أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الوضوء من الإناء، وهو بضم الواو اسم للحدث، بخلاف ما يأتي في الحديث فإنه بفتحها لما يتوضأ به من الماء، والإناء بالكسر جمعه الآنية، كالوعاء والأوعية وزنا ومعنى، والأواني جمع جمعه، أفاده في المصباح.
٧٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
٧٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَأُتِيَ بِتَوْرٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أَصَابِعِهِ، وَيَقُولُ: "حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ، وَالْبَرَكَةِ مِنَ اللهِ ﷿".
قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ.
رجال الإسنادين
أما الحديث الأول: ففي إسناده [٤]
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الفقيه ثقة ثبت فقيه [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) المدني ثقة حجة [٤] تقدم في ٥٤/ ٦٨.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
وأما الحديث الثاني ففيه [٩]
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي ثقة حجة فقيه [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام بن نافع أبو بكر الحمْيَري الصنعاني، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، عن ابن جريج، وهشام بن حسان، وثور بن يزيد، ومعمر، ومالك، وخلائق. وعنه أحمد وإسحاق، وابن المديني، وابن معين، ومحمد بن رافع وخلق. قال أحمد: من سمع منه
[ ٢ / ٢٨٤ ]
بعد ما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع، وقال ابن عدي: رحل إليه أئمة المسلمين وثقاتهم، ولم نر بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقال أحمد: لم أسمع منه شيئا، لكنه رجل يعجبه أخبار الناس، قال ابن سعد: مات سنة ٢١١ عن ٨٥ سنة، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة حافظ مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع من التاسعة.
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفى ثقة ثبت حجة [٧] تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمَّد الكوفي ثقة ثبت [٥] تقدم في ١٧/ ١٨.
٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه يرسل كثيرا [٥] تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن النخع النخعي، أبو شبل الكوفي، أحد الأعلام، مخضرم. عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وطائفة. وعنه إبراهيم النخعي، والشعبي، وسلمة بن كهيل، وخلق.
قال إبراهيم: كان يقرأ في خمس، وقال ابن المديني: أعلم الناس بابن مسعود علقمة، والأسود. قال ابن سعد: مات سنة -٦٢ - وقال أبو نعيم: سنة -٦١ - قيل: عن تسعين سنة اهـ صه.
وفي (ت) ثقة ثبت فقيه عابد من الثانية. مات بعد ٦٠، وقيل: بعد ٧٠ اهـ. أخرج له الجماعة.
٧ - (عبد الله) بن مسعود الصحابي الجليل ﵁. تقدم في ٣٥/ ٣٩.
٨ - (سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي الكوفي، أرسل عن عائشة وجماعة، وروى عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر، وجابر، وعنه
[ ٢ / ٢٨٥ ]
عمرو بن مرة، وقتادة، والحكم بن عتيبة، وخلق، قال أحمد: لم يلق ثوبان، وقال البخاري: لم يسمع منه، قال أبو نعيم: مات سنة ٩٧، وقيل ٨، وقيل ١٠٠ أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة وكان يرسل كثيرا من الثالثة.
٩ - (جابر) بن عبد الله الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٣١/ ٣٥.
لطائف الإسنادين
من لطائف الإسناد الأول: أنه من رباعياته، وهو من عوالي المصنف وهو الثالث من رباعيات الكتاب، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وكلهم مدنيون إلا شيخ المصنف فبغلاني، وفيه الإخبار، والعنعنة، والقول.
ومن لطائف الإسناد الثاني: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزي وهو الأول، وصنعاني وهو عبد الرزاق، وكوفيين وهم الباقون.
ثم إن الأعمش يروي هذا الحديث عن شيخين: أحدهما إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، والثاني: سالم بن أبي الجعد، عن جابر، والثاني أعلى من الأول، لأن بينه وبين الصحابي واسطة بخلاف الأول فبينه وبين الصحابي واسطتان.
وفيه أيضا فائدة إسنادية وهي أن في الأول عنعنة الأعمش وهو مدلس، وقد صرح في الثاني بالتحديث.
وفيه عبد الله بالإطلاق، وهو ابن مسعود للقاعدة المعروفة: أنه إذا أطلق عبد الله في الكوفيين فهو ابن مسعود، كما أنه إذا أطلق في المدنيين فهو ابن عمر، وفي مكة فهو ابن الزبير، وفي البصرة فهو ابن عباس،
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وفي مصر والشام فهو ابن عمرو بن العاص.
