٧٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (علي بن جُحْر) السعدي المروزي، ثقة، تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، توفي سنة ١٩٤، من [٨]، أخرج له الجماعة تقدم في ٥/ ٤٥٤.
٣ - (ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، توفي سنة بضع وخمسين ومائة، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٩٥.
٤ - (بُسر بن عبيد الله) الحضرمي الشامي، ثقة حافظ، من [٤]، أخرج له الجماعة.
روى عن واثلة، وعمرو بن عبَسَة، ورُويفع بن ثابت، وعبد الله بن
[ ٩ / ٤٤٨ ]
مُحَيريز، وأبي إدريس الخَوْلاني، وغيرهم. وعنه عبد الله بن العلاء بن زبر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وزيد بن واقد، وغيرهم. قال العجلي، والنسائي: ثقة. قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس. وقال مروان بن محمد: من كبار أهل المسجد ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة.
٥ - (واثلة بن الأسقع) (^١) بن كعب بن عامر بن ليث بن عبد مناة.
ويقال: ابن الأسقع بن عبد الله بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث، أبو الأسقع، ويقال: أبو قرصافة، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو الخطاب، ويقالى: أبو شداد الليثي، أسلم قبل تبوك، وشهدها، روى عن النبي -ﷺ-، وعن أبي مرثد الغنوي، وأبي هريرة، وأم سلمة. وعنه ابنته فسيلة، ويقال: حصيلة، ويقال: جميلة، وأبو إدريس الخولاني، وبُسْر بن عبيد الله الحضرمي، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان من أهل الصفة، فلما قبض رسول الله -ﷺ- خرج إلى الشام. وقال أبو حاتم: نزل الشام. وكان يشهد المغازي بدمشق، وحمص. وقال أبو الحسن بن سميع، عن دُحَيم: مات بدمشق في خلافة عبد الملك. وقال أبو المغيرة، عن ابن عياش، عن سعيد بن خالد: مات سنة ٨٣ وهو ابن ١٠٥، وكذا قال الدوري وغيره
_________________
(١) بقاف بعد السين المهملة.
[ ٩ / ٤٤٩ ]
عن ابن معين. وقال أبو مسهر، وجماعة: مات سنة خمس.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة: كان آخر الصحابة موتًا بدمشق. أخرج له الجماعة.
قال الحافظ ﵀: صحح ابن عبد البر ﵀ القول الثاني في نسبه. وهو الصواب، أو يكون سقط من الأول عدة آباء. وحكى ابن أبي خيثمة أنه واثلة بن عبد الله بن الأشج. وقال البخاري: قال بعضهم: كنيته: أبو قرصافة، وهو وهم (^١).
٦ - (أبو مرثد الغَنَوِيّ) كَنَّاز (^٢) بن الحُصَين، ويقال: ابن حصين ابن يَربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طَريف بن جلان بن غَنْم بن غَنِيّ بن أعصُر بن سَعْد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد. أبو مرثد بن أبي مرثد، وجد أُنَيس بن مرثد بن أبي مرثد، وثلاثتهم لهم صحبة، وهو حليف حمزة بن عبد المطلب، وكان تربه.
قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بدري بن بدري إلا مرثد بن أبي مرثد. روى عن النبي -ﷺ- حديثًا واحدًا. وروى عنه واثلة بن الأسقع. قال الواقدي: توفي سنة ١٢ من الهجرة. زاد غيره: بالشام في خلافة أبي بكر الصديق. واستشهد ابنه مرثد بن أبي مرثد يوم الرجيع في حياة
_________________
(١) تهذيب التهذيب جـ ١١ ص ١٠١ - ١٠٢.
(٢) "أبو مرثد"، بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلثة، و"كناز" بتشديد النون، وآخره زاي. ت. و"الغنوي" بفتح الغين المعجمة. صه.
[ ٩ / ٤٥٠ ]
رسول -ﷺ-.
روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (^١). قال الحافظ: آخى النبي -ﷺ- بينه، وبين عبادة بن الصامت (^٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، فكل رواته شاميون إلا شيخ المصنف، فمروزي، فبغدادي.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي.
