أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم إمامة الأعمى في الصلاة، وهو الجواز. وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق أقوال أهل العلم في ذلك في "المسألة الخامسة" إن شاء الله تعالى.
ومحل الاستدلال قوله: "كان يؤم قومه، وهو أعمى"، حيث قرره النبي -ﷺ-، على ذلك. والله تعالى أعلم.
٧٨٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ، وَالْمَطَرُ، وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِى مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-".
[ ١٠ / ٢٥ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، أبو موسى الحَمَّال، البزاز، ثقة، مات سنة ٢٤٣ وقد ناهز الثمانين، من [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢.
٢ - (معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني القزاز، ثقة ثبت، أثبت أصحاب مالك على ما قاله أبو حاتم، مات سنة ١٩٨، من كبار [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢.
٣ - (الحارث بن مسكين) بن محمد مولى بني أمية، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه، مات سنة ٢٥٠ وله ٩٦ سنة، من [١٠]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في ٩/ ٩.
٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن خالد بن جُنَادة العُتَقيّ، أبو عبد الله الفقيه المصري، صاحب مالك، ثقة، مات سنة ١٩١، من كبار [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود في مراسيله، والنسائي، تقدم في ١٩/ ٢٠.
٥ - (مالك) بن أنس، الإمام الحجة الثبت المجتهد المدني، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٦ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة الحافظ، مات سنة ١٢٥، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
[ ١٠ / ٢٦ ]
٧ - (محمود بن الربيع) بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو نعيم، ويقال: أبو محمد المدني، ويقال في نسبه غير ذلك، كان ختن عبادة بن الصامت.
روى عن النبي -ﷺ-، وعن عتبان بن مالك، وعبادة، وأبي أيوب. وعنه أنس بن مالك، والزهري، ورجاء بن حيوة، ومكحول الشامي، وهانىء بن كلثوم، وأبو بكر بن أنس نزيل بيت المقدس. قال الواقدي، وإبراهيم بن المنذر: مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين.
قال الحافظ: فعلى هذا يكون مولده سنة ست، فيكون عند موت النبي -ﷺ- أربع سنين، أو يكون دخل في الخامسة، فقد روى الطبراني بسند صحيح عنه أنه قال: توفي النبي -ﷺ-، وأنا ابن خمس سنين.
وقال ابن حبان في الصحابة. مات سنة تسع، وهو ابن أربع وتسعين، وأكثر رواياته عن الصحابة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: له رؤية، وليست له صحبة. وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين. أخرج له الجماعة.
قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أنه صحابي صغير، فقد أخرج البخاري في صحيحه عنه أنه عقل من النبي -ﷺ- مَجَّة مَجّها في وجهه، من دلو، من بئر، كانت في دارهم، وهو ابن خمس سنين. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الطريق الأقوم.
[ ١٠ / ٢٧ ]
٨ - (عتبان (^١) بن مالك) بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري السَّلَمِيّ البدري. روى عن النبي -ﷺ-. وعنه أنس، ومحمود بن الربيع، والحصين بن محمد السالمي، وأبو بكر بن أنس بن مالك. قال ابن عبد البر: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين، وذكره غيره، ومات في خلافة معاوية. وذكر ابن سعد أن النبي -ﷺ- آخى بينه وبين عمر بن الخطاب ﵄ (^٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أن فيه كتابة "ح" إشارة إلى تحويل السند، فالمصنف ﵀ روى هذا الحديث عن شيخه هارون بن عبد الله، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، ثم انتقل إلى شيخه الحارث بن مسكين، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك. فكلا الإسنادين يلتقيان في مالك رحمه الله تعالى.
ومنها: قوله. قال: حدثنا الحارث … إلخ ففاعل "قال" ضمير الراوي عن النسائي، والظاهر أنه ابن السني.
_________________
(١) "عتبان" -بكسر العين، ويجوز ضمها. اهـ فتح جـ ٢ ص ٨٢.
(٢) "تت" جـ ٧ ص ٩٣.
