أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التسمية في حال الوضوء، وقد استدل المصنف بحديث الباب على مشروعية التسمية في الوضوء، وكذا ابن خزيمة، والبيهقي، وموضع الاستدلال فيه قوله: "توضئوا باسم الله" لأن الظاهرأن التقدير قائلين هذا اللفظ، وقول الحافظ: لا دلالة في هذه اللفظة صريحة، لمقصودهم غير واضح، فهي وإن لم تكن صريحة ظاهرة الدلالة عليه، وهو المطلوب.
وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل التي تأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى مع ذكر اختلاف العلماء.
والتسمية: مصدر سمى: إذا قال باسم الله.
والوضوء: هنا بضم الواو لأن المراد به الفعل.
٧٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَقَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: طَلَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَضُوءًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ؟ " فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ، وَيَقُولُ: "تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللهِ". فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
قَالَ ثَابِتٌ: قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمْ تُرَاهُمْ؟ قَالَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ.
رجال الإسناد ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي ثقة حجة [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام بن نافع أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ [٩] تقدم في الباب السابق، ح ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت [٧] تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَاني أبو محمد البصري ثقة ثبت عابد [٤] تقدم في ٤٥/ ٥٣.
٥ - (قتادة) بن دعامة أبو الخطاب البصري ثقة ثبت [٤] تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٦ - (أنس) بن مالك بن النضر أبو حمزة الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين مروزي، وهو شيخه، ويمنيين وهما عبد الرزاق، وشيخه، وبصريين وهم الباقون.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وأن صحابيه أحد المكثرين السبعة، لأنه روى ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثا.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ أنه قال: (طلب بعض أصحاب النبي - ﷺ -) وفي رواية للبخاري من طريق حميد عن أنس ﵁ قال "حَضَرَت الصلاةُ، فقام مَن كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قوم" الحديث فيحتمل أن يكون البعض هم الذين بَقُوا معه - ﷺ - (وضوء) بفتح الواو أي ماء الوضوء (فقال رسول الله - ﷺ -: "هل مع أحد منكم ماء؟ " فوضع يده في الماء) عطف على محذوف تبينه الروايات الأخرى. فأتي رسول الله - ﷺ - بوضوء فوضع" (ويقول) - ﷺ - جملة حالية بتقدير هو كما تقدم نظيره، أي وضع يده في ذلك الماء قائلا (توضئوا باسم الله) أي قائلين هذا اللفظ على أن الجار والمجرور أريد لفظه، أو متبركين أو مبتدئين، وعَلَى كل تقدير يحصل المطلوب، وهو الاستدلال به على طلب التسمية في الوضوء، وعدل عن الحديث المشهور، وهو "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" لما يأتي من الكلام في أسانيده.
قال أنس ﵁: (فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه) - ﷺ - (حتى توضئوا من عند آخرهم) أي توضئوا كلهم حتى وصلت النوبة إلى الآخر "فمن" بمعنى "إلى"، وقيل كلمة للابتداء، والمعنى توضئوا وضوءا ناشئا من عند آخرهم، وكون الوضوء نشأ من آخرهم في وصف التوضؤ يستلزم حصول الوضوء للكل، وهو المراد كناية، قاله السندي، وتقدم تحقيق الكلام قريبًا.
(قال ثابت) البناني (قلت لأنس) بن مالك ﵁ (كم تراهم؟) بالبناء للمفعول بضبط القلم، أي تظنهم، ويحتمل أن يكون
[ ٢ / ٣٠٧ ]
بالبناء للفاعل: أي تعلمهم (قال) أنس (نحوا) مفعول لفعل محذوف جوازا، أي أراهم نحوا (من سبعين) رجلا.
وفي رواية الحسن عند البخاري، "وكانوا سبعين أو نحوه" وفي رواية حميد عنده قال: "ثمانون رجلا"، وفي رواية قتادة قال: "ثلاثمائة" أو "زهاء ثلاثمائة" وفي رواية عند البخاري في الوضوء من طريق حماد عن ثابت، قال أنس: فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين، وفي رواية حميد، كانوا ثمانين وزيادة.
