أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم سؤر الحمار.
وقد تقدم معنى السؤر.
والحمار: الذكر، والأنثى: أتَان، وحمارة بالهاء نادر، والجمع: حَمير وحُمُر بضمتين، وأحْمرَة. اهـ. المصباح.
٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَانَا مُنَادِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن عبد الله بن يزيد) العدوي مولاهم أبو يحيى بن أبي عبد الرحمن المقرئ المكي، ثقة من -١٠ - ت ٢٥٠ تقدم في ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمَّد الكوفي، ثم المكي الثقة الحجة من [٨] تقدم في ١/ ١.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة: كَيْسان السَّخْتياني، البصري الثقة الحجة من [٥] تقدم في ٤٢/ ٤٨. ٤ - (محمَّد) بن سيرين أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري الحجة المثبت من [٣] تقدم في ٤٦/ ٥٧.
[ ٢ / ١٦٦ ]
٥ - (أنس) بن مالك أبو حمزة الأنصاري، البصري، خادم رسول الله - ﷺ - ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات، وهم ما بين مكيين وهما الأول والثاني، وبصريينَ وهم الباقون.
وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك الأنصاري ﵁ أنه (قال: أتانا منادي رسول الله - ﷺ -) هو أبو طلحة الأنصاري كما بينه مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قال: "لما كان يوم خيبر جَاءَ جَاءٍ، فقال: يا رسول الله، أكلت الحُمُرُ، ثم جاء آخر، فقال: يا رسول الله أُفنيت الحمرُ، فأمر رسول الله - ﷺ - أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمرُ فإنها رجس، أو نجس قال: فأكفئَت القدور بما فيها" (فقال) المنادي (إن الله ورسوله ينهاكم) الضمير المستتر يرجع إلى الله، فالجملة خبر "إن"، وأما "ورسوله" فمرفوع على الابتداء، وخبره محذوف، أي
ينهاكم مُبَلِّغًا عنه، والجملة معترضة، فذكر الرسول لأنه مبلغ، ويحتمل أن تكون الجملة خبرا عن "رسوله"، وذكر "الله" للتنبيه على أن نهي الرسول - ﷺ - نهي الله تعالى، وفي نسخة عند المصنف وعند الشيخين أيضا بصيغة التثنية "ينهيانكم"، وهو ظاهر لا إشكال فيه لفظا، لكن يستشكل مَعْنى من حيث نهيُ النبي - ﷺ - الخطيبَ الذي قال"ومن يعصهما" والجواب
[ ٢ / ١٦٧ ]
أن مثل هذا اللفظ يَختَلفُ بحسب المتكلم والمخاطب، قاله السندي ﵀.
وقيل: إنما نهاه عن ذلك لأن الخطبة مقام إطناب، لا إيجاز، وقيل غير ذلك.
(عن لحوم الحمر) بضمتين جمع حمار، ثم علل النهي بقوله (فإنها) أي لحوم الحمر، أو الحمر نفسها (رجس) أي قَذَر، قال السندي: وقد يطلق على الحرام، والنجس، وأمثالهما، والظاهر ها هنا النجس، فإرجاع الضمير على الحمر يؤدي إلى أن لا يطهر جلده بالدباغ أيضا، والله أعلم اهـ.
قال الجامع: ويدل على أن الرجس ها هنا النجس، وقوعه عند البيهقي بلفظ "فإنها نجس" وعند مسلمًا "فإنها رجس" أو "نجس" بالشك.
مسانل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٩ وفي الكبرى ٦٤ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذي وابن ماجه، ومالك، وأحمد، والبيهقي، وغيرهم.
المسألة الرابعة: الظاهر من صنيع المصنف أنه يستدل بهذا الحديث على نجاسة سؤر الحمارحيث إنه نص في تحريم لحمها، فيكون ما يتولد منه نجسا والله أعلم.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
[ ٢ / ١٦٨ ]
قال العلامة ابن قدامة في المغني: النوع الثاني ما اختلف فيه: وهو سائر سباع البهائم إلا السنور وما دونها في الخلقة، وكذلك جوارح الطير والحمار الأهلي، والبغل، فعن أحمد أن سؤرها نجس إذا لم يجد غيره تيمم وتركه، وروي عن ابن عمر أنه كره سؤر الحمار، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والشعبي، والأوزاعي، وحماد، وإسحاق.
