أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب النية في الوضوء.
والنية: اسم من نوى الشيء إذا قصده.
قال في المصباح: نَوَيتُهُ أنويه: قصدته، والاسم النية، والتخفيف لغة حكاها الأزهري، وكأنه حذفت اللام، وعوض عنها الهاء على اللغة، كما قيل في ثُبَة وظُبَة.
وفي المُحْكَم: النية مثقلة، والتخفيف عن اللحياني وحده، وهو على الحذف، ثم خصصت النية في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور، والنية الأمر، والوجه الذي تنويه اهـ المصباح.
٧٥ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ حَمَّادٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، (ح) وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ
[ ٢ / ٢٠٠ ]
هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".
رجال الأسانيد [١١] شخصا
١ - (يحيي بن حبيب بن عربي) الحارثي، أبو زكريا البصري، عن يزيد بن زريع، والمعتمر بن سليمان، وطائفة، وعنه مسلم، والأربعة، قال النسائي: ثقة مأمون، قال السراج: مات سنة ٢٤٨ وقيل بعدها،
وفي "ت" ثقة من العاشرة، أخرج عنه مسلم والأربعة.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم في ٣/ ٣.
٣ - (الحارث بن مسكين) بن محمَّد بن يوسف، أبو عمرو المصري ثقة [١٠] تقدم في ٩/ ٩.
٤ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد، أبو عبد الله المصري ثقة فقيه من كبار [١٠] تقدم في ١٩/ ٢٠.
٥ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة حجة ثبت فقيه [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٦ - (سليمان بن منصور) الدُّهني بضم المهملة أبو هلال، ابن أبي هلال، البلخي زرغنده (بفتح الزاي والراء بعدها معجمة، ثم نون ساكنة) لقبه، البزار، عن أبي الأحوص، وابن المبارك، وعنه النسائي،
[ ٢ / ٢٠١ ]
قال ابن حبان: مستقيم الحديث، قيل توفي سنة ٢٤٠. وفي "ت" لقبه زرغنده بفتح الزاي وسكون الراء بعدها معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة، ثقة لا بأس به من العاشرة، وهو من أفراد المصنف.
٧ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح، المروزي، الحنظلي، الإمام ثقة حجة [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٨ - (يحيي بن سعيد) الأنصاري المدني ثقة ثبت [٥] تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٩ - (محمَّد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد بن صخر التيمي، المدني، أبو عبد الله، أحد العلماء المشاهير، عن أنس، وجابر، وعائشة في الترمذي، والنسائي، قال في "صه": فما أدري سمع منه (^١)
أم لا، فأرسل عن أسامة، وعنه يزيد بن الهاد، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي، وابن إسحاق وعدة، قال ابن سعد: كان فقيها محدثا، وقال أحمد: يروي أحاديث منكرة،
وثقه ابن معين، والناس، وتوفي سنة ١٢٠، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة له أفراد من الرابعة.
وفي تهذيب التهذيب: روى عن أبي سعيد الخدري، وعمير مولى آبي اللحم، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وقيس بن عمرو الأنصاري، ومحمود بن لبيد، وعائشة، وعلقمة بن وقاص الخ.
ثم قال: قال ابن أبي حاتم:، عن أبيه: لم يسمع من جابر، ولا من أبي سعيد انتهى.
وحديثه عن عائشة عند مالك، والترمذي، وصححه، وعائشة ماتت قبل أبي سعيد، وجابر اهـ.
_________________
(١) هكذا عبارة الخلاصة، وفيها ركاكة ولعل الصواب، فما أدري سمع منها أم لا؟ وأرسل عن أسامة الخ.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
١٠ - (علقمة بن وقاص) الليثي المدني، عن عمر، وعائشة، وعمرو بن العاص، وعنه ابناه عبد الله وعمرو، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وثقه النسائي، مات في خلافة عبد الملك، وقيل إنه ولد في عهد النبي - ﷺ -، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة ثبت من الثانية، وأخطأ من قال: إن له صحبة.
١١ - (عمر بن الخطاب) بن نُفَيل بن عبد العُزَّى العدوي، أبو حفص المدني أحد فقهاء الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سُمِّيَ أميرالمؤمنين، له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، وعنه أبناؤه: عبد الله، وعاصم، وعبيد الله، وعلقمة بن وقاص، وغيرهم شهد بدرا، والمشاهد إلا تبوك، وولي أمر الأمة بعد أبي بكر ﵄، وفتح في أيامه عدة أمصار، أسلم بعد أربعين رجلا.
عن ابن عمر مرفوعا: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ولما دفن قال ابن مسعود: ذُهِبَ اليومَ بتسعة أعشار العلم، اسُتشهد في آخر سنة ٢٣، ودفن في أول سنة ٢٤، وهو ابن ٦٣ سنة، وصلى عليه صهيب، ودفن في الحجرة النبوية، ومناقبه جمة أخرج له الجماعة.
لطائف الأسانيد
منها: أن الأول والثالث من سداسياته، والثاني من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بصريين وهما: يحيى بن حبيب، وشيخه، ومصريين: وهما الحارث وشيخه، وبلخي وهو سليمان، ومر وزي، وهو عبد الله، ومدنيين، وهم الباقون.
ومنها: ما في قوله: "والحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع"،
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وتقدم البحث عنه قريبا.
ومنها: قوله: واللفظ له، يعني أن حمادا، ومالكا، وابن المبارك، رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، إلا أن اللفظ المذكور هو لفظ ابن المبارك، وأما لفظ حماد، ومالك، فغير هذا، بل وافقاه في المعنى.
والحاصل أن المصنف روى هذا الحديث هنا عن ثلاثة شيوخ:
أحدها: عن شيخه يحيى بن حبيب، عن حماد.
والثاني: عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
والثالث: عن سليمان بن منصور، عن عبد الله بن المبارك، والثلاثة عن يحيى بن سعيد، ثم إن اللفظ الذي ساقه هنا هولفظ ابن المبارك، وأما الآخران فروياه بالمعنى.
وهذا الذي سلكه من نسبة اللفظ لأحدهم هو الأحسن، كما أشار إليه السيوطي في الألفية، حيث قال:
ومَنْ رَوَى مَتْنًا عَنْ أشْيَاخ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ ما اتَّحَدْ
مُقْتَصرًا بلَفْظ واحد وَلَمْ … يُبَيّن اخْتصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أوْ قَال قَدْ تَقَاربَا في اللَّفْظ أوْ … وَاتَّحَدا المعَنَى عَلَى خُلْف حَكَوْا
وَإنْ يكُنْ للفظه يُبَيِّنُ … مَعْ قَالَ أو قَالا فَذَاكَ أحْسَنُ
وقد تقدم تمام هذا البحث، وسيأتي أيضًا، وسننبه عليه حيث يمر بنا إن شاء الله تعالى.
ومنها: كتابة "ح" بين الإسنادين وتقدم البحث عنها قريبا.
ومنها: أن إسناد حماد، وعبد الله عاليان، بخلاف إسناد مالك، فإنه نازل بدرجة، فقد وصل المصنف إلى يحيي بن سعيد، بواستطين
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فيهما، ويثلاث فيه.
ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، وهم يحيى بن سعيد، ومحمد بن إبراهيم، وعلقمة، وهذا على قول الجمهور، حيث إنهم لم يثبتوا صحبة علقمة، وقيل: إن له صحبة، فعلى هذا ففيه رواية صحابي عن صحابي، والأول أصح.
ومنها: أن فيه الإخبار، والعنعنة، والتحديث، والإنباء، وكلها من صيغ الاتصال في غير المدلس على الصحيح.
فائدة: من ألطف ما وقع في الأسانيد رواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض، أو خمسة، ولا يوجد أكثر من ذلك، قال السيوطي في ألفيته:
وفي الصِّحَاب أرْبَعٌ في سَنَد … وخَمْسَةٌ وبَعْدَهَا لم يُزدِ
وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصفهاني جزءا لرباعي الصحابة وخماسيهم، ومن الغريب العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب البغدادي بجزء جمع اختلاف طرقه، وهو حديث منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن الرَّبيع بن خُثَيْم، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ - في "إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن".
وقال يعقوب بن أبي شيبة: وهو أطول إسناد روي، قال الخطيب: والأمر كما قال، قال: وقد روي هذا الحديث أيضا من طريق سبعة من التابعين، ثم ساقه من حديث أبي إسحاق الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو، عن الرَّبيع، عن عبد الرحمن، فذكره، قاله البدر العيني في العمدة ج ١/ ص ٢١ والله أعلم.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
شرح الحديث
(عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إنما الأعمال) جمع عمل، مصدر قولك: عَملَ يَعْمَلُ عَمَلًا، والتركيب يدل على فعل يُفْعل،، والفرق بينه وبين الفعل كما قال الصغاني: أن الفعل أعم من العمل؛ لأنَّ الفعل إحداث شيء من العمل وغيره، أفاده العيني، وفي "ق" وشر حه: العمل محركة: المهنة، والفعل، جمعه أعمال، وزعم بعض أئمة اللغة والأصول: أن العمل أخص من الفعل؛ لأنه الفعل بنوع مشقة، قالوا: ولذا لا ينسب إلى الله تعالى، وقال الراغب: العمل كل فعل يصدر من الحيوان بقصده، فهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بقصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعمل قلما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل في الحيوانات إلا في قولهم الإبل والبقر العوامل، وقال شيخنا: العمل حركة البدن بكله أو بعضه، وربما أطلق على حركة النفس، فهو إحداث أمر، قولا كان أو فعلا بالجارحة، أو القلب، لكن الأسبق للفهم اختصاصه بالجارحة وخصه البعض بما لا يكون قولا، ونوقش بأن تخصيص الفعل به أولى من حيث استعمالهما متقابلين، فيقال: الأقوال، والأفعال، وقيل: القول لا يسمى عملا عُرْفا، ولذا يعطف عليه، فمن حلف لا يعمل، فقال، لم يحنث، وقيل التحقيق: إنه لا يدخل في العمل، والفعل إلا مجازا. اهـ تاج العروس ج ٨/ ص ٣٤.
(بالنية) بالإفراد، وسنبين اختلاف ألفاظه في المسائل إن شاء الله تعالى، والنية: مصدر نَوَى ينوي، قال الجوهري: نويت نيَّة ونواة، أي عزمت، وانتويت مثله، وهي بالتشديد على المشهور، وحكي تخفيفها كما تقدم في أول الباب.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
واختلفوا في تفسيرها: فقيل: هو القصد إلى الفعل، وقال الخطابى: هو قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له، وقال التيمي: هنا وجهة القلب، وقال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالا أو مآلا، وقال النووي: النية القصد، وهي عزيمة القلب، وقال الكرماني: ليس هو عزيمة القلب، لما قال المتكلمون: القصد إلى الفعل، هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه، ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد، ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به.
قال البدر العيني: قلت: العزم هو إرادة الفعل، والقطع عليه، والمراد من النية هنا هو هذا المعنى، فلذلك فسر النووي القصد الذي هو النية بالعزم، فافهم.
على أن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي قد جعل في أربعينه النية، والإرادة، والقصد والعزم بمعنى، ثم قال: وكذا أزمعت على الشيء وعمدت إليه، وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها. اهـ عمدة جـ١/ ص ٢٦.
قال في الفتح: قال الكرماني: هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين، واختلف في وجه إفادته، فقيل: لأن "الأعمال" جمع مُحَلى بالألف واللام، مفيد للاستغراق، وهو مستلزم للقصر؛ لأن معناه كل عمل بنية، فلا عمل إلا بنية، وقيل: لأن "إنما" للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو العرف، أو تفيده بالحقيقة أو المجاز؟ ومقتضى كلام الإمام، وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا، بل نقله شيخنا شيخ الإسلام عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل
[ ٢ / ٢٠٧ ]
العربية، واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لما حسن، إنما قام زيد، في جواب هل قام عمرو؟ وأجيب بأنه يصح أن يقع في مثل هذا الجواب ما قام إلا زيد، وهي للحصر اتفاقا، وقيل: لو كانت للحصر لاستوى إنما قام زيد، مع ما قام إلا زيد، ولا تردد في أن الثاني أقوى من الأول، وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوة نفي الحصر، فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراكهما في أصل الوضع كسوف والسين، وقد وقع استعمال "إنما" موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: آية ١٦] وكقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: آية ٣٩]، وقوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: آية ٩٢]، وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: آية ٩٩] ومن شواهده قول الأعشى:
ولسْتَ بالأكْثَر منهم حَصىً … وَإنَّمَا العزَّة للكَاثرِ
يعني: ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصى. اهـ فتح جـ ١/ ص ١٨ - ١٩. وسيأتي مزيد بسط في هذا البحث في المسائل إن شاء الله تعالى.
والمراد بالأعمال: الأعمال الصادرة عن المكلفين، وهل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر الإخراج؛ لأن المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبا بها معاقبا على تركها، ولا يرد
العتق، والصدقة؛ لأنهما بدليل آخر.
وقوله (بالنية) الباء للمصاحبة، ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأول فهي من نفس العمل، فلا يشترط أن لا تتخلف عن أوله. قاله في الفتح، وسيأتي تمام البحث في المسائل إن شاء الله تعالى.
(وإنما لامريء) قال السندي ﵀: وقوله "لامرئ" بمعنى لكل
[ ٢ / ٢٠٨ ]
امرئ، كما جاء في الروايات، وذلك لأن "إنما" يتضمن الأثبات في أول الكلام والنفي في آخر جزء منه فالنكرة صارت في حيز النفي فتفيد ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: آية ١٤] ولا يخفى أنه يظهر على هذا المعنى تفريع "فمن كانت هجرته" على ما قبله أشدَّ ظهور. اهـ.
وفيه لغتان: امرء كزبْرج، ومَرْء كفَلْس، ولا جمع له من لفظه، وهو من الغرائب؛ لأن عين فعله تابع للامه في الحركات الثلاث دائما، وكذا في مؤنثه أيضا لغتان: امرأة، ومرأة، وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين إذْ قال: "لكل امرئ" "وإلى امرأة" قاله العيني. وقال العراقي: المعروف في الرواية كسر الراء من قوله "لكل امرئ" وعلى هذا فإعرابه بحرفين من آخره الراء والهمزة، تقول امرؤ جيد برفع الراء، ورأيت امرءا بنصبها، وهذه هي اللغة الفصحى، وفيه لغتان أخريان فتح الراء مطلقا، حكاها الفراء، وضمها مطلقا، وتكون حركات الإعراب في الهمزة فقط. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١١
(وإنما لكل إمرىء ما نوى) أي لكل رجل: الذي قصده، وكذا لكل امرأة لأن النساء شقائق الرجال، وفي "ق" المرأ مثلث الميم: الإنسان، أو الرجل.
وعلى القول بأن "إنما" للحصر، فهو هنا من حصر الخبر في المبتدأ، أو يقال من قصر الصفة على الموصوف؛ لأن المقصور عليه في "إنما"، دائما المؤخر، قاله القسطلاني، وفي هذه الجملة تحقيق لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال، قاله القرطبي.
فتكون على هذا جملةً مؤكدةً لما قبلها، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى؛ لأن الأولى نبهت على أن العمل تابع للنية، ويصاحبها
[ ٢ / ٢٠٩ ]
فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه.
ثم فصل ما أجمله فيما تقدم بقوله (فمن كانت هجرته) بكسر الهاء فعلة من الهَجْر، وهو ضد الوصل، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، قاله في النهاية. وفي الشرع: مُفارقةُ دار الكفر إلى دار الإسلام خوفَ الفتنة، وطلبَ إقامة الدين، وفي الحقيقة مفارقة ما يكرهه الله إلى ما يحبه، ومن ذلك سُمِّيَ الذين تركوا مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك. قاله العيني.