قال الحافظ: والجمع بينهما -أي بين قوله ما بين السبعين إلى الثمانين، وبين قوله ثمانين وزيادة- أن أنسا لم يكن يضبط العدة بل كان يتحقق أنها تنيف على السبعين، وشك هل بلغت العقد الثامن أو تجاوزته، فربما جزم بالمجاوزة حيث يغلب ذلك على ظنه اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٦٤.
قال الجامع عفا الله عنه:
وكذا رواية الباب، ورواية سبعين أو نحوه، ورواية ثمانين رجلا تتفق بهذا الجمع، وأما رواية قتادة ثلاثمائة، فلابد من حملها على تعدد الواقعة. والله أعلم.
قال الحافظ ﵀: وظهر لي من مجموع الروايات أنهما قصتان في موطنين للتغاير في عدد من حضر وهي مغايرة واضحة يبعد الجمع فيها، وكذلك تعيين المكان الذي وقع ذلك، لأن ظاهر رواية الحسن أن ذلك كان في سفر، بخلاف رواية قتادة فإنها ظاهرة في أنها كانت بالمدينة. اهـ فتح ٦/ ٦٧٦. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب صحيح.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه:
حديث الباب بزيادة "توضئوا باسم الله" مما انفرد به المصنف، وإلا فقد تقدم أنه مما أخرجه كلهم إلا أبا داود، وابن ماجه.
المسألة الثالثة: في فوائده:
تقدمت فوائد هذا الحديث في الباب الذي قبله، وزاد هنا التسمية على الوضوء، قال السيوطي ﵀: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أفعال العباد على ثلاثة أقسام: ما سنت فيه التسمية، وما
لم تسن، وما تكره فيه.
الأول: كالوضوء، والغسل، والتيمم، وذبح المناسك، وقراءة القرآن، ومنه أيضا مباحات كالأكل، والشرب والجماع.
الثاني: كالصلاة والأذان، والحج، والعمرة، والأذكار، والدعوات.
والثالث: المحرمات لأن الغرض من البسملة التبرك في الفعل المشتمل عليه، والحرام لا يراد كثرته، وبركته وكذلك المكروه، قال: والفرق بين ما سنت فيه البسملة من القربات، وبين ما لم تسن فيه عسير
فإن قيل: إنما لم تسن البسملة في ذلك القسم لأنه بركة في نفسه، فلا يحتاج إلى التبريك، قلنا هذا مشكل بما سنت فيه البسملة كقراءة القرآن فإنه بركة في نفسه، ولو بسمل على ذلك جاز، وإنما الكلام في كونه سنة، ولو كانت سنة لنقل عن رسول - ﷺ -، والسلف الصالح كما نقل غيره من السنن والنوافل اهـ زهر جـ ١/ ص ٦١.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
المسألة الرابعة: في الكلام على أحاديث البسملة:
وقد لخص الكلام عليها الحافظ في التخليص، فقال: حديث "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي في العلل، وابن ماجه، والدارقطني، وابن السكن، والحاكم، والبيهقي من طريق محمَّد بن موسى المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
ورواه الحاكم من هذا الوجه، فقال يعقوب بن أبي سلمة، وادعى أنه الماجشون، وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي، قال البخاري: لا يعرف سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جدا، ولم يرو عنه سوى ولده، فإن كان يخطئ مع قلة ما روى فكيف يوصف بكونه ثقة.
قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووي، وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة سلمة بن دينار،
فيحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضا صحيحًا.
وله طريق أخرى عند الدارقطني، والبيهقي من طريق محمود بن محمَّد الظفري، عن أيوب بن النجار، عن يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة بلفظ "ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه، وما صلى من لم يتوضأ" ومحمود ليس بالقوي، وأيوب قد سمعه يحيى بن معين يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثا واحدا
[ ٢ / ٣١٠ ]
"التقى آدم وموسى".