وكذا إذا أطلق عبد الله في غير الصحابة هو ابن المبارك، والله أعلم، وتقدم مرارا. وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث الأول
(عن أنس) بن مالك ﵁ أنه (قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وحانت) بالحاء المهملة أي قربت، والواو للحال بتقدير قد، أي وقد قربت (صلاة العصر) أي وقتها، وزاد قتادة "وهو بالزوراء" وهو سوق بالمدينة (فالتمس الناس) أي طلبوا (الوضوء) بفتح الواو الذي يتوضأ به، وكذا فيما يأتي، بخلاف ما تقدم في الترجمة فإنه بضمها لأن المراد هناك الحدث (فلم يجدوه) أي الوضوء (فأتي رسول الله - ﷺ -) "أتي" بالبناء للمجهول "ورسول الله" نائب الفاعل (بوضوء) بالفتح، وفي بعض الروايات "فأتي بقدح رَحْرَاح" أي واسع، وفي بعضها "زجاج" وفي بعضها "جفنة" وفي بعضها "ميضاة" وفي بعضها "مزادة" وفي رواية ابن المبارك "فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير" وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد، قاله البدر العيني في عمدته جـ ٢/ ص ٣٣٢.
(فوضع) النبي - ﷺ - (يده) الشريفة (في ذلك الإناء) الذي أتي به (وأمر الناس أن يتوضؤا) وكانوا خمس عشرة مائة، وفي بعض الروايات ثمانمائة وفي بعضها زهاء ثلاثمائة، وفي بعضها ثمانين، وفي بعضها سبعين قاله العيني، قال أنس ﵁ (فرأيت الماء ينبع) فيه ثلاث لغات، ضم الباء، وكسرها، وفتحها، ومعناه يخرج مثل ما يخرج من العين اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٣٣١.
(من تحت أصابعه) - ﷺ -، وفي بعض الروايات "يفور من بين أصابعه"
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وفي بعضها "يتفجر من أصابعه كأمثال العيون" وفي بعضها "سكب ماء في ركوة، ووضع إصبعه، وبسطها وغسلها في الماء".
وهذه العجزة أعظم من تفجر الحجر بالماء، وقال المزني: نبع الماء من بين أصابعه أعظم مما أوتيه موسى ﵊ حين ضرب بعصاه الحجر في الأرض، لأن الماء معهود أن يتفجر من الحجارة، وليس بمعهود أن يتفجر من بين الأصابع، وقال غيره: وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره - ﷺ - اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٣٣١.
وجملة قوله "ينبع" قال العيني: في محل نصب على الحال، وقد علم أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالا تأتي بلا واو إذا كان فعلها مضارعا مثبتا، قال ابن مالك:
وذَاتُ بَدْء بمضَارع ثَبَتْ … حَوَتْ ضميرًا ومنَ الوَاو خَلَتْ
قال البدر: فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا لرأيت؟
قلت: إن رأيت هنا بمعنى أبصرت، فلا تقتضي إلا مفعولا واحدا. اهـ عمدة.
