف لهما إلا هذا الحديث. اهـ.
وتعقبه الحافظ بأن لحميدة حديثا آخر في تشميت العاطس، رواه أبو داود، ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة، وقد روى عنها مع إسحاق
[ ٢ / ١٥٨ ]
ابنه يحيى، وهو ثقة عند ابن معين، فارتفعت جهالتها، وأما كبشة فقيل: إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها على ما هو الحق من قبول مجاهيل الصحابة.
وقال ابن دقيق العيد: لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك وأن كل من أخرج له فهو ثقة عند ابن معين، كما صح عنه، فإن سلكت هذه الطريقة في تصحيحه أعني تخريج مالك، وإلا فالقول ما قال ابن منده. اهـ. تلخيص الحبير.
قال الجامع: الأولى أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، لما عرفت من أن حميدة غير مجهولة، وأما كبشة فوثقها ابن حبان، ويؤيده تخريج مالك لها كما قال ابن دقيق العيد، بل هو صحيح لشواهده، كما حققه الشيخ الألباني في إروائه. جـ ١/ ص ١٩١ - ١٩٣. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
أخرجه هنا ٦٨ وفي الكبرى ٦٣ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرج حديث الباب أبو داود في الطهارة عن القعنبي، والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى، عن معن، وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحُبَاب أربعتهم عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة، عن أبي قتادة ﵁. أفاده المزي ﵀.
وأخرجه مالك، وأحمد، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي. قاله في المنهل جـ ١/ ص ٢٦٦.
المسألة الرابعة: أنه ذكر الإمام النووي ﵀ في المجموع في هذا
[ ٢ / ١٥٩ ]
الحديث كلاما نفيسا، ولنفاسته أسوقه هنا برمته، وإن كان جُلُّهُ تقدم فيما سبق إذ فيه زوائد حسان، فأقول: قال ﵀: وأما الحديث المذكور فصحيح، رواه الأئمة الأعلام، مالك في الموطأ، والشافعي في مواضع، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، وهذا الحديث عمدة مذهبنا في طهارة سؤر السباع، وسائر الحيوان غير الكلب، والخنزير، وفرع أحدهما، فأنا أنقله بلفظه، واختلاف طرقه لشدة الحاجة إلى تحقيقه.
فلفظ رواية مالك، عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت أبي قتادة، فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إنها ليست بنجس إنما
هي من الطوافين عليكم، أو الطوافات" هذا لفظ رواية مالك.
ورواية الترمذي مثلها وبحروفها، إلا أن رواية مالك "أو الطوافات" "بأو"، ورواية الترمذي "إنما هي من الطوافين والطوافات" بالواو بحذف عليكم.
قال الجامع: قلت: نسخة الترمذي التي شرح عليها المباركفوري "بأو" وزيادة "عليكم"، فلا اختلاف بين رواية مالك وروايته، ولعل نسخة النووي على ما ذكره.
قال النووي: وفي رواية الدارمي، وأبي داود، عن كبشة بنت كعب ابن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة، ثم في رواية أبي داود: "والطوافات" وفي رواية الدارمي: "أو الطوافات" بأو، وفي رواية ابن ماجه عن كبشة بنت كدب، وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة وفيها "والطوافات" بالواو ورواه الرَّبيع عن الشافعي، عن مالك بالإسناد،
[ ٢ / ١٦٠ ]
وقال في كبشة، وكانت تحت ابن أبي قتادة أو أبي قتادة، قال البيهقي: الشك من الربيع، وقال فيه "أو الطوافات بأو، وقال البيهقي: ورواه الربيع في موضع آخر عن الشافعي، وقال: وكانت تحت ابن أبي قتادة، ولم يشك، ورواه الشافعي بإسناده عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - مثله، أو مثل معناه، وروى أبو داود، وابن ماجه هذا الحديث أيضا من رواية عائشة، وفيه زيادة قالت عائشة: وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ بفضلها. قال الترمذي: حديث أبي قتادة حسن صحيح، قال: وهو أحسن شيء في الباب، قال البيهقي: إسناده
صحيح، وعليه الاعتماد.
وأما لفظة "والطوافات" فرويت "بأو"، وبالواو كما ذكرناها، قال صاحب مطالع الأنوار: يحتمل "أو" أن تكون للشك، ويحتمل أن تكون للتقسيم، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث، وهذا الذي قاله محتمل، وهو الأظهر لأنه للنوعين كما جاء في روايات بالواو.