وقد ورد الأمر بذلك من حديث أبي هريرة، ففي الأوسط للطبراني، من طريق علي بن ثابت، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله، والحمد لله، فإن حفَظَتَك لا تزال تكتب لك الحسنات، حتى تحدث من ذلك الوضوء" قال: تفرد به عمرو بن أبي سلمة عن إبراهيم ابن محمَّد (^١) عنه، وفيه أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة رفعه "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، ويسمي قبل أن يدخلها" تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن محمَّد بن يحيى بن عروة، وهو متروك، عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد عنه.
وفي الباب عن أبي سعيد، وسعيد بن زيد، وعائشة وسهل بن سعد، وأبي سبرة، وأم سبرة، وعلي، وأنس.
أما حديث أبي سعيد، فرواه أحمد، والدارمي، والترمذي في العلل، وابن ماجه، وابن عدي، وابن السكن، والبزار، والدارقطني، والحاكم والبيهقي، من طريق كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، بلفظ حديث الباب، وزعم ابن عدي أن زيد بن الحباب تفرد به عن كثير، وليس كذلك فقد رواه الدارقطني من حديث أبي عامر العقدي وابن ماجه من حديث أبي أحمد الزبيري.
وأما حال كثير بن زيد، فقد قال ابن معين: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: صدوق، فيه لين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ليس بالقوي يكتب حديثه.
وربيح: قال أبو حاتم: شيخ، وقال الترمذي عن البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: ليس بالمعروف، وقال المروزي: لم يصححه
_________________
(١) إبراهيم بن محمَّد بن ثابت الأنصاري، قال الذهبي: روى مناكير. وقال ابن عدي: أحاديثه صالحة محتملة ولعله أتى ممن قد رواه عنه اهـ الكامل جـ ١ ص ٢٦٠. وقال الحافظ في لسان الميزان في ترجمته: هذا الحديث منكر. انظر لسان جـ ١ ص ٩٨.
[ ٢ / ٣١١ ]
أحمد، وقال: ليس فيه شيء يثبت، وقال البزار: روى عنه فليح بن سليمان، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، كل ما روي في هذا الباب فليس بقوي، ثم ذكر أنه روي عن كثير بن زيد، عن الوليد بن أبي رباح عن أبي هريرة، وقال العقيلي: الأسانيد في هذا الباب فيها لين، وقد قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب، وقال السعدي: سئل أحمد عن التسمية فقال: لا أعلم فيه حديثا صحيحا، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما في الباب.
وأما حديث سعيد بن زيد: فرواه الترمذي، والبزار، وأحمد، وابن ماجه، والدارقطني، والعقيلي، والحاكم من طريق عبد الرحمن ابن حرملة، عن أبي ثفَال المُرِّيّ، عن رَباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، فذكر لفظ الترمذي، قال: وقال محمَّد: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح، ولابن ماجه بزيادة "لا صلاة لمن لا وضوء له" وصرح العقيلي والحاكم بسماع بعضهم من بعض، وزاد "ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار" وزاد الحاكم في روايته: حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو أنها سمعت رسول الله - ﷺ -، فأسقط منه ذكر أبيها، وقال الدارقطني في العلل: اختلف فيه فقال وهيب، وبشر بن المفضل، وغير واحد: هكذا، وقال حفص بن ميسرة، وأبو معشر، وإسحاق بن حازم عن ابن حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح، عن جدته أنها سمعت، ولم يذكروا أباها، ورواه الدراوردي، عن أبي ثفال، عن رباح، عن ابن ثوبان مرسلا، ورواه صدقة مولى آل الزبير، عن أبي ثفال، عن أبي بكر بن حويطب مرسلا، وأبو بكر بن حويطب هو رباح المذكور. قاله الترمذي.
[ ٢ / ٣١٢ ]
قال الدارقطني: والصحيح قول وهيب وبشر بن المفضل ومن تابعهما.
