أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان المحل الذي تشد إليه الرحال من المساجد.
والرِّحَال -بالكسر-: جمع رَحْل -بفتح، فسكون- مثل سهم، وسهام، ويجمع على أرْحُلٍ، مثل أسْهُمٍ، وهو كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ. أفاده الفيومي.
وشد الرحال: كناية عن السفر. والله تعالى أعلم.
٧٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن منصور) الخُزَاعي الجَوَّاز المكي، ثقة، من [١٠] تقدم في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي المكي الإمام الحجة المثبت، من [٨] تقدم في ١/ ١.
[ ٨ / ٥٧٠ ]
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الحجة الثبت، الإمام، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٤ - (سعيد) بن المسيب المدني الإمام الفقيه، الحجة، من [٢] تقدم ٩/ ٩.
٥ - (أبو هريرة) - ﵁ -، تقدم في ١/ ١.
ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) - ﵁ - (عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: لا تشد الرحال) بضم أوله، بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصت به.
والرِّحال: جمع رَحْل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي، في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه "إنما يسافر" أخرجه مسلم من طريق عمران بن أبي أنس، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة. قاله في "الفتح".
(إِلا إِلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ، والتقدير: لا تشد
[ ٨ / ٥٧١ ]
الرحال إلى موضع، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام. قال الحافظ: لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص، وهو المسجد، كما سيأتي. انتهى.
قال الجامع: والأول أولى.
(مسجد الحرام) بالجر على البدلية، ويجوز الرفع على الاستئناف، أي أحدها المسجد الحرام، كما في رواية أخرى، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو مذهب الكوفيين، والبصريون يمنعونه، ويتأولون ما ورد من ذلك بإضمار مضاف، كما تقدم الكلام عليه.
وفي الفتح: قوله: المسجد الحرام، أي المحرم، وهو كقولهم الكتاب، بمعنى المكتوب، والمراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلى فيه، دون البيوت، وغيرها من أجزاء الحرم.
وقال الطبري: ويتأيد بقوله: "مسجدي هذا" لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك. وقيل: المراد به الكعبة. حكاه المحب الطبري، وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائي بلفظ "إلا الكعبة"، وفيه نظر؛ لأن الذي عند النسائي "إلا مسجد الكعبة" حتى ولو سقطت لفظة مسجد لكانت مرادة، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له: هذا الفضل في المسجد وحده، أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد. انتهى ما في "الفتح" جـ ٣ ص ٧٧ - ٧٨.
[ ٨ / ٥٧٢ ]
(ومسجدي هذا) -وإعرابه كسابقه- المراد به مسجد الصلاة خاصة، لا كل الحرم. قاله في الزهر.
(ومسجد الأقصى) هو أيضًا من إضافة الموصوف إلى الصفة، والمراد به بيت المقدس.
قال في "الزهر": قال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرحال إليها لذاتها بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٠/ ٧٠٠)، و"الكبرى" (١٠/ ٧٧٩) عن محمد بن منصور الجوَّاز، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في أواخر "الصلاة" عن علي بن عبد الله، عن ابن عيينة به.
[ ٨ / ٥٧٣ ]
ومسلم في "الحج" عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب كلاهما عن ابن عيينة به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن
معمر، عن الزهري به.
وأبو داود فيه عن مسدد، عن ابن عيينة به.
وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
وأخرجه أحمد (٢/ ٢٣٤، ٢٣٨، ٢٧٨)، والحميدي رقم (٩٤٣). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: بيان فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس جميعًا، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأم السالفة، والثالث أسس على التقوى.
ومنهما: أن من نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها يلزمه الوفاء به؛ لأنه طاعة، والطاعة تلزم بالنذر. وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء فيه في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة للصلاة لا يلزمه الوفاء به؛ لأنها لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة السابعة.
المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم في حكم شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة، لقصد التعبد فيها بالصلاة، أو غيرها، فقال
[ ٨ / ٥٧٤ ]
الشيخ أبو محمد الجويني: يحرم شد الرحال إلى غيرها، عملًا بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضي حسين من الشافعية إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة.
ويدل عليه ما يأتي للمصنف في الجمعة (٤٥/ ١٤٣٠) من إنكار بصرة بن أبي بصرة الغفاري - ﵁ - على أبي هريرة ﵁، حين لقيه راجعًا من الطور، وكان قد أتى إليه ليصلي فيه، فقال له: لو لقيتك من قبل أن تأتيه لم تأته، قال أبو هريرة: وَلمَ؟ قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تُعْمَلُ المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس". . . الحديث. فاستدل به بصرة على إنكاره إتيانه الطور، فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة.
قال في "الفتح": والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة: منها أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد، بخلاف غيرها، فإنه جائز، وقد وقع في رواية لأحمد بلفظ "لا ينبغي للمطي أن تعمل"، وهو لفظ ظاهر في غير التحريم.
