هكذا نسخ المجتبى بتكرار "الإمامة"، ونسخة الكبرى "كتاب الإمامة والجماعة. ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل". والظاهر أنه لا داعي إلى التكرار، بل الأولى أن يقول: "كتاب الإمامة والجماعة. ذكر إمامة أهل العلم والفضل". والله أعلم.
٧٧٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَتِ الأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَأَتَاهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ؟ فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) هو ابن راهويه الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة، مات سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم أبو داود، والترمذي والنسائي، تقدم في ٢/ ٢.
[ ٩ / ٦٠٤ ]
٢ - (هَنّاد بن السّرِيّ) بن مصعب التميمي أبو السّريّ الكوفي، ثقة، من [١٠]، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٣ - (حسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرىء، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٣ أو ٢٠٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (زائدة) بن قُدَامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة، مات سنة ١٦٠، وقيل: بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١.
٥ - (عاصم) بن أبي النَّجُود وهو ابن بَهْدَلَة الأسدي مولاهم، أبو بكر الكوفي المقرىء، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون، مات سنة ١٢٨، من [٦]، تقدم في ٩٨/ ١٢٦.
٦ - (زِرّ) بن حُبَيش بن حُباشة الأسدي أبو مريم الكوفي، ثقة جليل مخضرم، مات سنة ٨١ أو ٨٢ أو ٨٣ وهو ابن ١٢٧، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٨/ ١٢٦.
٧ - (عبد الله) بن مسعود، الصحابي الجليل ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٥/ ٣٩.
٨ - (عمر) بن الخطاب العدوي، الخليفة الثاني ﵁،
[ ٩ / ٦٠٥ ]
أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخيه، فإن الأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا إسحاق، فهو مروزي، ثم نيسابوري، وعمر ﵁ فهو مدني.
ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: عن حسين بن علي لفظ "كلاهما"، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁، أنه (قال: لَمَّا قُبِضَ رسول الله -ﷺ-) ببناء الفعل للمفعول؛ أي مات (قالت الأنصار منا أمير، ومنكم أمير)، قد ساق البخاري ﵀ القصة بطولها في "باب فضل أبي بكر ﵁" من صحيحه، فقال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ زوج النبي -ﷺ-: "أن رسول الله -ﷺ- مات، وأبو بكر بالسُّنْح -قال إسماعيل:
[ ٩ / ٦٠٦ ]
يعني بالعالية- فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله -ﷺ-، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر، فكشف عن رسول الله -ﷺ-، فقبّله، فقال: بأبي أنت وأمي طِبْتَ حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يُذيقك الله الموتتين أبدًا.
ثم خرج، فقال: أيها الحالف على رِسْلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر. فحمد الله أبو بكر، وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا -ﷺ- قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] قال: فَنَشج (^١) الناس يبكون.
قالت: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ
_________________
(١) أي بكوا بغير انتحاب، والنشج ما يعرض في حلق الباكي من الغصة. وقيل: هو صوت معه ترجيع كما يردد الصبي بكاءه في صدره. اهـ فتح جـ ٧ ص ٣٨١.
[ ٩ / ٦٠٧ ]
الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حُباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فبايعوا عمر بن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فانت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله -ﷺ-، فأخذ عمر بيده، فبايعه، وبايعه الناس، فقال: قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله". انتهى (^١).
قال الحافظ ﵀: قوله: "لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير". زاد في رواية ابن عباس أنه قال: "أنا جُدَيلها الْمُحَكّك، وعُذَيْقُها الْمُرَجّب"، وشرح هاتين الكلمتين أن العُذيق بالذال المعجمة تصغير عذق، وهو النخلة، والمرجَّب بالجيم والموحدة، أي يدعم النخلة إذا كثر حملها، والجديل بالتصغير أيضًا، وبالجيم، والجدل عود ينصب للإبل الجرباء لتحتك فيه، والمُحَكَّك بكافين الأولى مفتوحة، فأراد أنه يستشفى برأيه.
ووقع عند ابن سعد من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد: "فقام حُباب بن المنذر، وكان بدريًّا، فقال: منا أمير، ومنكم أمير، فإنا والله ما نَنْفَسُ عليكم هذا الأمر، ولكنا نخاف أن يليه أقوام
_________________
(١) صحيح البخاري جـ ٥ ص ٧ - ٨.
