أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة إلى ثوب فيه تصاوير، ومثل الثوب غيره.
والظاهر أن المصنف يرى الجواز؛ لأنه غاير بينه وبين الترجمة السابقة، حيث عبر فيها بـ "النهي عن الصلاة إلى القبر"، وعبر هنا بـ "الصلاة إلى ثوب فيه تصاوير"، وهو ظاهر حديث الباب، فإنه -ﷺ- صلى إلى ثوب فيه صورة، ولم يقطع الصلاة، ولم يعدها؛ بل أمر بعد الصلاة بتأخيره عنه.
وقد ترجم البخاري ﵀ في "صحيحه" بقوله "باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير، هل تفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك". ثم أورد حديث أنس ﵁، قال: كان قِرام لعائشة، سترت به جانب بيتها، فقال النبي -ﷺ-: "أميطي عنا قِرَامك؛ فإنه لا تزال تصاويره تَعرِض عليّ في صلاتي".
قال في "الفتح": جرى المصنف على قاعدته في ترك الجزم فيما فيه اختلاف، وهذا من المختلف فيه. وهذا مبني على أن النهي هل يقتضي الفساد، أم لا؟ والجمهور إن كان لمعنى في نفسه اقتضاه، وإلا فلا.
وقال في شرح الحديث ما نصه: ودل الحديث على أن الصلاة لا
[ ٩ / ٤٦٢ ]
تفسد بذلك؛ لأنه -ﷺ- لم يقطعها، ولم يعدها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لكنها تكره؛ لأمره -ﷺ- بتأخيره، وقوله: "فإنه لا تزال تصاويره تعرض عليّ في صلاتي". والله أعلم.
٧٦١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِي بَيْتِي ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَجَعَلْتُهُ إِلَى سَهْوَةٍ فِي الْبَيْتِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَخِّرِيهِ عَنِّي، فَنَزَعْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى الصنعاني) البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٦، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الثبت الحجة، مات سنة ١٦٠،
_________________
(١) انظر الفتح جـ ٢ ص ٣٧ - ٣٨.
[ ٩ / ٤٦٣ ]
من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) أبو محمد المدني، ثقة جليل، مات سنة ١٢٦، من [٦]، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أحد الفقهاء السبعة، ثقة ثبت فاضل، مات سنة ١٠٦، من كبار [٣]، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أنه نصفه الأول بصريون، والثاني مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية الراوي، عن أبيه، عن عمته.
ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة: القاسم بن محمد.
ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة؛ روت ٢٢١٠ أحاديث.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع، من صيغ الأداء، وكلها من صيغ الاتصال على الأصح. والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ٤٦٤ ]
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: كان في بيتي ثوب فيه تصاوير) وفي الرواية الآتية للمصنف في "كتاب الزينة" رقم (١١١/ ٥٣٥٢) من طريق هشام، عن أبيه، عنها، قالت خرج رسول الله -ﷺ- خَرْجَة، ثم دخل، وقد علقت قِرامًا فيه الخيل أولات الأجنحة، فلما رآه قال: "انزعيه". وفي رواية سعد بن هشام عنها، قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طير مُستقبِل البيت إذا دخل الداخل، فقال رسول الله -ﷺ-: "يا عَائشة حوليه؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا"، قالت: وكان لنا قطيفة لها علم، فكنا نلبسها فلم نقطعه.
(فجعلته إِلى سَهْوة في البيت) -بفتح المهملة، وسكون الهاء-: هي صُفَّة من جانب البيت. وقيل: الكوّة. وقيل: الرّفّ. وقيل: أربعة أعواد، أو ثلاثة يعارَض بعضها ببعض، يوضع عليها شيء من الأمتعة. وقيل: أن يبنى من حائط البيت حائط صغير، ويجعل السقف على الجميع، فما كان وسط البيت فهو السَّهوة، وما كان داخله فهو المخدع. وقيل: دخلة في ناحية البيت. وقيل: بيت صغير يشبه المُخْدَع. وقيل: بيت صغير منحدر في الأرض، وسمكه مرتفع من الأرض كالخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع. ورجح هذا الأخير أبو عبيد. ولا مخالفة بينه وبين الذي قبله.
ووقع في رواية للبخاري: "وقد سترت بقِرام لي على سهوة لي فيها
[ ٩ / ٤٦٥ ]
تماثيل". وفي رواية: "أنها علقته على بابها"، وكذا في رواية زيد بن خالد عن عائشة عند مسلم. قال الحافظ ﵀: فتعين أن السهوة بيت صغير، علقت الستر عَلَى بابه. انتهى (^١).