قال الجامع عفا الله عنه: فيه نظر، إذ هو ظاهر في المنع والتحريم، فقد كثر استعمال الشرع له في ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وكما في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري "شتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن
[ ٨ / ٥٧٥ ]
يشتمني". .. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وقال: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] وبالجملة فهذه اللفظة في استعمال الشرع عظيمة الشأن. فالقول بأنها ظاهر في غير التحريم غير صحيح. والله أعلم.
ومنها: أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به. قاله ابن بطال.
وقال الخطابي: اللفظ لفظ الخبر، ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها، أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة.
قال الجامع: هذا التخصيص لا دليل عليه، بل الظاهر إجراء عموم النص على ظاهره، فيعم النذر وغيره. والله أعلم.
ومنها: أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرجال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه المساجد الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح، أو قريب، أو صاحب، أو طلب علم، أو تجارة، أو نزهة، فلا يدخل في النهي.
قال الحافظ: ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب، قال: سمعت أبا سعيد، وذكرت عنده الصلاة في الطور، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
[ ٨ / ٥٧٦ ]
وشهر حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف.
ومنها: أن المراد قصدها بالاعتكاف، فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال: لا يعتكف في غيرها، وهو أخص من الذي
قبله. قال الحافظ: ولم أر عليه دليلًا.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي مذهب الأولين، وهو أن النهي للتحريم عمومًا، فيحرم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة،
إلا ما خُصَّ بالدليل، كالسفر للجهاد، والتجارة، وطلب العلم، ونحو ذلك. والله أعلم.
المسألة السادسة: اختلف أهل العلم فيمن نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة:
فقال بوجوب الوفاء: مالك، وأحمد، والشافعي، والبويطي ﵏، واختاره أبو إسحاق المروزي -﵀-.
وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا.
وقال الشافعي -﵀- في الأم: يجب في المسجد الحرام، لتعلق النسك به، بخلاف المسجدين الآخرين، قال الحافظ: وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعي.
قال ابن التين: والحجة على الشافعي أن إعمال المطي إلى مسجد المدينة، والمسجدالأقصى، والصلاة فيهما قربة، فوجب أن يلزم
[ ٨ / ٥٧٧ ]
بالنذر، كالمسجد الحرام.
وقال ابن المنذر -﵀-: يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر - ﵁ -: "أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: "صل ها هنا".
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي قول الأولين، لحديث الباب، إذ شد الرحل إلى هذه المساجد مشروع، ومن نذر أن يطيع الله في المشروع لزمه الوفاء به، لما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ -، قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه".
والحاصل: أن من نذر السفر إلى أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه الوفاء به. والله أعلم.
المسألة السابعة: من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة لصلاة أو لغيرها لا يلزمه الوفاء به؛ لأنه لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان.
قال النووي -﵀-: لا اختلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به. وعن الحنابلة رواية يلزمه كفارة يمين، ولا ينعقد نذره، وعن المالكية رواية إن تعلقت به عبادة تختص به، كرباط لزم، وإلا فلا، وذكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه يلزم في مسجد
[ ٨ / ٥٧٨ ]
قباء؛ لأن النبي - ﷺ - "كان يأتيه كل سبت".
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما كان من غير شد رحل يلزم الوفاء به، لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وقوله - ﷺ -: "أوْفِ بِنذرك". فالوفاء بالنذر واجب بالنص، إلا أن يكون في أحد المساجد الثلاثة، فيكفيه أن يصلي ما نذره في غيرها، لكونها أفضل، وقد تقدم أنه - ﷺ - أمر من نذر أن يصلي في بيت المقدس بالصلاة في مسجده، لكونه أفضل. والله أعلم.
المسألة الثامنة: أنه قد وقع نزاع في شد الرحال لزيارة قبر النبي - ﷺ -، فقال بتحريمه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، واحتج على ذلك بحديث الباب، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي ﵀، وألف في ذلك كتابًا، وانتصر الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي -﵀- لابن تيمية، ورد على السبكي، وألف في ذلك كتابًا.
وخلاصة القول: أن شيخ الإسلام لا يقول بتحريم الزيارة مطلقًا، بل يقول باستحبابها، وإنما يقول بتحريم شد الرحال إليها، لحديث الباب. وقد يتوهم بعض الجهالة أنه يقول بتحريم الزيارة مطلقًا، وهذا خطأ عليه. فتنبه.
قال الجامع عفا الله عنة: عندي أن الأولى أن ينوي المسجد عند شد الرحل، فإذا وصل هناك توجه للزيارة لأنها مشروعة في أصلها
إجماعًا، فهذا أسلم، استبراء لدينه، وقد أخرج الشيخان عن النعمان
[ ٨ / ٥٧٩ ]
ابن بشير - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: "ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٥٨٠ ]