أي من كانت رحلته من بلد إلى بلد آخر (إلى الله وإلى رسوله) بإعادة الجار، وثبت في رواية بحذفها، نيةً وقصدًا (فهجرته إلى الله وإلى رسوله) - ﷺ - حكما وشرعا، أو ثوابا وجزاء، وإنما قدرنا ذلك، ليتغاير الشرط، والجزاء؛ لأنه لا بد من ذلك، وإلا لم يكن مفيدا، وقيل: يجوز الاتحاد في الشرط والجزاء، والمبتدإ والخبر، إذا قصد التعظيم، أو التحقير كأنت أنت، أي العظيم، أو الحقير، ومنه قول أبي النجم: وشعري شعري، أي العظيم، وقيل: الخبر محذوف في الجملة الأولى منهما: أي فهجرته إلى الله ورسوله محمودة أو مثاب عليها، وفهجرته إلى ما هاجر إليه مذمومة أو قبيحة، أو غير مقبولة. اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٠٢.
(ومن كانت هجرته إلى دنيا) بضم الدال، وحكى ابن قتيبة كسرها وهي فُعْلى من الدُّنُوِّ، أي القرب، سميت بذلك لسبقها الأخرى، وقيل لدنوها إلى الزوال، وهي غير منونة على الأشهر، وحكي تنوينها،
وجمعها دُنَا، ككُبَر جمع كُبْرَى، والنسبة إليها دنيوي، ودنياوي، ودنْييّ، بقلب الواو ياء فتصير ثلاث ياءات، واختلف في حقيقتها،
[ ٢ / ٢١٠ ]
فقيل: ما على الأرض من الهواء والجوّ، وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، والأول أولى، لكن يزاد فيه مما قبل قيام الساعة، ويطلق على كل جزء منها مجازا. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٣ - ٢٤.
(يصيبها) جملة في موضع جر صفة لدنيا، أي يحصلها؛ لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود. اهـ فتح.
(أو امرأة ينكحها) أي يتزوجها، كما في الرواية الأخرى، وخص المرأة بالذكر بعد ذكر ما يعمها وغيرها للاهتمام بها، والتحذير عنها لأن الافتتان بها أشد (فهجرته إلى ما هاجر إليه) من الدنيا والمرأة. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه:
أخرج حديث عمر الأئمة الستة، فأخرجه مسلم عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن يزيد ابن هارون، فوقع بدلا لهما عاليا بدرجتين، واتفق عليه الشيخان من
رواية مالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي.
وأخرجه البخاري، وأبو داود، من رواية الثوري، ومسلم من طريق الليث، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وحفص بن غياث، والترمذي من رواية عبد الوهاب الثقفي، والنسائي من طريق مالك وحماد بن زيد، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وابن ماجه أيضا من رواية الليث، عشرتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أورده البخاري في سبعة مواضع من صحيحه في بدء الوحي، والإيمان، والنكاح، والهجرة، وترك الحيل، والعتق، والنذور.
[ ٢ / ٢١١ ]
ومسلم في الجهاد، وأبو داود في الطلاق، والترمذي في الجهاد، والنسائي في أربعة مواضع في الطهارة، والإيمان، والعتاق، والطلاق، وابن ماجه في الزهد. اهـ طرح جـ ١/ ص ٣ بزيادة من العيني.
ورواه أحمد في مسنده والدارقطني، وابن حبان، والبيهقي، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم يخرجه في موطئه، ووهم ابن دحية الحافظ فقال في إملائه على
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ، ورواه الشافعي عنه، وهذا عجيب منه. اهـ عمدة القاري جـ١/ ص ٢٤.
المسألة الثالثة: في بيان اختلاف ألفاظه:
قال البدر العيني: قد حصل من الطرق المذكورة أربعة ألفاظ "إنما الأعمال بالنيات" "والأعمال بالنية" "والعمل بالنية" وادعى النووي في تلخيصه قلَّتَهَا، والرابع "إنما الأعمال بالنية" وأورده القضاعي في الشهاب بلفظ خامس "الأعمال بالنيات" بحذف إنما، وجمع "الأعمال" "والنيات" قلت: هذا أيضا موجود في بعض نسخ البخاري، وقال الحافظ أبو موسى الأصفهاني: لا يصح إسنادها وأقره النووي على ذلك في تلخيصه، وغيره وهو غريب منهما، وهي رواية صحيحة أخرجها ابن حبان في صحيحه عن علي بن محمَّد العتابي، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمَّد،
عن علقمة، عن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الأعمالُ بالنيات" الحديث، وأخرجه الحاكم أيضا في كتابه الأربعين في شعار أهل الحديث، عن أبي بكر بن خزيمة، ثنا القعنبي: ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، به سواء، ثم حكم بصحته، وأورده ابن الجارود في المنتقى بلفظ سادس عن ابن المقري: حدثنا سفيان، عن يحيى به "إن الأعمال بالنية،
[ ٢ / ٢١٢ ]
وإن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا" الحديث، وأورده الرافعي في شرحه الكبير بلفظ آخر غريب وهو: "ليس للمرء من عمله إلا ما نواه" وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعا "لا عمل لمن لا نية له" وهو بمعناه لكن في إسناده جهالة. اهـ عمدة جـ ١/ ص ٢٤.
المسألة الرابعة: قال الحافظ العراقي: هذا الحديث من أفراد الصحيح لم يصح عن النبي - ﷺ - إلا من حديث عمر، ولا عن عمر، إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمَّد بن إبراهيم التيمي، ولا عن التيمي إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، قال أبو بكر البزار:
في مسنده: لا نعلم يُروَى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ - بهذا الإسناد.
وقال الخطابي: لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في أنه لم يصح مسندا عن النبي - ﷺ - إلا من رواية عمر، وقال الترمذي بعد تخريجه: هذا حديث صحيح، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد، وقال حمزة ابن محمَّد الكناني: لا أعلم رواه غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، ولا عن علقمة غير محمد بن إبراهيم، ولا عن محمَّد بن إبراهيم غير يحيى بن سعيد، وقال محمَّد بن عتاب: لم يروه غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، إلى آخره اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣.
المسألة الخامسة: قال العراقي أيضا: ما ذكره هؤلاء الأئمة من كون حديث عمر فردا هو المشهور، وقد روي من طرق أخرى رأيت ذكرها للفائدة، فوقفت عليه مسندا من غير طريق عمر من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأنس، وعلي. فحديث أبي سعيد رواه الخطابي في معالم السنن، والدارقطني في غرائب مالك، وابن عساكر في
[ ٢ / ٢١٣ ]
غرائب مالك، من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد. وهو غلط من ابن أبي رواد، وقول الخطابي: إنه يقال: إن الغلط إنما جاء من قبل نوح بن حبيب الذي رواه عن ابن أبي رواد، فليس بجيد من قائله، فإنه لم ينفرد به نوح به عنه، بل رواه غيره عنه، وإنما الذي تفرد به ابن أبي رواد كما قال الدارقطني، وغيره.
وحديث أبي هريرة رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه، وهو وهم أيضا.
وحديث أنس: رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب جدا، والمحفوظ من حديث عمر انتهى.
والمعروف من حديث أنس ما رواه البيهقي من رواية عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني بعض أهل بيتي، عن أنس فذكر حديثا فيه "أنه لا عمل لمن لا نية له" الحديث.
وحديث علي: رواه محمَّد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل البيت إسنادها ضعيف. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤.
وقال العيني: وقال ابن منده: رواه عن النبي - ﷺ - غير عمر، سعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت. وعتبة بن عبد الأسلمي، وهزال بن سويد، وعتبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذر، وعتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم، ﵃.
وأيضًا قد توبع علقمة، والتيمي، ويحيى بن سعيد على رواياتهم،
[ ٢ / ٢١٤ ]
قال ابن منده: هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة، ابنه عبد الله، وجابر، وأبو جحيفة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وذو الكلاع، وعطاء بن يسار، وواصل بن عمر، والجذامي، ومحمد بن المنكدر.
ورواه عن علقمة غير التيمي سعيد بن المسيب، ونافع وتابع يحيى ابن سعيد على روايته عن التيمي محمَّد بن محمَّد بن علقمة أبو الحسن الليثي، وداود بن أبي الفرات، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة وعبد الله بن قيس، اهـ. عمدة جـ ١/ ص ٢٢.
وقال العراقي: وأما من تابع علقمة عليه، فذكر أبو أحمد أن موسى ابن عقبة رواه عن نافع وعلقمة، وأما من تابع يحيى بن سعيد عليه، فقد رواه الحاكم في تاريخ نيسابور، من رواية عبد ربه بن سعيد عن محمَّد بن إبراهيم، وأورده في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد، وقال: إنه غلط فيه، وقال: وإنما هو عن يحيى بن سعيد، لا عن عبد ربه بن سعيد، وذكر الدارقطني أنه رواه حجاح بن أرطاة عن محمَّد بن إبراهيم، وأنه رواه سهل بن صقر عن الدَّرَاوَرْديّ، وابن عيينة، وأنس بن عياض، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة، عن محمَّد بن إبراهيم، ووهم سهل على هؤلاء الثلاثة وإنما رواه الثلاثة، وغيرهم عن يحيى بن سعيد.
ورأيت في كتاب المستخرج من أحاديث الناس للفائدة لعبد الرحمن ابن منده أنه رواه سعبة عشر من الصحابة غير عمر، وأنه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير التيمي، وعن التيمي غير يحيى بن سعيد، وبلغني أن الحافظ أبا الحجاج المزي سئل عن كلام ابن منده هذا، فاستبعده. وقد تتبعت كلام ابن منده فوجدت أكثر الصحابة الذين ذكر حديثهم في الباب إنما لهم أحاديث أخرى في مطلق النية، لا هذا الحديث بعينه، كحديث "يبعثون على نياتهم" وحديث "ليس له من غَزَاته إلا ما
[ ٢ / ٢١٥ ]
نوى" ونحو ذلك، وهكذا يفعل الترمذي حيث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، فكثيرا ما يريد بذلك أحاديث غير الحديث الذي يسنده في أول الباب، ولكن بشرط كونها تصلح أن تورد في ذلك الباب.
وهو عمل صحيح إلا أن أكثر الناس إنما يفهمون إرادة ذلك الحديث المعين. والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٥.
المسألة السادسة: قال العراقي: أطلق بعضهم على هذا الحديث اسم التواتر، وبعضهم اسم الشهرة، وليس كذلك، وإنما هو فرد، ومن أطلق ذلك فمحمول على أنه أراد الاشتهار، أو التواتر في آخر السند، من عند يحيى بن سعيد. قال النووي: هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، قال: وليس متواترًا لفقد شرط التواتر في أوله: رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة، قال العراقي: روينا عن الحافظ أبي موسى محمَّد بن عمر المديني: أنه رواه عن يحيى بن سعيد سبعمائة رجل اهـ طرح جـ ١/ ص ٥.
وقال البدر العيني: قال أبو سعيد محمَّد بن علي الخشاب الحافظ: روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلا. وذكر ابن منده في مستخرجه فوق الثلاثمائة، وقال الحافظ أبو موسى
الأصفهاني: سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول: في المذاكرة: قال الإمام عبد الله الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، وقال الحافظ أبو موسى المديني، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي: أنه رواه عن يحيى سبعمائة رجل.
فإن قلت: قد ذكر في تهذيب مستمر الأوهام لابن ماكولا أن يحيى ابن سعيد لم يسمعه من التيمي، وذكر في موضع آخر أنه يقال: لم
[ ٢ / ٢١٦ ]
يسمعه التيمي، عن علقمة. قلت: رواية البخاري عن يحيى بن سعيد أخبرني محمَّد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة ترد هذا. اهـ عمدة جـ ١/ ص ٢٣.
المسألة السابعة:
هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام حتى قيل فيه: إنه ثلث العلم، وقيل: ربعه، وقيل: خمسه، وقال الشافعي، وأحمد: إنه ثلث العلم، قال البيهقي: لأن كسب العبد بقلبه ولسانه، وجوارحه، فالنية
أحد الأقسام وهي أرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها، ولذلك كانت نية المؤمن خيرًا من عمله، وهكذا أوله البيهقي. وكلام الإمام أحمد يشعر بأنه أراد بكونه ثلث العلم معنى آخر، فإنه قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث:
حديث "إنما الأعمال بالنية".
وحديث عائشة "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"
وحديث النعمان بن بشير "الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن".
وقال أبو داود: اجتهدت في المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة أحاديث "الحلال بين" "والأعمال بالنية" وحديث أبي هريرة "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" وحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" هكذا روى ابن الأعرابي عنه، وروى ابن داسة عنه نحوه إلا أنه أبدل حديث "إن الله طيب" بحديث: "لا يكون المرء مؤمنًا حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه" وجعل بعضهم مكان هذا الحديث الذي تردد كلام أبي داود فيه حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". وروي عن أبي داود أيضا: الفقه يدور على خمسة أحاديث "الحلال بين" "والأعمال
[ ٢ / ٢١٧ ]
بالنيات" "وما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" "ولا ضرر ولا ضرار". اهـ طرح ٢/ ٦.
وقال البدر: قال الشافعي، وغيره: يدخل فيه أي حديث الباب، سبعون بابا من الفقه. وقال النووي: لم يرد الشافعي رحمه الله تعالى انحصار أبوابه في هذا العدد، فإنها أكثر من ذلك، وقد نظم طاهر بن
مفوز الأحاديث الأربعة: (من الخفيف)
عُمْدَةُ الدِّين عنْدَنَا كَلمَاتٌ … أربَعٌ من كَلام خَيْر البَريَّهْ
اتَّق الشُّبُهَات وازْهَدْ ودَعْ مَا … ليْسَ يَغنيكَ واعْمَلَنْ بنيِّهْ
اهـ عمدة، جـ ١/ ص ٢٤.
المسألة الثامنة: قال العراقي: كلمة "إنما" للحصر على ما تقرر في الأصول، ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: آية ٩٨] ولكن دلالتها على النفي فيما عداه هل هو بمقتضى موضوع اللفظ، أو بطريق المفهوم؟ فيه كلام لبعض المتأخرين، واستدل على وفاقهم أنها للحصر أن ابن عباس فهمه من قوله - ﷺ -: "إنما الربا في النسيئة" فاعترضه المخالفون له بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يعارضوه فيما فهمه من الحصر، لاتفاقهم عليه. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٦.
وقال الحافظ في الفتح: واختلفوا هل هي بسيطة أو مركبة؟ فرجحوا الأول، وقد يرجح الثاني، ويجاب عما أورد عليه من قولهم: إنّ "إنّ" للأثبات و"ما" للنفي، فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد بأن يقال مثلا: أصلهما كان للإثبات والنفي، لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما بل أفادا شيئا آخر، أشار إلى ذلك الكرماني، قال: وأما قول من قال: إفادة هذا السياق للحصر من جهة أن فيه تأكيدا بعد تأكيد،
[ ٢ / ٢١٨ ]
وهو المستفاد من "إنما"، ومن الجمع، فمتعقب بأنه من باب إيهام العكس؛ لأن قائله لا رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما وقع كذلك يفيد الحصر. وقال ابن دقيق العيد: استدل على إفادة "إنما" للحصر بأن ابن عباس استدل على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث "إنما الربا في النسيئة" وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر: وتعقب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزلا، وأما من قال: يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله "لا ربا إلا في النسيئة" لورود ذلك في بعض طرق الحديث المذكور، فلا يفيد ذلك في رد إفادة الحصر، بل يقويه ويشعر بأن مفاد الصيغتين عندهم واحد، وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه.
وأوضح من هذا حديث "إنما الماء من الماء" فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضم في الحكم من أدلة أخرى كحديث "إذا التقى الختانان".