(فكان رسول الله -ﷺ- يصلي إِليه، ثم قال: "يا عائشة أخريه عني) وفي رواية للبخاري: "أميطي عنا قِرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تَعْرِض في صلاتي".
دل الحديث على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه -ﷺ- لم يقطعها، ولم يعدها. قاله في "الفتح" (^٢).
(فنزعته) أي قلعته، وأزلته، وبابه ضرب. كما في المصباح (فجعلته وسائد) جمع وسادة -بالكسر-: المِخَدَّة، ويجمع على وِسادات (^٣).
وفي رواية للبخاري في "المظالم" من طريق عبيد الله العمري، عن عبد الرحمن بن القاسم بهذا الإسناد، قالت: "فاتخذت منه نمرقتين (^٤)،
_________________
(١) فتح جـ ١١ ص ٥٨٧. طبعة دارالفكر.
(٢) جـ ١ ص ٥٧٨. طبعة دار الريان للتراث.
(٣) المصباح جـ ٢ ص ٦٥٨.
(٤) النمرقة -بفتح النون، وسكون الميم، وضم الراء، بعدها قاف. كذا ضبطها القزاز وغيره. وضبطها ابن السكيت- بضم النون أيضًا، وبكسرها، وكسر الراء. وقيل: في النون الحركات الثلاث، والراء مضمومة جزمًا، والجمع نمارق: وهي الوسائد التي =
[ ٩ / ٤٦٦ ]
فكانتا في البيت يجلس عليهما". وفي رواية لمسلم: "فأخذته، فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت". أفاده في "الفتح" (^١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٢/ ٧٦١)، وفي "الزينة" (١١١/ ٥٣٥٢)، و"الكبرى" (١١/ ٨٣٧) عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن خالد بن الحارث الهجيمي، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها. وفي الزينة (١١١/ ٥٣٥٥) عن وهب بن بيان، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن عبد الرحمن بن القاسم، به. بلفظ: "أنها نَصَبَتْ سترًا فيه تصاوير، فدخل رسول الله -ﷺ- فنزعه، فقَطَعَتْهُ وسادتين. قال رجل في المجلس حينئذ يقال له: ربيعة بن عطاء: أنا سمعت أبا محمد -يعني القاسم- عن عائشة، قالت: كان رسول الله -ﷺ- يرتفق بهما. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) = يُصَفُّ بعضها إلى بعض. وقيل: النمرقة: الوسائد التي يجلس عليها. اهـ فتح جـ ١١ ص ٥٩.
(٢) جـ ١١ ص ٥٨٧.
[ ٩ / ٤٦٧ ]
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "اللباس" عن علي ابن عبد الله، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم به، بلفظ قدم رسول الله -ﷺ- من سفر، وقد سترت على سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه، وقال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُضاهُون بخلق الله". قالت: فجعلته وسادة، أو وسادتين.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة -وزهير بن حرب- كلاهما عن ابن عيينة، به.
وأخرجه البخاري في "الصلاة" من حديث أنس ﵁، قال: حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: "كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي -ﷺ-: "أميطي عنا قِرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي".
المسألة الرابعة: في ذكر اختلاف أهل العلم في حكم الصور:
قال الخطابي ﵀: فيه دليل على أن الصور كلها منهي عنها سواء كانت أشخاصًا ماثلة، أو غير ماثلة، كانت في ستر، أو بساط، أو في وجه جدار، أو غير ذلك. قال ابن بطال ﵀: علم من الحديث النهي عن اللباس التي فيها التصاوير بالطريق الأولى، وهذا كله على الكراهة، فإن من صلى فيه فصلاته مجزئة؛ لأنه -ﷺ- لم يعد
[ ٩ / ٤٦٨ ]
الصلاة، ولأنه ذكر أنها عرضت له، ولم يقل: قطعتها. ومن صلى بذلك، أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء.
وقال المهلب: وإنما أمر باجتناب هذا لاحضار الخشوع في الصلاة، وقطع دواعي الشغل. وقيل: إنه منسوخ بحديث سهل بن حنيف، رواه مالك بن أنس عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنسانًا ينزع نَمَطًا تحته، فقال له سهل: لم نزعته؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسول الله -ﷺ- فيها ما قد علمت، قال سهل: أو لم يقل: "إلا ما كان رقمًا في ثوب"؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. وأخرجه النسائي عن علي بن شعيب، عن معن، عن مالك به. برقم (١١١/ ٥٣٤٩).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ في شرح حديث مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن رافع بن إسحاق مولى الشفاء، أخبره، قال: دخلت أنا وعبد الله بن أبي طلحة على أبي سعيد الخدري نعوده، فقال لنا أبو سعيد: "أخبرنا رسول الله -ﷺ- أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل، أو تصاوير" يشك إسحاق، لا يدري أيتهما قال أبو سعيد الخدري.