(حتى توضئوا من عند آخرهم) قال السندي: أي حتى توضئوا كلهم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، "فمن" بمعنى "إلى"، وقيل كلمة "من" للابتداء، والمعنى توضئوا وضوءا ناشئا من عند آخرهم، وكون الوضوء نشأ من آخرهم في وصف التوضؤ يستلزم حصول الوضوء للكل، وهو المراد كناية اهـ، وقال الكرماني: "حتى" للتدريج، و"من" للبيان، أي توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، ثم نقل عن النووي أن "من" في "من عند آخرهم" بمعنى "إلى" وهي لغة ثم قال: أقول: ورود "من" بمعنى "إلى" شاذ قلما يقع في فصيح الكلام.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
قال البدر العيني: قلت "حتى" هنا حرف ابتداء يعني أنه حرف يبتدأ بعده جملة، أي تستأنف، فتكون اسميه أو فعلية، والفعلية يكون فعلها ماضيا، ومضارعا، ومثال الاسمية قول جرير: (من الطويل)
فَمَا زالَت القَتْلَى تَمُجُّ دمَاءَها … بدجْلَةَ حتَّى مَاءُ دجْلةَ أشْكَلُ
ومثال الفعلية التي فعلها ماض "حتى عفوا" و"حتى توضئوا" ومثال الفعلية التي فعلها مضارع ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: آية ٢١٤] في قراءة نافع يعني بالرفع، وقوله "من" للبيان، قلت: إنما تكون "من" للبيان إذا كان فيما قبلها إبهام، ولا إبها هنا لأن التقدير وأمَر الناسَ أن يتوضئوا فتوضؤا حتى توضأ من عند آخرهم، على أن "من" التي للبيان كثيرا ما يقع بعد "ما" "ومهما" لإفراط إبهامهما، نحو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: آية ٢] و﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ [الأعراف: آية ١٣٢] ومع هذا أنكر قوم مجيء "من" لبيان الجنس، والظاهر أن من ها هنا للغاية، والمعنى: توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، على أن "من" تأتي على خمسة عشر وجها، والغالب عليها أن تكون للغاية حتى ادعى قوم أن سائر معانيها راجعة إليها، ولم أجد في هذه المعاني الخمسة عشر مجيء "من" بمعنى "إلى"، وادعى الكرماني أنها لغة قوم ولم يبين ذلك، ثم ادعى أنه شاذ.
قال البدر: إن استعمل "من" بمعنى "إلى" في كون كل منهما للغاية، لأن "من" لابتداء الغاية، و"إلى" لانتهاء الغاية يجوز ذلك، لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض، والمراد بالغاية في قولهم ابتداء الغاية وانتهاء الغاية جميع المسافة، إذ لا معنى لابتداء الغاية وانتهاء الغاية، فيكون معنى الحديث: حتى توضئوا وانتهوا إلى آخرهم، ولم يبق منهم أحد، والشخص وهو آخرهم داخل في هذا الحكم، لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
قال البدر: فإن قلت: "عند" ظرف خاص واسم للحضور الحسي، فالعموم من أين يأتي؟ قلت: "عند" هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى "في" كأنه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم.
وأنس ﵁ داخل في عموم لفظ الناس، ولكن الأصوليون اختلفوا في أن المخاطب بكسر الطاء داخل في عموم متعلق خطابه أمرا أو نهيا أو خبرا، أم غير داخل، والجمهور على أنه داخل اهـ كلام البدر العيني في عمدته جـ ٢/ ص ٣٣٢. وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث الثاني
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: كنا مع النبي - ﷺ -) أي في سفر كما صرح به في رواية البخاري، والظاهر من صنيع المؤلف أنها غزوة الحديبية، لأنه ذكر حديث جابر بعده لتعيين عدد الناس الذين توضئوا من ذلك الماء، وحديث جابر صرح فيه بأنه كان يوم الحديبية على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
لكن رأيت الحافظ مال إلى أنها خيبر، وعبارته في الفتح جـ ٦ "في كتاب المناقب" في باب "علامات النبوة" ص ٦٨٤، قوله: "كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر" هذا السفر يشبه أن يكون غزوة الحديبية لثبوت نبع الماء فيها كما سيأتي، وقد وقع مثل ذلك في تبوك، ثم وجدت البيهقي في الدلائل جزم بالأول، لكن لم يخرج ما يصرح به، ثم وجدت في بعض طرق هذا الحديث عند أبي نعيم في الدلائل أن ذلك كان في غزوة خيبر، فأخرج من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن إبراهيم، في هذا الحديث "قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة خيبر، فأصاب الناس عطشٌ شديد، فقال: يا عبد الله التمس لي ماء، فأتيته بفضل ماء في إدواة" الحديث، فهذا أولى، ودل على تكرر
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وقوع ذلك حضرا وسفرا. اهـ فتح جـ ٦/ ص ٦٨٤.
قال الجامع عفا الله عنه: إذا كان نبع الماء متعددا، وكان ابن مسعود حاضرا فلا يبعد ما مال إليه الصنف، والبيهقي، ولكن الذي مال إليه الحافط أولى وأقرب لتصريحه في الرواية بخيبر كما تقدم عند أبي نعيم والله أعلم.
ولفظ البخاري في الصحيح في علامات النبوة: عن محمَّد بن المثنى عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فقلَّ الماء، فقال: اطلبوا لي فضلة من ماء فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الاناء ثم قال: "حَيَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله" فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - ﷺ -، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل".
