أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السواك بالعشي للصائم. وأراد المصنف بهذا الرد على من كره السواك للصائم بعد الزوال، ووجه استدلاله أنه لا مانع من إيجاب السواك عند كل صلاة إلا خوف لزوم المشقة، ويلزم منه كون الصوم غير مانع منه، وهذا استنباط دقيق، وتيقظ عجيب فلله دَرُّه ما أدق وأحد فهمه؛ ﵀ أفاده السندي. وهذه الترجمة ترد قول من قال: إن النسائي شافعي المذهب، وقد تقدم تحقيق ذلك في المقدمة.
والمناسبة بين هذه الترجمة والتي قبلها ظاهر من حيث إن تلك تدل على إكثار الشارع والطلب للسواك من غير تحديد بوقت دون وقت، فيدخل فيه السواك وقت العشي.
قال الفيومي رحمه الله تعالى: رخُصَ الشيء رُخْصًا فهو رخيص من باب قَرُب، وهو ضد الغلاء، ويتعدى بالهمزة فيقال: أرخص الله السعر، وتعديته بالتضعيف فيقالَ: رخَّصه الله غير (^١) معروف، والرُّخْص وزانَ قُفْل اسم منه، والرُّخصة وزان غرفة، وتضم الخاء للإتباع، ومثله ظلمة وظلُمة، وهدْنة وهدُنة، وقرْبة وقرُبة، وجمْعة وجمُعة، وخُلبة وخُلُبة، لليف، وجبْنة وجبنة لما يؤكل، وهدْبة وهدُبة الثوب. والجمع رُخَص، ورُخُصات مثل غُرَف وغُرُفات.
والرخصة: التسهيل في الأمر، والتيسير، يقال: رخَّص الشرع في
_________________
(١) قوله غير معروف فيه نظر لما يأتي له من قوله: رخص الشرع ترخيصا وهو ما يقتضيه ظاهر عبارة (ق) فتنبه.
[ ١ / ٢٧٦ ]
كذا ترخيصا وأرخص إرخاصا: إذا يسره وسهله. اهـ. المصباح.
قال الجامع عفا الله عنه: والمراد في قول المصنف الترخيص مطلق التسهيل لا أنه كان منهيا عنه ثم رخص فيه. فليست الرخصة هنا الرخصة عند الأصوليين، وهي الحكم المتغير من حيث تعلقه بالمكلف من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي، كما إذا تغير من حرمة الفعل أو الترك إلى الحل. قاله في نشر البنود شرح مراقي السعود جـ ١/ ص ٥٠.
والحاصل أن المراد هنا الرخصة اللغوية، وهي التسهيل والتوسيع المطلق، فتنبه.
٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة حجة. تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) (ع) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو، الأصبحي، أبو عبد الله، المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري أصح الأسانيد كلها مالك، عن نافع، عن ابن عمر، من السابعة، مات سنة ١٧٩ وكان مولده سنة ٩٣، وقال الواقدي: بلغ ٩٠ سنة.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وفي (صة) أحد أعلام الإسلام وإمام دار الهجرة. عن نافع، والمقبري، ونعيم بن عبد الله، وابن المنكدر، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأيوب، وزيد بن أسلم، وخلق. وعنه من شيوخه: الزهري، ويحيى الأنصاري، وممن مات قبله ابن جريج، وشعبة، والثوري، وخلق، وابن عيينة والقطان، وابن وهب وخلائق، آخرهم موتا أبو حذافة السهمي، قال الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه، قال ابن مهدي: ما رأيت أحدا أتم عقلا ولا أشد تقوى من مالك. وقال ابن المديني: له نحو ألفي حديث.
٣ - (أبو الزناد) (ع) عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ١٣٠ وقيل: بعدها.
وفي (صة) كان أحد الأئمة. عن أنس، وابن عمر، وعمر بن أبي سلمة مرسلًا، وعن الأعرج فأكثر، وابن المسيب، وطائفة. وعنه موسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، ومالك والليث، والسفيانان، وخلق. قال أحمد: ثقة أمير المؤمنين، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه صاحب سنة، وقال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وقال الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة طالب. قال الواقدي: مات فجأة سنة ثلاثين ومائة. قال عمرو بن علي، وابن معين سنة احدي قال الحافظ شمس الدين الذهبي: ولي بعض أمور بني أمية فَتُكلم فيه لأجل ذلك، وهو ثقة حجة لا يعلق به جرح أخرج له الجماعة.
٤ - (الأعرج) (ع) عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت عالم، من الثالثة، مات سنة ١١٧. وفي (صة) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم، أبو داود المدني القارئ. عن أبي هريرة، ومعاوية، وأبي سعيد. وعنه الزهري، وأبو الزبير،
[ ١ / ٢٧٨ ]
وأبو الزناد، وخلق، وثقه جماعة. قال أبو عبيد: توفي سنة ١١٧ بالأسكندرية.
٥ - (أبو هريرة) اليماني الدوسي نقيب أهل الصفة، وأحفظ الصحابة، اسمه: عبد الله بن عمرو، أو عبد الرحمن بن صخر ﵁. تقدم في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، أجلاء وكلهم مدنيون إلا قتيبة، فبغلاني، وأنهم ممن اتفق الجماعة بالإخراج لهم.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي أبو الزناد، عن الأعرج.
ومنها: أنه من أصح الأسانيد في رواية عن البخاري كما تقدم قريبًا.
ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين السبعة كما تقدم في ١/ ١ روى ٥٣٧٤.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ والعنعنةَ، والقول.
شرح الحديث
"عن أبي هريرة، ﵁ "أن رسول الله - ﷺ - قال: "لولا أن أشق على أمتي" أي لولا أن أثقل عليهم، من المشقة، وهي الشدة. يقال: شق عليَّ الأمرُ يُشقّ شَقّا، ومَشَقّة، أي ثقل علي. قاله الأزهري. أفاده ابن منظور. في لسانه. وقال السندي: أي لولا خوف أن أشق، فلا يرد أن لولا لانتفاء الشيء لوجود غيره ولا مشقة هنا اهـ. جـ ١ / ص ١٢. وفي الكبري "على المؤمنين"، وفي "البخاري" "لولا أن أشق على أمتي، أو على الناس".