[ ٩ / ٦٠٨ ]
قتلنا آباءهم وإخوانهم. قال: فقال له عمر: إذا كان ذلك، فمت إن استطعت، قال: فتكلم أبو بكر، فقال: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم، قال: فبايع الناس، وأولهم بَشِير بن سعد والد النعمان".
وعند أحمد من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد: "فقام خطيب الأنصار، فقال: إن رسول الله -ﷺ- كان إذا استعمل رجلًا منكم قرنه برجل منا، فتبايعوا على ذلك، فقام زيد بن ثابت، فقال: إن رسول الله -ﷺ- كان من المهاجرين، وإنما الإمام من المهاجرين، فنحن أنصار الله، كما كنا أنصار رسول الله -ﷺ-، فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرًا، فبايَعُوه".
ووقع في آخر المغازي لموسى بن عقبة عن ابن شهاب، أن أبا بكر قال في خطبته: "وكنا معاشر المهاجرين أول الناس إسلامًا، ونحن عشيرته، وأقاربه، وذوو رحمه، ولن تصلح العرب إلا برجل من قريش، فالناس لقريش تبع، وأنتم إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في دين الله، وأحب الناس إلينا، وأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لفضيلة إخوانكم، وأن لا تحسدوهم على خير".
وقال فيه: "إن الأنصار قالوا: أوّلًا نختار رجلًا من المهاجرين، وإذا مات اخترنا رجلًا من الأنصار، فإذا مات اخترنا رجلًا من المهاجرين كذلك أبدًا، فيكون أجدر أن يشفق القرشي إذا زاغ أن ينقض عليه
[ ٩ / ٦٠٩ ]
الأنصاري، وكذلك الأنصاري، قال: فقال عمر: لا والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه، فقام حباب بن المنذر، فقال كما تقدم، وزاد: وإن شئتم كررناها خدعة. أي أعدنا الحرب. قال: فكثر القول حتى كاد أن يكون بينهم حرب، فوثب عمر، فأخذ بيد أبي بكر".
وعند أحمد من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: "توفي رسول الله -ﷺ-، وأبو بكر في طائفة من المدينة -فذكر الحديث، قال: فتكلم أبو بكر، فقال: والله لقد علمت يا سعد أن رسول الله -ﷺ- قال، وأنت قاعد: "قريش وُلاة هذا الأمر". فقال سعد: صدقت (^١).
قال ابن التين ﵀: إنما قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. على ما عرفوه من عادة العرب أن لا يتأمر على القبيلة إلا من كان منها، فلما سمعوا حديثَ: "الأئمةُ من قريش". رجعوا عن ذلك، وأذْعَنُوا (^٢).
(فأتاهم عمر) ﵁ (فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله -ﷺ- قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟)؛ قال السندي رحمه الله تعالى: الباء للتعدية، وفيه تقديم أهل العلم والفضل، في الإمامة الصغرى والكبرى جميعًا، وأنهم فهموا من تقديم أبي بكر في الصغرى تقديمه في الكبرى أيضًا، بعد بيان عمر ﵁ لهم
_________________
(١) فتح جـ ٧ ص ٣٨٢ - ٣٨٣.
(٢) فتح جـ ٧ ص ٣٨٣.
[ ٩ / ٦١٠ ]
ذلك، وليس ذلك لقياس الكبرى على الصغرى حتى يقال: إنه قياس باطل، بل لأن الصغرى يومئذ كانت من وظائف الإمام الكبير، فتفويضها إلى أحد عند الموت دليل على نصبه للكبرى. فليتأمل (^١).
(فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟) أي في الخلافة، يعني أنه إذا رضيه رسول الله -ﷺ- إمامًا لكم في الصلاة التي هي أعظم أركان الدين بعد الشهادتين، فكيف لا ترضونه أنتم إمامًا لأموركم؟
(قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر)؛ يقال: عُذت بالله، مَعاذًا، وعِياذًا، واستعذت به: اعتصمت. أفاده في المصباح (^٢)؛ أي نعتصم بالله ﷾ من التقدم أمام أبي بكر ﵁ في ولاية أمور المسلمين. والله تعالى أعلم، وهو ولي التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى من بين أصحاب الأصول. وأخرجه أحمد (١/ ٢١، ١/ ٤٠٥). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٧٥.
(٢) جـ ٢ ص ٤٣٧.