قال أبو عمر: هذا أصح حديث في هذا الباب، وأحسنه إسنادًا، وقال فيه زيد بن الحباب عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن
[ ٩ / ٤٦٩ ]
أبي طلحة، عن رافع بن إسحاق بن طلحة، ذكره أبو بكر بن أبي شيبة، عن زيد. وقد روي من حديث علي، وابن عباس، وأسامة بن زيد: أن النبي -ﷺ- قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة". وقيل في "الملائكة" هاهنا: ملائكة الرحمة. وقيل: بل كل ملك على ظاهر اللفظ، كما أن "بيت" على لفظ النكرة يقتضي كل بيت. والله أعلم.
وظاهر هذا الحديث يقتضي الحظر عن استعمال الصور على كل حال، في حائط كانت، أو في غيره، ومثله حديث نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة في النمرقة التي فيها تصاوير.
وقد استثني في حديث سهل بن حنيف: "إلا ما كان رقمًا في ثوب".
واختلف الناس في الصور المكروهة؛ فقال قوم: إنما كره من ذلك ما له ظل، وما لا ظل له فليس به بأس. وقال آخرون: ما قطع رأسه فليس بصورة. وقال آخرون: تكره الصورة في الحائط، وعلى كل حال كان لها ظل، أو لم يكن، إلا ما كان في ثوب يوطأ ويمتهن. وقال آخرون: هي مكروهة في الثياب، وعلى كل حال، ولم يستثنوا شيئًا. وروت طائفة منهم بما قالته أثرًا، اعتمدت عليه، وعملت به.
وأما اختلاف فقهاء الأمصار أهل الفتوى في هذا الباب، فذكر ابن القاسم، قال: قال مالك: يكره التماثيل في الأسِرَّة، والقباب، وأما البُسُط، والوسائد، والثياب فلا بأس به. وكره أن يصلى إلى قبلة فيها
[ ٩ / ٤٧٠ ]
تماثيل. وقال الثوري: لا بأس بالصور في الوسائد؛ لأنها توطأ، ويجلس عليها. وكره الحسن بن حَيّ أن يدخل بيتًا فيه تمثال؛ في كنيسة، أو غير ذلك، وكان لا يرى بأسًا بالصلاة في الكنيسة، والبيعة.
وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، وكذلك عندهم ما كان خرطًا، أو نقشًا في البناء.
وكره الليث التماثيل التي تكون في البيوت، والأسرة، والقباب، والطِّساس، والمنارات، إلا ما كان رقمًا في ثوب.
وقال المُزَني عن الشافعي: وإن دُعِي رجل إلى عرس، فرأى صورةَ ذاتِ رُوح، أو صُوَر ذوات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة، وإن كان يوطأ فلا بأس، وإن كانت صور الشجر فلا بأس.
وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: إذا دعيت لأدخل، فرأيت سترًا معلقًا فيه تصاوير أأرجع؟ قال: نعم، قد رجع أبو أيوب. قلت: رجع أبو أيوب من ستر الجدار. قال: هذا أشد، وقد رجع عنه غير واحد من أصحاب رسول الله -ﷺ-. قلت له: فالستر يجوز أن يكون فيه صورة؟ قال: لا. قيل: فصورة الطائر وما أشبهه؟ فقال: ما لم يكن له رأس فهو أهون. فهذا ما للفقهاء في هذا الباب (^١).
_________________
(١) التمهيد جـ ١ ص ٣٠٠ - ٣٠٢.
[ ٩ / ٤٧١ ]
وقال في شرح حديث أبي طلحة المتقدم ما نصه: وللعلماء في هذا الباب أقاويل، ومذاهب:
منها: أنه لا يجوز أن يمسك الثوب الذي فيه تصاوير وتماثيل، سواء كان منصوبًا، أو مبسوطًا، ولا يجوز دخول البيت الذي فيه التصاوير والتماثيل في حيطانه، وذلك مكروه لقول رسول الله -ﷺ-: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تصاوير". فإن فعل ذلك فاعل بعد علمه بالنهي عن ذلك كان عاصيًا عندهم. ولم يحرم عليه بذلك مالك (^١) الثوب، ولا البيت، ولكنه ينبغي أن يتنزه عن ذلك كله، ويكره، وينابذه، لما ورد من النهي فيه.