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقال البدر العيني ﵀: لولا كلمة ربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو لولا زيد لأكرمتك، أي لولا زيد موجود، والمعنى ها هنا: لولا مخافة أن أشق لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا لانعكس معناها، إذ
الممتنع المشقة، والموجود الأمر.
وقال البيضاوي: لولا كلمة تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحق أنها مركبة من لو الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ولا النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأن انتفاء النفي
ثبوت، فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة. اهـ عمدة، ٥/ ٢٦٢.
وقوله: "أن أشق"، "أن" مصدرية وهي ومدخولها في محل رفع مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا أي لولا المشقة، أي مخافتها، موجودة. "لأمرتهم" أي أمر إيجاب "بالسواك" أي باستعماله؛ لأن السواك هو الآلة، وقيل: يطلق على الفعل أيضا وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضاف. أفاده الحافظ.: "عند كل صلاة" أي عند إرادة كل صلاة فرضا أو نفلا، ورواية البخاري "مع كل صلاة"، وفي رواية مالك والشافعي والبيهقي وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد، وذكره البخاري تعليقا في كتاب الصوم عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" والتوفيق بين الروايتين أن السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة لأن الوضوء شُرع لها. هكذا قيل.
قال الجامع: في هذا التوفيق نظر لأنه يؤدي إلى أن السواك للوضوء يكفي للصلاة فلا يطلب لها، وهذا غير سديد، بل المعول عليه أنه يطلب السواك عند الوضوء وعند الصلاة عملا بالروايتين، كما أنه يطلب عند كل شيء يغير الفم لحديث عائشة ﵂ المتقدم" أن النبي - ﷺ -
[ ١ / ٢٨٠ ]
قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب".
وقال الحافظ ﵀: واستدل بقوله: "عند كل صلاة" على استحبابه للفرائض والنوافل، ويحتمل أن يكون المراد الصلوات المكتوبة، وما ضاهاها من النوافل التي ليست تبعا لغيرها كصلاة العيد، وهذا اختاره أبو شامة، ويتأيد بقوله في حديث أم حبيبة عند أحمد بلفظ "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضئون"، وله من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك" فسوى بينهما، وكما أن الوضوء لا يندب للراتبة التي بعد الفريضة إلا أن طال الفصل مثلا، فكذلك السواك.
ويمكن أن يفرق بينهما بأن الوضوء أشق من السواك، ويتأيد بما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: "كان رسول الله - ﷺ - يصلي ركعتين ثم ينصرف فيستاك" وإسناده صحيح، لكنه مختصر من حديث طويل أورده أبو داود، وبين فيه أنه تخلل بين الانصراف والسواك نوم. وأصل الحديث في مسلم مبينًا أيضا. اهـ فتح جـ ٢/ ص ٤٣٧.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي تعميم الاستحباب للفرائض والنوافل لظهور قوله: "عند كل صلاة" في ذلك.، وأما قوله: في حديث أم حبيبة "كما يتوضئون" فهو تشبيه في كونه مؤكدا كتأكد الوضوء للصلاة، لا التسوية في كل شيء بدليل أن السواك يطلب في حالة لا يطلب فيها الوضوء كدخول بيته، كما يأتي في حديث عائشة ﵂. والله أعلم.
وقال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀: الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حالًا تقرب إلى الله، فاقتضى أن تكون حال
[ ١ / ٢٨١ ]
كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة، وقد قيل: إن ذلك لأمر يتعلق بالملك، وهو أنه يضع فاه على في القارئ، ويتأذى بالرائحة الكريهة، فسن السواك لأجل ذلك. اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٧٧. بتصرف.
قال الجامع عفا الله عنه: أما وضع الملك فاه على فم القارئ ففيه حديث علي ﵁، أخرجه البزار بسند رجاله ثقات (^١) كما قال الهيثمي مرفوعًا: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيسمع لقراءته، فيدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن".
وأما كونه يتأذى بالرائحة الكريهة: فيدل له ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر ﵁، عن النبي - ﷺ -: قال: "من أكل من هذه البقلة، الثوم" وقال مرة: "من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذي مما يتأذى منه بنو آدم". وسيأتي مزيد تحقيق لهذا البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث أبي هريرة حديث متفق عليه.
"المسألة الثانية" في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف في هذا الموضع ٧/ ٧ في المجتبى، و٦/ ٦ في الكبرى، عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
_________________
(١) قوله: رجال ثقات، وقال العراقي: رجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه فضيل بن سليمان النمري وهو إن أخرج له البخاري ووثقه ابن حبان فقد ضعفه الجمهور.
[ ١ / ٢٨٢ ]
أبي هريرة ﵁. وأخرجه أيضا برقم ٥٣٤ من المجتبى. (^١)
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: أخرجه الأئمة الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، من رواية الأعرج، والترمذي من رواية أبي سلمة، وابن ماجه من رواية سعيد المقبري كلهم عن أبي هريرة ﵁.
قال: واختلفت الرواة عن مالك في لفظه، فقال أبو مصعب وجماعة "ولأمرتهم بالسواك" يعني أنه لم يزد "مع كل صلاة أو نحوه" وكذا قال عبد الله بن يوسف، وزاد "مع كل صلاة" رواه البخاري من طريقه، وقال يحيى بن يحيى، وآخرون: "علي أمتي" فقط، ولم يقولوا "أو على الناس" وقال القعنبي، وأيوب بن صالح: "على المؤمنين، أو على الناس" وكذا قال معن بن عيسى، وزاد في روايته أيضا: "عند كل صلاة" وزاد أيضا قتيبة عن مالك في روايته: "عند كل صلاة" كما رواه النسائي، وكذا قال ابن عيينة عن أبي الزناد، كما رواه مسلم وغيره، وقد رواه جماعة عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد، عن أبي هريرة مرفوعا فزادوا فيه "مع كل وضوء" كذا رواه عن مالك الشافعي في رواية حرملة، وروح بن عبادة، وبشر بن عمر الزهراني، وإسماعيل بن أبي أويس، ورواه النسائي من رواية بشر بن عمر، والبيهقي من رواية روح، وإسماعيل، وقد ذكرها البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما، فقال: وقال أبو هريرة، ووصلها ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وصححها، وهي في الموطأ موقوفة على أبي هريرة، وليس في بعض الروايات ذكر الوضوء، وفي بعضها ذكره على الشك
_________________
(١) ففي رقم ٥٣٤، عن محمَّد بن منصور، عن سفيان عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة بلفظ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة".