(فلم يجدوا ماء) وفي رواية البخاري السابقة، فقل الماء (فأتي بتور) وفي رواية البخاري، فقال: "اطلبوا لي فضلة من ماء" فجاءوا بإناء فيه ماء قليل.
والتور بفتح التاء وسكون الواو: شبه الطست، وقيل هو الطست. اهـ زهر.
وفي اللسان: التور من الأواني: مذكر قيل هو عربي، وقيل: دخيل. قال الأزهري: التور، إناء معروف تُذَكِّرُهُ العرب، تشرب فيه، وهو إناء من صفر أو حجارة كالإجانة، وقد يتوضأ منه اهـ لسان.
وتقدم أن الذي أتى به هو ابن مسعود، كما في دلائل أبي نعيم، ولفظه: فقال "يا عبد الله التمس لي ماء" فأتيته بفضل ماء في إداوة.
[ ٢ / ٢٩١ ]
ووقع عند أبي نعيم في الدلائل أيضا من طريق أبي الضحى، عن ابن
عباس، قال: "دعا النبي - ﷺ - بلالا بماء، فطلبه فلم يجده فأتاه بشن فيه ماء". الحديث، وفي آخره فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر، قال الحافظ: وهذا يشعر بأن ابن عباس حمله عن ابن مسعود، وأن القصة واحدة، ويحتمل أن يكون كل من ابن مسعود، وبلال أحضر الإداوة، فإن الشَّنَّةَ بفتح المعجمة وبالنون هو الإداوة اليابسة. اهـ فتح جـ ٦/ ص ٦٨٤.
(فأدخل) النبي - ﷺ - (يده) الشريفة في ذلك التور، قال عبد الله (فلقد رأيت الماء يتفجر) أي يخرج بشدة وقوة، والجملة في محل نصب على الحال من الماء كما تقدم (من بين أصابعه) - ﷺ - (ويقول) - ﷺ - للناس الحاضرين، والواو يحتمل أن تكون استئنافية، ويدل له رواية البخاري، ثم قال: "حي على الطهور" يحتمل أن تكون حالية، ويقدر بعدها مبتدأ أي هو يقول، لأن المضارع المثبت إذا وقع حالا، لا يقرن بالواو، وإن قرن يقدر بعد الواو مبتدأ، خبره الجملة المضارعية على الأصح كما قال ابن مالك:
وذاتُ بَدْء بمضَارع ثَبَتْ … حَوَتْ ضميرًا ومن الوَاو خَلَتْ
وذاتُ واو بعدَها انْوِ مُبتدا … لهُ المُضَارعَ اجعَلَنَّ مُسْنَدَا
(حي) قال في اللسان: وحي على الغداء، والصلاة، ائتوها، فحي: اسم للفعل، ولذلك علق حرف الجر الذي هو "على" به، وقال الجوهري: وقولهم: حي على الصلاة معناه هلم وأقبل، وفتحت الياء
لسكونها وسكون ما قبلها كما قيل ليث ولعل، والعرب تقول: حي على الثريد، وهو اسم لفعل الأمر. اهـ.
وفي المصباح: وحي على الصلاة ونحوها: دعاء قال ابن قتيبة:
[ ٢ / ٢٩٢ ]
معناه هلم إليها، ويقال: حي على الغداء، وحي إلى الغداء: أي أقبل: ولم يشتق منه فعل. اهـ.
والمعنى هنا: هلموا (على الطهور) بفتح الطاء، والمراد به الماء، ويجوز ضمها، وهو المراد: الفعل: أي تطهروا. قاله في الفتح اهـ جـ ٦/ ص ٦٨٤.
(والبركة من الله ﷿) قال أبو البقاء: والبركة مجرور عطفا على الطهور، أي عطف الوصف على الشيء: مثل أعجبني زيد وعلمه قال: وصفه بالبركة لما فيه من الزيادة والكثرة، ولا معنى للرفع هنا.
