أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية اتخاذ محل عبادة اليهود والنصارى مساجد للمسلمين.
والبِيَعُ -بكسر، ففتح-: جمع بِيعَة -بكسر، فسكون- وهي كنيسة النصارى، وقيل: كنيسة اليهود. قاله في "اللسان".
٧٠١ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ مُلَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَبَايَعْنَاهُ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ فِي إِدَاوَةٍ، وَأَمَرَنَا، فَقَالَ: "اخْرُجُوا، فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا"، قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ يَنْشَفُ؟ فَقَالَ: "مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلاَّ طِيبًا، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا بَلَدَنَا، فَكَسَرْنَا بِيعَتَنَا، ثُمَّ نَضَحْنَا مَكَانَهَا، وَاتَّخَذْنَاهَا
[ ٨ / ٥٨١ ]
مَسْجِدًا، فَنَادَيْنَا فِيهِ بِالأَذَانِ، قَالَ: وَالرَّاهِبُ رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ، فَلَمَّا سَمِعَ الأَذَانَ قَالَ: دَعْوَةُ حَقٍّ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ تَلْعَةً مِنْ تِلَاعِنَا، فَلَمْ نَرَهُ بَعْدُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (هناد بن السري) أبو السري الكوفي، ثقة، من [١٠] تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٢ - (ملازم) بن عمرو بن عبد الله بن بدر أبو عمرو اليمامي، صدوق، من [٨] تقدم في ١١٩/ ١٦٥.
٣ - (عبد الله بن بدر) بن عميرة الحنفي السُّحَيْمِي اليمامي، ثقة، من [٤] تقدم في ١١٩/ ١٦٥.
٤ - (قيس بن طلق) بن علي الحنفي اليمامي، صدوق، من [٣]، تقدم في ١١٩/ ١٦٥.
٥ - (طلق بن علي) بن المنذر الحنفي السُّحَيْمِي، أبو علي صحابي له وفادة، - ﵁ -، تقدم في ١١٩/ ١٦٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم موثقون، وأنهم من رجال الأربعة، إلا
[ ٨ / ٥٨٢ ]
شيخه، فأخرج له مسلم، وأخرج له البخاري في خلق أفعال العباد.
ومنها: أنه مسلسل باليماميين، إلا شيخه، فكوفي.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، قيس عن طلق، ورواية الراوي عن جده، ملازم عن عبد الله بن بدر، قيل: إنه ابن ابنه، وقيل ابن بنته. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن طلق بن علي) الحنفي اليمامي - ﵁ -، أنه (قال: خرجنا وَفْدًا) بفتح فسكون: وهو هنا جمع وافد، كصاحب، وصحب، يقال: وَفَدَ إليه، وعليه، يَفدُ، وَفْدًا، وَوُفُودًا، وَوفَادَةً: قَدِمَ، وورَدَ. وأوفده عليه، وإليه، وهم وُفُودٌ، وَوَفْدٌ، وأوفَادٌ، وَوُفَّدٌ. قاله المجد.
وفي اللسان: قيل: الوفد الرُّكبان المكرمون. قال الأصمعي: وقد فلان، يفد وِفَادة: إذا خرج إلى ملك، أو أمير. وقال الجوهري: وقد فلان إلى الأمير: أي ورد رسولًا. انتهى باختصار.
ونصبه على الحال من الفاعل، أي خرجنا حال كوننا وافدين، أي مرسلين من قومنا (إِلى النبي - ﷺ -) متعلق بخرجنا، أو بوفد (فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن) بفتح الهمزة، لكونه مفعولًا ثانيًا لأخبر (بأرضنا بيعة لنا) بكسر الباء، وسكون الياء، وتجمع على بِيَعٍ، مثل سِدْرَة، وَسِدَرٍ، وهي مَعْبَدُ النَّصَارَى، قاله في
[ ٨ / ٥٨٣ ]
المصباح، و"ق"، وزاد في اللسان: وقيل: كنيسة اليهود. كما تقدم في أول الباب.
(فاستوهبناه من فضل طَهوره) أي طلبنا منه أن يعطينا بعض فضل طهوره، بفتح الطاء.
قال السندي: والظاهر أن المراد ما استعمله في الوضوء، وسقط من أعضائه الشريفة، ويحتمل أن المراد ما بقي في الإناء عند الفراغ من الوضوء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح، لقوله: "فتوضأ، وتمضمض، ثم صبه في إداوة" إلخ، فإنه ظاهر في كونه هو الماء الذي استعمله في الوضوء. فتنبه. والله أعلم.
(فدعاء بماء، فتوضأ، وتمضمض) يحتمل أن يريد به المضمضة التي في الوضوء، وأن يريد أنه تمضمض بعد الوضوء، وفي رواية أحمد جـ ٤ ص ٢٣ "فلما ودعنا أمرني، فأتيته بإداوة من ماء، فحثا منها، ثم مج فيها ثلاثًا، ثم أوكاها". . . وهذا يؤيد كون المضمضة مستقلة. والله أعلم.