[ ١٠ / ٢٨ ]
ومنها: قوله: قراءةً عليه، وأنا أسمع، وذلك أنه كان بينه وبين شيخه الحارث بن مسكين منافرة، فمنعه من حضور مجلسه، فكان يستمع إلى تحديثه وراء الحجاب، وقد تقدمت القصة في مقدمة هذا الشرح.
ومنها. قوله: "واللفظ له" أي لفظ الحديث للحارث بن مسكين، وأما هارون فرواه بالمعنى، وقد تقدم البحث عن مثل هذا غير مرة.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي، على القول الصحيح من كون محمود صحابيًا، كما تقدم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمود بن الربيع) الأنصاري الخزرجي ﵁ (أن عتبان بن مالك) -بكسر العين، ويجوز ضمها- الأنصاري الخزرجي ﵁. وجملة "أن" ومعمولاها في محل نصب مفعول ثان لـ "حَدَّثَ".
فإن قيل: إن ظاهر قوله. "أن عتبان بن مالك" إلخ مرسل، لأن محمودًا لم يحضر القصة، لأنه صحابي صغير، ولم يصرح أنه أخذه من عتبان، فلذا قال الكرماني ﵀: الظاهر أنه مرسل؛ لأنه لا جزم أن محمودًا سمع من عتبان، ولا أنه رأى بعينه ذلك؛ لأنه كان صغيرًا عند وفاة النبي -ﷺ-. اهـ.
[ ١٠ / ٢٩ ]
أجيب -كما قال الحافظ-: بأنه قد وقع التصريح بالتحديث بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب عند أبي عوانة، وكذا وقع التصريح بسماع محمود من عتبان ﵄ عند البخاري من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن شهاب (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: وسيأتي للمصنف (٧٣/ ١٣٢٧) من طريق معمر عن الزهري، قال: أخبرني محمود بن الربيع، قال: سمعت عتبان بن مالك يقول: كنت أصلي بقومي بني سالم، فأتيت رسول الله -ﷺ- … الحديث.
(كان يؤم قومه) قد ساق البخاري ﵀ في صحيحه هذا الحديث مُطوَّلًا، فقال في "باب المساجد في البيوت": حدثنا سعيد بن عُفَير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك، وهو من أصحاب رسول الله -ﷺ-، ممن شهد بدرًا، من الأنصار، أنه أتى رسول الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله، قد أنكرتُ بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم، فأصليَ بهم، وودِدتُ يا رسول الله أنك تأتيني، فتصلي في بيتي، فأتخذَه مُصلىً. قال: فقال له رسول الله -ﷺ-: "سأفعل إن شاء الله".
_________________
(١) انظر الفتح جـ ٢ ص ٨٤، وعمدة القاري جـ ٤ ص ١٦٧.
[ ١٠ / ٣٠ ]
قال عتبان: فغدا رسول الله -ﷺ-، وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله -ﷺ-، فأذنت له، فلم يجلس حين دخل البيت، ثم قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله -ﷺ-، فكبر، فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم.
قال: وحبسناه على خزيرة (^١) صنعناها له، قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد، فاجتمعوا، فقال قائل منهم: أين مالك ابن الدُّخَيشِن، أو ابن الدُّخْشُنِ؟ فقال بعضهم: ذلك منافق، لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله -ﷺ-: "لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: فإنا نرى وجهه، ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله -ﷺ-: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله".
وساقه المصنف رحمه الله تعالى أيضًا بطوله في "عمل اليوم والليلة" برقم (١١٠٨) فقال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك- عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني محمود بن الربيع، زعم أنه عقل رسول الله -ﷺ-، وعقل مَجَّةً مَجَّها من
_________________
(١) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الزاي، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الراء، آخره هاء: قال ابن سيده: هي اللحم الغَثّ -بالثاء المثلثة- أي المهزول، يؤخذ، فيقطع صغارًا، ثم يطبخ بالماء، فإذا أميت طبخًا ذُرَّ عليه الدقيق، فعصد به، بشيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم. وقيل غير ذلك. اهـ عمدة القاري جـ ٤ ص ١٦٨.
[ ١٠ / ٣١ ]
دَلْوٍ كانت في دارهم.