قال السندي: لا بُعْدَ في الإخبار بأن البركة من الله تعالى في مثل هذا المقام دفعا لإيهام قدرة الغير عليه، واعترافا بالمنة، وإظهارا للنعمة، لقصد الشكر، فلا وجه لمنع الرفع. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: الرفع هو الأوضح، وتدل عليه رواية البخاري "حي على الطهور المبارك، والبركة من الله" فوصف الطهور بالمبارك، ثم استأنف بقوله: "والبركة من الله" للعلة التي ذكرها
السندي، وهو الذي اقتصر عليه في الفتح حيث قال: والبركة مبتدأ، والخبر من الله- وهو إشارة إلى أن الإيجاد من الله. اهـ فتح.
وأما التوجيه الذي ذُكرَ في كلام أبي البقاء فغريب، فتأمل.
قال الحافظ: ووقع في حديث عمار بن رُزَيق عن إبراهيم في هذا الحديث "فجعلت أبادرهم إلى الماء أدخلُهُ في جوفي، لقوله: "البركة من الله" وفي حديث ابن عباس "فبسط كله فيه فنبعت تحت يده عين، فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر".
والحكمة في طلبه - ﷺفي هذه المواطن فضلة الماء لئلا يُظَنّ أنه الموجد
[ ٢ / ٢٩٣ ]
للماء، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن الله أجرى العادة في الدنيا غالبا بالتوالد، وأن بعض الأشياء يقع بينها التوالد، وبعضها لا يقع، ومن جملة ذلك ما نشاهده من فوران بعض المائعات إذا خمرت وتركت زمانا، ولم تجر العادة في الماء الصرف بذلك فكانت المعجزة بذلك ظاهرة جدًّا.
اهـ فتح جـ ٦/ ص ٦٨٥.
قال المصنف ﵀: (قال الأعمش) بالسند المتقدم فليس هذا معلقا، بل هو موصول غايته أن المصنف يروي حديث الأعمش هذا عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عنه بطريقين، أحدهما عنه عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، وثانيهما عنه عن سالم ابن أبي الجعد عن جابر.
ومقول القول قوله: (فحدثني سالم بن أبي الجعد) الأشجعي الكوفي، واسم أبيه رافع، أنه (قال: قلت لجابر) هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي ﵄ (كم كنتم يومئذ؟) أي إذ وقعت هذه المعجزة من النبي - ﷺ - (قال) جابر ﵁ (ألف وخمسمائة) هكذا بالرفع هنا، ووجهه أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي نحن ألف وخمسمائة، وفي رواية البخاري من طريق حُصَين، عن سالم: "فقلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة".
وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الاختلاف في عدتهم في المسائل.
ولم يسق المصنف متن جابر اختصارا، وسنذكره عن رواية البخاري ﵀، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بأحاديث الباب
المسألة الأولى: في درجتها: أحاديث الباب متفق عليها.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
المسألة الثانية: فيمن أخرجها:
أما حديث أنس ﵁: فأخرجه البخاري ومسلم، والترمذي والمصنف.
فأما البخاري فأخرجه في الطهارة في الباب ٣٣، عن عبد الله بن يوسف، وفي علامات النبوة الباب ٢٥، الحديث ٣ عن القعنبي.
وأما مسلم: فأخرجه في الفضائل الباب ٣، الحديث ٢، عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، وفيه أيضا عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب.
وأما الترمذي: فأخرجه في المناقب: الباب ١٢، عن إسحاق بن موسى، عن معن.
وأما المصنف فأخرجه هنا: الباب ٦١، عن قتيبة: خمستهم عن مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أفاده المزي.
وأما حديث عبد الله: فأخرجه المصنف هنا: عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن الأعمش، عن علقمة، عن عبد الله.
وأخرج البخاري نحوه في المناقب الباب ٢٥، الحديث ٩، عن محمَّد بن المثنى، والترمذي في المناقب الباب ١٤، عن محمَّد بن بشار كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، عن منصور بن المعتمر،
عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقد تقدم لفظه قريبا.
وأما حديث جابر ﵁ فأخرجه البخاري، ومسلم، والمصنف:
فأما البخاري: فأخرجه في المناقب الباب ٢٥ الحديث ٦، عن
[ ٢ / ٢٩٥ ]
موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن مسلم، وفي المغازي: الباب ٣٥، الحديث ٦، عن يوسف بن عيسى، عن محمَّد بن فضيل: كلاهما عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: "عطش الناسُ يوم الحديبية والنبي - ﷺ - بين يديه ركوة، فتوضأ، فجهش الناسُ نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ، ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة".