وحجة من ذهب هذا المذهب في الثياب، وفي حيطان البيوت وغيرها حديث ابن شهاب وغيره، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: دخل عليّ رسول الله -ﷺ-، وأنا مستترة بقرام فيه صور، فتلون وجهه، وتناول الستر فهتكه؛ ثم قال: "إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله".
وقال آخرون: إنما يكره من الصور ما كان في الحيطان، وصور في البيوت، وأما ما كان رقمًا في ثوب فلا. واحتجوا بحديث سهل بن حنيف، وأبي طلحة، وهو حديث أبي النضر المذكور، وفيه: عن
_________________
(١) هكذا نسخة التمهيد "مالك الثوب والبيت". ولعل الصواب "ملك الثوب والبيت". فليحرر.
[ ٩ / ٤٧٢ ]
النبي -ﷺ-: "إلا ما كان رقمًا في ثوب". فكل صورة مرقومة في ثوب فلا بأس بها على كل حال؛ لأن رسول الله -ﷺ- استثنى الرقم في الثوب، ولم يخص من ذلك شيئًا، ولا نوعًا. وذكروا عن القاسم -وهو راوية حديث عائشة- ما رواه ابن أبي شيبة، عن أزهر، عن ابن عون، قال: دخلت على القاسم، وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بابه حجلة فيها تصاوير السندس، والعنقاء.
وقال آخرون: لا يجوز استعمال شيء من الصور رقمًا كان في ثوب، أو غير ذلك، إلا أن يكون الثوب يوطأ ويمتهن؛ فأما أن ينصب كالستر ونحوه فلا.
قالوا: وفي حديث عائشة من رواية ابن شهاب ما يخص الثياب ويعينها، وهو يعارض حديث سهل بن حنيف، وأبي طلحة؛ إلا أنا قد روينا عن عائشة أن ذلك من الثياب فيما ينصب دون ما يبسط، فبان بذلك وجه الحديثين، وأنهما غير متعارضين، وعائشة قد علمت مخرج حديثها، ووقفت عليه.
وذكروا من الأثر ما رواه وكيع، وغيره، عن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "سترت سهوة لي بستر فيه تصاوير، فلما قدم النبي -ﷺ- هتكه، فجعلت منه مِنْبَذَتين (^١) فرأيت النبي -ﷺ- متكئًا على إحداهما".
_________________
(١) "المِنْبذَة" كمكنسة: الوسادة. اهـ. قاموس.
[ ٩ / ٤٧٣ ]
قالوا: ألا ترى أن رسول الله -ﷺ- كره من ذلك ما كان سترًا منصوبًا، ولم يكره ما اتكأ عليه من ذلك، وامتهنه.
قال أبو عمر ﵀: وقد يحتمل أن يكون الستر لما هتكه رسول الله -ﷺ- تغير صورته، وتهتك، فلما صنع منه ما يتكأ عليه لم تظهر فيه صورة بتمامها؛ وإذا احتمل هذا لم يكن في حديث عائشة هذا حجة على ابن شهاب، ومن ذهب مذهبه؛ إلا أن ممن سلف من العلماء جماعة ذهبوا إلى أنّ ما كان من رقم الصور فيما يوطأ، ويمتهن، ويتكأ عليه من الثياب لا بأس به.
ذكر ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث، عن الجعد -رجل من أهل المدينة- قال: حدثتني ابنة سعد أن أباها جاء من فارس بوسائد فيها تماثيل، فكنا نبسطها. وعن ابن فضيل، عن ليث، قال: رأيت سالم بن عبد الله متكئًا على وسادة حمراء فيها تماثيل، فقلت له في ذلك؟ فقال: إنما يكره هذا لمن ينصبه ويصنعه.
وعن ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان يتكىء على المرافق فيها التماثيل؛ الطير والرجال. وعن ابن علية، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: كانوا لا يرون ما وطىء، وبسط من التصاوير مثل الذي نصب. وعن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن عكرمة، أنه كان يقول في التصاوير في الوسائد والبسط التي توطأ هو أذلّ لها.
وعن أبي معاوية، عن عاصم، عن عكرمة، قال: كانوا يكرهون ما
[ ٩ / ٤٧٤ ]
نصب من التماثيل نصبًا، ولا يرون بأسًا بما وطئته الأقدام
وعن ابن إدريس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، أنه كان لا يرى بأسًا بما وطىء من التصاوير. وعن ابن اليمان، عن عثمان بن الأسود، عن عكرمة بن خالد، قال: لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ. وعن ابن يمان، عن الربيع بن المنذر، عن سعيد بن جبير، قال: لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ.