[ ٩ / ٦١١ ]
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن أهل العلم والفضل، أحق بالإمامة من غيرهم.
ومنها: أن الأعلم يقدم على الأقرأ؛ لأنه -ﷺ- قدم أبا بكر دون أُبَيّ مع قوله: "أقرؤكم أُبَيّ". وسيأتي تمام البحث فيه في الباب الثالث، إن شاء الله تعالى.
ومنها: بيان عظيم ما مَنّ الله ﷾ به على أصحاب رسول الله -ﷺ- من ائتلافهم واجتماعهم على خلافة أبي بكر ﵁ بعد أن كادوا يختلفون فيها.
ومنها: بيان فقه عمر ﵁، حيث استنبط من تقديم النبي -ﷺ- أبا بكر في الصلاة كونه يستحق الخلافة.
ومنها: فضل الأنصار رضي الله تعالى عنهم وانقيادهم للحق حيث تراجعوا عما كانوا عليه حين ذكّرهم عمر ﵁.
ومنها: أنه استدلّ بقول الأنصار: "منا أمير، ومنكم أمير" أن النبي -ﷺ- لم يستخلف، ووجه ذلك أنهم قالوا ذلك في مقام من لا يخاف شيئًا، ولا يتقيه.
قال القرطبي ﵀ في "المفهم": لو كان عند أحد من المهاجرين والأنصار نَصٌّ من النبي -ﷺ- على تعيين أحد بعينه للخلافة لما اختلفوا في
[ ٩ / ٦١٢ ]
ذلك، ولا تفاوضوا فيه. قال: وهذا قول جمهور أهل السنة. واستدل من قال: إنه نص على خلافة أبي بكر، بأصول كلية، وقرائن حالية تقتضي أنه أحق بالإمامة، وأولى بالخلافة. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه "التمهيد" بحثًا نفيسًا في بيان استخلاف أبي بكر ﵁، أحببت إيراده هنا لنفاسته، قال رحمه الله تعالى:
لَمّا قال رسول الله -ﷺ-: "مروا أبا بكر يصلي بالناس"، في مرضه الذي توفي فيه، واستخلفه على الصلاة، وهي عُظْمُ الدين، وكانت إليه لا يجوز أن يتقدم إليها أحد بحضرته -ﷺ-، فلما مرض استخلف عليها أبا بكر، والصحابة متوافرون، منهم علي، وعمر، وعثمان، ﵃، استدل المسلمون بذلك على فضل أبي بكر، وعلى أنه أحق بالخلافة بعدُ، وعلموا ذلك، فارتضوا لدنياهم، وإمامتهم، وخلافتهم من ارتضاه لهم رسول الله -ﷺ- لأجل دينهم؛ وذلك إمامتهم في صلاتهم، ولم يكن يمنع رسول الله -ﷺ- من أن يصرح بخلافة أبي بكر بعده -والله أعلم- إلا أنه كان لا ينطق في دين الله بهواه، ولا ينطق إلا بما يوحى إليه فيه.
قال الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] ولم يكن يوحى إليه في الخلافة شيء، وكان لا
[ ٩ / ٦١٣ ]
يتقدم بين يدي ربه في شيء، وكان يحب أن يكون أبو بكر الخليفة بعده، فلما لم ينزل عليه في ذلك وحي، ونعني لم يؤمر بذلك، أراهم موضع الاختيار، وموضع إرادته، فعرف المسلمون ذلك منه، فبايعوا أبا بكر بعده، فخير لهم في ذلك، ونفعهم الله به، وبارك لهم فيه، فقاتل أهل الردة حتى أقام الدين كما كان، وعَدَل في الرعية، وقسم بالسوية، وسار بسيرة رسول الله -ﷺ- حتى توفاه الله حميدًا، ﵁.
قال ابن أبي مليكة ﵀ في حديث: "مروا أبا بكر، فليصل بالناس": وأيّ خلافة أبين من هذا؟
قال أبو عمر ﵀: وقد جاءت عن النبي -ﷺ- آثار تدلّ على أن رسول الله -ﷺ- كان يسره، ويعلم أن الخليفة أبو بكر -والله أعلم-:
منها: حديث حذيفة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر" (^١).
