أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز وضوء الرجال والنساء جميعا، والوضوء هنا بضم الواو لا غير.
٧١ - أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - جَمِيعًا.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، أبو موسى الحمَّال ثقة [١٠] تقدم في ٥٠/ ٦٢.
٢ - (معن) بن عيسى القَزَّاز المدني ثقة ثبت، أثبت أصحاب مالك من كبار [١٠] تقدم في ٥٠/ ٦٢.
٣ - (مالك) بن أنس العلَم الشهير ثقة حجة [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٤ - (الحارث بن مسكين) محمَّد بن يوسف أبو عمرو المصري ثقة فقيه [١٠] تقدم في ٩/ ٩.
٥ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة
[ ٢ / ١٧٨ ]
العُتَقيُّ أبو عبد الله، المصري الفقيه الحافظ ثقة من كبار [١٠] تقدم في ١٩/ ٢٠.
٦ - (نافع) مولى ابن عمر المدني الثقة فقيه [٣] تقدم في ١٢/ ١٢.
٧ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته ثقات أجلاء، وأنهم ما بين بغدادي، وهو هارون، ومصريين، وهما الحارث، وابن القاسم، ومدنيين، وهم البا قون.
ومنها: أنه كتب خلال السند بعد مالك كلمة (ح) إشارة إلى تحويل السند. واختلف فيها، فقيل: مختصرة من صح، وقيل: من الحديث، وقيل: من الحائل، وقيل: من التحويل، وإلى ذلك أشار
السيوطي في الألفية حيث قال:
وكَتَبُوا (ح) عنْدَ تَكْرير سَنَدْ … فقيل: من صَحَّ وقيلَ: ذَا انْفَرَدْ
منَ الحَديث أوْ لتحويل وَرَدْ … أو حَائل ولفْظُهَا قَولْا أسَدْ
يعني أنها تقرأ كما كتبت، فيقول القارئ إذا وصل إليها: (ح) ويستمر في قراءة ما بعدها.
وفائدتها: أن لا يتوهم أن حديث هذا الإسناد ساقط، ولئلا يركب الإسناد الثاني على الإسناد الأول، فيجعلا إسنادا واحدا، قاله ابن الصلاح ﵀.
ومنها: أن قوله: والحارث بن مسكين بالرفع عطفا على هارون.
ومنها: أن المصنف ومثله أبو داود التزما غالبا كلما ذكر الحارث أن يقولا قراءة عليه، وأنا أسمع، وسبب ذلك أنه كان بينهما وبين الحارث شيء، فلم يمكنهما من الدخول عليه، فكانا يسمعان قراءةَ مَن يقرأ بحيث لا يراهما الحارث فبينا ذلك في الأداء. كما تقدم البحث عنه في مقدمة هذا الشرح.
[ ٢ / ١٧٩ ]
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ أنه (قال: كان الرجال والنساء) قال الحافظ ظاهره التعميم، لكن اللام للجنس، لا للاستغراق، اهـ وهذا الكلام أخذه من كلام الكرماني حيث قال: فإن قلت: تقرر في الأصول أن الجمع المحلى بالألف واللام للاستغراق، فما حكمه هنا.
قلت: قالوا: بعمومه إلا إذا دل الدليل على الخصوص، وها هنا القرينة العادية قوية مخصصة بالبعض. انتهى.
وتعقبه العيني بما حاصله يرجع إلى كلام الكرماني، فلا فائدة لذكره (يتوضئون) التذكير للتغليب (في زمان رسول الله - ﷺ -) قال في المصباح: الزمان مدة قابلة للقسمة، ولهذا يطلق على الوقت القليل والكثير، والجمع أزْمنَة، والزمن مقصور منه، والجمع أزمان مثل سبب، وأسباب، وقد يجمع على أزْمُن اهـ. أي في وقت رسول الله - ﷺ -.
(جميعا) أي مجتمعين في آن واحد، فيستفاد منه أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة، وسيأتي تحقيق البحث في المسائل.
مسائل تتعلق بحديث الباب
الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ أخرجه البخاري.
الثانية: في مواضع ذكره عند المصنف:
أخرجه هنا ٧١ بالسندين المذكورين، وأخرجه أيضا في كتاب المياه في الباب العاشر منه (باب الرخصة في فضل المرأة) بسند هارون بن عبد الله عن معن، به وكذا في الكبرى ٧٢.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في الطهارة عن عبد الله بن يوسف عن مالك به.
[ ٢ / ١٨٠ ]
وأبو داود في الطهارة عن القعنبي وابن ماجه، عن هشام بن عمار كلهم عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وأخرجه البيهقي، وابن خزيمة، والدارقطني.
المسألة الرابعة: قوله في زمان رسول الله - ﷺ -: يستفاد منه أن الصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمن الرسول - ﷺ - يكون حكمه الرفعَ، وهو الصحيح.
قال في التقريب: قول الصحابي: كنا نقول، أو نفعل كذا، إن لم يضفه إلى زمن النبي - ﷺ - فهو موقوف، وإن أضافه فالصحيح أنه مرفوع، وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: موقوف، والصواب الأول، وكذا قوله: كنا لا نرى بأسا بكذا في حياة رسول الله - ﷺ -، أو وهو فينا، أو بين أظهرنا، أو كانوا يقولون أو يفعلون، أو لا يرون بأسا بكذا في حياته - ﷺ - فكله مرفوع اهـ.