قال أهل اللغة: "الطوافون": الخَدَم والمماليك، وقيل: هم الذين يخدمون برفق، وعناية. ومعنى الحديث: أن الطوافين من الخدم والصغار الذين سقط في حقهم الحجاب، والاستئذان في غير الأوقات الثلاث التي ذكرها الله تعالى إنما سقط في حقهم دون غيرهم للضرورة، وكثرة مداخلتهم بخلاف الأحرار البالغين، فكذا يُعفى عن الهرة للحاجة، وقد أشار إلى نحو هذا المعنى أبو بكر بن العربي في كتابه "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي"، وذكر أبو سليمان الخطابي أن هذا الحديث يتأول على وجهين:
أحدهما: أنه شبهها بخدم البيت ومن يطوف على أهله للخدمة.
والثاني: شبهها بمن يطوف للحاجة، والمسألة، ومعناه الأجر في
[ ٢ / ١٦١ ]
مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة والمسألة، وهذا التأويل الثاني قد يأباه سياق قوله - ﷺ -: "إنها ليست بنجس" والله أعلم اهـ المجموع جـ ١/ ص ١٧١ - ١٧٢.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في سؤر الهرة:
ذهب الجمهور إلى أن سؤرها طاهر.
وذهب الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزفر، والحسن بن زياد، إلى كراهة سؤرها.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: وفيه -أي في حديث أبي قتادة- أن الهر ليس بنجس ما شرب منه، وأن سؤره طاهر.
وهذا قول مالك وأصحابه، والشافعي، والأوزاعي، وأبي يوسف القاضي، والحسن بن صالح بن حي.
وقال أيضا: وممن روينا عنه أن الهر ليس بنجس وأنه لا بأس بفضل سؤره للوضوء والشرب: العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وأبو قتادة، والحسن، والحسين، وعلقمة، وإبراهيم، وعكرمة، وعطاء بن يسار.
واختلف في ذلك عن أبي هريرة، والحسن البصري، فروى عطاء عن أبي هريرة: أن الهر كالكلب يغسل منه الإناء سبعا، وروى أبو صالح ذكوان عن أبي هريرة، قال: السنور من أهل البيت، وروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بسؤر السنور، وروى يونس عن الحسن أنه قال: يغسل الإناء من ولوغه مرة، وهذا يحتمل أن يكون رأى في فمه أذى ليصح مخرج الروايتين عنه. ولا نعلم أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - روي عنه في الهر أنه لا يتوضأ بسؤره إلا أبا هريرة على اختلاف عنه.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وأما التابعون فروينا عن عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، أنهم أمروا بإراقة ما ولغ فيه الهر، وغسل الإناء منه، وسائر التابعين بالحجاز، والعراق يقولون في الهر: إنه طاهر، لا بأس بالوضوء بسؤره، وروى الوليد بن مسلم قال: أخبرني سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب، والحسن أنهما كرها الوضوء بفضل الهر، قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي عمرو الأوزاعي، ومالك بن أنس، فقالا: توضأ به فلا بأس به، وإن وجدت غيره.
قال أبو عمر: الحجة عند التنازع والاختلاف سنة رسول الله - ﷺ -، وقد صح عنه من حديث أبي قتادة في هذا الباب ما ذكرنا، وعليه اعتماد الفقهاء في كل مصر إلا أبا حنيفة، ومن قال بقوله.
قال أبو عبد الله محمَّد بن نصر المروزي: الذي صار إليه جل أهل الفتوى من علماء الأمصار من أهل الأثر والرأي جميعا أنه لا بأس بسؤر السنور اتباعا للحديث الذي روينا، يعني حديث أبي قتادة عن النبي - ﷺ -.
قال: وممن ذهب إلى ذلك: مالك بن أنس، وأهل المدينة، والليث ابن سعد، فيمن وافقه من أهل مصر، والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام، وسفيان الثوري فيمن وافقه من أهل العراق، قال: وكذلك قول الشافعي، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيدة، وجماعة من أصحاب الحديث، قال: وكان النعمان يكره سؤره، وقال: إن كان توضأ به أجزأه، وخالفه أصحابه، فقالوا: لا بأس به.