[ ١ / ٢٨٣ ]
بينه وبين الصلاة. اهـ كلام العراقي رحمه الله تعالى طرح جـ ٢/ ص ٦٢.
وقال الحافظ ﵀ في التلخيص: قال ابن منده: وإسناده يعني إسناد حديث "لولا أن أشق" الخ مُجْمَع على صحته، وقال النووي: غلط بعض الأئمة الكبار، فزعم أن البخاري لم يخرجه، وهو خطأ منه، وليس في الموطأ من هذا الوجه، بل فيه عن ابن شهاب، عن حميد، عن أبي هريرة، قال: "لولا أن يشق علي أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء". ولم يصرح برفعه. قال ابن عبد البر: وحكمه الرفع، وقد رواه الشافعي عن مالك مرفوعًا.
وفي الباب عن زيد بن خالد رواه الترمذي، وأبو داود، وعن علي رواه أحمد، وعن أم حبيبة رواه أحمد أيضا، وعن عبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر، وأنس، رواها أبو نعيم في كتاب السواك، وإسناد بعضها حسن، وعن ابن الزبير رواه الطبراني، وعن ابن عمر، وجعفر بن أبي طالب رواهما الطبراني أيضا. اهـ كلام الحافظ في التلخيص جـ ١/ ص ٣٦٨ من هامش المجموع.
وزاد العلامة الألباني: جماعة آخرين: العباس بن عبد المطلب، عند الحاكم، وأحمد، ورجل من أصحاب النبي - ﷺ - عند أحمد بسند صحيح، وزينب بنت جحش عند أحمد، وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وله رؤية رواه أبو داود والحاكم وغيرهما بسند حسن. أفاده في الإرواء جـ ١/ ص ١١٠، ١١١.
"المسألة الرابعة" في اختلاف العلماء في حكم السواك:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في السواك هل هو واجب أم سنة؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم وجوبه، بل ادعى
[ ١ / ٢٨٤ ]
بعضهم فيه الإجماع، وحكى الشيخ أبو حامد، والماوردي عن إسحاق ابن راهويه أنه قال: هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامدا بطلت صلاته، وعن داود أنه واجب، ولكنه ليس بشرط، واحتج من قال: بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجه من حديث أبي أمامة مرفوعا "تَسَوَّكُوا" ولأحمد نحوه من حديث العباس، وفي الموطأ في أثناء حديث "عليكم بالسواك" ولا يثبت شيء منها، وعلى تقدير الصحة فالمنفي في مفهوم حديث الباب الأمر به مقيدا بكل صلاة لا مطلق الأمر، ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق، ولامن ثبوت المطلق التكرار. اهـ فتح جـ ٥/ ص ٣١.
وقال النووي ﵀: وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع
على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون. قال: وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه انتهى كلام النووي في شرح مسلم جـ ٣/ ص ١٤٢.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الكلام لا يليق بجلالة النووي فإن الإمام داود بن علي الظاهري رحمه الله تعالى جبل من جبال العلم، فكيف لا تعد مخالفته ضارة في انعقاد الإجماع، فانظر ترجمته في كتب الرجال تَرَ حاله ودرجته بين العلماء الأعلام، ففي طبقات الحفاظ للسيوطي: داود بن علي بن خلف الحافظ الفقيه المجتهد إلى أن قال: وصنف التصانيف (^١)، وكان بصيرا بالحديث صحيحه وسقيمه، إمامًا
_________________
(١) من تصانيفه كتاب الإيضاح، وكتاب الإفصاح، كتاب الأصول، كتاب الدعاوى، كتاب كبير في الفقه، كتاب الذب عن السنة والأخبار أربع مجلدات، كتاب الرد على أهل الإفك، صفة أخلاق النبي - ﷺ -، كتاب الإجماع، كتاب إبطال القياس، كتاب خبر الواحد، وبعضه موجب للعلم، كتاب الإيضاح خمسة عشر مجلدا، كتاب المتعة، كتاب إبطال التقليد، وغيرها، كتاب المعرفة، كتاب العموم والخصوص، وغيرها، اهـ سير أعلام النبلاء جـ ١٣/ ص ١٠٤.
[ ١ / ٢٨٥ ]
ورعًا ناسكًا زاهدًا كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان. اهـ.
وفي سير أعلام النبلاء: الإمام البحر الحافظ العلامة عالم الوقت أبو سليمان البغدادي المعروف بالأصفهاني مولى أمير المؤمنين المهدي رئيس أهل الظاهر. اهـ جـ ١٣/ ص ٩٧.
قال الجامع: فإذا كان مثل داود مع جلالته لا يعتد في الإجماع وعدمه خلافه، فَمَن الذي يعتد به في ذلك؟ هيهات هيهات.
وبالجملة فهذا الكلام هفوة طغَى بها القلم من غير استشعار بما فيها من الألم. وقد سبق النوويَّ جماعة في هذا الكلام، ذكرهم الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء.