قال. سمعت عتبان بن مالك الأنصاريَّ، ثم أحدَ بني سالم، يقول: كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت رسول الله -ﷺ-، فقلت له: إني قد أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت، فصليت في بيتي مكانًا أتخذه مسجدًا، فقال النبي -ﷺ-: "أفْعَلُ إن شاء الله تعالى".
فغدا عَلَيَّ رسول الله -ﷺ-، وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي -ﷺ-، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ "، فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله -ﷺ-، وصففنا خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم.
فحَبَسْنَاهُ على خَزِيرة صُنِعَ له، فسمع له أهل الدار، فثابوا حتى امتلأ البيت، فقال رجل: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل منا: ذاك رجل منافق، لا يحب الله ورسوله، فقال النبي -ﷺ-: "ألا تقولونه (^١) يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ "، قال: أما نحن فنرى وجهه وحديثه إلى المنافقين، فقال رسول الله -ﷺ- أيضًا: "ألا تقولونه
_________________
(١) أي تظنونه، لأن "تقول" تأتي بمعنى "تظن" بشروط، ذكرها ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: وَكَتَظُنُّ اجْعَلْ تَقُولُ إِنْ وَلِي … مُسْتَفْهَمًا به وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيْرِ ظَرْفٍ أَوْ كظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ … وإِنْ ببَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا … عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقَا
[ ١٠ / ٣٢ ]
يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ " قال: بلى أرى يا رسول الله، فقال النبي -ﷺ-: "لن يوافي عبد يوم القيامة، وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، إلا حرّم الله عليه النار".
قال محمود: فحدثت قومًا فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله -ﷺ- في غزوته التي تُوفي فيها مع يزيد بن معاوية، فأنكر ذلك عليّ، وقال: ما أظن أن رسول الله -ﷺ- قال ما قلت قَطُّ، فكَبُرَ ذلك عليّ، فجعلت لله عليّ إن سلمني الله حتى أقفل من غزوتي أن أسأل عنها عتبان بن مالك، إن وجدته حيّا، فأهللت من إيلياء بحج وعمرة حتى قدمت المدينة، فأتيت بني سالم، فإذا عتبان بن مالك، شيخ كبير، قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فلما سلم من صلاته جئته، فسلمت عليه، وأخبرته مَنْ أنا، فحدثني كما حدثني به.
(وهو أعمى) جملة في محل نصب على الحال، وهذا صريح في أنه كان أعمى، وهكذا في رواية البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب. لكن الذي ذكره جمهور أصحاب الزهري: أنه قال: "يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي".
قال الحافظ ﵀: قوله: "قد أنكرت بصري" كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب، كما للمصنف -يعني البخاري- من طريق إبراهيم ابن سعد، ومعمر (^١)، ولمسلم من طريق يونس، وللطبراني من طريق
_________________
(١) قلت: طريق معمر تأتي للنسائي من رواية ابن المبارك عنه برقم (٧٣/ ١٣٢٧).
[ ١٠ / ٣٣ ]
الزُّبَيْدي، والأوزاعي، وله من طريق أبي أويس: "لَمَّا ساء بصري"، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: "جعل بصري يَكِلّ". ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت: "أصابني في بصري بعض الشيء". وكل ذلك ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك.
وقد قيل: إن رواية مالك معارضة لرواية غيره. قال الحافظ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: "إن عتبان بن مالك كان يؤم، وهو أعمى" أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبي -ﷺ-، وبينه قوله في رواية يعقوب: "فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤم قومه". وأما قوله: "وأنا ضرير البصر" أي أصابني فيه ضرّ، كقوله: "أنكرت بصري". ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد أيضًا: "لما أنكرت من بصري".
وقوله في رواية مسلم: "أصابني في بصري بعض الشيء"، فإنه ظاهر في أنه لم يكمل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت بلفظ: "أعمى، فأرسل".
وقد جمع ابن خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: "أنكرت بصري" هذا اللفظ يطلق على من في بصره سوء، وإن كان يبصر بصرًا ما، وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئًا. انتهى.