ومنها: أن أبا مرثد من المقلين، ليس له غير حديث واحد، وهو حديث الباب، كما مر قرييًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي مَرْثَد) كَنَّاز بن الحصين. (الغَنَوي) نسبة إلى غَنِيّ أحد أجداده كما مر في نسبه؛ لأن القاعدة في النسبة إلى فَعِيل معتلِّ اللام، كغَنِيّ، وعَديّ، وفُعَيل، كقُصَيّ، وجوب حذف يائه، وفتح عينه، فتقول: غَنَويّ، وعَدَويّ، وقُصَويّ، كما قال في "الخلاصة":
_________________
(١) تهذيب الكمال جـ ٢٤ ص ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) تهذيب التهذيب جـ ٨ ص ٤٤٨.
[ ٩ / ٤٥١ ]
وَفَعَلِيُّ فِي فَعِلَةَ الْتُزِمْ … وَفُعَلِيٌّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ
وَأَلْحَقُوا مُعَلَّ لَامٍ عَرِيَا … مِنَ الْمِثَالَيْنِ بِمَا التَّا أُولِيَا
أنه (قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تُصلّوا إلى القبور) أي بالاستقبال إليها؛ لما فيه من التشبه بعبادتها. قاله السندي ﵀ (^١).
وقال النووي ﵀: فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر. قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس (^٢).
قال الجامع: ظاهر النهي للتحريم، إذ لا صارف له، فلا تصح إلى القبر مطلقًا. والله أعلم.
(ولا تجلسوا عليها") قال السندي ﵀: الظاهر أن المراد بالجلوس معناه المتعارف، وقيل: كناية عن قضاء الحاجة. والله أعلم. وفيه تحريم الجلوس على القبور. وسيأتي تمام البحث فيه في كتاب الجنائز برقم (١٠٥/ ٢٠٤٤) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي مرثد الغَنَويّ أخرجه مسلم.
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٦٧.
(٢) شرح مسلم جـ ٧ ص ٣٨.
[ ٩ / ٤٥٢ ]
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١١/ ٧٦٠) وفي "الكبرى" (١٠/ ٧٣٦) عن علي بن حُجْر، عن الوليد بن مسلم، عن بُسْر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغَنَويّ ﵁. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي: فأخرجه مسلم في "الجنائز" عن علي بن حجر، بسند المصنف بلفظ "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" … وعن الحسن بن الربيع البجلي، عن ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن واثلة، عن أبي مرثد الغنوي، بلفظ المصنف.
وأبو داود فيه عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناد الوليد بن مسلم.
والترمذي فيه عن هناد بن السَّرِيّ، وعن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي -كلاهما عن عبد الله بن المبارك به. وعن علي ابن حجر، وأبي عمار الحسين بن حريث، كلاهما عن الوليد بن مسلم به. وقال: قال محمد بن إسماعيل: حديث ابن المبارك خطأ، إنما هو عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة. هكذا روى غير واحد، عن ابن جابر، وبُسرٌ سمع من واثلة.
[ ٩ / ٤٥٣ ]
قال أبو الحسن الدارقطني: زاد ابن المبارك في إسناد هذا الحديث: "أبا إدريس الخولاني" ولا أحسبه إلا أدخل حديثًا في حديث؛ لأن وهيب بن خالد رواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ-. ذكره الحافظ المزيّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في
مقدمته رواية ابن المبارك المذكورة مثالًا للمزيد في متصل الأسانيد، وهاك نصه:
(النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في متصل الأسانيد) مثاله ما روى عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس، يقول: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
فذكر سفيان في هذا الإسناد زيادة وهم، وهكذا ذكر أبي إدريس. أما الوهم في ذكر سفيان فممن دون ابن المبارك لا من ابن المبارك؛ لأن جماعة ثقات رووه عن ابن المبارك، عن ابن جابر نفسه، ومنهم من صرح فيه بلفظ الإخبار بينهما.
_________________
(١) تحفة الأشراف جـ ٨ ص ٣٢٩، وتهذيب الكمال جـ ٢٤ ص ٢٢٥.