ولقد أجاد العلامة الشوكاني في الرد علي هذا القول حيث قال:
وعدم الاعتداد بخلاف داود مع علمه وورعه وأخذ جماعة من الأئمة بمذهبه من التعصبات التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثر هذا الجنس في أهل المذاهب وما أدري ما هو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من دائرة علماء المسلمين، فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة فهي بالنسبة الي مقالات غيره المؤسسة على محض الرأي المضادَّة لصريح الرواية في حيِّز القلة المتبالغة، فإن التعويل على الرأي وعدم الاعتناء بعلم الأدلة قد أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهب لا يوافق الشريعة منها إلا القليل النادر، وأما داود فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه الظاهر وجموده عليه هي في غاية الندرة، ولكن:
لهَوَى النُّفُوس سَريرَةٌ لا تُعلَمُ
اهـ كلام الشوكاني في نيله جـ ١/ ص ١٥٩.
وقال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء في هذا البحث كلامًا
[ ١ / ٢٨٦ ]
نفيسًا، وهاك نصه: قال رحمه الله تعالى: للعلماء قولان في الاعتداد بخلاف داود وأتباعه: فمن اعتد بخلافهم قال: ما اعتدادُنا بخلافهم لأن مفرداتهم حجة بل لتُحْكَى في الجملة، وبعضها سائغ، وبعضها قوي، وبعضها ساقط، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي.
ومن أهدرهم، ولم يعتدَّ بهم، لم يعدهم في مسائلهم المفردة خارجين بها من الدين ولا كَفَّرَهم بها، بل يقول: هؤلاء في حيز العوام، أوهم كالشيعة في الفروع، ولا نلتفت إلى أقوالهم، ولا ننصب معهم الخلاف، ولا يُعْتَنَى بتحصيل كتبهم، ولا ندل مستفتيا من العامة عليهم، وإذا تظاهروا بمسألة معلومة البطلان، كمسح الرجلين، أدبناهم، وعزرْناهم، وألزمناهم بالغسل جزمًا.
قال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني: قال الجمهور: إنهم يعني نفاة القياس لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء. ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي عن أبي علي بن أبي هريرة، وطائفة من الشافعية، أنه لا اعتبار بخلاف داود، وسائر نفاة القياس في الفروع دون الأصول. وقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق: أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترا؛ لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها (^١) وهؤلاء ملتحقون بالعوام.
قال الذهبي: هذا القول من أبي المعالي أداه إليه اجتهاده وهم أداهم
_________________
(١) قلت: كلام أبي المعالي هذا اعتداء على الشرع، كيف لا تفي النصرص بعشر معشارها يا للعجب هذا كلام من لم يتتبع النصوص، فإنها كافلة حافلة لأكثر الأحكام لا لعشر معشارها، وما احتاج الأئمة إلى القياس إلا في بعض المسائل فالأمر بالعكس، فتنبه.
[ ١ / ٢٨٧ ]
اجتهادهم إلى نفي القول بالقياس، فكيف يرد الإجتهاد بمثله، وندري بالضرورة أن داود كان يقرىء مذهبه، ويناظر عليه، ويفتي به في مثل بغداد، وكثرة الأئمة بها وبغيرها، فلم نرهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه ولا تدريسه، ولا سعوا في منعه من بثه، وبالحضرة مثل إسماعيل القاضي شيخ المالكية، وعثمان بن بشار الأنماطي شيخ الشافعية، والمروذي شيخ الحنبلية، وابني الأمام أحمد، وأبي العباس أحمد بن محمَّد البرْتي (^١)، شيخ الحنفية، وأحمد بن أبي عمران القاضي، ومثل عالم بغداد إبراهيم الحربي. بل سكتوا له، حتى لقد قال قاسم بن أصبغ: ذاكرت الطبري يعني ابن جرير وابن سريج، فقلت لهما: كتاب ابن قتيبة في الفقه أين هو عندكما؟ قالا: ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد، فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي، وداود ونظرائهما.
ثم كان بعده ابنه أبو بكر، وابن المغلس، وعدة من تلامذة داود، وعلى أكتافهم مثل ابن سريج شيخ الشافعية، وأبي بكر الخلال شيخ الحنبلية، وأبي الحسن الكرخي شيخ الحنفية، وكان أبو جعفر الطحاوي بمصر، بل كانوا يتجالسون ويتناظرون، ويبرُزُ كل منهم بحججه، ولا يسعون بالداودية إلى السلطان، بل أبلغ من ذلك، ينصبون معهم الخلاف في تصانيفهم قديما وحديثا، وبكل حال فلهم أشياء أحسنوا فيها، ولهم مسائل مستهجنة يشغب عليهم بها، وإلى ذلك يشير الإمام أبو عمرو بن الصلاح حيث يقول: الذي اختاره الأستاذ أبو منصور، وذكر أنه الصحيح من المذهب أنه يعتبر خلاف داود، ثم قال ابن الصلاح: وهذا الذي استقر عليه الأمر آخرا، كما هو الأغلب الأعرف من صفوة الأئمة المتأخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد الاسفراييني، والماوردي، والقاضي أبي
_________________
(١) بكسر فسكون قرية بنواحي بغداد اهـ لباب.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الطيب، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم المشهورة.
قال يعني ابن الصلاح: وأرى أن يعتبر قوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التغوط في الماء الراكد، وتلك من المسائل الشنيعة، وقوله: لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها، فخلافه في هذا أو نحوه غير معتد به، لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه.
قال الذهبي: لا ريب أن كل مسألة انفرد بها، وقطع ببطلان قوله فيها، فإنها هدر وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة لها عاضد نص، وسبقه إليها صاحب أو تابع فهي من مسائل الخلاف، فلا تهدر.
وفي الجملة: فداود بن علي بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس في معرفة الخلاف، من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين، وكذلك في فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر، وذكاء قوي، فالكمال عزيز، والله الموفق.
ونحن نحكي قول ابن عباس في المتعة، وفي الصرف، وفي إنكار العول، وقول طائفة من الصحابة في ترك الغسل من الإيلاج، وأشباه ذلك، ولا نجوز لأحد تقليدهم في ذلك.