قال الحافظ: والأولى أن يقال: أطلق عليه عمى لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصحة. وبهذا
[ ١٠ / ٣٤ ]
تأتلف الروايات. والله أعلم (^١).
(وأنه قال لرسول الله -ﷺ-) وفي رواية البخاري: أنه أتى رسولَ الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري … الحديث. وفي رواية ثابت، عن أنس، عن عتبان عند مسلم أنه بعث إلى النبي -ﷺ- يطلب منه ذلك.
قال الحافظ ﵀. فيحتمل أن يكون نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، ويحتمل أن يكون أتاه مرة، وبعث إليه أخرى، إما متقاضيًا، وإما مذكرًا. وفي الطبراني عن طريق أبي أويس، عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبي -ﷺ- يوم جمعة: لو أتيتني يا رسول الله. وفيه أنه أتاه يوم السبت. وظاهره أن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقة، لا مجازًا. قاله في الفتح (^٢).
(إِنها) أي القصة (^٣) (تكون الظلمة)، أي توجد؛ فـ "تكون"
_________________
(١) انظر الفتح جـ ٢ ص ٨٣.
(٢) جـ ٢ ص ٨٢ - ٨٣.
(٣) ضمير القصة هو الذي يسمى بضمير الشأن، والفرق بينهما أن ضمير الشأن ما كان للمذكر، وضمير القصة ما كان للمؤنث، وهو ضمير تفسِّره جملة بعده، قال الإمام النحوي اللغوي محمد بن مالك في "الكافية الشافية" (من الرجز): وَمُضْمرُ الشَّأْنِ ضَميرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَإِنَّهُ زيْدٌ سَرَى للابْتدَا أَوْ نَاسَخَاتَه انْتَسَبْ … إِذَا أَتَى مُرْتَفعًا أَوِ انْتَصبْ وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوع فِعْلٍ اسْتَترْ … حَتْمًا وَإِلاَّ فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ فِي بَابِ إِنَّ اسْمًا كَثيرًا يُحْذَفُ … كَإِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ وِجَائزٌ تَأْنيثُهُ مَتْلُوَّ مَا … أُنِّثَ أَوْ تَشْبيه أُنْثَي أَفْهمَا وقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا … تَانيثهُ كَإِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا انتهى "الكافية الشافية" لابن مالك جـ ١ ص ٢٣٣ - ٢٣٤. بنسخة الشرح.
[ ١٠ / ٣٥ ]
تامة، لا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريري في "مُلْحَتِه":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
(والمطر، والسيل) عطف على "الظلمة"، وفي رواية البخاري ذكر الظلمة، والسيل، فقط. فقال الكرماني ﵀ في شرحه: الظلمة هل لها دخل في الرخصة، أم السيل وحده يكفي فيها؟ ثم أجاب بأنه لا دخل لها، وكذا ضرارة البصر، بل كل واحد من الثلاثة عذر كاف في ترك الجماعة، لكن عتبان جمع بين الثلاثة، بيانًا لتعدد أعذاره، ليعلم أنه شديد الحرص على الجماعة، لا يتركها إلا عند كثرة الموانع. اهـ (^١).
(وأنا رجل ضرير البصر) قال المجد ﵀: الضرير: الذاهب البصر، جمعه أضِرَّاء.
وقال ابن منظور: ورجل ضرير بَين الضَّرَارة: ذاهب البصر، والجمع أضِرَّاء، يقال: رجل ضرير البصر، وإذا أضر به المرض، يقال: رجل ضرير، وامرأة ضريرة. وفي حديث البراء: "فجاء ابن أم مكتوم يشكو ضرارته" الضرارة هنا: العمى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن المراد بقوله: "ضرير
_________________
(١) انظر "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٩٣.
(٢) انظر "ق" ص ٥٥٠، و"اللسان" جـ ٤ ص ٢٥٧٣.
[ ١٠ / ٣٦ ]
البصر" أنه أصابه فيه ضرّ، بأن حصل له الضعف، لا أنه عمي بالكلية توفيقًا بين الروايات. فتنبه. والله تعالى أعلم.