ومنها: حديث جبير بن مطعم ﵁: أن امرأة أتت رسول الله -ﷺ-، فسألته عن شيء، فأمرها أن ترجع، قالت: يا رسول الله، إن رجعت، فلم أجدك؟ -قال: كأنها تعني الموت- قال: "فأتِ أبا بكر" (^٢). قال الشافعي ﵀: وفي هذا دليل على خلافة أبي بكر ﵁.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
(٢) أخرجه أحمد، والشيخان، والترمذي.
[ ٩ / ٦١٤ ]
قال أبو عمر ﵀: وأجمعوا أن أبا بكر كان يكتب: من خليفة رسول الله في كتبه كلها. وذكر نافع بن عمر الجُمَحي، عن ابن أبي مليكة أن رجلًا قال لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال أبو بكر: أنا خليفة رسول الله -ﷺ-، وأنا راضٍ بذلك. وبعث عمر بن عبد العزيز محمد بن الزبير إلى الحسن يسأله هل استخلف رسول الله -ﷺ- أبا بكر؟ فقال: نعم.
قال أبو عمر: إنما قال هذا استدلالًا بنحو ما ذكرنا من الحديث -والله أعلم- ولم يُختَلَف عن عمر أنه لما حضرته الوفاة، قال: إن أستخلف، فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلف، فلم يستخلف رسول الله -ﷺ-، قال ابن عمر: فلما ذكر رسول الله -ﷺ- علمت أنه لا يستخلف، وهذا معناه أنه لم يستخلف نصًا ولا تصريحًا. والله أعلم.
وقد استدل قوم من أهل العلم على خلافة أبي بكر بقوله الله ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]-ومعلوم أن الداعي لأولئك القوم غير النبي -ﷺ-؛ لأن الله قد منع المخلفين من الأعراب من الخروج مع رسول الله -ﷺ- بقوله: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]. وقد أرادوا الخروج معه إلى بعض ما رَجَوا فيه الغنيمة، فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾
[ ٩ / ٦١٥ ]
[الفتح: ١٥]. يعني قوله: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣]. ولا تبديل لكلمات الله.
وفي قوله ﷿: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أوضح الدلائل على وجوب طاعة أبي بكر وإمامته، ووَعدَ الله المخلفين عن رسوله إذا أطاعوا الذي يدعوهم بعدُ بالأجر الحسن، وأوعدهم بالعذاب الأليم إن تولوا عنه.
وللعلماء في قول الله ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ …﴾ قولان، ولا ثالث لهما؛ أحدهما: أنهم قالوا: أراد بقوله: ﴿إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أهل اليمامة مع مسيلمة. وقال آخرون: أراد فارس، فإن كان -كما قالوا- أهلُ اليمامة، فأبو بكر هو الذي دعاهم إلى قتالهم، وإن كانوا فارس، فعمر دعا إلى قتالهم، وعمر إنما استخلفه أبو بكر؛ فعلى أيّ الوجهين كان، فالقرآن يقتضي بما وصفنا إمامة أبي بكر، وخلافته. وإن كان أراد فارس، فهو دليل إمامة عمر، وخلافته.
وقد قال من لا علم له بتأويل القرآن: إنهم هوازن وحُنَين، وهذا ليس بشيء؛ لقول الله: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾، وقوله: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الفتح: ١٥]. ومعلوم أن من وَاسَى رسولَ الله -ﷺ- وصَحِبَه أخيرًا لا يلحق في الفضل بمن واساه،
[ ٩ / ٦١٦ ]
ونصره، وصحبه أوَّلًا؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الآية [الحديد: ١٠].
وكان أبو بكر أوّل الناس؛ عزّر رسول الله -ﷺ-، ونصره، وآمن به، وصدقه، وصابر على الأذى فيه، فاستحق بذلك الفضل العظيم؛ لأن كل ما صنعه غيره بعده قد شاركه فيه، وفاتهم، وسبقهم بما تقدم إليه، فلفضله ذلك استحق الإمامة؛ إذ شأنها أن تكون في الفاضل أبدًا ما وُجِدَ إليه سبيل، والآثار في فضائله ليس هذا موضعَ ذكرها، وإنما ذكرنا استحقاقه للخلافة بدليل الكتاب والسنة.
انتهى خلاصة ما كتبه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى (^١)، وهو بحث نفيس، وتحرير أنيس. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) "التمهيد" جـ ٢٢ ص ١٢٥ - ١٣٠.
[ ٩ / ٦١٧ ]