قال ابن كامل: مات داود في شهر رمضان سنة ٢٧٠.اهـ سير أعلام النبلاء جـ ١٣/ ص ١٠٤، ١٠٨.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الكلام الذي قرره الحافظ الذهبي ﵀ كلام نفيس جدا عض عليه بناجذيك، ولا تلتفت إلى كلام الآخرين فلا خير فيه أصلا. والله تعالى أعلم.
ولنعد إلى الكلام في أقاويل العلماء في حكم السواك:
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال الحافظ العراقى: فإن قال قائل: إن في حديث الباب يعني حديث لولا أن أشق أنه لم يأمرهم، وقد ورد في أحاديث أخر أنه أمرهم بذلك، فروى ابن ماجه من حديث أبي أمامة أن رسول الله - ﷺ - قال: "استاكوا، فإن السواك مطهرة للفم" .. الحديث، وروى البزار في مسنده من حديث العباس أن النبي - ﷺ - قال: "تدخلون علي قُلْحا (^١) استاكوا"، ورواه أحمد في مسنده من حديث تمام بن العباس بلفظ: "مالي أراكم تأتوني قلحا؟ استاكلوا"، ورواه البيهقي في سننه من حديث ابن عباس بلفظ "تدخلون علي قلحا استاكوا"، وروى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس مرفوعًا "عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم" … الحديث:
والجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الأحاديث التي ورد فيها الأمر لا يصح منها شيء، أما حديث أبي أمامة ففيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف جدا، وأما حديث العباس، وحديث تمام، وحديث ابن عباس الأول أيضا ففيها أبو علي الصيقلي وهو مجهول، قاله ابن السكن، وغيره، وأما حديث ابن عباس الأخير فتفرد به الخليل بن مرة، وهو منكر الحديث كما قال البخاري.
والوجه الثاني: أن حديث الباب ليس المنفى فيه مطلق الأمر بل الأمر الذي هو للوجوب بدليل رواية البيهقي في بعض طرق حديث أبي هريرة "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء" الحديث، وأيضا فحديث أبي أمامة الذي فيه الأمر قال في تتمة الحديث: "ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت
_________________
(١) بضم فسكون جمع أقلح من القَلَح، وهو تغير الأسنان بصفرة، أو خضرة، كما في المصباح.
[ ١ / ٢٩٠ ]
عليهم الوضوء" وكذا قال البيهقي في السنن في حديث ابن عباس: "مالي أراكم تأتوني قلحا، لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك" .. الحديث، فدل ذلك علي تقدير ثبوتها على أن المنفي أمر الإيجاب، لا الأمر الذي محمله الندب.
والوجه الثالث: أن بعض الروايات، وإن دلت على أن المنفي الأمر بمطلق السواك فقد دلت رواية الشيخين، والنسائي، وغيرهم على تقييد ذلك بكونه مع كل صلاة، والمنفي مع القيد غير المنفي مطلقا، وليس في قوله: "لولا أن أشق لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، أو عند كل وضوء، أنه لم يأمرهم به، ولو في اليوم مرة، أو في الشهر، أو في السنة أو في العمر، فلا تعارض حينئذ. والله أعلم.
"المسألة الخامسة" قال الحافظ العراقي ﵀: استدل به أيضا على أن المندوب ليس مأمورا به، وفيه خلاف بين الأصوليين، قال صاحب المفهم: والصحيح أنه مأمور به؛ لأنه قد اتفق على أنه مطلوب، ومقتضاه كما حكاه أبو المعالي (^١)، قال النووي: ويقال: في هذا الاستدلال ما قدمناه في الاستدلال على الوجوب. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٦٤.
"المسألة السادسة" قال الحافظ رحمه الله تعالى: استدل به على أن الأمر يقتضي التكرار لأن الحديث دل على كون المشقة هي المانعة من الأمر بالسواك، ولا مشقة في وجوبه مرة، وإنما المشقة في وجوب
التكرار، وفي هذا البحث نظر؛ لأن التكرار لم يؤخذ هنا من مجرد الأمر، وإنما أخذ من تقييده بكل صلاة. اهـ فتح جـ ٥/ ص ٣٢.
"المسألة السابعة" قال المهلب رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أن
_________________
(١) قوله: ومقتضاه كلما حكاه أبو المعالي. هكذا نسخة الطرح، وهو كلام فيه سقط فليحرر. والله أعلم.
[ ١ / ٢٩١ ]
المندوبات ترتفع إذا خشي منها الحرج. نقله في الفتح جـ ٥/ ص ٣٢.
"المسألة الثامنة" أنه استدل بهذا الحديث من قال بجواز الاجتهاد منه - ﷺ -، قال النووي: وهو مذهب أكثر الفقهاء أصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار.
ووجه الاستدلال كما قال ابن دقيق العيد: أنه جعل المشقة سببا لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفا على النص لكان سبب الوجوب عدم ورود النص، لا وجود المشقة. قال: وفيه بحث. قال الحافظ وهو كما قال، ووجهه أي وجه البحث أنه يجوز أن يكون إخبارًا منه - ﷺ - بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة، فيكون معني قوله: "لأمرتهم"، أي عن الله بأنه واجب. قاله في الفتح جـ ٥/ ص ٣٢.
وكتب العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى في حاشيته العدة على كلام ابن دقيق العيد هذا: ما نصه: أقول: في صحة الاستدلال به على ما ذكر من الإجتهاد بأن يقال: لا نسلم أن العلة في عدم الأمر هي وجود المشقة، لم لا تكون هي عدم أمر الله به؟ والحكمة في عدم أمره تعالى بإيجاب السواك هي المشقة فعلل - ﷺ - بعلة العلة مع عدم كمال الإثابة عليه كإثابة الصلاة والجهاد، فلا يقال هذا ينافي ما سلف من أنه وقع التكليف بما فيه مشقة، وحينئذ فيكون المراد لولا عدم أمر الله بإيجاب السواك لأعلمتكم بوجوبه، لكنه تعالى لم يوجبه إبقاء عليكم (^١) من المشقة، وتكون فائدة هذا الإخبار منه - ﷺ - الحث على السواك، وأنه لو أمر بإبلاغ الأمة إيجابه لأبلغهم، ولما سأل التخفيف عنهم في شأنه، والإعلام بأنه تعالى رؤف بعباده مخفف عنهم التكاليف لطفا بهم ورفقا، وإلا فأسباب الإيجاب متعددة، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث على ما ذكره. اهـ العدة جـ ١/ ص ٢٨٠.