(فصل يا رسول الله في بيتي مكانًا، أتخذه) بالرفع على الاستئناف، أو على أنه في محل جر صفة لـ "مكان"، وبالجزم على أنه جواب الطلب (مصلّى) بضم الميم، أي موضعًا للصلاة. وفي رواية معمر الآتية: "فلوددت أنك جئت، فصليت في بيتي مكانًا أتخذه مسجدًا".
(فجاء رسول الله -ﷺ-) وقد تقدم في رواية الطبراني من طريق أبي أويس أن السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجه إليه يوم السبت.
وفي رواية معمر الآتية: أنه جاء معه أبو بكر ﵁.
قال في الفتح: لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره، حتى إن في رواية الأوزاعي: "فاستأذنا، فأذنت لهما"، لكن في رواية أبي أويس: "ومعه أبو بكر، وعمر". ولمسلم من طريق أنس، عن عتبان: "فأتاني، ومن شاء الله من أصحابه".
وللطبراني من وجه آخر عن أنس: "في نفر من أصحابه". فيحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول، أو قبله اجتمع عمر، وغيره من الصحابة، فدخلوا معه. انتهى (^١).
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٨٤.
[ ١٠ / ٣٧ ]
(فقال) -ﷺ-: (أين تحب أن أصلي لك؟) وفي الرواية الآتية (٧٣/ ١٣٢٧): "فغدا عليّ رسول الله -ﷺ-، وأبو بكر ﵁ معه بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي -ﷺ-، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي لك من بيتك … " الحديث.
(فأشار) عتبان ﵁ (إِلى مكان من البيت) وفي رواية معمر: "فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه" (فصلى فيه رسول الله -ﷺ-) أي ركعتين أصحابه جماعةً، ففي رواية معمر الآتية (٤٦/ ٨٤٤)، "فقام رسول الله -ﷺ-، فصفنا خلفه، فصلى بنا ركعتين".
وفي (٧٣/ ١٣٢٧). "فقام رسول الله -ﷺ-، وصففنا خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عتبان بن مالك ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٠/ ٧٨٨)، وفي "الكبرى" (١٠/ ٨٦٣)، عن هارون بن عبد الله، عن معن بن عيسى -وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم- كلاهما عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عنه.
وفي (٤٦/ ٨٤٤)، و"الكبرى" (٤٦/ ٩١٨)، عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب، به.
[ ١٠ / ٣٨ ]
وفي (٧٣/ ١٣٢٧)، و"الكبرى" (١٠٧/ ١٢٥٠) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، به.
وفي "عمل اليوم والليلة" برقم (١١٠٥) عن أبي بكر بن نافع، عن بهز، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن عتبان بن مالك، ولفظه: "حدثني عتبان بن مالك أنه عمي فأرسل إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: تعالَ، فَخُطَّ لي مسجدًا، فجاء رسول الله -ﷺ- وجاء قومه، وتغيب رجل منهم، يقال له مالك بن الدخشم.
قالوا: يا رسول الله إنه وإنه؛ يقعون فيه، فقال رسول الله -ﷺ-: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ " قالوا: إنما يقولها متعوذًا، قال: "والذي نفسي بيده لا يقولها أحد صدقًا، إلا حُرّمت عليه النار".
و(١١٠٦) عن محمد بن علي بن ميمون الرَّقّي، عن القعنبي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، به. ولفظه عن عتبان بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فيدخل النار"، أو "تطعمه النار"، قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه.
و(١١٠٧) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سليمان بن المغيرة، عن أنس، قال: حدثني محمود بن الربيع، قال: حدثنا عتبان بن مالك، فلقيت عتبان بن مالك، فحدثني به أن رسول الله -ﷺ- قال: "ليس أحد يشهد أن لا إله إلا الله، فتأكله النار"،
[ ١٠ / ٣٩ ]
أو "فتطعمه النار". قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: أكتبه، فكتبه.