قال ابن عطية: "إنما" لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد، حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه، فجعل وروده للحصر مجازا يحتاج إلى قرينة، وكلام غيره على العكس من ذلك، وأن الأصل ورودها للحصر. لكن قد يكون في شيء مخصوص، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: آية ١٧١]، فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإلا فلله ﷾ صفات أخرى كالعلم والقدرة.، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: آية ٧] فإنه سيق باعتبار منكري الرسالة، وإلا فله - ﷺ - صفات أخرى كالبشارة إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي فيما يقال: السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقا. اهـ فتح جـ ١/ ص ١٩.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وقال العراقي: إذا تقرر أنها للحصر، فتارة تقتضي الحصر المطلق، وهو الأغلب أكثر، وتارة تقتضي حصرا مخصوصا، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد - ﷺ -: آية ٣٦] فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن، ونفي قدرته على ما طلبوا من الآيات، وأراد بالآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها، أو هو من باب تغليب الغالب على النادر، وكذا قوله في الحديث "إنما أنا بشر" أراد بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، وبالنسبة إلى جواز النسيان عليه. قال ابن دقيق العيد: ويفهمُ ذلك بالقرائن والسياق. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٦.
المسألة التاسعة:
قال العراقي: المراد بالأعمال هنا: أعمال الجوارح كلها حتى تدخل في ذلك الأقوال، فإنها من عمل اللسان، وهو من الجوارح، قال ابن دقيق العيد: ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خَصَّص الأعمال بما لا يكون قولا، وأخرج الأقوال من ذلك، قال: وفي هذا عندي بُعْد، ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضا. اهـ، طرح جـ ٢/ ص ٧.
قال الجامع عفا الله عنه: ويتناول الحديث أيضا التروك لأنها أفعال، قال الشيخ إبراهيم الكردي: الترك إذا أريد به كف النفس، فهو فعل اختياري، وكل فعل اختياري يختلف باختلاف النيات، وقد صح "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة" إلى قوله "وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة".
ومفهومه أنه إذا لم يتركها من أجل الله لا تكتب له حسنة، وهو كذلك كما قاله الغزالي وغيره.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
قال الصنعاني: بل قد نقل الشيخ نفسه أنه قد قيل إذا تركها لخوف المسلمين كان آثما. قال الشيخ: "ومن حسن إسلام المرأ تركه ما لا يعنيه" فنقول: الكف إن كان تركا للشر لله فهو خير، وإن كان تركا للخير بلا عذر شرعي فهو شر، والعمل قد أطلق على الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨﴾ [الزلزلة: آية ٧ - ٨]، ويوضحه أن الكف قد أطلق عليه أنه صدقة كما في حديث أبي ذر "كف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك" أخرجه ابن أبي الدنيا (^١) وفي حديث معاذ عند الديلمي "أفضل الصدقة حفظ اللسان" والأصل الحقيقة، ولا صارف، ولا سيما وقد ورد "كل معروف صدقة" وترك الأذى والشر من المعروف ولا شبهة، والصدقة من أفضل الأعمال فالكف عن الأذى والشر من أفضل الأعمال، فالتروك من الأعمال، وهو المطلوب، انتهى. ونقله العلامة الصنعاني في العدة حاشية العمدة، وناقشه فيه بما تركته لعدم جدواه.
المسألة العاشرة: النية بتشديد الياء على المشهور، وحكي التخفيف أيضا كما تقدم، وقد ورد بلفظ الإفراد فيه، وفي العمل أيضا، وقد ورد بلفظ الجمع أيضا، وكلها صحاح.
واختلف في حقيقة النية: فقيل: هي الطلب، وقيل: الجدُّ في الطلب، ومنه قول ابن مسعود: ومن ينو الدنيا تُعجزُه. أي من يجدّ في طلبها، وقيل: القصد للشيء بالقلب، وقيل: عزيمة القلب، وقيل: هي من النَّوى بمعنى البُعْد، فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه، فجعلت النية وسيلة
_________________
(١) قال الجامع: بل هو في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري مرفرعا "على كل مسلم صدقة، قالوا: فإن لم يجد؟، قال: فيعمل بيديه فينفع نفسه، ويتصدق .. الحديث وفيه قال: "فيمسك عن الشر فإنه له صدقة" جـ ٨/ ص ١٣ اللهم إلا أن يريد هذا اللفظ.
[ ٢ / ٢٢١ ]
إلى بلوغه، اهـ طرح جـ ٢/ ص ٧.
وقد ذكر العلامة الصنعاني في العدة حاشية العمدة كلاما نفيسا في هذا المبحث أردت نقله وإن طال لنفاسته. قال ﵀:
النيات: جمع نية بالتشديد والتخفيف، فالتشديد هو المشهور من نَوَى يَنْوي، وأصل النية نوْيَة بكسر النون وسكون الواو فقلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة، ثم أدغمت في الياء بعدها، والتخفيف من وَنَى مثل وَعَدَ يَعِدُ عِدَةً، ومعنى وَنَى: أبطأ، وتأخر، وأطلقَ هنا لأن النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء، كذا قيل، قال البيضاوي: النية انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو مآلا، والشارع خصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضوان الله، وامتثال حكمه، وأقره الحافظ في الفتح. ونقله الشيخ إبراهيم الكردي في رسالته في النية وأقره أيضا وقال: هذا تعريف شامل لأفراد النية المأجور صاحبها، قال الحافظ: والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده، قال الشيخ إبراهيم: وكذلك المراد بها المعنى اللغوي في حديث عمر مرفوعا عند ابن أبي الدنيا "إنما يبعث المقتولون على نياتهم" وعدّة أحاديث في معناه. قال: وكذا حديث ابن مسعود عند أحمد "رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته" وحديث عبادة عند النسائي "من غزا ولا ينوي إلا عقالا فله نيته" إلى غير ذلك. قال: فالشرع قد اعتبر القصد الأعم ورتب عليه أحكاما دنيوية وأخروية، فتختلف أحكام الصور باختلاف نياتها، أما الدنيوية فكما تختلف أحكام صور القتل باختلاف كونه عمدا، أو خطأ، أو شبه عمد، وكما تختلف أخذ الدائن من مال المدين باختلاف قصده الاستيفاء وغيره إلى غير ذلك.
وأما الأخروية فلأنهم يبعثون على نياتهم مع اختلافها، فيجازون
[ ٢ / ٢٢٢ ]
عليها كما يوضحه حديث أبي هريرة عند مسلم في الأربعة الذين هم أوّل من يقضى بينهم يوم القيامة "رجل استشهد" وفيه "فيقال له كذبت، ولكنك قاتلت ليقال: جريء فقد قيل" وفي قارئ القرآن كذلك "ولكنك قرأت ليقال قارئ، فقد قيل" ومثله في العالم والمنافق.
وحديث ابن عمر عند أبي داود: "إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسابا، وإن قاتلت مكاثرا مرائيا بعثك الله مكاثرا مرائيا" انتهى.
قال الصنعاني: وهذا التقسيم للنية وإن جرى عليه أئمة أعلام، فلا يخفى ما فيه على ذوي الأفهام، وهو أن النية من أفعال القلوب كما رسموها بقولهم انبعاث القلب الخ. وأفعال القلوب كأفعال الجوارح لم ينقل الشارع مسماه عن الاسم اللغوي، إذا لم يقصد بها وجه الله تعالى، فإن الشارع لم ينقل حركة البدن بالسجود لله عن مسماها بالسجود للصنم، بل الكل سجود، ولا نقل حركته بالطواف لله عن مسماه بالطواف للصنم، بل الكل باق على مسماه اللغوي. فإن حركة البدن بالصلاة لله لم تنقل بالصلاة رياء وسمعة عن مسماها، بل المسمى في الكل واحد: سجود، وطواف، وصلاة من غير نقل، ولا زيادة قيد، لكن هذا مأمور به وهذا منهي عنه، فكذلك حركة القلب بالنية وانبعاثه باق على مسماه لغة لم ينقلها الشرع ولا خصصها ولا هنا معنى لغوي ومعنى شرعي كما قال الحافظ محمول على المعنى اللغوي، وقال البيضاوي: والشرع خصصها، وقال الشيخ إبراهيم: قد استعملها الشرع في المعنيين، بل نقول: الشارع لم ينقلها ولم يخصصها، وإنما جاء الشارع ببيان أن الداعي والباعث لهذه النية إن كان ابتغاء مرضاة الله واتباع أمره فهي التي طلبها الله من عباده ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: آية ٥]، فكان صاحبها مأجورا، وإن كان الباعث غير ذلك فإن كان ما نهى الله عنه كالرياء والسمعة كان مأزورا
[ ٢ / ٢٢٣ ]
كما أفاده حديث الأربعة الذين هم أول من تسعر بهم النار، وحديث "ويبعث مرائيا مكاثرا" وإن كان ما أباحه الله كالغزو لقصد الغنيمة كان له ما نوى كحديث "من غزا لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى" والأظهر أنه لا يكون آثما لأنه طلب ما أحله الله ووعد به ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: آية ٢٠]، وإن كان قصد المقصد الأدنى بجهاده، فإن المجاهد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فالقول بأن حديث "يبعثون على نياتهم" ونحوه ورد على المعنى الأعم غير صحيح، بل ورد على بيان اختلاف أحوال القتلى في الجزاء على حسب الدواعي والبواعث كما صح به في حديث الأربعة من قوله "ليقال" فإنه بيان للدواعي الحاملة على تعلم العلم وقراءة القرآن والجراءة والجود، وكذلك مكاثرا ومرائيا، وكحديث الباب فإنه قسم الهجرة باعتبار ذلك بيانا للحوامل والبواعث وإنما عبر بالنيات في هذا وفي حديث الباب أيضا تعبيرا عن السبب باسم المسبب مجازا، وإن كان الأصل الحقيقة فالصارف ما ذكرناه من الصرائح ولا يقال: فليعكس، ويُدَّعَى المجاز فيما عبر فيه بالنيات كحديث الباب ونحوه؛ لأنا نقول العكس لا يتم إلا بعد قيام الدليل على نقل النية، ولا دليل ولا مُلجىء، بل الدليل القاهر قائم على أنه لا يصح دخول هذه الأحاديث التي زعم الشيخ إبراهيم أنها داخلة تحت المعنى الأعم، إذ الأحاديث سيقت لبيان انقسام الناس في الآخرة إلى مُثابين ومُعاقَبين بالبواعث والحوامل، فحديث "يبعث المقتولون على نياتهم" ورد في القوم يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى، أي منقسمين إلى مُعاقب ومُثاب، ففيهم المثاب، ولا يدخل تحت المعنى اللغوي، إذا لم
يصرح فيه بقيد ابتغاء رضوان الله أو عدمه، والمعاقب أيضا إذا لم يصرح فيه بعدمه لا يدخل تحته، وحينئذ فلا يتم حمل الحديث على المعنى اللغوي أصلا، ولا على الشرعي؛ لأنه أخذ فيه قيد ابتغاء رضوان الله
[ ٢ / ٢٢٤ ]
فلا يشمل إلا قسما واحدا، وهو تقصير بالحديث عن معناه وإخراج له عما أريد به، فعرفت أنه لا يتم حمله على أي المعنيين، وإن حمل على معنى ثالث شامل للمعنيين ليشمل القسمين فما في المعنيين لا يشمل، ثم الحمل على المعنييين فرع ثبوت الشرعي، وهو محل النزاع إذ لم يثبت بدليل، ونحن باقون على الأصل، وهو عدم إثبات معنى شرعي، وبه يتم بطلان قول الشيخ إبراهيم: إنه ورد على المعنى الأعم وفساده، ويعلم أنه محمول على معناه اللغوي: أي يبعثون على قيد بواعثهم ودواعيهم بين مثاب ومعاقب.
فالأحاديث كلها واردة إخبارا على أن أفعال العباد دارت على البواعث والدواعي إثابة وعقوبة، وتحقيقه ما قال الغزالي: إن العضو لا يتحرك إلا بالقدرة، والقدرة تنتظر الداعية الباعثة، والداعية تتنظر العلم والمعرفة أو الظن والاعتقاد، فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق له فلابد أن يُفعل، وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه انبعثت الإرادة، فإذا انبعثت الإرادة انبعثت القدرة بتحريك الأعضاء، فالقدرة خادمة للأرادة، والإرادة متابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة انتهى.
فهذا الباعث الصادر عن الاعتقاد والمعرفة إن كان ما أمر به الشارع فالنية المُثَارة عنه موافقة لمراده تعالى مثاب فاعلها وإلا فلا، وقد أخبر الله تعالى عن هذه البواعث المأمور بها والمنهي عنها بقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: آية ٩]، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: آية ١٩ - ٢٠] ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: آية ٦٧]، وبهذا عرفت أن النية غير منقسمة إلى شرعية ولغوية، وعرفت أنه لا وجه لجعل النية ذات أفراد وتقاسيم ورسوم متغايرات تقضي بتغاير ما هيتها، وأعم وأخص، وإدخال بعض الأحاديث في الأعم مما قد صح لك
[ ٢ / ٢٢٥ ]
بطلانه، بل الأحاديث كلها على معنى واحد، والنية شيء واحد تعددت أحكامها إلى إثابة وعقوبة بالنظر إلى تعدد البواعث، وكذا اختلف أخذ الدائن من مال المدين لاختلاف البواعث أيضا، اختلاف القتل العمد والخطأ وشبه العمد قيل في البواعث.
ومن هنا علمت أن المراد بالنية في حديث الباب هو هذا المعنى اللغوي، وأن تقسيم النية الذي في أثناء الحديث باعتبار بواعثها، فمن كان باعث هجرته رضاء الله ورسوله فهجرته مقبولة مثاب صاحبها، ومن كان باعث هجرته المرأة والدنيا فهجرته لا أجر فيها ولا وزر، ويحتمل أن يكون مأزورا لأنه طلب الدنيا بما صورته عمل الآخرة أي في هذا الحديث لقرينة السياق. وأما في غيره فمدار الإثم والإثابة على تحقق قصده، فإن قصد الأمر المباح غير مُغَرِّر بمحض الطاعة فلا إثم عليه، إذ طلب المباح غير إثم من حيث هو طلب مباح، وإلا كان إثما بالتغرير.
والحاصل أن هنا صورا أربعا:
الأولى: أن يقصد أمرا محرما كالرياء والسمعة كان آثما لحديث الأربعة.
الثانية: أن يقصد أمرا غير محرم كإعلاء كلمة الله فقط كان مأجورا أجر المجاهد المخلص.
الثالثة: أن يقصد أمرا مباحا فقط كالغنيمة فقط فإنه إذا تجرد قصد المجاهد لها لا غير لم يأثم إن صحبتها نية أنها كسب من الحلال أجر أجر كاسب الحلال.
الرابعة: أن يقصد الغنيمة وإعلاء كلمة الله كان له أجر الجهاد وهي رتبة أدنى ممن لم يلاحظ إلَّا على إعلاء كلمة الله فقط.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وإذا عرفت هذا عرفت بطلان القول بأن الحديث محمول على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده، وتقسيم أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل النبي - ﷺ - وإنما قلنا: إنه باطل لأن المعنى اللغوي لم يعتبر فيه إثابة ولا عقوبة كما عرفت، والتقسيم في أثناء الحديث اعتبر فيه ذلك أو بعضه، ومعنى المقسم معتبر في الأقسام ضرورة دخولها تحته دخول الأخص تحت الأعم، وإلا لما كانت أقسامَهُ.
فالتحقيق ما سمعت من أنه تقسيم للحوامل والبواعث في فوات الأعمال بالحوامل والبواعث، فباعث النية في هذا الفعل وهو الهجرة إن كان ابتغاءَ مرضات الله ورسوله فهي هجرة لله ورسوله، وإن كانت المرأةَ والدنيا فليست لله ورسوله، لا يقال: يحمل قولهم في رسم اللغوي حالا ومآلا وجلب نفع ودفع ضر على ما يشمل الإثابة والعقوبة فيتم التقسيم في حديث الباب لأنا نقول منع منه أمران:
الأول: أن الإثابة والعقوبة أمور شرعية لا يعرفها أهل اللغة قبل الشرع.