وعن عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، في التماثيل ما كان مبسوطًا يوطأ، أو يبسط فلا بأس به. وما كان منه ينصب فإني أكرهها.
وعن الحسن بن موسى الأشيب، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، قال: كانوا لا يرون بما يوطأ من التصاوير بأسًا.
قال أبو عمر ﵀: هذا أعدل المذاهب، وأوسطها في هذا الباب، وعليه أكثر العلماء، ومن حمل عليه الآثار لم تتعارض على هذا التأويل، وهو أولى ما اعتقد فيه.
وقد ذهب قوم إلى أن ما قطع رأسه فليس بصورة.
روى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة (^١)
_________________
(١) شعبة بن دينار الهاشمي مولى ابن عباس المدني، صدوق سيىء الحفظ من الرابعة مات في وسط خلافة هشام. اهـ. تقريب ص ١٤٦.
[ ٩ / ٤٧٥ ]
مولى ابن عباس، قال: دخل المسور بن مخرمة على ابن عباس، وهو مريض، وعليه ثوب إستبرق، وبين يديه ثوب عليه تصاوير، فقال المسور: ما هذا يا ابن عباس؟ فقال ابن عباس: ما علمت به، وما أرى رسول الله -ﷺ- نهى عن هذا إلا للكبر والتجبر، ولسنا -بحمد الله- كذلك، فلما خرج المسور أمر ابن عباس بالثوب فنزع عنه، وقال: اقطعوا رؤوس هذه التصاوير.
وروى ابن المبارك قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا مجاهد، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن جبريل أتاني البارحة، فلم يمنعه أن يدخل إليّ إلا أنه كان في البيت حجال وستر فيه تماثيل، وكلب، فأمر برأس التمثال أن يقطع، وبالستر أن يثنى، ويجعل منه وسادتان توطآن، وبالكلب أن يخرج".
وذكر ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، قال: إنما الصورة الرأس، فإذا قطع فلا بأس. وعن يحيى بن سعيد، عن سلمة بن أبي بشر، عن عكرمة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. قال: أصحاب التصاوير.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصورة المكروهة في صنعتها واتخاذها ما كان له روح. وحجتهم: حديث القاسم، عن عائشة، عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
[ ٩ / ٤٧٦ ]
ففي هذا دليل على أن الحياة إنما قصد بذكرها إلى الحيوان ذوات الأرواح.
ثم أخرج أبو عمر بسنده عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كنت عند ابن عباس، إذ جاءه رجل، فقال: إني أردت أنمي معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله -ﷺ- يقول، سمعته يقول: "من صوّر صورة، فإن الله معذبه يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا". قال: فكبا لها الرجل كبوة شديدة، واصفر وجهه، ثم قال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذه الشجرة، وكل شيء ليس فيه روح.
وقد كان مجاهد يكره صورة الشجر. قال أبو عمر: وهذا لا أعلم أحدًا تابعه على ذلك. ذكر ابن أبي شيبة عن عبد السلام، عن ليث، عن مجاهد، أنه كان يكره أن يصور الشجر المثمر.
ومما يدل على أن الاختلاف في هذا الباب قديم: ما ذكره ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن ابن عون، قال: كان في مجلس محمد بن سيرين وسائد فيها تماثيل عصافير، فكان أناس يقولون في ذلك، فقال محمد: إن هؤلاء قد أكثروا علينا، فلو حولتموها. وهذا من ورع ابن سيرين ﵀. انتهى خلاصة ما ذكره الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى (^١).
_________________
(١) "التمهيد" جـ ٢١ ص ١٩١ - ٢٠١.
[ ٩ / ٤٧٧ ]
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال في المسألة عندي تحريم الصور مطلقًا، إلا ما كان رقمًا في ثوب يمتهن، ويوطأ، كما تقدم ترجيحه في كلام الحافظ أبي عمر رحمه الله تعالى، وعزاه إلى أكثر العلماء، وكذا ما كان مقطوع الرأس، وصور ما لا روح له، والأدلة على هذا واضحة مما ذكر. ولله الحمد، والمنة.
وقد تقدم تحقيق الكلام في المسألة في شرح حديث رقم (١٦٨/ ٢٦١) -وإنما أعدته هنا لمزيد البسط والتحقيق، ولشدة حاجة الناس إلى التوضيح في ذلك لكثرة الابتلاء بالصور. وسيأتي أيضًا في "كتاب الزينة" في شرح حديث رقم (١١١/ ٥٣٤٧ - ٥٣٦٥). إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٤٧٨ ]