وعن أحمد أنه قال في البغل والحمار: إذا لم يجد غير سؤرهما تيمم معه، وهو قول أبي حنيفة والثوري.
ثم قال: والصحيح عندي طهارة البغل والحمار لأن النبي - ﷺ - كان يركبها، وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسا لبين النبي - ﷺ - ذلك، ولأنهما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما فأشبها السنور، وقول النبي: "إنها رجس" أراد أنها محرمة لقوله تعالى في الخمر والميسر، والأنصاب، والأزلام إنها رجس، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدورهم، فإنه رجس فإن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. اهـ المغني جـ ١/ ص ٤٨ - ٤٩.
وقد ذكر النووي ﵀ المسألة في شرح المهذب بأدلتها، وهاك بيانه: قال ﵀:
فرع: سؤر الحيوان مهموز، وهو ما بقي في الإناء بعد شربه أو أكله، ومراد الفقهاء بقولهم: سؤر الحيوان طاهر أو نجس، لعابه ورطوبة فمه.
ومذهبنا أن سؤر الهرة طاهر غير مكروه، وكذا سؤر جميع الحيوانات من الخيل، والبغال، والحمير، والسباع، والفار، والحيات وسام أبرص وسائر الحيوان المأكول، وغير المأكول، فسؤر الجميع، وعَرَقه طاهر غير مكروه إلا الكلب والخنزير، وفرع أحدهما.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وحكى صاحب الحاوي مثل مذهبنا، عن عمر بن الخطاب، وعلي، وأبي هريرة، والحسن البصري، وعطاء، والقاسم بن محمَّد.
وكره أبو حنيفة، وابن أبي ليلى سؤر الهرة، وكذا كرهه ابن عمر، وقال ابن المسيب، وابن سيرين: يغسل الإناء من ولوغه مرة، وعن طاوس قال: يغسل سبعا، وقال جمهور العلماء: لا يكره، كقولنا.
وقال أبو حنيفة: الحيوان أربعة أقسام:
أحدها: مأكول: كالبقر والغنم، فسؤره طاهر.
والثاني: سباع الدواب كالأسد والذئب، فهي نجسة.
والثالث: سباع الطير كالبازي والصقر، فهي طاهرة السؤر إلا أنه يكره استعماله، وكذلك الهر.
الرابع: البغل والحمار، مشكوك في سؤرهما لا يقطع بطهارته، ولا بنجاسته، ولا يجوز الوضوء به.
واختلف قوله في سؤر الفرس والبرْذَوْن.
واحتج من منع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ - سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس" قالوا: فهذا يدل على أن لوُرُود السباع تأثيرا في تنجيس الماء، ولأنه حيوان، لَبَنُهُ نجس فكذا
سؤره كالكلب.
واحتج أصحابنا -يعني الشافعية- بحديث أبي قتادة في الهرة "إنها ليست بنجس" وهو صحيح كما سبق بيانه، واحتجوا، أيضا برواية الشافعي عن إبراهيم بن محمَّد، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة،
عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر أن النبي - ﷺ - قيل له: أنتوضأ بما
أفضلت الحُمُر؟ قال: "نعم وبما أفضلت السباع" وهذا الحديث
[ ٢ / ١٧٠ ]
ضعيف؛ لأن الإبراهيمين ضعيفان جدًا عند أهل الحديث، لا يحتج بهما، وإنما ذكرت هذا الحديث وإن كان ضعيفا، لكونه مشهورا في كتب الأصحاب، وربما اعتمده بعضهم، فنبهت عليه، ولم يذكره الشافعي، والمحققون من أصحابنا معتمدين عليه، بل تقوية واعتضادا، واعتمدوا على حديث أبي قتادة، وقد قال البيهقي في حديث الإبراهيمين إذا ضمت أسانيده بعضها إلى بعض أخذت القوة.
ومما احتج به أصحابنا ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب ﵁ "خرج في ركب فيه عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبره، فإنا نَردُ على السباع، وتَردُ علينا".