والثاني: أنه لو أريد ذلك لما احتيج إلى القول بأنه خصصها الشرع، ولما افتقر إلى تقسيمها إلى لغوي وشرعي، ولا يصح، ثم لا يخفى أن رسم البيضاوي شامل لأفراد النية المأجور صاحبها كما عرفت، إلا أنه لا يخفى أنه أورده رسما للنية العامة كما عرفت من سياقه، وقد طال الكلام حتى كاد أن يكون رسالة مستقلة، ولا ينكر طوله فإنه في حديث مفرد يأتي بجمع، ولذا قيل: إنه ثلث العلم. (من البسيط).
فقَدْ أطالَ ثَنَائي طُولُ لابِسِهِ … إنَّ الثَّنَاءَ عَلَى التِّنْبَال تنْبَالُ
اهـ. العدة، جـ ١/ ص ٥٦ - ٦١.
التنبال بالكسر: القصير كالتنبالة قاله في "ق" يعني الثناء على القصير قصير.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
المسألة الحادية عشرة:
قال الحافظ زين الدين ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في جامع العلوم والحكم ما نصه:
فائدة مهمة:
واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فُرِّقَ بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره، والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:
أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلا. وتمييز رمضان من صيام غيره.
أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلام الفقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله وغيره؟.
وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهذه هي التي توجد في كلام السلف المتقدمين، وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه "كتاب الإخلاص والنية" وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي - ﷺ - تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك، وقد جاء ذكرها كثيرا في كتاب الله ﷿ بغير لفظ النية أيضا من الألفاظ المقاربة لها، وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي والإرادة لا تختص
بذلك، كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له ولا ينوى ذلك، وقد ذكرنا
أن النية في كلام النبي - ﷺ - وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبا،
فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولهذا يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرا
كما في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: آية ١٥٢]، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: آية ٦٧] وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: آية ١٥]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ [الشورى: آية ٢٠] وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: آية ١٨]، وقوله ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: آية ٥٢]، وقوله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: آية ٢٨]، وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: آية ٣٨]، وقوله ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: آية ٣٩].
وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: آية٢٠]، وقوله ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: الآية ٢٦٥]، وقوله ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: آية ٢٧٢]، وقوله ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: الآية ١١٤]، فنفى الخير عن كثير مما يتناجي الناس به إلا في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس بعموم نفعهما، فدل ذلك على
أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله فخصه بمن فعله ابتغاء
[ ٢ / ٢٢٩ ]
مرضات الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا، وإن لم يبتغ به وجه الله لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيرا له وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرا له ولا ثواب له عليه، وهذا بخلاف من صلى وصام وذكر الله يقصد بذلك عرض الدنيا فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك
وأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدًا، ونحن نذكر بعضه:
كما خَرَّج الإمامُ أحمد، والنسائي، من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى" وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته".
وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ﵂ عن النبي - ﷺ - قال "يحشر الناس على نياتهم"، ومن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "إنما يبعث الناس على نياتهم" وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "إنما يبعث المقتتلون على نياتهم" وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: "يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بهم، فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته".
وفيه أيضا عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - معنى هذا الحديث،
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وقال فيه: "يهلكون مَهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، ويبعثهم الله على نياتهم".
وخرَّج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي - ﷺ - قال: "من كانت همه الدنيا فرق الله شمله" وفي لفظ "أمره" "وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظ ابن ماجه ولفظ أحمد "من كانت همه الآخرة ومن كانت نيته الدنيا" وخرَّجه ابن أبي الدنيا، وعنده "من كانت نيته الآخرة، ومن كانت نيته الدنيا".
وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص عن النبي - ﷺ - قال: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أثبت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك"، وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر قال: "لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له" يعني لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله ﷿، وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود قال: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنية، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنة. وعن يحيى بن أبي كثير قال: تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل، وعن زيد الشامي، قال: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب.
وعنه أيضا أنه قال: انْو في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى الكناسة، وعن داود الطائي قال: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية، وكفاك بها خيرا وإن لم تَنْصَب، قال داود: والبرُّ همَّةُ التقي ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما نيته إلى أصله، وعن سفيان الثوري قال: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي؛ لأنها تتقلب
[ ٢ / ٢٣١ ]
علي، وعن يوسف بن أسباط قال: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد، وقيل لنافع بن حبيب: ألا تشهد الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، قال: ففكر هنيهة ثم قال: امض، وعن مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية، وعن بعض السلف قال: من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله ﷿ يأجر العبد إذا أحسن نيته حتى باللقمة، وعن ابن المبارك قال: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، وقال ابن عجلان: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة.
وقال الفضيل بن عياض: إنما يريد الله ﷿ منك نيتك وإرادتك، وعن يوسف بن أسباط قال: إيثار الله ﷿ أفضل من القتل في سبيل الله، خَرَّجَ ذلك كله ابنُ أبي الدنيا في كتاب الإخلاص والنية، وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر قال: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله ﷿، والورع عما حرم الله ﷿، وصدق النية فيما عند الله ﷿.
وبهذا يعلم ما روى الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث:
حديث "إنما الأعمال بالنيات" وحديث "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وحديث: "الحلال بين والحرام بين" فإن الدين كله يرجع إلى فعل المأمورات وترك المحظورات والتوقف عن الشبهات، وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير، وإنما يتم ذلك بأمرين:
أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ﷿، كما
[ ٢ / ٢٣٢ ]
تضمنه حديث عمر "الأعمال بالنيات" وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: آية ٢]، قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا وصوابا، قال: والخالص إذا كان لله ﷿، والصواب إذا كان على السنة.
وقد دل هذا الذي قال الفضيل على قوله ﷿ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠]، وقال بعض العارفين: إنما تفاضلوا بالإرادات، ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
"فصل":
وأما النية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، وهو تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن أكل والشرب يقع تارة حمْيَةً، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركا للشهوات لله ﷿ فيحتاج في الصيام إلى نية، ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه، وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها فرض ومنها نفل، والفرض يتنوع أنواعا، فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات في كل يوم وليلة، والصيام الواجب تارة يكون صيام رمضان، وتارة يكون صيام كفارة، أو عن نذر، ولا يتميز هذا كله إلا بالنية، وكذلك الصدقة تكون نفلا، وتكون فرضا والفرض منه زكاة، ومنه كفارة، ولا يتميز ذلك إلا بالنية، فيدخل ذلك في عموم قوله - ﷺ -: "وإنما لكل امرئ ما نوى".
وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء، فإن منهم من لا
[ ٢ / ٢٣٣ ]
يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة، بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت، وإن لم يستحضر تسميته في الحال، وهي رواية عن الإمام أحمد، ويبنى على هذا القول أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ونسي عينها أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة.
وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية معينة أيضا، بل يجزئ نية الصيام مطلقا؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر، وهو رواية عن الإمام أحمد، وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية لتعينه بنفسه، فهو كرد الودائع، وحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك، وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنية الصدقة المطلقة كالحج، وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته، وقد روي أن النبي - ﷺ - سمع رجلا يلبي بالحج عن رجل، فقال له: "أحَجَجْتَ عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نفسك ثم حج عن الرجل" قال: وقد تكلم في صحة هذا الحديث، ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره، وأخذ بذلك الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وغيرهما في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج عن غيره، ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه، وكذلك لو حج عن نذر، أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام، فإنها تنقلب عنها، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بعد ما دخلوا معه، وطافوا وسعوا، أن يفسخوا حجهم، ويجعلوه عمرة وكان منهم القارن والمفرد، وإنما كان طوافهم عند قدومهم طوافَ القدوم، وليس بفرض، وقد أمرهم أن يجعلوه طواف عمرة، وهو فرض، وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحج، وعمل به، وهو
[ ٢ / ٢٣٤ ]
مشكل على أصله، فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء، كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة فينقلب الطواف فيه تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الأحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام تبعا لانقلاب الإحرام من أصله، ووقوعه عن فرضه، بخلاف ما إذا طاف للزيارة لنية الوداع، أو التطوع، فإن هذا لا يجزيه إلا أن ينوي به الفرض، ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه، والله أعلم.
ومما يدخل في هذا الباب أن رجلا في عهد النبي - ﷺ - كان قد وضع صدقته عند رجل فجاء ولد صاحب الصدقة فأخذها ممن هي عنده، فعلم بذلك أبوه، فخاصمه إلى النبي - ﷺ -، فقال: ما إياك أردت، فقال النبي - ﷺ - للمتصدق: "لك ما نويت" وقال للآخذ: "لك ما أخذت" خرَّجه البخاري. وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث، وعمل به في المنصوص عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه، فإن الرجل إنما منع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة، فإذا وصلت إلى ولده من حيمث لا يشعر كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا، وكان غنيا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه، والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلعُ على حقيقته.
وأما الطهارة: فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة، أم هي شرط من شروط الصلاة، كإزالة النجاسة وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر الشروط، ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء، ويدل
[ ٢ / ٢٣٥ ]
على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي - ﷺ -: أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا، وأن من توضأ كما أُمر كان كفارة لذنوبه، وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأمورا به، ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة، ما ورد في الوضوء من الثواب ولو شرك بين نية الوضوء، وبين قصد التبرد، أو إزالة النجاسة، أو الوسخ، أجزأه في المنصوص عن الشافعي، وهذا قول أكثر أصحاب أحمد؛ لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه، ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليم الوضوء لم يضره ذلك، وقد كان النبي - ﷺ - يقصد أحيانا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج كما قال:
"خذوا عني مناسككم".
قال ﵀: ومما تدخل فيه النية من أبواب العلم: مسائل الأيمان، فلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على اللسان من غير قصد بالقلب البتة، كقوله: لا والله، وبلى والله، في أثناء الكلام قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: آية ٨٩]، وكذلك يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف، وما قصد بيمينه، فإن حلف بطلاق، أو عتاق، ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه، فإنه يُدَيَّن فيما بينه وبين الله ﷿، وهل يقبل منه في ظاهر الحكم، فيه قولان للعلماء مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، وقد روي عن عمر أنه رفع إليه رجل قالت له امرأته: شَبِّهْني، قال: كأنك ظَبْيَة، كأنك حَمَامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خَليَّة طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتك، خَرَّجه أبو عبيد، وقال: أراد الناقة تكون معقولة، ثم تطلق من عقالها، ويُحَلّ عنها، فهي خَليَّة من العقال،
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وهي طالق لأنها قد انطلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر الطلاق لنيته، قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق، والعَتَاق، وهو ينوي غيره، أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله ﷿، وفي الحكم على تأويل عمر ﵁، ويروى عن السُّمَيط السَّدُوسيّ، قال: خطبت امرأة فقالوا: لا نُزَوِّجك حتى تطلق امرأتك، فقلت: إني طلقتها ثلاثا، فزوجوني، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليس قد طلقتها ثلاثا، فقلت: كان عندي فلانة، فطلقتها، وفلانة فطلقتها، فأما هذه فلم أطلقها فأتيت شقيق بن ثور، وهو يريد الخروج إلى عثمان وافدا، فقلت له: سَلْ أمير المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله، فذكر ذلك لعثمان، فجعلها له، فقال: بنيته. خرَّجه أبو عبيد في كتاب الطلاق، وحكى إجماع العلماء على مثل ذلك، وقال إسحاق ابن منصور: قلت لأحمد: حديث السميط تعرفه؟ قال: نعم السدوسي، وإنما جعل نيته بذلك، وقال: فإن كان الحالف ظالما ونوى خلاف ما حلَّفه عليه غريمه لم تنفعه نيته.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: "يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك" وفي رواية له "اليمين على نية المستحلف" وهو محمول على الظالم، فأما المظلوم فينفعه ذلك، وقد خرّج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث سُوَيد بن حَنْظَلَة قال: خرجنا نريد رسول الله - ﷺ -، ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عدوّ له، فتحرج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فخلي سبيله، وأتينا النبي، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فقال: "صدقت، المسلم أخو المسلم".
وكذلك قد تدخل النية في الطلاق والعتاق، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق أو العتاق، فلابد له من النية، وهل يقوم مقام
[ ٢ / ٢٣٧ ]
النية دلالة الحال من غضب، أو سؤال الطلاق، ونحوه أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين العلماء، وهل يقع بذلك الطلاف في الباطن كما لو نواه أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط، فيه خلاف مشهور، ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة كالبتة ونحوها، فهل يقع به الثلاثة أو واحدة؟ فيه قولان مشهوران، فظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما دون الثلاث وقع به ما نواه، وحكي عنه رواية أخرى أنه يلزمه الثلاث أيضا، ولو رأى امرأة يظنها امرأته فطلقها ثم بانت أجنبية طلقت امرأته؛ لأنه إنما قصد طلاق امرأته نص على ذلك أحمد، وحكي عنه رواية أخرى أنها لا تطلق، وهو قول الشافعي، ولو كان بالعكس بأن رأى امرأة فظنها أجنبية فطلقها فبانت امرأته فهل تطلق؟ فيه قولان وهما روايتان عن أحمد، والمشهور من مذهب الشافعي وغيره أنها لا تطلق، ولوكان له امرأتان، فنهى إحداهما عن الخروج، ثم رأى امرأة قد خرجت فظنها المنهية، فقال لها فلانةُ خرجت أنت طالق، فقد اختلف العلماء، فيها فقال الحسن: تطلق المنهية لأنها التي نواها، وقال إبراهيم: يطلقان، وقال عطاء: لا تطلق واحدة منهما. وقال أحمد: إنها تطلق المنهية رواية واحدةً؛ لأنه نوى طلاقها، وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه، فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق، هل تطلق في الحكم فقط أم في الباطن أيضا على طريقتين لهم.
وقد استدل بقوله - ﷺ -: "الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" على أن العقود التي يقصد بها في الباطن التوصل إلى الحرام غير صحيحة، كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها كما هو مذهب مالك وأحمد، وغيرهما، فإن هذا العقد إنما نوى به الربا لا البيع "إنما
لكل امرئ ما نوى".
ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدّا، وفيما ذكرنا كفاية، وقد تقدم
[ ٢ / ٢٣٨ ]
عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث: أنه يدخل في سبعين بابا من الفقه
والله أعلم اهـ كلام الحافظ ابن رجب ﵀ وهو كلام نفيس جدًّا والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة:
قال ابن دقيق العيد: قوله "إنما الأعمال بالنيات" لا بد فيه من حذف المضاف، واختلف الفقهاء في تقديره: فالذين اشترطوا النية قدروه: صحة الأعمال بالنيات، أو ما يقاربه، والذين لم يشترطوها قدروه كمال الأعمال بالنيات، أو ما يقاربها، وقد رُجِّحَ الأولُ بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليه أولى لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ فكان الحمل عليه أولى، وكذلك قد يقدرونه إنما اعتبار الأعمال بالنيات، وقد قرب ذلك بعضهم
بنظائر من المثل، كقولهم: إنما المُلْكُ بالرجال، أي: قوامه ووجوده، وإنما الرجال بالمال، وإنما المال بالرعية، وإنما الرعية بالعدل، كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور اهـ إحكام الأحكام.
