أي هذا باب ذكر الحديث الدال على التسهيل في الصلاة خلف الشخص النائم.
والظاهر من الرخصة هنا مطلق الجواز، لا الرخصة المقابلة للنهي السابق؛ إذ لم يصح نهي عن ذلك.
والحديث الوارد في النهي عن الصلاة إلى النائم غير صحيح، وعلى تقدير الصحة لا يعرف تاريخه حتى يقال: نسخ بهذا الحديث. وسيأتي تحقيقه في المسائل، إن شاء الله تعالى.
٧٥٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي، فَأَوْتَرْتُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
[ ٩ / ٤٤٣ ]
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام) بن عروة أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني، ثقة ثبت فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات أجلاء، من رجال الجماعة، إلا شيخه، فإنه من أفراد الشيخين، والمصنف. وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فسرخسي، ويحيى فبصري، وأن فيه رواية الراوي، عن خالته، وأن عروة أحد الفقهاء السبعة، وأن عائشة من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان رسول الله -ﷺ- يصلي من الليل) "من" بمعنى بعض، أي بعض الليل، ويحتمل أن تكون بمعنى "في"، أي يصلي في الليل (وأنا راقدة) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أنا راقدة، و"الراقدة": النائمة، يقال: رَقَدَ
[ ٩ / ٤٤٤ ]
رَقْدًا، ورُقودًا، ورُقَادًا: نام، ليلًا كان، أو نهارًا، وبعضهم يخصه بنوم الليل، والأول هو الحق، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]. قال المفسرون: إذا رأيتهم حسبتهم أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتحة، وهم نيام. قاله الفيومي (^١).
(معترضة بينه وبين القبلة) أي نائمة عَرْضًا، وفي رواية للبخاري: "كان يصلي، وهي معترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة".
يقال: عَرَضَ الشيء يَعرِض، واعترض: انتصب، ومنع، وصار عارضًا، كالخشبة المنتصبة في النهر، والطريق، ونحوها، تمنع السالكين
سلوكها. ويقال: اعترض الشيءُ دون الشيءِ: أي حال دونه. قاله ابن منظور (^٢).
والمراد أنها متوسطة بينه -ﷺ-، وبين قبلته.
(على فراشه) أي الفراش الذي ينام عليه، ففي رواية أبي داود: "على الفراش الذي يرقد عليه".
(فإِذا أراد أن يوتر أيقظني، فأوترت) فيه أن عائشة كانت تؤخر الوتر اعتمادًا على أنه -ﷺ- يوقظها. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) المصباح جـ ١ ص ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٢) لسان جـ ٤ ص ٢٨٨٦.
[ ٩ / ٤٤٥ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة -﵂- هذا أخرجه البخاري، في "الصلاة"، وفي الوتر عن مسدد، عن يحيى القطان. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٠/ ٧٥٩)، وفي "الكبرى" (٩/ ٨٣٥) عن عبيد الله ابن سعيد، عن يحيى القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. والله أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة خلف النائم:
الصلاة خلف النائم جائزة عند الجمهور؛ لحديث الباب، وأما ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: "لا تصلوا خلف النائم، ولا المتحدث". فحديث ضعيف باتفاق الحفاظ، كما قاله النووي.
وقال الخطابي: هذا حديث لا يصح عن النبي -ﷺ- لضعف سنده. وعبد الله بن يعقوب لم يُسَمِّ من حدثه، عن محمد بن كعب، وإنما رواه عن محمد بن كعب رجلان كلاهما ضعيفان، تمام بن بَزِيع، وعيسى بن ميمون، وقد تكلم فيهما يحيى بن معين، والبخاري.
ورواه أيضًا عبد الكريم أبو أمية، عن مجاهد، عن ابن عباس،
[ ٩ / ٤٤٦ ]
وعبد الكريم متروك الحديث. قال أحمد: ضربنا عليه، فاضربوا عليه، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، ولا يحمل عنه. اهـ (^١).
وأخرج الحديث أيضًا ابن ماجه، وفي سنده أبو المقدام هشام بن زياد البصري، ولا يحتج بحديثه. قاله المنذري.
وقال مالك: لا يصلي إلى نائم إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاوس، قال ابن بطال: كرهت طائفة من العلماء الصلاة خلف النائم خوف ما يحدث منه، فيشغل المصلي، أو يضحكه، فتفسد صلاته. وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إليّ من أن أصلي وراء نائم. قال ابن بطال: والقول الأول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة. اهـ.
وقال الخطابي: فأما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها الشافعي، وأحمد من أجل أن كلامهم يشغل المصلي. وكان ابن عمر لا يصلي خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن قول الجمهور بجواز الصلاة خلف النائم من غير كراهة هو الصحيح؛ لصحة دليله من غير معارض. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) معالم السنن جـ ١ ص ٣٤١ - ٣٤٢.
(٢) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٨٨.
[ ٩ / ٤٤٧ ]