هذا لفظه في المناقب، ولفظه في المغازي قريب منه.
وفي الأشربة الباب ٣١، عن قتيبة، عن جرير، عن الأعمش، عن سالم الخ، وقال: كنا ألفا وأربعمائة، والباقي بمعناه.
وأما مسلم فأخرجه في المغازي ٧١، الحديث ٦، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن عبد الله بن إدريس، وعن رفاعة بن الهيثم، عن خالد بن عبد الله كلاهما عن حُصَين، وفي الحديث (٥) عن أبي موسى وبندار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، وعن عثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير، عن الأعمش، ثلاثتهم عن سالم، عن جابر.
وأخرجه المصنف هنا عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن الأعمش، نحوه، هكذا قال المزي في تحفة الأشراف جـ ٢/ ص ١٧٥، نحوه لكن المصنف ما ساق متن جابر، بل سؤال سالم ابن أبي الجعد لجابر: كم كنتم .. الخ فتبصر.
وأخرجه في الكبرى في التفسير عن علي بن الحسين الدرهمي، عن أمية بن خالد، عن شعبة نحوه، قاله الحافظ المزي ﵀.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
المسألة الثالثة: في بيان الاختلاف في قصة نبع الماء:
إنه وقع اختلاف في قصة نبع الماء من حديث أنس، ومن حديث جابر، ومن حديث غيرهما، وقد بينه الحافظ ﵀ بيانا شافيا في الفتح، في كتاب المناقب جـ ٦/ ص ٦٧٨ في باب (علامات النبوة) قال ﵀:
الحديث الثاني والثالث عن أنس في نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ -، أورده البخاري من أربعة طرق:
من رواية قتادة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، والحسن البصري، وحميد، وتقدم عنده في الطهارة من رواية ثابت كلهم عن أنس، وعند بعضهم ما ليس عند بعض.
وظهر لي من مجموع الروايات أنهما قصتان في موطنين للتغاير في عدد من حضر، وهي مغايرة واضحة يبعد الجمع فيها، وكذلك تعيين المكان الذي وقع فيه، لأن ظاهر رواية الحسن أن ذلك كان في سفر،
بخلاف رواية قتادة، فإنها ظاهرة في أنها كانت بالمدينة وسيأتي في غير حديث أنس أنها كانت في مواطن أخر.
وقال بعد ذلك بنحو صفحة: ووقع في رواية همام عن قتادة، عن أنس "شهدت النبي - ﷺ - مع أصحابه عند الزوراء، أو عند بيوت المدينة" أخرجه أبو نعيم، وعند أبي نعيم من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس أنه هو الذي أحضر الماء، وأنه أحضره إلى النبي - ﷺ - من بيت أم سلمة، وأنه رده بعد فراغهم إلى أم سلمة، وفيه قدر ما كان فيه أولا، ووقع في رواية عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس أن النبي - ﷺ - خرج إلى قباء فأتي من بعض بيوتهم بقدح صغير.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ووقع في حديث جابر الآتي التصريح بأن ذلك كان في سفر:
ففي رواية نُبَيح العَنَزي عند أحمد، عن جابر قال: سافرنا مع رسول الله - ﷺ - فحضرت الصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: "أمَا في القوم من طهور؟ فجاء رجل بفضلة في إداوة فصبه في قدح، فتوضأ رسول الله - ﷺ -، ثم إن القوم أتوا ببقية الطهور، فقالوا: تمسحوا تمسحوا فسمعهم رسول الله - ﷺ -، فقال: "عَلى رسْلكُم" فضرب بيده في القدح في جوف الماء ثم قال: أسبغوا الطهور، قال جابر: فوالذي أذهب بصري، لقد رأيت الماء يخرج من بين أصابع رسول الله - ﷺ - حتى توضئوا أجمعون، قال: حسبته قال كنا مائتين وزيادة".
وجاء عن جابر قصة أخرى أخرجها مسلم، من وجه آخر عنه في أواخر الكتاب في حديث طويل فيه أن الماء الذي أحضروه له كان قطرة في إناء من جلد لو أفرغها لشربها يابس الإناء، وأنه لم يجد في الركب قطرة ماء غيرها، قال: فأخذه النبي - ﷺ - فتكلم وغمز بيده ثم قال: ناد
بجفنة الركب فجيء بها، فقال بيده في الجفنة فبسطها ثم فرق أصابعه، ووضع تلك القطرة في قعر الجفنة فقال: خذ يا جابر فصب عليّ، وقال: بسم الله، ففعلت، فقال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فَأتَي الناس فاستَقَوا حتى رووا، فرفع يده من الجفنة وهي ملأى" وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدم لاشتمالها على قلة الماء وعلى كثرة من استقى منه.