وكتب العلامة الصنعاني ﵀ عند قوله: لا بد من حذف مضاف، ما نصه: أقول: لما أنه معلوم وجود صورة العمل من دون نية فلابد من التقدير لتوقف الصدق على المقدَّر، ولذا قيل: إنه من المجمل لتردده بين المحتملات، والجمهور على خلافه لسبق المقصود إلى اللهم عرفا، فتقدر الصحة: أي لا صحة للأعمال إلا بالنيات، ورجح بأنه الأقرب إلى نفي الذات عن الأعمال لأن ما لا يصح كالعدم.
قلت: إنما لاحظوا الأقرب إلى نفي الذات لأن الكلام ظاهر في نفيها والحَرْف موضوع لذلك، إذ قولك لا رجل في الدار يراد به نفي الذات، أي نفي صفة استقرار الذات في الدار، وكأنهم يتسامحون في العبارة،
[ ٢ / ٢٣٩ ]
قال الحلبي: ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالتصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات ثبت أن دلالته على نفي الصفات مستمرة، فحيث ولابد من مقدر يتوجه النفي إليه فما هو في حكم العدم، والشارح (يعني ابن دقيق العيد) ذكر مرجحا آخر وهو أن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، يريد أن الأفعال الصحيحة أكثر وجودا من الأفعال الكاملة فيتوجه النفي إلى ملازم الحقيقة، فكان نفي الملازَم -بالفتح- وهو ملاق للأول، إذ نفي الملازَم كنفي الملازِم.
وقوله: لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال، وهو مُلَاقٍ لقول أهل الأصول لسبق المقصود إلى الفهم.
قلت: وهنا مرجح أوضح وهو أن خطابات الشارع محمولة على تعريفه وتعليمه للمكلفين التكاليف الصحيحة إذ هي المطلوبة منهم، ولذا حملت الخطابات المطلقة في مثل ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: آية ٢٣٠]، على النكاح الصحيح لأنه مطلوب الشارع، لا الفساد فلا يكون محللا، فكذلك يكون مطلوب الشارع تعريف العباد صحيح التكاليف التي يسقط الطلب بها وتستحق به الإثابة، وأما الكمال فهو مطلوب ندبا لا وجوبا وإلا لزم أن لا يجزئ إلا الكامل من الأفعال لا الصحيح، على أني أقول: ها هنا مانع من تقدير الكمال وهو أنه سيق الحديث لبيان الأعمال التي يثاب عليها العباد، فلو قدر الكمال لزم أن لا يثاب العباد، فلو قدر (^١) الكمال على الأفعال الصحيحة حتى تتصف بالكمال وهو باطل، ثم الكمال يتفاوت بتفاوت رتب العاملين، فصلاة نبينا - ﷺ - أكمل الصلوات، ثم تختلف رتبته على اختلاف طبقات الأتقياء،
_________________
(١) هكذا العبارة في نسخة العُدَّة، وفيها ركاكة ولعل الصواب إسقاط فلو قدر الكمال الثاني، فيكون التركيب هكذا فلو قدر الكمال لزم أن لا يثاب العباد على الأفعال "الصحيحة"، الخ
[ ٢ / ٢٤٠ ]
فأيُّ كمال المقدرُ، فالقول بتقديره كالأحالة على مجهول، مع أن الكمال ليس بملازم لجميع الأفعال، والحديث عام لجميعها بخلاف الصحة، فهي شيء واحد ملازم لكل ما يُسقط التكليف، وهي ترتب الآثار، فعرفت أن تقدير الكمال غير صحيح هنا ولا مُلجئ إليه إلا الدليل الناهض كما نهض على تقديره في حديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" إن ثبت، وذلك أنه ثبت "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة" الحديث عند أحمد، والشيخين من حديث أبي هريرة.
وقول الشارح المحقق (يعني ابن دقيق العيد) إن من لم يشترط النية يُقَدِّر الكمال، فيه بحث؛ لأنا لا نعلم قائلا يقول: إنها لا تشترط النية في شيء من الأعمال حتى يقدر في جميعها الكمال، إنما وقع الخلاف في مسائل، وفروع من العبادات، وإلا فالكل يتفقون على شرطيتها في مواضع من المسائل مع أن من لم يشترطها في بعض المواضع لا يقدر الكمال فيها، وحينئذ لا يتم له تقدير الكمال هنا؛ لأن هذا الحديث عام لكل عمل كما عرفت، ومن الأعمال ما هي شرط في صحته عنده فلا يتم هذا الإطلاق إلا أن يثبت أن قائلا يقول: لا تشترط النية في عمل من الأعمال، ولا أظنه يوجد من يقول هذا، إلا أن يكون مراده أن من لازم كل عمل النية وأن شرطيتها لغو لأنها أمر لابد منه، كما قال بعض المتأخرين: إنه لو كلف بعمل بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، على أن هذا لا يتم به حمل الحديث على الكمال، بل يقول: الحديث أتى لطلب أن يكون باعث النية ابتغاء رضي الله تعالى، ولا تقدر صحة، ولا كمال، فالكلام صادق عنده؛ لأنه لا يوجد عمل إلا بنية. اهـ كلام الصنعاني في العدة جـ ١/ ص ٧٢ - ٧٤.
المسألة الثالثة عشرة:
قال الحافظ ﵀: الأعمال تقتضي عاملين، والتقدير الأعمال
[ ٢ / ٢٤١ ]
الصادرة من المكلفين، وعلى هذا هل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر لإخراج لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبا معاقبا على تركها، ولا يرد العتق والصدقة لأنهما بدليل آخر اهـ فتح جـ ١/ ص ١٩.
المسألة الرابعة عشرة:
قال الحافظ أيضا: الظاهر أن الألف واللام في النيات معاقبَة للضمير، والتقدير الأعمال بنياتها، وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلا صلاة أو غيرها، ومن كونها فرضا أو نفلا ظهرا مثلا أو عصرا مقصورة أو غير مقصورة، وهل يحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ فيه بحث، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين، كالمسافر مثلا ليس له أن يقصر إلا بنية القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين لأن ذلك هو مقتضى القصر، والله أعلم. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٠.
المسألة الخامسة عشرة:
قال العراقي: وذكر بعض المتأخرين من الحنفية وهو قاضي القضاة شمس الدين السروجي أن التقدير (يعني تقدير إنما الأعمال بالنيات) ثوابها لا صحتها لأنه الذي يطرد فإن كثيرا من الأعمال يوجد ويعتبر شرعا بدونها ولأن إضمار الثواب متفق على إرادته، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان ما ذهبنا إليه أقل إضمارا فهو أولى، ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممتنع، ولأن العامل في قوله "بالنية" مقدر بإجماع النحاة ولا يجوز أن يتعلق بالأعمال لأنها رفع بالابتداء، فيبقى بلا خبر فلا يجوز، فالمقدر إما مجزئة أو صحيحة، أو مثيبة، فمثيبة أولى بالتقدير لوجهين:
[ ٢ / ٢٤٢ ]
أحدهما: أن عدم النية لا يبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة والإجزاء يبطل، فلا يبطل بالشك.
الثاني: أن قوله "لكل امرئ ما نوى" يدل على الثواب والأجر؛ لأن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه. انتهى.
قال العراقي: وفيه نظر من وجوه:
أحدها: أنه لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة، أو الكمال، أو الثواب، إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنما المراد حقيقة العمل الشرعي فلا يحتاج حينئذ إلى إضمار، وأيضا فلابد من إضمار شيء يتعلق به الجار والمجرور فلا حاجة لإضمار مضاف لأن تقليل الإضمار أولى فيكون التقدير إنما الأعمال، وجودها بالنية ويكون المراد الأعمال الشرعية.
والثاني: أن قوله: إن تقدير الثواب أقل إضمارا لكونه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس فلا نسلم أن فيه تقليل الأضمار لأن المحذوف واحد، ولا يلزم من تقدير الصحة تقدير ما يترتب على نفيها من نفي الثواب ووجوب الإعادة، وغير ذلك فلا نحتاج إلى أن نقدر إنما صحة الأعمال والثواب وسقوط القضاء مثلا بالنية، بل المقدر واحد وإن ترتب على ذلك الواحد شيء آخر فلا يلزم تقديره.
والثالث: أن قوله: إن تقدير الصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد فإنه أراد به أن الكتاب دال على صحة العمل بغير نية لكون النية لم تذكر في الكتاب فهذا ليس بنسخ، وأيضا فالثواب مذكور في قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: آية ٥]، فهذا هو القصد، والنية ولو سلم أن فيه نسخ الكتاب بخبر الواحد فلا مانع من ذلك عند أكثر أهل الأصول.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
والرابع: أن قوله ان تقدير الصحة يبطل العمل،، ولا يبطل بالشك، ليس بجيد، بل إذا تيقنا شغل الذمة بوجوب العمل لم نسقطه بالشك ولا تبرأ الذمة إلا بيقين فحمله على الصحة أولى لتيقن البراءة به.
والخامس: أن قوله: إن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه، والأحسن في التقدير أن لا يقدر حذف مضاف فإنه لا حاجة إليه، ولكن يقدر شيء يتعلق به الجار والمجرور، فإنه لابد من تقديره كما تقدم، إنما الأعمال وجودها بالنية، ونفي الحقيقة أولى، والمراد نفي العمل الشرير وإن وجد صورة الفعل في الظاهر فليس بشرعي عند عدم النية. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٨.
المسألة السادسة عشرة:
قال العراقي ﵀: يحتمل أن يكون معنى "إنما الأعمال بالنيات" من لم ينو الشيء لم يحصل له، ويحتمل أن يكون المراد من نوى شيئا لم يحصل له غيره.
قال ابن دقيق العيد: وبينهما فرق وإلى هذا يشير قوله "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" انتهى.
وهذا يؤدي إلى أن التشريك في النية مفسد لها، وقد ورد لكل من الاحتمالين ما يؤكده، فمما يؤكد هذا الاحتمال ما رواه النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا شيء له" الحديث، وفيه "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه".
ويدل للاحتمال الأول ما رواه النسائي أيضا من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا
[ ٢ / ٢٤٤ ]
عقالا فله ما نوى" فإتيانه بصيغة الحصر يقتضي أنه إذا نوى مع العقال شيئا آخر كان له ما نواه والله أعلم اهـ.
المسألة السابعة عشرة:
قوله - ﷺ -: "وإنما لكل امرئ ما نوى" قال العلامة الصنعاني ﵀: اختلف الناظرون هل هذه الجملة مؤكدة لما قبلها أم لا؟ والذي يظهر أنها مستأنفة لأنه بَيَّنَ في الأولى أن صحة الأعمال بالنيات، وهو حكم للأعمال صريح ثم بَيَّنَ في هذه الجملة ما يخص العاملين، وقول الشارح (يعني ابن دقيق العيد) يقتضي أن من نوى شيئا حَصَل له أي سواء عمله أو منعه عنه مانع يعذر شرعا معه بعدم عمله، وهذا صحيح موافق للأحاديث الكثيرة الواردة بثبوت الأجر لمن نوى خيرا ولم يعمله، كحديث "رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله، وينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل العمل الذي يعمل، فهما في الأجر سواء" إلا أنه قد خرج بدليل آخر من هذه القاعدة عدة مسائل: فمنها ذكر الله كالتسبيح، فإنه لا يحتاج إلى نية لأنه يتميز بنفسه وإنما يحتاج إلى القيد، ومنها الألفاظ الصريحة من المعاملات في الطلاق والنكاح ونحوها، ومنها إذا وقع في الماء الكثير ثوب متنجس فإنه يطهر، ومنها من حج أو اعتمر عن غيره ولم يكن قد أدى ذلك عن نفسه فإنه ينقلب له مع أنه نواه عن غيره، ومنها إذا أحرم بالحج في غير أشهره فإنه ينقلب عمرة وغير ذلك مما يعرفه من تتبع فروع الكليات. اهـ العدة جـ ١/ ص ٧٦.
وقال الحافظ في الفتح: قال القرطبي فيه (أي في قوله: إنما لكل امرئ الخ): تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال، فجنح إلى أنها مؤكدة، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى؛ لأن الأولى
[ ٢ / ٢٤٥ ]
نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه.
وقال ابن دقيق العيد: الجملة الثانية تقتضي أن مَنْ نوى شيئا يحصل له (يعني إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله له ما يعذر به شرعا بعدم عمله) وكل ما لم ينوه لم يحصل له.
ومراده بقوله: لم ينوه أي لا خصوصا ولا عموما، أما إذا لم ينو شيئا مخصوصا لكانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يُحصى، وقد يحصل غير المنوي لمدرَك آخر، كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها؛ لأن القصد بالتحية شَغْل البُقْعة، وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فإنه لا يحصل له غسل الجمعة علي الراجح؛ لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلابد فيه من القصد إليه بخلاف تحية المسجد، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه:
إنه لا يظهر لي فرق بين هاتين المسألتين: تحية المسجد، وغسل الجمعة، حيث جعلوا الأولى مما لا ينظر فيه جهة التعبد، والثانية جعلوها مما ينظر فيه جهة التعبد، وقد قال - ﷺ -: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" كما قال "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" وما ثَمَّ نص يُفَرِّق بينهما، فالظاهر أنهما عبادتان يحتاج فيهما إلى النية فلا يحصل كل منهما إلا إذا نواه، والله أعلم.
قال الحافظ: وقال النووي: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي كمن عليه صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعينها
[ ٢ / ٢٤٦ ]
ظهرا مثلا، أو عصرا، ولا يخفى أن محله إذا لم تنحصر الفائتة.
وقال ابن السمعاني في أماليه: أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة. وقال غيره: أفادت أن النيابة لا تدخل في النية، فإن ذلك هو الأصل فلا يرد مثل نية الولي عن الصبي ونظائره، فإنها على خلاف الأصل.
وقال ابن عبد السلام: الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها، وأفاد أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار، والأدعية، والتلاوة؛ لأنها لا تُرَدَّدُ بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، أما ما حدث فيه عرف كالتسبيح للتعجب فلا، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابا، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يُحَصِّل الثواب؛ لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت مطلقا، أي المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب، انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لي وقفة هنا أيضا: وذلك أن ما ذَكَرَه، من الأذكار ونحوه داخل في عموم الأعمال، فبأي دليل خرج عنها؟ حتى نقول إنه لا يحتاج إلى النية، بل الظاهر أنه لابد فيه من النية ليثاب عليه، وأما قول الغزالي حركة اللسان الخ، فالظاهر أن المراد به الذكر مع عدم حضور القلب لا مع عدم النية، فلا يلزم من عدم حضور القلب عدم النية فتأمل.
قال الحافظ: ويؤيده (أي قول الغزالي) قوله - ﷺ -: "في بضع أحدكم
[ ٢ / ٢٤٧ ]
صدقة" ثم قال في الجواب عن قولهم " أياتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ أرأيت لو وضعها في الحرام"؟.
وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من فعل الحرام، وليس ذلك مراده.
وخص من عموم الحديث ما يقصد حصوله في الجملة فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه، كتحية المسجد كما تقدم.
قال الجامع: قد علمت ما فيه فيما تقدم.
قال: وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة، فإن عدتها تنقضي؛ لأن المقصود حصول براءة الرحم، وقد وجد، ومن ثمَّ لم يحتج المتروك إلى نية.
ونازع الكرماني في إطلاق الشيخ محيي الدين كون المتروك، لا يحتاج إلى نية بأن الترك فعل، وهو كف النفس، وبأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع فلابد فيها من قصد الترك، وتعقب بأن قوله: الترك فعل مختلف فيه، ومن حقّ المستدلّ على المانع أن يأتي بأمر متفق عليه، وأما استدلاله الثاني فلا يطابق المَوْرد؛ لأن المبحوث فيه هل تلزم النية في التروك بحيث يقع العقاب بتركها؟ والذي أورده هل يحصل الثواب بدونها؟ والتفاوت بين المقامين ظاهر، والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى، فرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه، لا الترك المجرد، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
تنبيه:
قال الكرماني: إذا قلنا: إن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر، ففي قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" نوعان من الحصر قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما لكل امرئ ما نواه، والتقديم المذكور. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٠ - ٢١.