و(١١٠٩) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: سألت الحصين بن محمد الأنصاري عن حديث محمود؟ فصدقه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في مواضع مطولًا ومختصرًا؛ فأخرجه في "الصلاة" عن حبان بن موسى -وفيه وفي "الرقاق" عن معاذ بن أنس- وفي "الصلاة"، وفي "استتابة المرتدين" عن عبدان -ثلاثتهم عن عبد الله بن المبارك، به. وفي "الصلاة" عن إسماعيل، عن مالك- وعن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه -وفيه وفي "المغازي" عن إبراهيم بن سعد- وفيهما عن سعيد بن عفير -وفي "الأطعمة"، وفي "المغازي" أيضًا عن يحيى بن بكير كلاهما عن الليث، عن عقيل- وفي "المغازي" أيضًا عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس -خمستهم عن الزهري، عن محمود بن الربيع به.
ومسلم في "الصلاة" عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس به. وعن محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري به. وفي الإيمان عن شيبان بن فَرُّوخ، عن سليمان بن المغيرة به.
[ ١٠ / ٤٠ ]
وعن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد به.
وابن ماجه في "الصلاة" عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم بن سعد به.
و"الموطأ" رقم (١٢٤)، وأحمد (٤/ ٤٣، ٤٤)، (٥/ ٤٤٩، ٤٥٠)، وابن خزيمة رقم (١٢٣٠، ١٦٥٣، ١٦٧٣، ١٦٥٤، ١٧٠٩). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده (^١):
منها: ما ترجم له المصنف وهو جواز إمامة الأعمى.
ومنها: جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون ذلك من الشكوى.
ومنها: بيان أنه كان في المدينة مساجد للجماعة سوى مسجده -ﷺ-.
ومنها: جواز التخلف عن الجماعة في الظلمة، والمطر، والسيل، ونحوها من الأعذار.
ومنها: جواز اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي الوارد عن إيطان موضع معين من المسجد، ففيه حديث رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه.
_________________
(١) ليس المراد فوائد المتن الذي ساقه المصنف هنا فقط، بل ما يشمل فوائد الروايات الأخرى التي نبهت عليها في الشرح. فتنبه.
[ ١٠ / ٤١ ]
ومنها: تسوية الصفوف.
ومنها: أن عموم النهي المتقدم في الباب الماضي عن إمامة الزائر لمن زارهم، مخصوص بما إذا كان الزائر هو الإمام الأعظم، فلا ينهى عنه، ومثله من أذن له صاحب المنزل.
ومنها: ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من محبة رسول الله -ﷺ-، وتعظيمهم له، وتبركهم بآثاره، والصلاة في المواضع التي صلى فيها.
ومنها: إجابة الفاضل دعوة المفضول.
ومنها: التبرك بذكر المشيئة، حيث قال النبي -ﷺ-: "سأفعل إن شاء الله".
ومنها: الوفاء بالوعد.
ومنها: جواز استصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن الداعي لا يكره ذلك.
ومنها: مشروعية الاستئذان على الداعي في بيته، وإن تقدم منه طلب الحضور.
ومنها: أن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وقفيته، ولو أطلق عليه اسم المسجد.
ومنها: جواز اجتماع أهل المحلة على الإمام، أو العالم إذا ورد
[ ١٠ / ٤٢ ]
منزل بعضهم، ليستفيدوا منه.
ومنها: التنبيه على من يظن به الفساد في الدين عند الإمام على جهة النصيحة، ولا يعد ذلك غيبة، وأن على الإمام أن يتثبت في ذلك، ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل.
ومنها: أن فيه افتقاد من غاب عن الجماعة بلا عذر،
ومنها: أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد.
ومنها: أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد.
ومنها: مشروعية الجماعة في النوافل.
ومنها: أن المأموم يسلم حين يسلم الإمام.
ومنها: أن رد السلام على الإمام لا يجب.
ومنها: أن العمل الذي يُبْتَغَى به وجه الله تعالى ينجي صاحبه إذا قبله الله تعالى.