قال أبو عمر: ما حكاه المروزي عن أصحاب أبي حنيفة فليس كما حكاه عندنا، وإنما خالفه من أصحابه أبو يوسف وحده، وأما محمَّد، وزفر، والحسن بن زياد، فيقولون بقوله وأكثرهم يروونه عنه أنه لا
[ ٢ / ١٦٣ ]
يجزئ الوضوء بفضل الهر، ويحتجون لذلك، ويروون عن أبي هريرة،، وابن عمر ﵄ أنهما كرها الوضوء بسؤر الهر، وهو قول ابن أبي ليلى.
وأما الثوري، فقد اختلف عنه في سؤر الهر، فذكر في جامعه أنه كان يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه، وما يؤكل لحمه فلا بأس بسؤره، وهو ممن يكره أكل الهر.
وذكر المروزي بسنده عن سفيان قال: لا بأس بفضل السنور.
قال أبو عمر: لا أعلم لمن كره سؤر الهر حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وقد بلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر على الكلب، وقد فرقت السنة بين الهر والكلب في باب التعبد، وجمعت بينهما على حسب ما قدمنا ذكره من باب الاعتبار والنظر، ومن حَجَّتْهُ
السنة خَصَمَتهُ، وما خالفها مطروح اهـ. تمهيد باختصار جـ ١/ ص ٣٢٣ - ٣٢٥.
وقال النووي ﵀: وأما الهرة فاستدل أصحاب أبي حنيفة ﵀ لكراهة سؤرها بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ومن ولوغ الهرة مرة" ولأنها لا تجتنب النجاسة، فكره سؤرها، واحتج أصحابنا بحديث أبي قتادة، وحديث عائشة، وغير ذلك.
ولأنه حيوان يجوز اقتناؤه لغير حاجة فكان سؤره طاهرا وغير مكروه كالشاة، وأما الجواب عن حديث أبي هريرة: فهو أن قوله من ولوغ الهرة مرة ليس من كلام النبي - ﷺ -، بل هو مدرج في الحديث من كلام أبي هريرة موقوفا عليه، كذا قاله الحفاظ، وقد بين البيهقي، وغيره ذلك، ونقلوا دلائله وكلامَ الحفاظ فيه، قال البيهقي: وروي عن أبي صالح، عن أبي
[ ٢ / ١٦٤ ]
هريرة "يغسل الإناء من الهرة كما يغسل من الكلب" وليس بمحفوظ، وعن عطاء عن أبي هريرة وهو خطأ من ليث بن أبي سليم إنما رواه ابن جريج وغيره عن عطاء من قوله، قال وروي عن ابن عمر كراهة الوضوء بفضل الهرة.
قال الشافعي ﵀: الهرة ليست بنجس فنتوضأ بفضلها، ونكتفي بالخبر عن النبي - ﷺ -، ولا يكون في أحد قال خلاف قول النبي حجة.
قال أصحابنا: ولو صح حديث أبي هريرة لم يكن فيه دليل؛ لأنه متروك الظاهر بالاتفاق، فإن ظاهره يقتضي وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة، ولا يجب ذلك بالإجماع.
قال البيهقي: وزعم الطحاوي ان حديث أبي هريرة صحيح، ولم يعلم أن الثقة من أصحابه ميزه من الحديث، وجعله من قول أبي هريرة.
وأما قولهم: لا تجتنب النجاسة فمنتقض باليهودي، وشارب الخمر، فإنه لا يكره سؤرهما، والله أعلم. المجموع جـ ١/ ص ١٧٥.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكرأن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن سؤر الهرة طاهر، لا كراهة فيه لقوة دليله، والله أعلم.
المسألة السادسة: من فوائد هذا الحديث عدم نجاسة سؤر الهرة وأنها طاهرة، وإباحة اتخاذها، وما أبيح اتخاذه للانتفاع به جاز بيعه، وأكل ثمنه إلا أن يخص شيئا من ذلك دليلٌ، فيخرجه عن أصله (^١)، وفيه أن خبر الواحد من النساء والرجال سواء، وإنما المراعاة في ذلك الحفظ والإتقان، والصلاح، وهذا لا خلاف فيه بين أهل الأثر، قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
_________________
(١) ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁: "أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب والسنور" فيكون هذا مما خرج عن الأصل المذكور، فلا يجوز بيع الهرة لهذا النص. فافهم.
[ ٢ / ١٦٥ ]