المسألة الثامنة عشرة:
في مذاهب العلماء في اشتراط النية في العبادة:
دل هذا الحديث على اشتراط النية لصحة العبادة وقد اتفق العلماء على ذلك في العبادة المقصودة لعينها التي ليست وسيلة إلى غيرها، وحكى أبو الوليد محمَّد بن أحمد بن رُشْد المالكي في كتابه بداية المجتهد اتفاق العلماء على اشتراط النية في العبادات، وحكى الاختلاف في الوضوء لاختلافهم في أنه وسيلة، أو مقصود، وحَكَى ابن التين السفاقسي أنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية.
وذكر النووي في شرح مسلم: أن الأعمال ضربان ضرب تشترط النية لصحته، وحصول الثواب فيه، كالأركان الأربعة، وغير ذلك مما أجمع العلماء أنه لا يصح إلا بنية، وكالوضوء، والغسل، والتيمم، وطواف الحج والعمرة، والوقوف، مما اشترطَ النيةَ فيه بعضُ العلماء.
وضرب لا تشترط النية لصحته، لكن تشترط لحصول الثواب كستر العورة، والأذان، والإقامة، وابتداء السلام، ورده، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإماطة الأذى، وبناء المدارس، والرُّبُط والأوقاف، والهبات، والوصايا، والصدقات، ورد الأمانات، ونحوها. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١١.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
المسألة التاسعة عشرة:
في اختلاف العلماء في اشتراط النية في الوضوء:
احتج بالحديث من أوجب النية في الوضوء والغسل، وهو قول الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأبي ثور، وأبي عبيد، وبه يقول الزهري، وربيعة الرأي شيخ مالك، وهو قول جمهور أهل الحجاز، ويُروى عن علي بن أبي طالب ﵁.
وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، وزفر.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: يصح الوضوء والغسل بلا نية ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعي ورواية شاذة عن مالك.
واحتج هؤلاء بأن الوضوء ليس مقصودا، وأن المقصود به النظافة، فأشبه إزالة النجاسة، واعترض على الحنفية بأنهم أوجبوها في التيمم، وليس مقصودا، وأجابوا بأنه طهارة ضعيفة فافتقر إلى النية تقوية له، وبأن الله ذكر النية في التيمم ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي اقصدوا، وهو النية ولم يذكر ذلك في الوضوء والغسل، واحتجوا أيضا بتعليم النبي - ﷺ - الوضوء للأعرابي، ولم يَذْكُر له النية مع جهل الأعرابي بأحكام الوضوء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونُقضَ عليهم بتعليمه الصلاة للأعرابي المسيء صلاته ولم يذكر له النية، وقد قلتم بوجوبها في الصلاة فما الفرق؟ وإنما بَيَّن النبي - ﷺ - لمن علمه الأفعال الظاهرة التي يقف الناظر على تركها لو تركها، فأما القصد للعبادة فكان معلوما عندهم. اهـ طرح بزيادة من المجموع.
قال الجامع عفا الله عنه: والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط النية في الوضوء والغسل لحديث الباب، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
العشرون:
أنه احتُجَّ بهذا الحديث على أبي حنيفة في ذهابه إلى أن الكافر إذا أجنب أو أحدث فاغتسل أو توضأ ثم أسلم أنه لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وخالفهم الجمهور في ذلك فقالوا: تجب عليه إعادة الغسل والوضوء؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادة، وبعضهم يعلله بأنه ليس من أهل النية. قاله في الطرح جـ ٢/ ص ١٢.
الحادية والعشرون:
فيه حجة على أبي حنيفة حيث ذهب إلى أن المقيم إذا نوى في رمضان صوم قضاء أو كفارة أو تطوع وقع عن رمضان إذ ليس له إلا ما نواه ولم ينو صوم رمضان وتعيينه شرعا لا يغني عن نية المكلف لأداء ما كلف به، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لابد من تعيين رمضان لظاهر الحديث بخلاف الحج، وذهب زفر إلى أن صيام رمضان لا تشترط فيه النية للصحيح المقيم، لتعين الزمان له. انتهى طرح جـ ٢/ ص ١٦.
الثانية والعشرون:
فيه حجة على مالك في اكتفائه بنية واحدة في أول الشهر من رمضان لجميع الشهر، وهي رواية عن أحمد أيضا؛ لأن كل يوم عمل بنفسه، وعبادة مستقلة بدليل ما يتخلل بين الأيام في لياليها مما ينافي الصوم من المفطرات.
وذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى إلى وجوب النية لكل يوم إذ هو عمل، ولا عمل إلا بنية. اهـ طرح.
المسألة الثالثة والعشرون:
فيه حجة لمن ذهب إلى أنه إذا أحرم بالحج في غير أشهره أنه لا ينعقد
[ ٢ / ٢٥١ ]
عمرة لأنه لم ينو العمرة وإنما له ما نواه، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: ينعقد إحرامه بالحج، ولكن يكره عندهم الإحرام به قبل أشهره، ولم يختلف قول الشافعي أنه لا ينعقد بالحج، وإنما اختلف قوله هل يتحلل بأفعال العمرة، وهو قوله المتقدم نقله عنه، أو ينعقد إحرامه عمرة وهو نصه في المختصر، وهو الذي صححه الرافعي والنووي، فعلى الأول لا تسقط عنه عمرة الإسلام، وعلى الثاني تسقط عنه اهـ طرح.
المسألة الرابعة والعشرون:
أنه احتج به لأبي حنيفة والثوري ومالك أن الصرورة (^١) يصح حجه عن غيره، ولا يصح عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عن نفسه، وإنما له ما نواه.
وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي إلى أنه ينعقد عن غيره ويقع ذلك عن نفسه، لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبْرُمَة، فقال: "أحججت قط؟ " قال: لا، قال: "فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، وهذه رواية ابن ماجه بإسناد صحيح، وفي رواية أبي داود: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولك أن تقول ليس فيه تصحيح الإحرام عن نفسه، وإنما أمره أن ينشئ الأحرام عن نفسه، وقد يجاب بأن الظاهر أن هذا كان بعد مجاوزة الميقات، فلو لم يقع الإحرام المتقدم عن فرض نفسه
لأموه بالرجوع إلى الميقات، أو بإخراج دم لمجاوزة الميقات بغير إحرام صحيح، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا كله على تقدير مجاوزته للميقات، وأما الرواية التي ذكرها الرافعي وغيرها "هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" فقد رواها البيهقي، ولكنها ضعيفة فيها الحسن بن عُمارة، وهو ضعيف.
_________________
(١) الصرورة هو الذي لم يحج.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
واستدل لأبي حنيفة ومن وافقه بما رواه الطبراني، ثم البيهقي من طريقه من حديث ابن عباس أيضا: سمع النبي - ﷺ - رجلا يلبي عن نُبَيْشَة فقال: "أيها الملبي عن نبيشة احجج عن نفسك" وهذا ضعيف فيه الحسن بن عمارة وهو متروك، قال البيهقي: يقال إن الحسن بن عمارة كان يرويه ثم رجع عنه إلى الصواب، وقد ذهب محمَّد بن جرير الطبري إلى أن الصرورة إذا نوى الحج عن غيره لم يقع عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عنه وإنما له ما نواه ويجب عليه أن ينوي ذلك عن نفسه. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب عندي القول الأول لحديث الملبي عن شُبْرُمَةَ. والله أعلم.
المسألة الخامسة والعشرون:
قال العراقي: إنهم كما اشترطوا النية في العبادة اشترطوا في تعاطي ما هو مباح في نفس الأمر أن لا يكون معه نية تقتضي تحريمه، كمن جامع امرأته أو أمته ظانا أنها أجنبية، أو شرب شرابا مباحًا ظانا على أنه خمر، أو أقدم على استعمال ملكه ظانا أنه لأجنبي ونحو ذلك، فإنه يحرم عليه تعاطي ذلك اعتبارا بنيته وإن كان مباحا له في نفس الأمر، غير أن ذلك لا يوجب حدًا ولا ضمانا، لعدم التعدي في نفس الأمر، بل زاد بعضهم على هذا بأنه لو تعاطى شرب الماء وهو يعلم أنه ماء ولكن على صورة
استعمال الحرام، كشربه في آنية الخمر في صورة مجلس الشراب صار حراما لتشبهه بالشَّرَبَة، وإن كانت نيته لا يتصور وقوعها على الحرام مع العلم بحله، ونحوه، ولو جامع أهله وهو في ذهنه مجامعة مَن تحرم عليه وصوَّر في ذهنه أنه يجامع تلك الصورة المحرمة فإنه يحرم عليه ذلك، وكل ذلك لتشبهه بصورة الحرام. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٨.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
المسألة السادسة والعشرون:
قال الخطابي: فيه دليل على أن المُطَلِّقَ إذا طلق بصريح لفظ الطلاق ونوى عددا من أعداد الطلاق، كمن قال لامرأته: أنت طالق ونوى ثلاثا، كان ما نواه من العدد واقعا واحدة أو اثنتين، أو ثلاثا، وإليه ذهب الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وقال أصحاب الرأي: هي واحدة وهو أحق بها، وكذلك قال سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٩.
المسألة السابعة والعشرون:
فيه حجة على أهل الرأي في قولهم في الكنايات في الطلاق كقوله: أنت بائن، أنه إن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة لكونها كلمة واحدة، وإن نوى الطلاق ولم ينو عددا فهي واحدة بائنة أيضا، والحديث حجة عليهم.
وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إن نوى اثنتين فهو كذلك وإن لم ينو عددا فهي واحدة رجعية، قال الخطابي: وهذا أشبه بمعنى الحديث وأولى به اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٩.
المسألة الثامنة والعشرون:
فيه رد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالقلب، وقد أورده البخاري في آخر كتاب الإيمان محتجا عليهم بذلك، وما ذهبوا إليه مردود بالنصوص القاطعة والإجماع على أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٠.
المسألة التاسعة والعشرون:
في حجة على بعض المالكية من أنهم لا يُدَيِّنُون مَن سبق لسانه إلى
[ ٢ / ٢٥٤ ]
كلمة الكفر إذا ادَّعَى ذلك، وخالفهم الجمهور، ويدل لذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك في قصة الرجل الذي ضلت راحلته ثم وجدها، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال النبي - ﷺ -: "أخطأ من شدة الفرح" والذي جرت به عادة الحكامِ الحُذَّاق منهم اعتبار حال الواقع منه ذلك، فإن تكرر منه ذلك، وعُرفَ منه وقوعه في المخالفات، وقلة المبالات بأمر الدين لم يلتفتوا إلى دعواه، ومن وقع منه ذلك فَلْتَةً، وعرف بالصيانة والتحفظ قبلوا قوله في ذلك، وهو توسط حسن انتهى طرح جـ ٢/ ص ٢٠.
المسألة الثلاثون:
فيه حجة لمالك ومن وافقه في إسقاط الحيَل، كمن مَلَّكَ ولده أو غيره مالا له قبل الحول أو باعه أو أتلفه أو بادل به، فرارا من الزكاة، أو باع بالعينة المشهورة، أو تزوج المرأة ليحلها لزوجها، وإن لم يشترط ذاك في نفس العقد، أو مَلَّك الدارَ لغير الشريك لإسقاط الشفعة، أو أوقع عقد الدار التي فيها الشفعة بثمن فيه ما تجهل قيمته كفص ونحوه أو زاد في ثمنها وعوضه عن عشرة آلاف دينار مثلا، ونحو ذلك من الحيل المسقطة للحقوق أو الموقعة في المناهي، وإنما يُخَادع بالنيات مَن لا يطلع عليها، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري من حديث أنس أن أبا بكر كَتَبَ له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ -: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" وقال في الحديث الصحيح: "يبعثون على نياتهم" والذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور أصحابه كراهة إزالة ملكه للفرار من الزكاة كراهة تنزيه، وجعل بعض أصحاب الشافعي الكرهة للتحريم كقول مالك، وعليه كلام الغزالي في قوله: أثم، وكذلك عندهم البيع بالعينة والاستحلال إذا لم يشترط في العقد، والتحيل لإسقاط الشفعة محمول على الكراهة لا
[ ٢ / ٢٥٥ ]
على التحريم، والحديث حجة لمن قال بالتحريم، والله أعلم.
قال العراقي: ورأيت في كلام بعض أصحاب الشافعي ممن صنف في الألغاز أن الحيل ليس فيها منافاة للشريعة، بل قد ورد الشرع بتعاطي الحيل كقوله تعالى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: آية ٤٤]، فما كان من الحيل هكذا ليس فيه إسقاط حق لمستحق له فهو حسن مشروع، وما أدى من الحيل إلى إسقاط حق الغير فهو مذموم منهي عنه. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢١.
المسألة الحادية والثلاثون:
استدل به على أنه لا يجب القَوَد في شبه العمد؛ لأنه لم ينو قتله، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وصاحبيه، وأحمد، وإسحاق، إلا أنهم اختلفوا في الدية فجعلها الشافعي ومحمد بن الحسن أثلاثا، وجعلها الباقون أرباعا، وجعلها أبو ثور أخماسا، وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد فلا نعرفه.
واستدل الشافعي والجمهور بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا "ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل" الحديث اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٢.
المسألة الثانية والثلاثون:
قوله - ﷺ -: "فمن كانت هجرته" الخ، الهجرة بكسر الهاء فعلة من الهَجْر، وهو ضد الوصل، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية. قاله صاحب النهاية.
وقال ابن دقيق العيد: الهجرة: تقع على أمور:
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة.
الثانية: من مكة إلى المدينة.
الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله - ﷺ -.
الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة.
الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، قال: ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب (^١) يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة لأنهم نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. اهـ إحكام جـ ١/ ص ٧٨.
وقال العراقي: بقي عليه من أقسام الهجرة ثلاثة أقسام وهي الهجرة الثانية إلى الحبشة، فإنهم هاجروا إلى الحبشة مرتين كما هو معروف في السير، ولا يقال كلاهما هجرة إلى الحبشة، فاكتفى بذكر الهجرة إليها مرة فإنه عَدَّد الهجرة إلى المدينة في الأقسام لتعددها، والثانية: هجرة من كان مقيما ببلاد الكفر، ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام، والثالثة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن، كما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ستكون هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها" الحديث. ورواه أحمد في مسنده، فجعله من حديث عبد الله بن عمر، قال صاحب النهاية: يريد به الشام لأن إبراهيم لما خرج من العراق مضى إلى الشام وأقام به، انتهى، وروى أبو داود أيضا من حديث أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - قال: إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغُوطَة إلى جانب مدينة يقال لها
_________________
(١) كون قصة مهاجر أم قيس لحديث الباب لا يصح، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
دمشق من خير مدائن الشام" فهذه ثمانية أقسام للهجرة. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٢.
وقال الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى: وقوله - ﷺ - "فمن كان هجرته" الخ، لما ذكر النبي - ﷺ - أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان الكلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثلا من الأمثال والأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال.
وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي - ﷺ -، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي، فأخبر - ﷺ - أن الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها.
فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا، وكفاه شرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه، لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية الطلوب في الدنيا والآخرة، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر والثاني خاطب، وليس بواحد منهما مهاجر، وفي قوله "إلى ما هاجر إليه" تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به حيث لم يذكر بلفظه، وأيضا أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد
[ ٢ / ٢٥٨ ]
يهاجر الإنسان لطلب الدنيا مباحةً تارة، ومحرمةً تارة، وإفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر فلذلك قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" يعني كائنا ما كان.
وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: آية ١٠] قال: كانت المرأة إذا أتت النبي - ﷺ - حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله. أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، والبزار في مسنده.
وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرا.
وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش، عن شقيق -هو أبو وائل- قال: خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجته فكنا نسميه مهاجر أم قيس، قال: فقال عبد الله: يعني ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئا فهو له، وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي - ﷺ -، إنما كان في عهد عبد الله بن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر وتزوجها، وكنا نسميه مهاجر أم قيس،
قال ابن مسعود: من هاجر لشيء فهو له.
وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس كانت هي سبب قول النبي - ﷺ - "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها" وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلا يصح والله أعلم.
وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وقد سئل النبي - ﷺ - على اختلاف الناس في الجهاد، وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" فخرج بهذا كل ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية، ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه فمن قاتل في سبيل الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" وفي رواية لمسلم: سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَميَّة، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فذكر الحديث، وفي رواية له أيضا: الرجل يقاتل غضبا، ويقاتل حمية. وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا شيء"، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه".
وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة: أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من عرض الدنيا، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا أجر له، فأعاد عليه ثلاثا، والنبي - ﷺ - يقول: لا أجر له" وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي - ﷺ - قال: "الغزو غزوان، فأما من ابتغَى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونَبْهَه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف".
وخرَّج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: "إن قاتلت صابرا
[ ٢ / ٢٦٠ ]
محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا على أي حال قاتلت أو قُتلْت بعثك الله بتلك الحال".
وخرّج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استُشهد فأتيَ به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جَريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت القرآن فيك، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنْفَق فيه إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار" وفي الحديث أن معاوية لما بلغه الحديث بكى حتى غُشي عليه، فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله، قال الله ﷿ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: آية ١٥].
وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله، كما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعني ريحها.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وخرَّج الترمذي من حديث كعب بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله النار" وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر، وحذيفة، وجابر ﵃، عن النبي - ﷺ -، ولفظ حديث جابر: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تَخَيَّرُوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار"
فقال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى، ويذهب ما سواه.
وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموما، كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "بَشِّرْ هذه الأمة بالسناء والعز والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب".
واعلم أن العمل لغير الله أقسام:
فتارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين، لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: آية ١٤٢] وقال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: آية ٤]، وكذلك وصف الله تعالي الكفار بالرياء المحض في قوله ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: آية ٤٧] وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن
[ ٢ / ٢٦٢ ]
صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "يقول الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" وخرجه ابن ماجه ولفظه "فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" وأخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي - ﷺ - قال: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله ﷿ يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئا، فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني" وخرّج الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة، وكان من الصحابة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ﷿، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" وخرج البزار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله ﷿ يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكه، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله ﷿ فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا هذا لله والرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء" وخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁: أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا شيء له، فأعاد عليه ثلاث مرات، يقول له رسول الله - ﷺ -: "لا شيء له" ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له
[ ٢ / ٢٦٣ ]
خالصا، وابتغي به وجه الله" وخرج الحاكم من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يُرَى موطني، فلم يَرُدّ عليه رسول الله - ﷺ - شيئا حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية ١١٠].
وممن يروى عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا طائفة من السلف منهم: عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، وفي مراسيل القاسم بن
مخيمرة عن النبي - ﷺ - قال: "لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة خردل من
رياء" ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين.
فإن خالط نيته الجهاد نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة؛ نقص بذلك جهاده، ولم يبطل بالكلية.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا تم لهم أجرهم" وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم
يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.
وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري، أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره، وقال أيضا فيمن يأخذ جُعْلا على الجهاد، إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئا أخذه، وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أعطى درهما
[ ٢ / ٢٦٤ ]
غزا، وإن منع درهما مكث، فلا خير في ذلك. وكذا قال الأوزاعي إذا كانت نية المغازي على الغزو، فلا أرى بأسا، وهكذا يقال فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره، وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجورهم شيء، وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.
وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطرا ودفعه فلا يضره، بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازَى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري، وغيره، ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نَجْدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا" وذكر ابن جرير أن هذا
الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان ابن داود الهاشمي أنه قال: ربما أحدث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات، ولا يرد هذا على الجهاد كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج.
فأما إذا عمل العمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب
[ ٢ / ٢٦٥ ]
المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره ذلك.
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر، عن النبي - ﷺ -: أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" أخرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه وعنده: الرجل يعمل فيحبه الناس عليه. ولهذا المعنى فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري وغيرهم، وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه،
فقال: "له أجران أجر السر، وأجر العلانية".
ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية.
وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر، وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلتُهُ لك على نفسي ثم لم أوف به لك، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت. اهـ كلام الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم، وهو كلام نفيس جدًّا، والله أعلم ص ١١ - ١٦.
المسألة الثالثة والثلاثون:
قال الحافظ العراقي ﵀: اختلفت الأحاديث الواردة في الهجرة هل انقطعت بفتح مكة أم هي باقية؟
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".
وروى البخاري عن ابن عمر قوله: لا هجرة بعد الفتح، وفي رواية له: لا هجرة اليوم، أو بعد رسول الله - ﷺ -، وروى البخاري أيضا عن عبيد بن عمير سأل عائشة عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يُفتَن عليه، فأما
اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية.
وروى البخاري ومسلم أيضا عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبد إلى النبي - ﷺ - ليبايعه على الهجرة قال: "مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد" وفي رواية أنه جاء بأخيه مجالد، وروى أحمد من حديث أبي سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وزيد بن ثابت أيضا: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" فهذه الأحاديث دالة على انقطاع الهجرة.
وروى أبو داود والنسائي من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".
وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعا: "لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل" ورَوَى أيضا من حديث جنادة بن أبي أمية مرفوعا "إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد".
وجمع الخطابي في المعالم بين هذا الاختلاف بأن الهجرة كانت في أول الإسلام فرضا، ثم صارت بعد فتح مكة مندوبا إليها غير مفروضة. قال: فالمنقطعة منها هي الفرض، والباقية منها هي الندب، قال: فهذا
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وجه الجمع بين الحديثين على أن بين الإسنادين ما بينهما، حديث ابن عباس متصل صحيح، وحديث معاوية فيه مقال انتهى.
وقال صاحب النهاية: إن الجمع بينهما أن الهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليه بالجنة كان الرجل يأتي النبي - ﷺ - ويدع أهله وماله، ولا يرجع في شيء منه فلما فتحت مكة انقطعت هذه الهجرة، والثانية من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة وهو المراد بقوله: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، انتهى.
وفي حديث آخر ما يدل على أن المراد بالباقية هجر السيئات كما رواه أحمد في مسنده من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، أن النبي - ﷺ - قال: "الهجرة هجرتان: إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله وإلى رسوله، ولا تنقطع
الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكُفيَ الناسُ العملَ".
وروى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "جاء رجل أعرابي جَاف جريء، فقال: يا رسول الله أين الهجرة إليك، حيث كنت، أم إلى أرض معلومة، أو لقوم خاصة أم إذا مت انقطعت؟ قال: فسكت رسول الله - ﷺ - ساعة ثم قال: أين السائل عن الهجرة؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله قال: إذا أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة فأنت مهاجر، وإن مت بالحضرمة" قال: يعني أرضا باليمامة، وفي رواية له "الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة وتؤتي
الزكاة، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضر" اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٤.
المسألة الرابعة والثلاثون:
قال ابن دقيق العيد ﵀: المتقرر عند أهل العربية أن الشرط
[ ٢ / ٢٦٨ ]
والجزاء، والمبتدأ والخبر لابد وأن يتغايرا، وها هنا وقع الاتحاد في قوله "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" وجوابه أن التقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا، فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا. اهـ إحكام جـ ١/ ص ٨٠.
وقال في الفتح ما نصه: فإن قيل: الأصل تغاير الشرط والجزاء، فلا يقال مثلا من أطاع أطاع، وإنما يقال مثلا من أطاع نجا، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ، وهو الأكثر، وتارة بالمعنى، ويفهم ذلك من السياق، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: آية ٧١] وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس كقولهم: أنت أنت، أي الصَّديق الخالص، وقولهم: هم هم أي: الذين لا يُقَدَّرُ قَدْرُهم، وقول الشاعر:
أنَا أبُو النَّجْم وَشعْري شعْري
أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب، وقال ابن مالك: قد يقصد بالخبر الفرد بيانُ الشهرة وعدم التغير، فيتحد بالمبتدأ لفظًا كقول الشاعر (من الطويل):
خَليلي خَليلي دُونَ رَيْب وَرُبَّمَا … ألانَ امرُؤٌ قَوْلًا فَظُنَّ خَليلا
وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك: من قصدني فقد قصدني، أي فقد قصد مَن عُرف بإنجاح قاصده، وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء عُلم منهما المبالغة إما في التعظيم،
وإما في التحقير. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٣.
المسألة الخامسة والثلاثون:
قال العراقي: لم يقل في الجزاء فهجرته إليهما، وإن كان أخصر بل
[ ٢ / ٢٦٩ ]
أتى بالظاهر فقال: "فهجرته إلى الله ورسوله"، وذلك من آدابه - ﷺ - في تعظيم اسم الله أن يجمع مع ضمير غيره، كما قال للخطيب "بئس الخطيب أنت" حين قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى. وبَيَّن له وجه الإنكار فقال له: "قل ومن يعص الله ورسوله" وهذا يَدْفَع قول مَن قال: إنما أنكر عليه وقوفه على قوله: ومن يعصهما، وقد جمع رسول الله - ﷺ - الضمير في موضع آخر، فقال فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تشهد .. الحديث وفيه "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا" وقد ظهر بهذا أن ترك جمعهما في ضمير واحد على وجه الأدب، وأنه إنما أنكر على الخطيب ذلك تنبيها على دقائق الكلام، ولأنه قد لا يكون عنده من المعرفة بتعظيم الله تعالى، ما يعلمه - ﷺ - من عظمته وجلاله، والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٤.
المسألة السادسة والثلاثون:
قال الحافظ العراقي: الدنيا فُعْلى من الدنو وهو القرب، سميت بذلك لسبقها للآخرة، وفي الدال لغتان الضم وهو الأشهر، والكسر حكاه ابن قتيبة وغيره، وهي مقصورة ليس فيها تنوين بلا خلاف نعلمه بين أهل اللغة والعربية، وحَكَى بعضُ المتأخرين من شراح البخاري أن فيها لغة عربية بالتنوين، وليس بجيد، فإنه لا يعرف في اللغة، وسبب الغلط أن بعض رواة البخاري رواه بالتنوين وهو أبو الهيثم الكشميهني، وأنكر ذلك عليه، ولم يكن ممن يُرجع إليه في ذلك، فأخذ بعضهم يَحكي ذلك لغة كما وقع لهم نحو ذلك في "خُلوف فم الصائم" فحكوا فيه لغتين، وإنما يعرف أهل اللغة الضم، وأما الفتح فرواية مردودة لا لغة. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٥.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي ادعى فيه الغلط من تنوين دنيا ثابت لغة، فقد أثبته في اللسان، و"ق"، وعبارة اللسان: والدنيا: نقيض الآخرة انقلبت الواو فيها ياء، لأن فُعْلى إذا كانت اسما من ذوات الواو أبدلت واوها ياء، كما أبدلت الواو مكان الياء في فَعْلَى يعني بالفتح، فأدخلوها عليها في فُعْلى -يعني بالضم- ليتكافأ في التغيير، قال: وحكى ابن الأعرابي: ماله دنيًا ولا آخرة، فنون دنيا تشبيها لها بفُعْلَل قال: والأصل أن لا تصرف لأنها فُعْلى، والجمع دُنَا مثل الكُبرى والكبر، والصغرى والصُّغَر. اهـ لسان باختصار.
وعبارة "ق" والدنيا نقيض الآخرة: وقد تُنَوَّن. اهـ.
وقال البدر العيني في شرح البخاري بعد ما نقل مثل ما تقدم عن العراقي: ما نصه: جاء التنوين في دنيا في اللغة، قال العجاج (من الرجز):
في جَمْع دُنْيًا طَالَ مَا قد عَنَّتِ
وقال المثلم بن رباح بن ظالم المري: (من الكامل):
إنِّي مُقَسِّمٌ مَا ملكتُ فَجَاعلٌ … أجرًا لآخرَةٍ ودُنْيَا تَنْفَعُ
فإن ابن الأعرابي أنشده بتنوين دُنْيًا، وليس ذلك بضرورة على ما لا يخفى. اهـ جـ ١/ ص ٢٦.
والحاصل أن التنوين ثابت عند أهل اللغة إلا أنه قليل، فلا ينبغي أن يعد غلطا فتبصر، وقال ابن مالك: استعمال دنيا منكرا فيه إشكال، لأنها أفعل تفضيل، فكان حقها أن تستعمل باللام نحو الكبرى
والحسنى، إلا أنها خُلعت عنها الوصفية رأسًا وأجري مُجرى ما لم يك
[ ٢ / ٢٧١ ]
وصفا، ونحوه قول الشاعر: (بسيط)
وإنْ دَعَوْتَ إلى جُلَّى ومَكْرُمَة … يَوْمًا سَرَاةَ كرَام النَّاس فادعينا
فإن الجُلَّى مونث الأجل، فخلعت عنها الوصفية، وجعلت اسما للحادثة العظيمة.
قال البدر العيني: قلت: من الدليل على جعلها بمنزلة الاسم الموضوع قلب الواو ياء لأنه لا يجوز ذلك إلا في الفُعْلَى الاسم، وقال التميمي: الدنيا تأنيث الأدنى لا ينصرف مثل حبلى لاجتماع أمرين فيهما
أحدهما الوصفية، والثاني لزوم حرف التأنيث.
وقال الكرماني: ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها إذ لا وصفية (^١) هنا بل امتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة، وهو قائم مقام العلتين فهو سهو منه.
وتعقبه العيني قائلا: ليس بسهو منه لأن الدنيا في الأصل صفة لأن التقدير الحياة الدنيا كما في قوله تعالى ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: آية ١٨٥] وتركهم موصوفها واستعمالهم إياها نحو الاسم الموضوع لا ينافي الوصفية الأصلية اهـ عمدة جـ ١/ ص ٢٧.
قال الجامع:
في تعقب العيني هذا نظر، بل الصواب ما قاله الكرماني. والله أعلم.
المسألة السابعة والثلاثون:
الجار والمجرور في قوله "إلى الله ورسوله" وفي قوله "إلى دنيا" يتعلق بالهجرة إن كانت كان تامة، أو خبر لكان إن كانت ناقصة، قال
_________________
(١) ولو قال: إذ لا اعتبار للوصفيه هنا، بل امتناع صرفه الخ .. لكان أولى.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
الكرماني: فإن قلت لفظ كانت إن كان باقيا في المضي فلا يعلم أن الحكم بعد صدور هذا الكلام من الرسول - ﷺ - أيضا كذلك أم لا؟ وإن نقل بسبب تضمين "مَنْ" لحرف الشرط إلى معنى الاستقبال فبالعكس ففي الجملة الحكم إما للماضي أو للمستقبل، قلت: جاز أن يراد به أصل الكون: أي الوجود مطلقا من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة، أو يقاس أحد الزمانين على الآخر، أو يعلم من الإجماع على أن حكم المكلفين على السواء أنه لا تعارض اهـ قال العيني: في الجواب الأول نظر لا يخفى، لأن الوجود من حيث هو لا يخلو عن زمن من الأزمنة الثلاثة. اهـ
جـ ١/ ص ٢٧.
المسألة الثامنة والثلاثون:
إن قيل: ما فائدة التنصيص على المرأة مع كونها داخلة في مسمى الدنيا؟ أجيب من وجوه:
الأول: أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة لأن لفظة دنيا نكرة وهي لا تعم في الإثبات، فلا تقتضي دخول المرأة فيها، وتعقب بأنها في سياق الشرط فتعم، قاله في الفتح.