_________________
(١) أي رفقًا بكم.
[ ١ / ٢٩٢ ]
"المسألة التاسعة" أنه استدل المصنف: والبخاري، وغيرهما رحمهم الله تعالى بعموم رواية الصحيحين والمصنف "عند كل صلاة" ورواية المصنف، وابن خزيمة والحاكم "عند كل وضوء" على استحباب السواك للصائم بعد الزوال، عند صلاة الظهر وصلاة العصر، وعند الوضوء في ذلك الزمن. وهو قول الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزني، وأكثر العلماء، وقال النووي في شرح المهذب: إنه المختار، وقد روى أبو داود، والترمذي، وحسنه من حديث عامر بن ربيعة قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - يتسوك ما لا أحصي وهو صائم"، وقال الشافعي ﵀: يكره بعد الزوال للصائم، قال ابن دقيق العيد: ويحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به ذلك العموم، وهو حديث الخلوف، وفيه بحث. انتهى نقله العراقي في طرحه جـ ٢/ ص ٦٥.
قال الجامع: ويأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة التالية إن شاء الله.
"المسألة العاشر" في مذاهب العلماء في السواك للصائم بعد الزوال:
قال النووي رحمه الله تعالى: مشهور مذهبنا أنه يكره له بعد الزوال، وحكاه ابن المنذر عن عطاء، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه (^١) ابن الصباغ أيضا عن ابن عمر، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن، قال ابن المنذر: ورخص فيه في جميع النهار النخعي، وابن سيرين، وعروة بن الزبير، ومالك، وأصحاب الرأي، قال: ورُوي ذلك عن عمر، وابن عباس، وعائشة، ﵃.
واحتج القائلون بأنه لا يكره في جميع النهار: بالأحاديث الصحيحة
_________________
(١) قوله: وحكاه ابن الصباغ عن ابن عمر الثابت عنه خلافه، كما قال البخاري في باب اغتسال الصائم، وقال ابن عمر: يستاك أول النهار وآخره، نعم حكلاه الموفق في المغني عن عمر ثم حكى عن عمر رواية أخرى أنه لا يكره، قاله الأذرعي، اهـ هامش المجموع.
[ ١ / ٢٩٣ ]
في فضله، ولم ينه عنه، واحتجوا بما رواه أبو إسحاق إبراهيم بن بيطار الخوارزمي، قال: قلت لعاصم الأحول: أيستاك الصائم أول النهار وآخره؟ قال: نعم، قلت: عمن؟ قال: عن أنس، عن النبي - ﷺ -، قالوا: ولأنه طهارة للفم فلم يكره في جميع النهار كالمضمضة.
قال: واحتج أصحابنا يعني الشافعية بحديث أبي هريرة في الخلوف، وهو صحيح وبحديث عن خَبَّاب بن الأرتِّ ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورًا بين عينيه يوم القيامة" رواه البيهقي، ولكنه ضعيف، وبين ضعفه.
واحتجوا بأنه أثر عبادة مشهود له بالطيب، فكره إزالته، كدم الشهيد، وأجابوا عن أحاديث فضل السواك بأنها عامة مخصوصة، والمراد بها غير الصائم آخر النهار، وعن حديث الخوارزمي بأنه ضعيف باتفاقهم، وعن المضمضة بأنها لا تزيل الخلوف بخلاف السواك. اهـ المجموع جـ ١ / ص ٢٧٩. بتغيير يسير.
وقال العلامة الشوكاني ﵀: في شرح حديث عامر بن ربيعة المتقدم: ما نصه: والحديث يدل على استحباب السواك للصائم من غير تقييد بوقت دون وقت، وهو يرد على الشافعي قوله بالكراهة بعد الزوال للصائم مستدلا بحديث الخلوف.
وقد نقل الترمذي أن الشافعي قال: لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره، واختاره جماعة من أصحابه: منهم أبو شامة، وابن عبد السلام، والنووي، والمزني، قال ابن عبد السلام في قواعده الكبرى: وقد فضل الشافعي تحمل الصائم مشقة رائحة الخلوف على إزالته بالسواك مستدلا بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولا يوافَقُ
[ ١ / ٢٩٤ ]
الشافعي على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرجحان بالأفضلية، ألا ترى أن الوتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر مع قوله ﵊: "ركعتا الفجر خير من الدنيا، وما فيها"، وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها، وذكر فضيلتها، وغيرها أفضل منها، وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما فإن السواك نوع من التطهر المشروع لأجل الرب سبحانه؛ لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه، ولأجله شرع السواك، وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال: إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه، إلى أن قال: والذي ذكره الشافعي ﵀ تخصيص للعام بمجرد الاستدلال المذكور المُعَارَض بما ذكرناه.
وقال الحافظ في التلخيص: استدلال أصحابنا بحديث خلوف الصائم علي كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائما فيه نظر، لكن في رواية للدارقطني عن أبي هريرة قال: لك السواك إلى العصر، فإذا صليت فألقه، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لخلوف فم الصائم" الحديث، قال: وقد عارضه حديث عامر بن ربيعة يعني الحديث المتقدم.
وقال: وفي الباب حديث على "إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا له نورًا بين عينيه يوم القيامة"، أخرجه البيهقي، قال الحافظ: وإسناده ضعيف. انتهى، وقول أبي هريرة مع كونه لا يدل على المطلوب لا حجة فيه على أن فيه عمر بن قيس وهو متروك، وكذلك حديث علي مع ضعفه لم يصرح فيه بالرفع، فالحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره، وهو مذهب الجمهور. اهـ نيل الأوطار جـ ١/ ص ١٦٥.