[ ٩ / ٤٥٤ ]
وأما ذكر أبي إدريس فيه فابن المبارك منسوب فيه إلى الوهم؛ وذلك لأن جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر، فلم يذكروا أبا إدريس بين بسر وواثلة، وفيهم من صرح فيه بسماع بسر من واثلة.
قال أبو حاتم الرازي يرون أن ابن المبارك وَهِمَ في هذا، وكثيرًا ما يحدث بسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك، وظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه.
قال: قد ألف الخطيب الحافظ في هذا النوع كتابًا سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وفي كثير مما ذكره نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة "عن" في ذلك، فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللًا بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد، وإن كان فيه تصريح بالسماع، أو بالإخبار، كما في المثال الذي أوردناه فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسه، فيكون بُسْر في هذا الحديث قد سمعه من أبي إدريس، عن واثلة، ثم لقي واثلة، فسمعه منه، كما جاء مثله مصرحًا به في غير هذا. اللهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونه وهمًا، كنحو ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور، وأيضًا فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين، فإذا لم يجىء عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (^١).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح بنسخة التقييد والإيضاح ص ٢٨٩ - ٢٩٠.
[ ٩ / ٤٥٥ ]
قال الجامع: لكن الإمام مسلمًا يرى صحة الطريقين، فلذا أخرج الحديث بالطريقين، وهو الظاهر، فإن ابن المبارك إمام حافظ ثبت تقبل زيادته، فالظاهر ما مشى عليه مسلم.
وقد أخرج ابن حزم ﵀ الحديث في "الْمُحَلَّى" جـ ٤ ص ٢٩، محتجًا به، وهاك نصه: حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد ابن الفضل الدينوري، ثنا محمد بن جرير الطبري، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني بُسر بن عبيد الله، سمعت أبا إدريس الخولاني، قال: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي، يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" ..
قال العلامة أحمد محمد شاكر -﵀- في تعليقه على "المحلَّى" ما نصه: ويظهر أن بسرًا سمع الحديث من أبي إدريس، عن واثلة، ثم من واثلة، ولذلك جاء عنه بالإسنادين في مسند أحمد، وصحيح مسلم، وصرح بالسماع من واثلة في أبي داود، و"المسند". اهـ.
ونص "المسند" جـ ٤ ص ١٣٥: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت ابنُ جابرٍ يقول: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، أنه سمع واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله -ﷺ- … الحديث.
[ ٩ / ٤٥٦ ]
فقد صرح بُسْرٌ بسماعه من أبي إدريس، كما في المسند، والمحلَّى، ومن واثلة كما في "المسند" وأبي داود جـ ٣ ص ٢١٧، فظهر صحة الطريقين، وهذا أولى من تخطئة ابن المبارك الإمام الجبل في الحفظ. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في حكم الصلاة إلى المقبرة، ومثله الصلاة فيها، وعليها:
وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب أحمد ﵀ إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيئًا يقيه من النجاسة، أم لا، ولا بين أن يكون في القبور، أو في مكان منفرد عنها كالبيت، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية، ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار. قال أبو محمد بن حزم ﵀: وبه يقول طوائف من السلف، روينا عن نافع بن جبير بن مطعم أنه قال: ينهى أن يصلى وسط القبور، والحمام، والحُشّان (^١).
وعن ابن عباس قال: لا تصلين إلى حش، ولا في حمام، ولا في مقبرة. وعن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاث أبيات قبلة: الحش، والحمام، والقبر. وعن العلاء بن زياد، عن أبيه، وعن خيثمة بن عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصل إلى حمام، ولا إلى
_________________
(١) بالضم والكسر جمع حش -بالفتح، والضم: النخل المجتمع، أو البستان، والمراد محل قضاء الحاجة.
[ ٩ / ٤٥٧ ]
حش، ولا وسط مقبرة. وقال أحمد: من صلى في حمام أعاد أبدًا.
وعن أنس قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي إلى قبر، فنهاني، وقال: القبر أمامك. وعن ثابت البناني، عن أنس، قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي عند قبر، فقال لي: القبر لا تصلي إليه. قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أردا أن يصلي، فيتنحى عن القبور.