وفي المختارة للضياء من مسند الهيثم بن كليب، من طريق وهيب، عن عبد الرحمن بن حرملة سمع أبا غالب، سمعت رباح بن عبد الرحمن حدثتني جدتي أنها سمعت أباها كذا قال، قال الضياء: المعروف أبو ثفال، بدل أبي غالب، وهو كما قال، وصحح أبو حاتم، وأبو زرعة في العلل روايتهما أيضا بالنسبة إلى من خالفهما، لكن قالا: إن الحديث ليس بصحيح، أبو ثفال ورباح مجهولان، وزاد ابن القطان: إن جدة رباح أيضا لا يعرف اسمها، ولا حالها كذا قال، فأما هي فقد عرف اسمها من رواية الحاكم، ورواه البيهقي أيضا مصرحا باسمها، وأما حالها، فقد ذكرت في الصحابة وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يسأل عن حالها.
وأما أبو ثفال: فروى عنه جماعة، وقال البخاري في حديثه نظر، وهذه عادته فيمن يضعفه، وذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه قال: لست بالمعتمد على ما تفرد به فكأنه لم يوثقه.
وأما رباح: فمجهول، قال ابن القطان، فالحديث ضعيف جدا، وقال البزار: أبو ثفال مشهور، ورباح وجدته لا نعلمهما رويا إلا هذا الحديث، ولا حدث عن رباح إلا أبو ثفال، فالخبر من جهة النقل لا
يثبت.
وأما حديث عائشة: فرواه البزار، وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنديهما، وابن عدي، وفي إسناده حارثة بن محمَّد، وهو ضعيف، وضعف به، قال ابن عدي: بلغني عن أحمد أنه نظر في جامع إسحاق ابن راهويه فإذا هو أول حديث قد أخرجه هذا الحديث فأنكره جدًّا،
[ ٢ / ٣١٣ ]
وقال: أول حديث يكون في الجامع عن حارثة؟
وروى الحربي عن أحمد أنه قال: هذا يزعم أنه اختار أصح شيء في الباب، وهذا أضعف حديث فيه.
وأما حديث سهل بن سعد، فرواه ابن ماجه والطبراني، وهو من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف، لكن تابعه أخوه أبي بن عباس، وهو مختلف فيه.
وأما حديث أبي سبرة، وأم سبرة فروى الدولابي في الكنى والبغوي في الصحابة، والطبراني في الأوسط من حديث عيسى بن سبرة بن أبي سبرة عن أبيه عن جده.
وأخرجه أبو موسى في المعرفة، فقال: عن أم سبرة وهو ضعيف.
وأما حديث علي: فرواه ابن عدي في ترجمة عيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي،، عن أبيه عن جده عن علي، وقال: إسناده ليس بمستقيم.
وأما حديث أنس فرواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بلفظ "لا إيمان لمن لم يؤمن بي، ولا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يسم الله" وعبد الملك شديد الضعف.
نظر العلماء فى أحاديث البسملة:
والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أنه له أصلا.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي - ﷺقاله، وقال البزار: لكنه مؤول ومعناه أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر اسم الله، لا على أنه
[ ٢ / ٣١٤ ]
لا يجوز وضوء من لم يسم.
واحتج البيهقي على عدم وجوب التسمية بحديث رفاعة بن رافع "لا يتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله، فيغسل وجهه".
واستدل النسائي، وابن خزيمة، والبيهقي، في استحباب التسمية بحديث معمر عن ثابت، وقتادة، عن أنس، قال "طلب بعض أصحاب النبي - ﷺ - وضوءا، فلم يجدوا، فقال: "هل مع أحد منكم ماء، فوضع يده في الإناء، فقال: توضئوا باسم الله" وأصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة، ولا دلالة فيها صريحة لمقصودهم.
وقد أخرج أحمد مثله من حديث نبيح العنزي عن جابر. اهـ تلخيص الحبير جـ ١/ ص ٣٩١. نسخة شرح المهذب.
واحتج الرافعي على عدم وجوب التسمية بما روي أنه - ﷺ - قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه" قال الحافظ: وسبقه أبو عبيد في كتاب الطهور.
رواه الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عمر، وفيه أبو بكر الداهري وهو متروك، ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة بلفظ "لم يطهر إلا موضع الوضوء منه" وفيه مرداس بن محمَّد، ومحمد بن أبان، ورواه الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن مسعود، بزيادة "فإذا فرغ من طهوره فليشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا قال ذلك: فتحت أبواب السماء" وفي رواية البيهقي "أبواب الرحمة" وفي إسناده يحيى بن هاشم السمسار، وهو متروك، ورواه عبد الملك بن حبيب، عن إسماعيل بن عياش، عن أبان، وهو مرسل ضعيف جدا.