ومنها: أن من نَسَبَ من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه، بقرينة تقوم عنده، لا يُكَفَّر بذلك، ولا يُفَسَّق، بل يعذر بالتأويل. والله أعلم، ومنه العون والتوفيق، وعليه التكلان.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في إمامة الأعمى:
قال الحافظ أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم
[ ١٠ / ٤٣ ]
في إمامة الأعمى، فقال كثير منهم: يؤم الأعمى. فممن كان يؤم وهو أعمى ابنُ عباس، وعتبان بن مالك، وقتادة. ثم أخرج بسنده حديثًا عن محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى. وأخرج عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه أمهم في ثوب واحد، وهو أعمى على بساط قد طبق البيت. وأخرج عن الزهري، أنه قال: كان رجال من أهل بدر أصيب أبصارهم يؤمون.
وهو قول القاسم بن محمد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء ابن أبي رباح، والحسن البصري. وهو قول مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وقد روينا عن ابن عباس خلاف القول الأول، فأخرج عن سعيد بن جبير، أنه قال: قال ابن عباس ﵄: كيف أؤمهم، وهم يعدلوني إلى القبلة -حين عمي. وأخرج عن زياد النميري، أنه أتى أنس ابن مالك قال: قلت: ما تقول في الرجل الضرير يؤم أصحابه؟ قال: وما حاجتهم إليه؟
قال ابن المنذر ﵀: إمامة الأعمى كإمامة البصير، لا فرق بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبي -ﷺ-: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة. وقد روينا عن النبي -ﷺ- فيه حديثًا. ثم أخرج بسنده عن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ-
[ ١٠ / ٤٤ ]
استخلف ابن أم مكتوم على المدينة، يصلي بالناس.
قال: وإباحة إمامة الأعمى كالإجماع من أهل العلم، وقد روينا عن ابن عباس ﵄ أنه أمهم، وهو أعمى، وليس في قول أنس ابن مالك: وما حاجتهم إليه؟ نهيًا عن إمامة الأعمى، فيكونَ اختلافًا. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (^١).
ونقل العلامة الشوكاني ﵀ أنه قد صرح أبو إسحاق المروزي، والغزالي بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير؛ لأنه أكثر خشوعًا من البصير، لما في البصير من شغل القلب بالمبصرات. ورجح بعضهم كون إمامة البصير أولى؛ لأنه أشد توقيًا للنجاسة، والذي فهمه المارديني من نص الشافعي ﵀ أن إمامة الأعمى والبصير سواء في عدم الكراهة؛ لأن في كل منهما فضيلة، غير أن إمامة البصير أفضل؛ لأن أكثر مَن جعله النبي -ﷺ- إمامًا البصراءُ، وأما استنابته -ﷺ- لابن أم مكتوم ﵁ في غزاته؛ فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور، فلعله لم يكن في البصراء المتخلفين من يقوم مقامه، أو لم يتفرغ لذلك، أو استخلفه لبيان الجواز. وأما إمامة عتبان ابن مالك ﵁ لقومه فلعله أيضًا لم يكن في قومه من هو في مثل حاله من البصراء. انتهى (^٢).
_________________
(١) الأوسط جـ ٤ ص ١٥٢ - ١٥٤.
(٢) انظر نيل الأوطار جـ ٤ ص ٥٨.
[ ١٠ / ٤٥ ]
وقال في "المنهل": وإلى أولوية البصير بالإمامة ذهبت الحنفية، والحنابلة، والمالكية؛ قالوا: لأنه أقدر على اجتناب النجاسة، واستقبال القبلة باجتهاده، وهذا هو الأرجح. أما استنابته -ﷺ- لابن أم مكتوم، فلعدم وجود من يصلح للإمامة بالمدينة غيره إذ ذاك. ولا يرد وجود علي ﵁ في المدينة حين استخلف النبي -ﷺ- ابن أم مكتوم؛ لأن عليًا كان مشغولًا بالقيام بحفظ من جعله -ﷺ- حافظًا لهم، عن الأهل، حذرًا من أن ينالهم عدوّ بمكروه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح قول من قال: إنَّ إمامةَ الأعمى والبصير سواء، وإنما يرجح أحدهما على الآخر بالمرجح الذي تقدم في قول رسول الله -ﷺ-: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأقدمهم سنًّا .. " الحديث. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) المنهل جـ ٤ ص ٣١٨.
[ ١٠ / ٤٦ ]