قال الجامع: وصحح العراقي، والحافظ ابن حجر في الأول الرفع أيضا، وإلى ذلك كله أشار السيوطي في الألفية حيث قال:
وليُعْطَ حُكْمَ الرَّفْع في الصَّوَابِ … نَحْوُ من السُّنَّة منْ صَحَابِي
كَذَا أُمرْنَا وَكَذا كُنَّا نَرَى … في عَهْده أوْ عَنْ إضَافَة عَرَا
ثَالثُهَا إنْ كَانَ لا يَخْفَى وفِي … تَصْريحه بعلْمه الخُلْفُ نُفيِ اهـ
قال الحافظ في الفتح بعد ذكر القول الصحيح: وحكي عن قوم خلافه لاحتمال أنه لم يطلع عليهم، وهو ضعيف لتوفر دواعي الصحابة على سؤالهم إياه عن الأمور التي تقع لهم، ومنهم، ولو لم يسألوه لم
يقروا على فعل غير الجائز في زمن التشريع فقد استدل أبو سعيد، وجابر على إباحة العزل بكونهم، كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان منهيا
[ ٢ / ١٨١ ]
لنهى عنه القرآن اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٥٨.
المسألة الخامسة: دل قوله جميعا على جواز توضؤ الرجال والنساء من إناء واحد في وقت واحد؛ لأنه صرح في رواية أبي داود وابن ماجه بقوله "من الإناء الواحد" وزاد أبو داود من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر "نُدْلي فيه أيدينا". قال الحافظ: وفيه دليل على أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيره مستعملا لأن أوانيهم كانت صغارا، كما صرح به الشافعي في الأم في عدة مواضع، وفيه دليل على طهارة الذمية، واستعمال فضل طهورها وسؤرها لجواز تزوجهن، وعدم التفرقة في الحديث بين المسلمة وغيرها.
قال: قوله (جميعا) ظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحده، وحكى ابن التين عن قوم أن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤن جميعا في موضع واحد، هؤلاء على حدة، وهؤلاء على حدة والزيادة المتقدمة في قوله "من إناء واحد" ترد عليه، وكأن هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب، وقد أجاب عنه ابن التين بما حكاه عن سحنون: أن معناه كان الرجال يتوضؤون، ويذهبون، ثم تأتي النساء فيتوضأن وهو خلاف الظاهر من قوله "جميعا"، قال أهل اللغة: الجميع ضد المفترق، وقد وقع مصرحا بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة في هذا الحديث من طريق معتمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه أبصر النبي - ﷺ -، وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهرون منه، والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم.
ونقل الطحاوي، ثم القرطبي، والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر، لما حكاه ابن النذر عن أبي
[ ٢ / ١٨٢ ]
هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث حجة عليهم.
ونقل النووي أيضا: الاتفاق علي جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضا فقد أثبت الخلاف فيه الطحاوي، وثبت عن ابن عمر والشعبي، والأوزاعي المنع لكن مقيدا بما إذا كانت حائضا، وأما عكسه فصح عن عبد الله بن سَرْجس الصحابي، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري أنهم منعوا من التطهير بفضل المرأة، وبه قال أحمد، وإسحاق لكن قيداه بما إذا خَلَت به؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة في الجواز إذا اجتمعا، ونقل الميموني عن أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهير بفضل المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، وقال: لكن صح عن عدة من الصحابة المنع، فيما إذا خلت به، وعورض بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس والله أعلم.
وأشهر الأحاديث الواردة في ذلك من الجهتين حديث الحكَم بن عمرو الغفاري في المنع وحديث ميمونة في الجواز.
أما حديث الحكم بن عمرو: فأخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه.
وأما حديث ميمونة: فأخرجه مسلم، لكن أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال: علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني .. فذكر الحديث، وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد لكن راويها غير ضابط، وقد خولف.
والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ: "أن النبي - ﷺ - وميمونه كانا يغتسلان من إناء واحد" وفي المنع أيضا ما أخرجه أبو داود، والنسائي
[ ٢ / ١٨٣ ]
من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: لقيت رجلا صحب النبي - ﷺ - أربع سنين فقال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعا" رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معني المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي وهو ضعيف مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي، وهو ثقة، قد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره.
ومن أحاديث الجواز: ما أخرجه أصحاب السنن والدارقطني، وصححه الترمذي وابن خزيمة، وغيرهما من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت: "أجنبت فاغتسلت من جَفْنَة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي - ﷺ - يغتسل منه فقلت له، فقال: الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه" لفظ الدارقطني، وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم، وقول أحمد: إن الأحاديث من الطريقين مضطربة، إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء والجواز على ما بقي من الماء، وذلك جمع الخطابي، أو يحمل النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة، والله أعلم اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٥٩ - ٣٦٠.
قال الجامع: الجمع الأول غير واضح لأنه قد سبق لنا أن الماء المستعمل طاهر مطهر على الأصح، بل الثاني هو الواضح الأولى والله أعلم.
وسنعود لتحقيق المسألة في كتاب الغسل، إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ١٨٤ ]