وقال أبو عبيد في كتاب الطهور: سمعت من خلف بن خليفة حديثا
[ ٢ / ٣١٥ ]
يحدثه بإسناده إلى أبي بكر الصديق، فلا أجدني أحفظه، وهذا مع إعضاله موقوف اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٣٩٣.
وقال النووي ﵀: يمكن أن يحتج في المسألة بحديث: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أو بذكر الله" اهـ المجموع جـ ١/ ص ٣٤٤.
وقد قال ﵀ في أول الكتاب بعد أن ذكر ألفاظه بقوله عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله، أقطع" وفي رواية "بحمد الله" وفي رواية "بالحمد فهو أقطع" وفي رواية "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أجذم"، وفي رواية "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع".
روينا كل هذه الألفاظ في كعب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي، رويناه فيه من رواية كعب بن مالك الصحابي ﵁، والمشهور رواية أبي هريرة، وحديثه هذا حديث حسن، رواه أبو داود،
وابن ماجه، في سننيهما، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وأبو عوانة في أول صحيحه المخرج على صحيح مسلم، وروي موصولا ومرسلا، ورواية الموصول إسنادها جيد اهـ المجموع جـ ١/ ص ٧٣.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الحديث الذي حسنه النووي، وقبله ابن الصلاح قد اختلف في وصله وإرساله، فرجح النسائي، والدارقطني، فيه الإرسال، قاله في النيل.
وقد استوفى الكلام عليه العلامة الألباني في أول إروائه، وقال في آخره: وجملة القول أن الحديث ضعيف لاضطراب الرواة فيه على الزهري، وكل من رواه موصولا ضعيف، أو السند إليه ضعيف،
والصحيح عنه مرسلا كما تقدم عن الدارقطني وغيره اهـ إرواء الغليل جـ ١/ ص ٣٢.
وبالجملة فالحديث ضعيف جدًّا، فلا يصلح للاحتجاج به. وقد أشبعت الكلام في هذا في شرح البسملة أول الكتاب، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٣١٦ ]
المسألة الخامسة:
في مذاهب العلماء في التسمية عند الوضوء: اختلف العلماء في التسمية في الوضوء.
قال الإمام النووي ﵀: إن التسمية سنة وليست بواجبة، فلو تركها عمدا صح وضوءه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، وعنه رواية أنها
واجبة.
وحكى الترمذي، وأصحابنا عن إسحاق بن راهويه أنها واجبة إن تركها عمدا بطلت طهارته، وإن تركها سهوا أو معتقدا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته، وقال أهل الظاهر: هي واجبة بكل حال، وعن أبي حنيفة رواية أنها ليست بمستحبة،، وعن مالك رواية أنه بدعة، ورواية أنها مباحة لا فضيلة في فعلها، ولا تركها. اهـ المجموع جـ ١/ ص ٣٤٦.
وقال العلامة الشوكاني: وقد ذهب إلى الوجوب والفرضية العترة والظاهرية، وإسحاق وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل.
واختلفوا هل هي فرض مطلقا، أو على الذاكر؟ فالعترة على الذاكر.
والظاهرية مطلقا، وذهبت الشافعية والحنفية، ومالك وربيعة، وهو أحد قولي الهادي، إلى أنها سنة ثم ذكر أدلة الفريقين، وهو الذي ذكرناه في المسألة الرابعة، ثم قال: ولا يخفى على الفطن ضعف هذه المستندات وعدم صراحتها، وانتفاء دلالتها على المطلوب، وما (^١) في الباب إن صلح للاحتجاج أفاد مطلوب القائل بالفرضية: لأن الظاهر أن النفي للصحة لكونها أقرب إلى الذات، وأكثر لزوما للحقيقة، فيستلزم
_________________
(١) يعني حديث "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
[ ٢ / ٣١٧ ]
عدمها عدم الذات، وما ليس بصحيح لا يجزي، ولا يقبل ولا يعتد به، وإيقاع الطاعة الواجبة على وجه يترتب قبولها وإجزاؤها عليه واجب اهـ كلام الشوكاني، نيل جـ ١/ ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي مذهب من قال باستحبابها، وأما أحاديث التسمية وإن قلنا بانتهاضها للاستدلال بها بمجموع طرقها فمحمولة على الاستحباب لا على الوجوب لحديث رفاعة بن رافع الذي تقدم استدلال البيهقي به على عدم الوجوب.
