أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على حكم إمامة الغلام قبل البلوغ.
و"الغلام" -بضم المعجمة- الطارُّ الشاربِ، والكَهْلُ ضِدٌّ، أو من حين يولد إلى أن يَشِبّ، جمعه: أغْلِمَة، وغِلْمَة، وغِلْمَان، وهي غُلامة. قاله المجد (^١).
وقال الفيّومي: الغلام: الابن الصغير، وجمع القلة: غِلْمَة -بالكسر، وجمع الكثرة: غِلْمَان، ويطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخ، مجازًا باسم ما يئول إليه، وجاء في الشعر: غلامة -بالهاء- للجارية؛ كقول أوس بن غَلْفَاء الهُجَيمي، يصف فرسًا (من الوافر):
وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحيٌّ أَبُوهَا … يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ
قال الأزهري: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاش في كلامهم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: المراد به هنا المميز الذي يعقل أحكام
_________________
(١) "ق" ص ١٤٧٥.
(٢) المصباح ببعض زيادة جـ ٢ ص ٤٥٢.
[ ١٠ / ٤٧ ]
الصلاة، لا الصغير الذي لا تمييز عنده، فلا خلاف في عدم صحة الصلاة خلفه، فتنبه.
و"الاحتلام": البلوغ، يقال: حَلَمَ الصبي، يَحْلُم، من باب قتل، واحتلم، يحتلم: إذا أدرك، وبَلَغَ مَبْلَغ الرجال، فهو حالم، ومحتلم. أفاده في "المصباح" (^١).
٧٨٩ - أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ الْجَرْمِيُّ، قَالَ: كَانَ يَمُرُّ عَلَيْنَا الرُّكْبَانُ، فَنَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ الْقُرْآنَ، فَأَتَى أَبِي النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَجَاءَ أَبِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا"، فَنَظَرُوا، فَكُنْتُ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ، وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (موسى بن عبد الرحمن المسروقي) الكندي، أبو عيسى
_________________
(١) جـ ١ ص ١٤٨.
[ ١٠ / ٤٨ ]
الكوفي، ثقة، مات سنة ٢٥٨، من كبار [١١]، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٧٤/ ٩١.
٢ - (حسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرىء، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٣ أو ٢٠٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١.
٣ - (زائدة) بن قُدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سُنَّة، مات سنة ١٦٠ وقيل: بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الكوفي، مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٥ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني، الإمام الفقيه الحجة الثبت، مات سنة ١٣١، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٨.
٦ - (عمرو بن سَلِمَة الجرمي)، أبو بُرَيد، ويقال: يزيد، صحابي صغير نزل البصرة ﵁، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ٨/ ٦٣٦.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عمرو بن سَلِمَة ﵄ أخرجه البخاري، وقد تقدم شرحه، وما يتعلق به من المسائل برقم (٨/ ٦٣٦) و(١٦/ ٧٦٧) مُستَوفًى، فلا حاجة إلى تطويل
[ ١٠ / ٤٩ ]
الكتاب بإعادته.
وإنما أذكر هنا ما لم يُذكَرْ هناك، وهو ما ترجم له المصنف، من حكم إمامة الغلام قبل أن يحتلم، فأقول.
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف الناس في إمامة غير البالغ؛ فقالت طائفة بظاهر حديث عمرو بن سِلمة.
ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الأشعث قَدَّمَ غلامًا، فقيل له؟، فقال: إنما أقدم القرآن، وأخرج أيضًا عن عكرمة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من الكُتَّاب، فنقدمهم يصلون لنا شهر رمضان، ونعمل لهم القَلِيَّةَ (^١)، والخَشْكُنَان (^٢).
قال: وممن كان يرى ذلك جائزًا، الحسن البصري، وإسحاق، وأبو ثور. وقال الزهري: إن اضطروا إليه أمهم.
وكرهت طائفة إمامة من لم يبلغ، كره ذلك عطاء، والشعبي، ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وذكر لأحمد حديث عمرو بن سَلِمَة؟ فقال: دعه، ليس هو شيء بَين، حيث أن نقول
_________________
(١) "القلية" كعطيّة: والجمع قَلَايَا: مرقة تتخذ من لحوم الجزور، وأكبادها. أفاده في اللسان جـ ٥ ص ٣٧٣٢.
(٢) "الخَشْكُنَان": خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة، وتملأ بالسكر، واللوز، أو الفستق، وتقلى. فارسي. قاله في المعجم الوسيط ١/ ٢٣٦.
[ ١٠ / ٥٠ ]
فيه شيئًا، وقال الأوزاعي: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم، إلا أن يكونوا قومًا ليس معهم من القرآن شيء، فإنه يؤمهم الغلام المراهق. وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم.
وفيه قول ثالث، وهو أن لا تجزىء الجمعة خلف الإمام الذي لم يحتلم، ويؤم في سائر الصلوات. هذا قول الشافعي آخر قوله، وكان يقول إذ هو بالعراق: ومن أجزأت إمامته في المكتوبة أجزأت إمامته في الجُمَع، والأعياد، غير أني أكره في الجُمَع والأعياد إمامةَ غير الوالي.
قال ابن المنذر ﵀: إمامة غير البالغ جائزة إذا عقل الصلاة، وقام بها، لدخوله في جملة قول النبي -ﷺ-: "يؤم القوم أقرؤهم … "، لم يذكر بالغًا، ولا غير بالغ، والأخبار على العموم، لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث عن رسول الله -ﷺ-، أو إجماع، لا أعلم شيئًا يوجب بدفع حديث عمرو بن سَلِمَة، ويدخل في قول النبي -ﷺ-: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … " تقديم الابن على الأب إذا كان أقرأ منه (^١). انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر ﵀ من جواز إمامة الصبي المميز هو المختار، لقوة دليله. وإمامة عمرو بن
_________________
(١) الأوسط جـ ٤ ص ١٥٠ - ١٥٢.
[ ١٠ / ٥١ ]
سلمة أوضح دليل عليه، وأما ما قيل: إنه ليس فيه اطلاع النبي -ﷺ-. فأجيب بأن إمامته بهم كانت في حال نزول الوحي، ولا يقع حالَه التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ، ولذا استدل أبو سعيد الخدري، وجابر ﵄ على جواز العزل بمثل ذلك، فقالا: "كنا نعزل، والقرآن ينزل".
قال العلامة الشوكاني ﵀: وقد قيل: إن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة. ورد بأن قوله: "صلوا صلاة كذا في حين كذا". يدل على أن ذلك كان في فريضة. وأيضًا قوله. "فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم". لا يحتمل غير الفريضة؛ لأن النافلة لا يشرع لها الأذان.
ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور ما روي عن أحمد ابن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو بن سلمة، روى ذلك عنه الخطابي في المعالم. ورد بأن عمرو بن سلمة صحابي مشهور، قال في التقريب: صحابي صغير نزل البصرة. وقد روي ما يدل على أنه وفد على النبي -ﷺ-، كما تقدم.
وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة، وهو لا يجوز، فهو من الغرائب، وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال
[ ١٠ / ٥٢ ]
جلوسًا. زاد أبو داود "من ضيق الأزر". انتهى (^١).
والحاصل أن المذهب الراجح هو جواز إمامة الغلام المميز، لما ذكر. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٦٥.
[ ١٠ / ٥٣ ]