[ ١ / ٢٩٥ ]
"المسألة الحادية عشرة" قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:
فرع يتعلق بقوله - ﷺ -: "لخلوف (^١) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك": وكان وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، والشيخ أبي محمَّد بن عبد السلام ﵄ في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة، أم في الآخرة خاصة؟ فقال أبو محمَّد في الآخرة خاصة، لقوله - ﷺ - في رواية مسلم "والذي نفس محمَّد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة" وقال أبو عمرو: هو عام في الدنيا والآخرة، واستدل بأشياء كثيرة منها ما جاء في المسند الصحيح لأبي حاتم بن حبان بكسر الحاء البستي، قال: باب في كون ذلك يوم القيامة، وباب في كونه في الدنيا، وروى في هذا الباب بإسناده الثابت أنه - ﷺ - قال: "لخلوف فم الصائم حين يخلف أطيب عند الله من ريح المسك" وروى الإمام الحسن بن سفيان في مسنده عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا" قال: "وأما الثانية فإنهم يمسون، وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك" وروى هذا الحديث الإمامُ الحافظ أبو بكر السماعاني في أماليه، وقال: هو حديث حسن، فكل واحد من الحديثين مصرح بأنه في وقت وجود الخلوف في الدنيا يتحقق وصفه بكونه أطيب عند الله من ريح المسك، قال: وقد قال العلماء شرقا وغربا معنى ما ذكرته في تفسيره، قال الخطابي طيبه عند الله رضاه به، وثناؤه عليه، وقال ابن عبد البر: معناه: أزكى عند الله تعالى وأقرب إليه، وأرفع عنده من ريح المسك، وقال البغوي في شرح السنة: معناه الثناء على الصائم، والرضا بفعله، وكذا قاله الإمام القدوري إمام الحنفية في كتابه في الخلاف: معناه أفضل
_________________
(١) قوله: لخلوف: بضم الخاء واللام هو تغير رائحة الفم، ولا يجوز فتح الخاء، يقال: خَلَفَ فم الصائم بفتح الخاء واللام يخلف بضم اللام، وأخلف يُخلف إذا تغير. اهـ المجموع.
[ ١ / ٢٩٦ ]
عند الله من الرائحة الطيبة، ومثله قال البوني من قدماء المالكية، وكذا قال الإمام أبو عثمان الصابوني، وأبو بكر السمعاني، وأبو حفص ابن الصفار الشافعيون في أماليهم، وأبو بكر بن العربي المالكي، وغيرهم، فهؤلاء أئمة المسلمين شرقا وغربا لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد منهم وجها بتخصيصه بالآخرة مع أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغريبة، ومع أن الرواية التي فيها ذكر يوم القيامة مشهورة في الصحيح بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا، والقبول، ونحوهما هو ثابت في الدنيا والآخرة، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان علي المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضا الله تعالى، حيث يؤمر باجتنابها، واجتلاب الرائحة الطيبة، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لذلك كما خص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] وأطلق في باقي الروايات نظرا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، كما سبق تقريره، هذا مختصر ما ذكر الشيخ أبو عمرو ﵀. اهـ المجموع. جـ ١ / ص ٢٧٩.
"المسأله الثانية عشرة" قال الحافظ العراقي ﵀: استدَلَّ بقوله: "مع كل وضوء" من ذهب إلى أن السواك من سنن الوضوء، وهو أحد الوجهين لأصحابنا قال الرافعي: وهو الوجه، ولم يعده
كثيرون من سننه، وإن كان مندوبًا في ابتدائه. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٦٥.
وقال العلامة شمس الحق ﵀ في غاية المقصود: ما لفظه: وأحاديث الباب مع ما أخرجه مالك، وأحمد، والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقا عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء"، تدل على مشروعية السواك عند كل وضوء، وعند كل صلاة، فلا حاجة إلى
[ ١ / ٢٩٧ ]
تقدير العبارة بأن يقال: أي عند كل وضوء لصلاة كما قدرها بعض الحنفية، بل في هذا رد للسنة الصحيحة الصريحة، وهي السواك عند الصلاة، وعلل بأنه لا ينبغي عمله في المساجد لأنه من باب إزالة المستقذرات وهذا التعليل مردود؛ لأن الأحاديث دلت علي استحبابه عند كل صلاة، وهذا لا يقتضي أن لا يعمل إلا في المساجد حتى يتمشى هذا التحليل بل يجوز أن يستاك ثم يدخل المسجد للصلاة، كما روى الطبراني في معجمه عن صالح بن أبي صالح، عن زيد بن خالد الجهني، قال: "ما كان رسول الله - ﷺ - يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك" انتهى، وإن كان في المسجد فأراد أن يصلي جاز أن يخرج (^١) من المسجد ثم يستاك ثم يدخل، ويصلي، ولو سلم فلا نسلم أنه من باب إزالة المستقذرات كيف وقد تقدم أن زيد بن خالد الجهني "كان يشهد الصلوات في المساجد، وسواكه علي أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن، ثم رده إلى موضعه، وأن أصحاب رسول الله - ﷺ - سُوكُهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة، وأن عبادة بن الصامت، وأصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يروحون والسواك على آذانهم، انتهى. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١ / ص ١٠٤.
"المسألة الثالثة عشرة" قال الحافظ العراقي ﵀: في رواية الصحيحين استحباب السواك عند كل صلاة وهو كذلك، وحكى ابنُ عبد البر في التمهيد عن الأوزاعي، عمن أدركه من أهل العلم تأكده عند صلاتي الصبح والظهر، وقد روى أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك من حديث عائشة مرفوعًا "صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك"، قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، وتعقبه ابن الصلاح
_________________
(١) قوله: جاز أن يخرج من المسجد الخ، هذا قول باطل، لا دليل عليه، بل الدليل بعكسه، فلا يتشاغل بمثل هذا القول، وقد تقدم البحث عنه في المسألة الرابعة من شرح الحديث الخامس.