وعن علي بن أبي طالب: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد. وعن ابن عباس رفعه: "لا تصلوا إلى قبر، ولا على قبر". وعن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أتكره أن تصلي وسط القبور، أو إلى قبر؟ قال: نعم، كان ينهى عن ذلك، لا تصل وبينك وبين القبلة قبر، فإن كان بينك وبينه سترة ذراع فصلّ. قال ابن جريج: وسئل عمرو بن دينار عن الصلاة وسط القبور؟، فقال: ذكروا أن رسول الله -ﷺ- قال: "كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم الله".
قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: لا أعلمه إلا أنه كان يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة. وعن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا إذا خرجوا في جنازة تنحوا عن القبور للصلاة. وقال أحمد: من صلى في مقبرة، أو إلى مقبرة أعاد أبدًا.
[ ٩ / ٤٥٨ ]
فهؤلاء عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس ما نعلم لهم مخالفًا من الصحابة ﵃ (^١). انتهى كلام ابن حزم باختصار (^٢).
وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة، وغيرها، فقال: إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته (^٣).
_________________
(١) قال العلامة الشوكاني ﵀: قوله: لا نعلم لهم مخالفًا إلخ إخبار عن علمه، وإلا فقد حكى الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة. وحكي أيضًا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. اهـ نيل الأوطار جـ ٢ ص ٢٣٦. وقال النووي ﵀: قال ابن المنذر: روينا عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة، ولم يكرهها أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، والحسن البصري، وعن مالك روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها. وقال أحمد: الصلاة فيها حرام، وفي صحتها روايتان، وإن تحقق طهارتها. ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال: تصح الصلاة، وإن تحقق نبشها. اهـ المجموع جـ ٣ ص ١٥٨.
(٢) المُحلَّى جـ ٤ ص ٣٠ - ٣٢.
(٣) ونص النووي ﵀ في المجموع باختصار: أما حكم المسألة؛ فإن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء، وإن تحقق عدم نبشها صحت بلا خلاف، وهي مكروهة كراهة تنزيه، وإن شك في نبشها فقولان: أصحهما تصح الصلاة مع الكراهة، والثاني لا تصح. انتهى. المجموع جـ ٣ ص ١٥٨. وقوله: بلا خلاف. أي بين أصحاب الشافعي، لا بين أهل العلم مطلقًا. فتنبه.
[ ٩ / ٤٥٩ ]
وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرقوا كما فرق الشافعي، ومن معه بين المنبوشة وغيرها.
وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة، والأحاديث ترد عليه. وقد احتج له بعض أصحابه بما يقضي منه العجب؛ فاستدل له بأنه -ﷺ- صلى على قبر المسكينة السوداء، وأحاديث النهي لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل عَلَى فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان؛ لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة. أفاده العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحق ما ذهب إليه المانعون من الصلاة في المقبرة، أو إليها، أو عليها مطلقًا، وأن الصلاة باطلة؛ لأن النهي للتحريم، ولا صارف له، والنهي يقتضي الفساد والبطلان. إلا الصلاة على الميت عملًا بما صح من الأحاديث في ذلك. فعموم النهي عن الصلاة فيها، وإليها، مخصوص بأحاديث الصلاة على الميت، وبهذا تجتمع الأحاديث من غير تعارض. وبالله التوفيق.
قال العلامة المحقق أبو محمد ابن حزم ﵀: وكل هذه الآثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا، إلا صلاة الجنازة؛ فإنها تصلى في
_________________
(١) نيل الأوطار جـ ٢ ص ٣٣٦ - ٣٣٧.
[ ٩ / ٤٦٠ ]
المقبرة، وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه، كما فعل رسول الله -ﷺ-، نحرم ما نهى عنه، ونعد من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل، فأمره ونهيه حق، وفعله حق، وما عدا ذلك فباطل. والحمد لله رب العالمين. انتهى (^١).
قال الجامع: ما قاله أبو محمد ﵀ تحقيق حقيق بالقبول. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) المحلى جـ ٤ ص ٣٢.
[ ٩ / ٤٦١ ]