الثاني: أنه للتنبيه على زيادة التحذير فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام كما في قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
الثالث: أنه إنما خص المرأة بالذكر من بين سائر الأشياء في هذا الحديث لأن العرب كانت في الجاهلية لا تزوج المولى العربية، ولا يزوجون بناتهم إلا من الأكفاء في النسب، فلما جاء الإسلام سَوَّى بين المسلمين في مناكحهم، وصار كل واحد من المسلمين كفؤا لصاحبه، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها حتى سمي بعضهم مهاجر أم
[ ٢ / ٢٧٣ ]
قيس، وتعقبه في الفتح بأنه يحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان من الموالي، وأن المرأة كانت عربية، وبأنه ليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه، بل قد زوج خلق كثير منهم جماعة من مواليهم وحلفائهم قبل الإسلام وإطلاقه أن الإسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٤.
الرابع: أن هذا الحديث ورد على سبب، وهو أنه لما أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٨]، ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ الآية، وهاجر المخلصون إليه فمدحهم في غير ما موضع من كتابه، وكان في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين: منهم من كانت نيته تزوج امرأة بالمدينة من المهاجرات يقال لها: أم قيس، وادعى ابن دحية أن اسمها قيلة، فسمي مهاجر أم قيس ولا يعرف اسمه، فكان قصده بالهجرة نية التزوج لها، لا لفضيلة الهجرة، فقال النبي - ﷺ - ذلك، وبين مراتب الأعمال بالنيات، فلهذا خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوي به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية لأجل تبيين السبب لأنها كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا كما قال - ﷺ -: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" وذكر الدنيا معها من باب زيادة النص على السبب كما أنه لما سئل عن طهورية ماء البحر زاد حل ميتته، ويحتمل أن يكون هاجر لما لها مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها، وغيرُه لتحصيل دنيا من جهة ما
فعرض بها. أفاده العيني. جـ ١/ ص ٣١.
قال الجامع عفا الله عنه:
يأتي الرد عليه في دعواه كون مهاجر أم قيس سببا لحديث النية في المسألة التالية. إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
المسألة التاسعة والثلاثون:
قد اشتهر بين الشراح أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، رواه الطبراني في المعجم الكبير بإسناد رجاله ثقات، من رواية الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قاله العراقي.
قال الجامع عفا الله عنه:
قد تقدم عن الحافظ ابن رجب أن كونه سببا لهذا الحديث لا يصح.
والحاصل أن قصة مهاجر أم قيس روي بإسناد رجاله ثقات، ولكن كونه سببا لحديث إنما الأعمال الخ، لا يثبت فتبصر.
ثم اعلم أنه لم يسم أحد ممن صنف في الصحابة هذا الرجل الذي يقال له مهاجر أم قيس، وأما أم قيس، فقد ذكر أبو الخطاب ابن دحية أن اسمها قيلة، قاله العراقي.
المسألة الأربعون:
قال الحافظ العراقي: فإن قيل: ما وجه ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أم سليم أن أبا طلحة الأنصاري خطبها مشركا، فلما علم أنه لا سبيل له إلا بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه، وهكذا روى النسائي من حديث أنس قال: تزوج أبو طلحة أمَّ سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إنى قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم فكان صداق ما بينهما، بوَّب عليه النسائي "التزوج على الإسلام"، وروى النسائي أيضا من حديثه قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما
[ ٢ / ٢٧٥ ]
مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن أسلمت فذاك مهري، فلا أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم، الإسلام" الحديث.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه، من هذا الوجه فظاهر هذا أن إسلامه كان ليتزوج بها فكيف الجمع بينه وبين حديث الهجرة المذكورة مع كون الإسلام أشرف الأعمال؟
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه ليس في الحديث أنه أسلم ليتزوجها حتى يكون معارضا لحديث الهجرة وإنما امتنعت من تزوجه حتى هداه الله للإسلام رغبة في الإسلام لا ليتزوجها، ولا يظن ذلك بأبي طلحة أنه أسلم ليتزوج أم سليم، فقد كان من أجل الصحابة ﵃.
قال الجامع عفا الله عنه:
وهذا الجواب من أبعد الأجوبة، فإنه ينافيه سياق الحديث فتبصر.
والوجه الثاني: أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها أنه لا يصح منه الإسلام رغبة فيه، فمتى كان الداعي إلى الإسلام الرغبة في الدين لم يضر معه كونه يعلم أنه يحل له بذلك نكاح المسلمات، ولا ميراث مورثه المسلم ولا استحقاق الغنيمة ونحو ذلك إذا كان الباعث على الإسلام الرغبة في الدين. وذكر ابن بطال عند حديث "الرجل يقاتل للمغنم" من كان ابتداؤه نية الأعمال لله تعالى لم يضره بعد ذلك ما عرض في نفسه وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب اطلاع العباد عليه بعد مضيه إلى ما ندبه الله إليه، ولا سروره بذلك، وإنما المكروه، أن يبدأ بنية غير مخلصة، وحكاه أيضا في موضع
[ ٢ / ٢٧٦ ]
آخر عن الطبري، وأنه حكاه عن قول عامة السلف ﵃.
والحق في اجتماع الباعثين أو البواعث على الفعل الواحد أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما أو منها لو انفرد لكان كافيا في الإتيان بالفعل أو يكون الكافي لذلك أحدهما أو لعلة أحدهما فإن كان كل واحد كافيا بالإتيان به فهذا يضر فيه التشريك لقوة الداعي، وإن غلب أحدهما بأن يكون حصوله أسرع إلى وقوع المنوي، وإن كان الباعث على الفعل أحدهما بحيث لو عدم الآخر لم يتخلف عن المنوي فالحكم للقوي، كمن يقوم للعبادة وهو يستحسن اطلاع الناس عليه مع أنه لو علم أنه لو لم يطلع عليه أحد لما صرفه ذلك عنها ولا عن الرغبة فيها فهذا لا يؤثر في صحة عبادته، وإن كان الأكمل في حقه التسوية بين اطلاع الناس وعدم اطلاعهم والأسلم له عدم محبة اطلاعهم.
والوجه الثالث: أنه لا يصح هذا عن أبي طلحة، والحديث وإن كان صحيح الإسناد فإنه معلل يكون المعروف أنه لم يكن حينئذ نزل تحريم المسلمات على الكفار إنما نزل بين الحديبية وبين الفتح حين نزل قوله تعالى ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: آية ١٠] كما ثبت في صحيح البخاري، فقول أم سليم في هذا الحديث: ولايحل لي أن أتزوجك، شاذ مخالف للحديث الصحيح، وما اجتمع عليه أهل السنن والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٧.
المسألة الحادية والأربعون:
في قول علقمة: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول، ردّ على من يقول إن الواحد إذا ادعى شيئا كان في مجلس جماعة لا يمكن أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس لم يقبل حتى يتابعه غيره عليه كما قاله
بعض المالكية مستدلين بقصة ذي اليدين، وذلك لأنه لا يصح من رواية
[ ٢ / ٢٧٧ ]
أحد عن عمر إلا علقمة، مع كونه حدث به على المنبر كما ثبت في الصحيح بمحضر من الناس، وانفرد علقمة بنقله مع كونه من قواعد الدين بل ذكر ابن بطال أن النبي - ﷺ - خطب به حين وصل إلى دار الهجرة وشهر الإسلام، فإن ثبت ذلك فقد سمعه جمع من الصحابة ولم يروه عنه غير عمر من وجه يصح كما تقدم، وقد أجمع المسلمون على صحته، فلو اشترط شرط متابعة الراوي لما حضره غيره ولم يقبل انفراده به لما قبلوه والله أعلم.
وإنما استفهم النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين لأنه أخبره بخلاف ما كان في ظنه فاحتاج إلى أن يسأل عنه وليس في حديث عمر هذا مخالفة لما رواه غيره من الصحابة فوجب المصير إليه اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٧ - ٢٨.
المسألة الثانية والأربعون:
قال ابن بطال (^١): ومما يجري بغير النية ما قاله مالك: إن الخوارج إذا أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أخذت منه، ومنها أن أبا بكر الصديق وجماعة من الصحابة أخذوا الزكاة من أهل الردة بالقهر والغلبة ولو لم يجزئ عنهم ما أخذت منهم، قال ابن بطال: واحتج من خالفهم وجعل حديث النية على العموم أن أخذ الخوارج للزكاة غلبة لا ينفك المأخوذ منه من النية لأن معنى النية ذكرها وقت أخذها منه أنه عن الزكاة أخذها المتغلب عليه، وقد أجمع العلماء أن أخذ الإمام الظالم لها يجزئه، فالخارجي في معنى الظالم لأنهم من أهل القبلة وشاهدة التوحيد.
وأما أبو بكر فلم يقتصر على أخذ الزكاة من أهل الردة بل قصد حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم، ولو قصد أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل منها من أموالهم إلى آخر كلامه. اهـ. طرح.
_________________
(١) اسمه: علي بن خلف أبو الحسن القرطبي المتوفى ٤٤٩ هـ.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
المسألة الثالثة والأربعون:
فيه حجة على ابن القاسم في قوله: إن الرجل إذا أعتق عبده عن غيره في كفارة الظهار بغير علمه أنه يجزئه في كفارته، وإن كانت الكفارة فرضا عليه فأسقط كفارة الظهار بغير نية من هي عليه، وذهب أبو حنيفة والشافعي وغيرهم إلى أنه لا يجزئه ذلك وكذلك خالفه من المالكية أشهب وابن المواز والأبهري، وقال القياس أنه لا يجزي لأن المعتق عنه بغير أمره لم ينو عتقه، والمعتق في الكفارات لا يجزي بغير نية وليس كالميت يعتق عنه في الكفارة فإن نيته معدومة. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٩.
المسألة الرابعة والأربعون:
استثنى بعض العلماء من هذا الحديث مما لا تجب فيه النية من الواجبات ما إذا غاب عن المرأة زوجها مدة طويلة ومات ولم تعلم بموته أن عدتها من يوم موته لا من يوم بلغتها وفاته، فالعدة واجبة عليها وقد سقطت عنها بغير نية، كما اتفق عليه الحنفية والمالكية والشافعية فيما حكاه ابن بطال، وأجابوا عن الحديث بأن العدة جعلت لبراءة الرحم، وقد حصلت، وإن لم تعلم المرأة بذلك، وقد أجمعوا أن الحامل التي لم تعلم بوفاة الزوج أو طلاقه تنقضي عدتها بالوضع لبراءة الرحم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٩.
المسألة الخامسة والأربعون:
مما يستفاد من هذا الحديث:
أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم، لأن العمل فيه يكون منتفيا إذا خلا عن النية، ولا يصح نية فعل الشيء إلا بعد معرفة حكمه.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ومنها: أن الغافل لا تكليف عليه لأن القصد يستلزم العلم بالمقصود، والغافل غير قاصد.
ومنها: أن من صام تطوعا بنية قبل الزوال أنه لا يحسب له إلا من وقت النية وهو مقتضى الحديث لكن تمسك من قال بانعطافها بدليل آخر، ونظيره حديث "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها" أي أدرك فضيلة الجماعة أو الوقت، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى.
ومنها: أن ما ليس بعمل لا تشترط فيه النية، ومن أمثلته: جمع التقديم فإن الراجح من حيث النظر أنه لا تشترط له نية، بخلاف ما رجحه كثير من الشافعية، قال الحافظ: وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام
-يعني البلقيني- وقال: الجمع ليس بعمل، وإنما العمل الصلاة، ويقوي ذلك أنه ﵊ جمع في غزوة تبوك ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه، ولو كان شرطا لأعلمهم به.
ومنها: أنه يُستدل به على أن العمل إذا كان مضافا إلى سبب، ويَجمعُ مُتَعَددَهُ جنسٌ أن نية الجنس تكفي كمن أعتق عن كفارة ولم يعين كونها عن ظهار أو غيره، لأن معنى الحديث أن الإعمال بنياتها، والعمل هنا القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة وهو غير محوج إلى تعيين سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كفارة وشك في سببها أجزأه إخراجها بغير تعيين.
ومنها: أن فيه زيادة النص على السبب، لأن الحديث سيق في قصة المهاجر لتزوج المرأة فذكر الدنيا مع القصة زيادة في التحذير والتنفير.
قال الحافظ: وقال شيخنا شيخ الإسلام: فيه إطلاق العام وإن كان سببه خاصا فيستنبط منه الإشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٥.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه:
قد علمت أن السبب الذي ذكروه لم يثبت بطريق صحيح فتبصر.
المسألة السادسة والأربعون:
قد ذكر ابن المنير ﵀ ضابطا لما تشترط فيه النية مما لا تشترط فيه فقال: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة، وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة، قال: وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويا،
ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي، ولذلك لا تشترط النية للنية فرارا من التسلسل.
وأما الأقوال: فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن:
أحدها: التقرب إلى الله فرارا من الرياء.
والثاني: التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود.
والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. اهـ فتح الباري جـ ١/ ص ١٦٤ - ١٦٥.
المسألة السابعة والأربعون:
استنبط من الحديث أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء الخطبة، وهو كذلك فقد فعله الخلفاء الراشدون أبو بكر وعثمان وعلي أيضا وهو مشهور معروف اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٨.
المسألة الثامنة والأربعون:
النية أبلغ من العمل كما قال التيمي، ولهذا تقبل النية بغير العمل،
[ ٢ / ٢٨١ ]
فإذا نوى حسنة فإنه يُجزَى عليها، ولو عمل حسنة بغير نية لم يجز به.
قال البدر العيني: فإن قيل فقد ورد عن النبي - ﷺ - قال: "من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له واحدة، ومن عملها كتبت له عشرا" وروي أيضا أنه قال "نية المؤمن خير من عمله" فالنية في الحديث الأول دون العمل، وفي الثاني فوق العمل وخير منه، قلنا: أما الحديث الأول فلأن الهامّ بالحسنة إذا لم يعملها خالف العامل لأن الهامّ لم يعمل، والعامل لم يعمل حتى هَمَّ ثم عمل.
وأما الثاني: فلأن تخليد الله العبد في الجنة ليس لعمله، وإنما هو لنيته لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بقدر مدة عمله أو أضعافه، إلا أنه جازاه بنيته لأنه كان ناويا أن يطيع الله تعالى أبدا لو بقي أبدا، فلما اخترمته منيته دون نيته جزاه الله عليها وكذا الكافر لأنه لو كان يجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر مدة كفره، غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبدا لو بقي فجزاه على نيته.
وقال الكرماني: أقول يحتمل أن المراد منه أن النية خير من عمل بلا نية، إذ لو كان المراد خير من عمل مع النية يلزم أن يكون الشيء خيرا من نفسه مع غيره إلى آخر كلامه اهـ عمدة القاري جـ ١/ ص ٣٩.
قال الجامع عفا الله عنه:
حديث "نية المؤمن خير من عمله" ضعيف كما بينه السخاوي في المقاصد الحسنة لكنه قال: وتعدد طرقه يقوي بعضها بعضا والله أعلم.
ومباحث هذا الحديث كثيرة تحتاج إلى مؤلف مستقل، وهذه المسائل المذكورات هنا غَيْض من فَيْض (^١)، كيف وقد قيل: إنه ثلث الإسلام، وقد أفرده بعضهم بتأليف مستقل، والله الهادي إلى سواء الصراط، اللهم ارزقنا حسن النية فيما نعمل، ويسر لنا الأعمال على وفق السنة، آمين.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
_________________
(١) يقال: أعطاه غيْضًا من فَيْض، أي قليلا من كثير. قاله المجد في "ق".
[ ٢ / ٢٨٢ ]