أي هذا باب ذكرالحديث الدال على حكم سؤر الحائض.
والحائض: وصف خاص بالمرأة، جمعه حُيَّض، كراكع ورُكَّع.
وجاء أيضا حائضة، وجمعه حائضات، مثل قائمة، وقائمات، أفاده في المصباح.
٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ، فَيَضَعُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَاهُ حَيْثُ وَضَعْتُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَكُنْتُ أَشْرَبُ مِنَ الإِنَاءِ، فَيَضَعُ فَاهُ حَيْثُ وَضَعْتُ، وَأَنَا حَائِضٌ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة حافظ من [١٠] تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حَسَّان الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري، اللؤلؤي الحافظ الإمام العلم، ثقة ثبت -٩ - تقدم ٤٢/ ٤٩.
[ ٢ / ١٧٤ ]
٣ - (سفيان) بن سعيد أبو عبد الله الثوري الكوفي ثقة ثبت حجة من [٧] تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (المقدام بن شريح) بكسر الميم وتصغير شريح الكوفي، ثقة من [٦] تقدم في ٨/ ٨.
٥ - (شريح) بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي أبو المقدام مخضرم ثقة من [٢] تقدمت ترجمته في ٨/ ٨.
٦ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين بصريينِ وهما الأولان، وكوفيينَ وهم الباقون، ومدنية وهي عائشة ﵂، وأن شيخ المصنف، هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين اتفقوا في الرواية عنهم بدون واسطة، وتقدم غير مرة.
وأن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ.
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين (﵂) أنها (قالت: كنت أتعرق العرق) أي آخذ ما عليه من اللحم بالأسنان، يقال: عَرَقتُ العظمَ، من باب قتل، وتعرَّقته، واعتَرَقْته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك، والعَرْق: بفتح فسكون: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وفي (ق) العَرْق: أي بفتح فسكون، وكغُرَاب: العظم أكل لحمه، جمعه ككتاب، وغُرَاب نادر، أو العَرْق: العظم بلحمه، فإذا أكل لحمه
فعُرَاق، أي كغُراب، أو كلاهما لكليهما.
(فيضع رسول الله - ﷺ - فاه) أي فمه وهي من الأسماء الستة، التي تعرب بالحروف نيابة عن الحركات، كما قال ابن مالك ﵀:
[ ٢ / ١٧٥ ]
منْ ذَاكَ ذُو إنْ صُحْبَةً أبَانَا … وَالفَمُ حَيثُ الميمُ منْهُ بَانَا
أبٌ أخٌ حَمٌ كَذَاكَ وَهَنُ … والنَّقْصُ في هَذَا الأخير أحْسَنُ
وَفي اب وَتَاليَيْه يَنْدُرُ … وقَصْرُهَا من نَقْصهنَّ أشْهَرُ
وفي المصباح: والفم من الإنسان، والحيوان أصله: فوه بفتحتين، ولهذا يجمع على أفواه، مثل سبب وأسباب، ويثنى على لفظ الواحد، فيقال: فإن وهو من غريب الألفاظ التي لم يطابق مفردها جمعها، وإذا أضيف إلى الياء قيل: فيَّ وفَمي، وإلى غير الياء أعرب بالحروف، فيقال: فوه، وفاه، وفيه، ويقال أيضا: فمه اهـ.
فقوله: "فاه" منصوب بالألف لأنه مفعول به ليضع (حيث وضعتُ) أي في المحل الذي وضعت عليه فمي من الإناء، فحيث ظرف "لوضع" مضاف إلى جملة "وضعت" (وأنا حائض) جملة حالية من فاعل "وضعت".
وكان - ﷺ - يفعل ذلك مع عائشة ﵂ إشارةً إلى أن الحائض طاهرة لا تجتنب في المؤاكلة، والمجالسة، وغيرهما، -خلافا لما عليه اليهود من اعتزالهم عنها- وإظهارًا لمودته إياها، وإدخالا للسرور عليها.
(وكنت أشرب) الشراب (من الإناء فيضع فاه حيث وضعت وأنا حائض).
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب: أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٧٠ وفي الكبرى ٦٢ بالسند المذكور، وفي كتاب الحيض (باب الانتفاع بفعل الحائض) ١٧٨، عن محمَّد بن منصور، عن
[ ٢ / ١٧٦ ]
سفيان، عن مسعر، عن المقدام بن شريح به، وعن محمود بن الربيع، عن وكيع، عن مسعر، وسفيان، عن المقدام به، وفي الباب الذي قبله عن قتيبة، عن يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده به، وعن أيوب بن محمَّد الوَزَّان، عن عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله بن عمر، وعن الأعمش، عن المقدام به، وفي (عشرة النساء) من الكبرى عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن المقدام ابن شريح به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب كلاهما عن وكيع، عن مسعر، وسفيان، كلاهما عن المقدام بن شريح به.
وأخرجه أبو دواد في الطهارة عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن مسعر، عن المقدام، به.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن المقدام به
وأخرجه أحمد، والبيهقي.
المسألة الرابعة: يستفاد من الحديث طهارة سؤر الحائض، وجميع أعضائها، من يد، وفم، وغيرهما إلا محل الأذى، وجواز مؤاكلة الحائض ومشاربتها، ومجالستها، وكمال تواضع النبي - ﷺ - وحسن عشرته. وأنه ينبغي للزوج أن يلاطف زوجته، ويعمل معها ما يُدخلُ السرور عليها، وسيأتي بقية مباحث الحديث في كتاب الحيض إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ١٧٧ ]