وقال الحافظ أيضا في كتاب المغازي، في باب غزوة الحديبية ما نصه:
الحديث الرابع: حديث البراء في تكثير ماء البئر بالحديبية ببركة بصاق النبي - ﷺ - فيها ذكره (يعني البخاري) من وجهين عن أبي إسحاق عن البراء،
[ ٢ / ٢٩٨ ]
ووقع في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، عن البراء "كنا أربع عشرة مائة" وفي رواية زهير عنه "أنهم كانوا ألفا وأربعمائة أو أكثر".
ووقع في حديث جابر الذي بعده من طريق سالم بن أبي الجعد عنه "أنهم كانوا خمس عشرة مائة" ومن طريق قتادة، قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عن جابر "أنهم كانوا أربع عشرة مائة" فقال سعيد: حدثني جابر "أنهم كانوا خمس عشرة مائة" ومن طريق عمرو بن دينار عن جابر "كانوا ألفا وأربعمائة"، ومن طريق عبد الله بن أبي أوفى "كانوا ألفا وثلاثمائة" ووقع عند ابن أبي شيبة من حديث مُجَمِّع بن جارية "كانوا ألفا وخمسمائة".
والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء "ألفا وأربعمائة أو أكثر" واعتمد على هذا الجمع النووي، وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية من قال: ألف وأربعمائة أصح، ثم ساقه من طريق أبي الزبير، ومن طريق أبي سفيان كلاهما عن جابر كذلك، ومن رواية معقل ابن يسار وسلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب، ومن طريق قتادة عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال الحافظ: قلت: ومعظم هذه الطرق عند مسلم، ووقع عند ابن سعد في حديث معقل بن يسار "زهاء ألف وأربعمائة" وهو ظاهر في عدم التحديد.
وأما قول عبد الله بن أبي أوفي "ألفا وثلاثمائة" فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، أو العدد الذي ذكره هو عدد المُقَاتلَة، والزيادة
[ ٢ / ٢٩٩ ]
عليها من الأتباع، من الخَدَم، والنساء، والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم.
وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه لأنه قاله استنباطا من قول جابر "نحرنا البدنة عن عشرة" وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير هذه البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا.
وسيأتي في هذا الباب في حديث المسور، ومروان "أنهم خرجوا مع النبي - ﷺ - بضع عشرة مائة" فيجمع أيضا بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وما زاد على ذلك كانوا غائبين عنها، كمن توجه مع عثمان إلى مكة، على أن لفظ البضع يصدق على الخمس والأربع فلا تخالف.
وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفا وستمائة، وفي حديث سلمة ابن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفًا وسبعمائة، وحكى ابن سعد أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسا وعشرين، وهذا إن ثبت تحرير بالغ، قال الحافظ: ثم وجدته موصولا عن ابن عباس عند ابن مردويه، وفيه رد على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وإنما ذكره بالحدس والتخمين والله أعلم.
ثم قال الحافظ بعد ورقة، عند قوله "فوضع النبي - ﷺ - يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه": هذا مغاير لحديث البراء، أنه صب ماء وضوئه في البئر، فكثر الماء في البئر، وجمع ابن حبان بينهما، بأن ذلك وقع مرتين وسيأتي في الأشربة البيان بأن حديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك، ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من أصابعه، ويده في الركوة، وتوضئوا كلهم، وشربوا أمر بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وقد أخرج أحمد من حديث جابر، من طريق نُبَيْح العَنَزيّ، عنه، وفيه "فجاء رجل بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله - ﷺ - في قدح، ثم توضأ، فأحسن، ثم انصرف، وترك القدح، قال: فتزاحم الناس على القدح، فقال: "على رسلكم، فوضع كفه في القدح، ثم قال: أسبغوا الوضوء، قال: فلقد رأيت العيون، عيون الماء تخرج من بين أصابعه" ووقع في حديث البراء: أن تكثير الماء كان بصب النبي - ﷺ - وضوءه في البئر، وفي رواية أبي الأسود عن عروة في دلائل البيهقي، أنه أمر بسهم فوضع في قعر البئر فجاشت بالماء.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ﵀ من وجوه الجمع حسن جدا.