[ ١ / ٢٩٨ ]
في مشكل الوسيط، والنووي في شرح المهذب بأنه من رواية ابن إسحاق بالعنعنة، وهو مدلس فلا يصح، زاد النووي والمدلس إذا لم يذكر سماعه لم يحتج به بلا خلاف، قال العراقي: وقوله: بلا خلاف ليس بجيد، بل فيه الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وأولى بالصحة لاحتمال عدم سقوط أحد، وممن صرح بجريان الخلاف فيه ابن الصلاح، وغيره، والله أعلم وضعف يحيى بن معين أيضا، الحديث المذكور. اهـ طرح جـ ١ / ص ٦٥.
وقال الحافظ في تعداد أحاديث السواك، ومنها حديث عائشة "فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفا" رواه أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والدارقطني، وابن عدي، والبيهقي في الشعب، وأبو نعيم، ومداره عندهم على ابن إسحاق، ومعاوية بن يحيى الصدفي كلاهما عن الزهري، عن عروة، لكن رواه أبو نعيم من طريق ابن عيينة، عن منصور، عن الزهري، ولكن إسناده إلى ابن عيينة فيه نظر فإنه قال: ثنا أبو بكر الطلحي، ثنا سهل بن المرزبان، عن محمَّد التميمي الفارسي، عن الحميدي، عن ابن عيينة، فينظر في إسناده، ورواه الخطيب في المتفق والمفترق من حديث سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من وجه آخر، عن أبي الأسود إلا أن فيه الواقدي، وله طريق أخرى رواها أبو نعيم من طريق فرج بن فضالة، عن عروة بن رويم، عن عائشة، وفرج ضعيف، ورواه ابن حبان في الضعفاء من طريق مسلمة بن علي عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، ومسلمة: ضعيف. قال: وإنما يُروى هذا عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية مرسلًا، قال الحافظ: قلت: بل معضلا، وقال يحيى ابن معين: هذا الحديث لا يصح له إسناد، وهو باطل، قال الحافظ:
[ ١ / ٢٩٩ ]
قلت: رواه أبو نعيم من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث جابر، وأسانيدها معلولة اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٣٧٨ هامش المجموع.
"المسألة الرابعة عشرة" ذهب بعضهم إلى أن السواك كان واجبًا على النبي - ﷺ -، واستدل بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر "أن رسول الله - ﷺ - أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر، فلما شق عليه أمر بالسواك لكل صلاة". وفي إسناده محمَّد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة، وهو مدلس، وحجة من لم يجعله واجبا عليه ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي أمامة "أن رسول الله - ﷺ - قال: ما جاءني جبريل إلا وصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علي، وعلى أمتي". الحديث، وإسناده ضعيف، وروى أحمد في مسنده من حديث واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أمرتُ بالسواك حتى لقد خشيت أن يكتب علي". وإسناده حسن، والخصائصُ لا تثبت إلا بدليل صحيح. اهـ طرح التثريب في شرح التقريب جـ ٢/ ص ٧٠.
"المسألة الخامسة عشرة" في هذا الحديث بيان ما كان عليه النبي - ﷺ - من الشفقة علي أمته، قاله الحافظ. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: فيه دليل على فضل التيسير في أمور الديانة، وأن ما يشق منها مكروه، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما. أفاده في الطرح جـ ٢/ ص ٧٠.
"المسألة السادسة عشرة" قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: إن قيل: قد روى أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح في هذا الحديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة"، وفي رواية للبيهقي: "ولأخرت العشاء إلى نصف الليل. وفي رواية له "إلى ثلث الليل، أو نصفه"، فلم ذهبتم إلى تأكد السواك عند الصلاة
[ ١ / ٣٠٠ ]
لو لم تذهبوا إلى استحباب تأخير العشاء، بل قلتم: تقديمها أفضل على الأظهر، كما قاله الرافعي، والنووي، مع أن كلا منهما عُلِّلَ فيه ترك الأمر بالمشقة؟.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن النبي - ﷺ - واظب على السواك فأجمعوا لذلك على استحبابه، ولم يواظب على تأخير العشاء، بل كان الغالب عليه تقديمها، وأخرها مرة قبل أن يفشوا الإسلام، وكان يؤخرها أحيانا دون ذلك، فكان الأفضل تقديمها لغلبة ذلك من فعله.
والوجه الثاني: أن الأمر الذي تركه لخشية المشقة ليس مستويا في الصورتين، بل الأمر الذي يتعلق بالسواك أمر إيجاب وفرض، كما نص عليه في قوله: "لفرضت عليكم السواك" كما تقدم، فإنما ترك الأمر الدال على الفرض، وأتى به، وأمر به إن ثبت الأمر به على سبيل الندب، وأما الأمر الذي يتعلق بتأخير العشاء فإنه أمر ندب قطعا لما ثبت، وأجمعوا عليه من جواز فعلها من أول دخول وقتها، فلو أمرهم بتأخيرها إنما كان يأمرهم على سبيل الندب، ولم يأمره بذلك الأمر الذي لو وقع لكان ندبا ولم يواظب عليه، بل كان الغالب من فعله تقديمها فكان تقديمها أفضل اهـ كلام العراقي رحمه الله تعالى. طرح جـ ٢/ ص ٧١.
"المسألة السابعة عشرة" قد تقدم ما قاله العلامة ابن دقيق العيد في حكمة استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة، وقال العراقي بعد نقل كلام ابن دقيق العيد: ما نصه: ويحتمل أن يقال: حكمته عند إرادة الصلاة ما ورد (^١) أنه يقطع البلغم: ويزيد في الفصاحة، وتقطيع البلغم مناسب للقراءة لئلا يطرأ عليه فيمنعه القراءة، وكذلك الفصاحة. اهـ طرح جـ ١/ ص ٦٦. والله ولي التوفيق.
_________________
(١) قوله: ما ورد الخ، الوارد فيه حديث ضعيف كما تقدم في المسألة الرابعة من شرح الحديث الخامس.
[ ١ / ٣٠١ ]