وموضع الدلالة أن عمر قال: نَردُ على السباع، وترد علينا، ولم يخالفه عمرو ولا غيره من الصحابة ﵃، وهذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن لكنه مرسل منقطع، فإن يحيى وإن
كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هذا هو الصواب، قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عمر باطل وكذا قاله غير ابن معين إلا أن هذا المرسل له شواهد تقويه، والمرسل عند الشافعي إذا اعتضد احتج به، وهو حجة عند أبي حنيفة مطلقًا، فيحتج به عليهم.
واحتج أصحابنا من القياس بأنه حيوان يجوز بيعه فكان سؤره طاهرًا كالشاة، فإن قال المخالف: لا حجة لكم في هذه الأحاديث لأنها محمولة على ماء كثير. فالجواب: أن الحديث عام فلا يخص إلا بدليل، فإن قالوا: هذا الخبر ورد قبل تحريم لحوم السباع، فالجواب من أوجه:
[ ٢ / ١٧١ ]
أحدها: هذا غلط، فلم تكن السباع في وقت حلالا (^١) وقائل هذا يدعي نسخا والأصل عدمه.
الثاني: هذا فاسد إذ لا يسألون عن سؤره وهو مأكول اللحم، فإنه لا فرق حينئذ بين السباع وغيرها.
الثالث: لو صح هذا وكان لحمها حلالا، ثم حرم بقي السؤر على ما كان من الطهارة حتى يرد دليل تنجيسه.
وأما الجواب عما احتجوا به من الخبر فمن أوجه:
أحدها: أنه تمسك بدليل الخطاب وهم لا يقولون به.
الثاني: أن السؤال كان عن الماء الذي ترده الدواب والسباع فتشرب منه، وتبول فيه غالبا.
الثالث: أن الكلاب كانت من جملة ما يرد، فالتنجيس بسببها، ويدل علي دخول الكلاب في ذلك أوجه:
أحدها: أنه جاء في رواية "الدواب والسباع والكلاب".
الثاني: أنها من جملة السباع.
الثالث: أنها داخلة في الدواب.
وأما قياسهم على الكلب فهو قياس في مقابلة النص فلا يقبل، ولأن الكلب ورد الشرع بتغليظ نجاسته وغسلها سبعا للتنفير منه، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، وليس غيره في معناه، فلا يصح قياسه عليه. اهـ المجموع جـ ١/ ص ١٧٣ - ١٧٤.
قال الجامع: عندي أن الذي صححه العلامتان ابن قدامة والنووي من طهارة البغل والحمار هو الصحيح؛ لأنهما كانا يركبان في عهده - ﷺ -، وبعده، فلو كانا نجسين لبين ذلك، لشدة الحاجة إليه، وكذلك سائر
_________________
(١) هذا الكلام فيه نظر؛ لأن الراجح أن الأصل في الأشياء الإباحة كما تقرر في الأصول.
[ ٢ / ١٧٢ ]
سباع البهائم للحجج التي ذكرها النووي ﵀، والله أعلم.
المسألة الخامسة: دل الحديث على تحريم الحمر الأهلية، قال الحافظ ﵀: قال النووي ﵀: قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك
خلافا لهم إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات، ثالثها الكراهة.
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود عن غالب بن الحر قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، وقد أصابتنا سنة، قال: "أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جَوَّال القرية"
يعني الجَلالة، فإسناده ضعيف،، والمتن منكر مخالف للأحاديث الصحيحة فالاعتماد عليها.
وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصرالمحاربية أن رجلا سأل رسول الله - ﷺ - عن الحمر الأهلية، فقال: "أليس ترعى الكلأ وتاكل الشجر؟ قال: نعم، قال: فأصبْ من لحومها" وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مُرَّة قال: سألت .. فذكر نحوه ففي السندين
مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم، قال الطحاوي: لو تواتر الحديث عن رسول الله - ﷺ - بتحريم الحمر الأهلية، لكان النظر يقتضي حلها؛ لأن كل ما حرم من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير، وقد أجمع العلماء على حل الحمار الوحشي، فكان النظر
يقتضي حل الحمار الأهلي. قال الحافظ: ما ادعاه من الإجماع مردود، فإن كثيرا من الحيوان الأهلي مختلف في نظيره من الحيوان الوحشي كالهر اهـ فتح جـ ١/ ص ٥٣٠.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ١٧٣ ]