(ثم صبه) أي صب ما توضأ، وتمضمض به (في إِداوة) بالكسر: المِطْهَرَة، وجمعها الأدَاوَى. كما في المصباح (وأمرنا) أي بالخروج، والكسر، والنضح، واتخاذ المسجد مكان البيعة، فجملة قوله (فقال: اخرجوا إِلخ) تفسير للأمر. أي قال: اخرجوا إلى بلدكم (فإِذا أتيتم
[ ٨ / ٥٨٤ ]
أرضكم) أي اليمامة (فاكسروا بِيعَتَكم) أي محل عبادتكم (وانضحوا) من باب ضرب، ونفع، من النضح، وهو البَلُّ بالماء، والرَّشُّ. كما في المصباح (مكانها) منصوب على الظرفية، متعلق بانضحوا، أي رُشُّوا محل البِيعَة (بهذا الماء) إزالة لأثر الشرك، وفيه التبرك بآثار رسول الله - ﷺ - (واتخذوها مسجدًا) أي اجعلوا مكان البيعة محلًا لعبادة الله تعالى، فيه مشروعية اتخاذ محل عبادة غير الله محلًا لعبادة الله تعالى.
(قلنا: إِن البلد بعيد، والحر شديد) بنصب الحر عطفًا على اسم "إن"، وفيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو
جائز بالاتفاق.
ويجوز رفعه على أنه مبتدأ، و"شديد" خبره، كما قال في الخلاصة:
وَجَائِزٌ رَفْعكَ مَعْطوفًا عَلَى … مَنْصُوبِ "إنَّ" بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا
وعلى هذا فهو من عطف الجملة على الجملة.
(والماء ينشف) وإعرابه كسابقه، و"ينشف" بفتح الشين، نَشَفًا، من باب "تعب"، ونَشْفًا، كفَلْسٍ: أي يَيْبَسُ، ويَجِفُّ.
(فقال) - ﷺ - (مدوه) أي زيدوا عليه (من الماء، فإِنه لا يزيده إِلا طيبًا) قال السندي -﵀-: الظاهر أن المراد أن فضل الطهور لا يزيد الماء الزائد إلا طيبًا، فيصير الكل طيبًا، والعكس غير مناسب،
[ ٨ / ٥٨٥ ]
فليتأمل. انتهى.
(فخرجنا) أي من المدينة (حتى قدِمنا) بكسر الدال (بلدنا) أي اليمامة (فكسرنا بِيعَتَنَا، ثم نضحنا مكانها) أي محل البيعة بذلك الماء، (واتخذْناها مسجدًا) أي جعلنا البيعة محل صلاة (فنادينا فيه) أي في ذلك المسجد (بالأذان، قال) طلق ﵁ (والراهب رجل من طيئ) والراهب اسم فاعل مِنْ رَهِبَ، رَهَبًا، من باب تَعِبَ: إِذَا خاف، والاسم الرَّهْبَةُ، وجمع الراهبَ: رُهْبَان -بضم، فسكون- وربما قيل: رَهَابين -بفتحتين- وَتَرهَّبَ الراهب: انقطع للعبادة. أفاده في المصباح.
والمعنى أن الرجل الذي انقطع للعبادة في تلك البِيعَة كان من قبيلة طيىء.
(فلما سمع الأذان، قال: دعوة حق) خبر لمحذوف، أي هذه الكلمات دعوة حق.
ثم إنه يحتمل أنه آمن، وإنما ذهب إلى التلاع طلبًا للبعد عن الناس لئلا يشغلوه عن عبادته، ويحتمل أنه على دينه، وإنما قال ذلك اعترافًا يكون الأذان دعوة حق، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وهذا هو الظاهر؛ لأنه يدل عليه هروبه إلى التلعة. والله أعلم.
[ ٨ / ٥٨٦ ]
(ثم استقبل تَلْعَة من تِلاعنَا) يقال: استقبلت الشيء: إذا واجهته، فهو مُسْتَقْبَلٌ -بالفتح- والتَّلْعَة -بفتح، فسكون- مَجرى الماء من أعلى الوادي، والجمع: تِلاع، مثل كَلْبَةً، وكلاب، والتلعة، أيضًا: ما انهبط من الأرض، فهو من الأضداد. قاله الفيومي.
وقال المجد: التلعة: ما ارتفع من الأرض، وما انهبط منها، ضدّ، جمعه تَلَعَات، وتِلاع. انتهى.
وكلا المعنيين هنا محتمل، أي توجه إلى جبل من جبالنا، أو توجه إلى واد من أوديتنا.
(فلم نره بعد) من الظروف المبنية على الضم لقطعة عن الإضافة لفظًا، أي لم نر ذلك الراهب بعد ذلك اليوم. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث طلق بن علي - ﵁ - صحيح. وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (١١/ ٧٠١)، و"الكبرى" (١١/ ٧٨٠) عن هناد ابن السري، عن ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي - ﵁ -. وأخرجه أحمد في "مسنده" جـ ٤ ص ٢٣.
[ ٨ / ٥٨٧ ]
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو استحباب اتخاذ البيع مساجد، تغييرًا لأثر الشرك.
ومنها: أن فيه التبرك بآثار النبي - ﷺ -.
ومنها: أن خلط الماء المبارك كماء زمزم بماء آخر لا يخرجه عن خاصيته، إذ بركته تعود عليه، فما يفعله بعض الحجاج عند رجوعهم
إلى بلدهم من زيادة الماء على ما يحملونه من زمزم ليتكاثر فيمكنهم المواساة به لأقاربهم، وأصحابهم شيء مستحسن. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٥٨٨ ]