والحاصل أن قصة نبع الماء وقع مرارا في الحضر والسفر، فلذا ذُكر بوجوه متخالفة، وأساليب متغايرة، يُجمع بين شَتَاتها في الحمل المذكور، والله أعلم.
المسألة الرابعة:
قال القاضي عياض ﵀: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير عن الجَمّ الغَفير، عن الكافة متصلة بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل، ومجمع العساكر، ولم يَرد عن
أحد منهم إنكار على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي من معجزاته.
وقال القرطبي: قضية نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ - تكررت منه في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي.
[ ٢ / ٣٠١ ]
قال الحافظ: وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند الشيخين، وأحمد، وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر بن عبد الله من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري، والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد، والطبراني من طريقين، وعن أبي ليلى والد عبد الرحمن عند الطبراني، فعدد هؤلاء الصحابة ليس كما يفهم من إطلاقهما (^١).
وأما تكثير الماء بأن يلسمه بيده، أو يتفل فيه، أو يأمر بوضع شيء فيه كسهم من كنانته فجاء في حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخاري، وأحمد من طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقي في الدلائل، وعن زياد بن الحارث الصدائي عنده، وعن حَبَّان بن بُحّ بضم الموحدة وتشديد المهملة الصدائي أيضا، فإذا ضم هذا إلى هذا بلغ الكثرة المذكورة، أو قاربها.
وأما من رواها من أهل القرن الثاني فهم أكثر عددا، وإن كان شطر طرقه أفرادًا.
وبالجملة يستفاد منها الرد على ابن بطال حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس، وذلك لطول عمره، وتطلب الناس العلو في السند، انتهى.
وهو ينادي عليه بقلة الاطلاع، والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، وبالله التوفيق.
وقال القرطبي: ولم يسمع بمثل هذه المعجزة من غير نبينا - ﷺ - نبع الماء من بين عظمه، وعصبه، ولحمه، ودمه.
وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ -، أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصى،
_________________
(١) أي إطلاق عياض والقرطبي اهـ.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
فتفجر منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم، انتهى.
وظاهر كلامه أن الماء نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيده قوله في حديث جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وأوضح منه ما وقع في حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاءوا بشن، فوضع رسول الله - ﷺ - يده عليه، ثم فرق أصابعه، فنبع الماء من أصابع رسول الله - ﷺ - مثل عصى موسى، فإن الماء تفجر من نفس العصا، فتمثيله به يقتضي أن الماء خرج من بين أصابعه.
ويحتمل أن يكون المراد أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه، يفور ويكثر، وكفه - ﷺ - في الماء، فرآه الرائي نابع من بين أصابعه، والأول أبلغ في المعجزة وليس في الإخبار ما يرده وهو أولى اهـ فتح جـ ٦/ ص ٦٧٦ - ٦٧٧.
المسألة الخامسة:
يستنبط من الحديث:
ما ترجم له المصنف وهو مشروعية الوضوء من الإناء، ولا أعلم فيه خلافا.
وعدم وجوب طلب الماء للتطهر قبل دخول الوقت، لأن النبي - ﷺ - لم ينكر عليهم التأخير، فدل على الجواز، وعليه بوب البخاري "باب التماس الوَضُوء إذا حانت الصلاة".
قال البدر العيني: وذكر ابن بطال أن إجماع الأمة على أنه إذا توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول
[ ٢ / ٣٠٣ ]
الوقت، وأجازه العراقيون.
وفيه دليل على وجوب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه.
وفيه دليل على أن الصلاة لا تجب إلا بدخول الوقت، واستحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، وعند دخول الوقت يجب.
وفيه رد على من ينكر المعجزة من الملاحدة.
واستنبط منه المهلب: أن الأملاك ترتفع عند الضرورة، لأنه لما أتي رسول الله - ﷺ - بالماء لم يكن أحد أحقَّ من غيره، بل كانوا فيه سواء، ونوقش فيه، وإنما تجب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه، قاله البدر في العمدة جـ ٢/ ص ٣٣٣.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ٣٠٤ ]