وقد أخرجه هو في سننه بسنده عن رفاعة بن رافع أنه كان جالسا عند رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث في صلاة الرجل، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله به بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين" وذكر الحديث.
قال البيهقي: احتج أصحابنا في نفي وجوب التسمية بهذا الحديث اهـ فهذا الحديث ليس فيه ذكر التسمية فلو كان واجبا لبينه ﵊.
والحاصل أن أحاديث التسميه على فرض صحتها مصروفة عن الوجوب إلى الاستحباب بهذا الحديث (^١). والله أعلم.
المسألة السادسة:
الظاهر في لفظها قول "باسم الله" كما دل عليه حديث الباب، قال ابن قدامة في المغني: إذا ثبت هذا فإن التسمية هي قول "باسم الله" لا يقوم غيرها مقامها، كالتسمية المشروعة على الذبيحة، وعند أكل الطعام، وشرب الشراب، وموضعها بعد النية قبل أفعال الطهارة كلها
_________________
(١) ولا يرد القول بوجوب المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، لأنها داخلة في غسل الوجه. فتنبه.
[ ٢ / ٣١٨ ]
لتشمل النية جميع واجباتها، ويكون مسميا على جميعها كما يسمى على الذبيحة وقت ذبحها. اهـ بتصرف جـ ١/ ص ١٠٤.
المسألة السابعة:
قد يشكل على أحاديث التسمية في الوضوء ما أخرجه المصنف وابن ماجه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حضين بن المنذر، عن المهاجر بن قنفذ، قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يتوضأ، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فلما فرغ قال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء" وروى نحوه أبو داود، وفي رواية "إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة" رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، فإنه يدل على أن التسمية عند الوضوء ليست مطلوبة، لأن النبي - ﷺ - كره ذكر الله إلا على طهارة، فيدل على أنه - ﷺ - توضأ قبل أن يذكر، والتسمية من الذكر.
ويجاب عنه من وجهين:
الأول: أنه معلول.
والثاني: أنه معارض.
أما كونه معلولا فقد قال ابن دقيق العيد في الإمام: سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخره، فيراعى فيه من سمع منه قبل الاختلاط، قال: وقد رواه النسائي من حديث شعبة عن قتادة، وليس فيه "إنه ليمنعني" الخ ورواه حماد بن سلمة عن حميد، وغيره عن الحسن، عن مهاجر منقطعا فصار فيه ثلاث علل.
وأما كونه معارضا: فبما رواه مسلم عن ابن عباس قال: بت عند النبي - ﷺ - ذات ليلة، فقام النبي - ﷺ - من آخر الليل، فخرج، فنظر إلى السماء
[ ٢ / ٣١٩ ]
ثم تلا هذه الآية في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الحديث، وروى البخاري نحوه، ففيه دلالة على جواز ذكر الله تعالى، وقراءة
القرآن مع الحدث.
ومعارض أيضًا بحديث عائشة ﵂ أنه - ﷺ - "كان يذكر الله على كل أحيانه"، أخرجه مسلم، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه. أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٣٢٣.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث المهاجر بن قنفذ صحيح، لأن عبد الأعلى سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه، كما ثبت ذلك في ترجمته من تهذيب التهذيب جـ ٦ ص ٩٦. وأما الإعلال بالرواية المنقطعة، فلا يضر، لأن من وصل عنده زيادة علم. وأما المعارضة بحديث ابن عباس ﵁، فغير صحيح، لإمكان الجمع بحمل الكراهة على التنزيه، وخلاف الأولى، والحاصل أن الحديث صحيح سالم من المعارضات. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٢ / ٣٢٠ ]