أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية قيام الناس إذا رأوا الإمام.
وهذا هو المذهب الراجح من مذاهب العلماء في هذه المسألة، لحديث الباب، وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
٧٩٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩]، تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (هُشَيم) بن بشير أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس، مات سنة ١٨٣ وقد قارب ٨٠ سنة، من [٧]، وتقدم في ٨٨/ ١٠٩.
[ ١٠ / ٥٤ ]
٣ - (هشام بن أبي عبد الله) سَنْبَر الدستوائي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، مات سنة ١٥٤ عن ٧٨ سنة، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (حجاج بن أبي عثمان) الصَّوَّاف، أبو الصَّلْت، ويقال: أبو عثمان الكندي مولاهم البصري، واسم أبيه مَيْسَرة، وقيل: سالم، ثقة حافظ، مات سنة ١٤٣، من [٦].
روَى عن حميد بن أبي حميد، والحسن البصري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وعنه الحمادان، والقطان، وهشيم، وغيرهم. قال يحيى القطان: وهو فطِن، صحيح، كيس. وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي: ثقة، زاد أحمد: شيخ. وزاد الترمذي: حافظ. وقال العجلي، وأبو بكر البزار: بصري ثقة.
وقال ابن حبان في الثقات: كان متقنًا. وقال يزيد بن زريع: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: سألت علي بن المديني مَنْ أثبت أصحاب يحيى ابن أبي كثير؟ فقال: هشام الدستوائي. قلت: ثم من؟ قال: الأوزاعي، وحجاج بن أبي عثمان، وحسين المعلم. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال ابن خزيمة في صحيحه: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: حجاج الصواف مَتِين. قال ابن خزيمة: يريد أنه ثقة حافظ. قال خليفة: مات سنة ١٤٣، أخرج له الجماعة (^١).
_________________
(١) "تك" جـ ٥ ص ٤٤٣ - ٤٤٤، "تت" جـ ٢ ص ٢٠٣ - ٢٠٤، "ت" ص ٦٤.
[ ١٠ / ٥٥ ]
٥ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس ويرسل، مات سنة ١٣٢ على الصحيح، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٦ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة ٩٥، من [٢]، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٧ - (أبو قتادة) الأنصاري الحارث بن رِبْعِيّ بن بُلْدُمَة، وقيل: غيره، السَّلمي المدني الصحابي المشهور ﵁، مات سنة ٥٤ على الأصح، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي قتادة ﵁ هذا متفق عليه. وقد مضى شرحه، وما يتعلق به من المسائل برقم (٤٢/ ٦٨٧) مستوفىً، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فإن أردت الاستفادة فارجع إليه.
ولنذكر هنا ما لم يتقدم له ذكره هناك، وهو ما ترجم له المصنف ﵀ هنا بقوله: "قيام الناس إذا رأوا الإمام":
اعلم أنه قد اختلف أهل العلم في الوقت الذي يقوم فيه الناس حين يقام للصلاة: فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف.
وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم
[ ١٠ / ٥٦ ]
يقوموا حتى تفرغ الإقامة.
وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة". رواه ابن المنذر، وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق، عن أصحاب عبد الله.
وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا قال المؤذن: "الله أكبر" وجب القيام، وإذا قال: "حي على الصلاة" عدلت الصفوف، وإذا قال: "لا إله إلا الله" كبر الإمام.
وعن أبي جحيفة: يقومون إذا قال: "حي على الفلاح"، فإذا قال: "قد قامت الصلاة" كبر الإمام.
وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذُكِرَ على التفصيل المذكور، قال الحافظ ﵀: وحديث الباب حجة عليهم. انتهى (^١).
وأخرج الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا قيل: "قد قامت الصلاة" وثب فقام. ونحوه عن حسين بن علي ﵁.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القرظي، وسالم ابن عبد الله بن عمر، وأبو قلابة، وعراك بن مالك، والزهري، وسليمان بن حبيب المحاربي يقومون إلى الصلاة في أول بدء الإقامة.
_________________
(١) راجع الفتح جـ ٢ ص ٣٣٢.
[ ١٠ / ٥٧ ]
وبه قال عطاء. وهو مذهب أحمد، وإسحاق، إذا كان الإمام في المسجد، وكان مالك لا يوقت به وقتًا، يقول: ذلك على قدر طاقة الناس، فيهم القوي، والضعيف.
وقال النعمان، ومحمد: يجب أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن: حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، وكبر القوم معه، وأما إذا لم يكن الإمام معهم، فإني أكره لهم أن يقوموا في الصفوف، والإمام غائب عنهم. وقال يعقوب: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة.
قال ابن المنذر ﵀: إذا كان الإمام معهم في المسجد قاموا إذا قام، وإذا كانوا ينتظرون خروجه، ومجيئه قاموا إذا رأوه، ولا يقوموا حتى يروه، لحديث أبي قتادة ﵁: أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت". انتهى ملخص كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه الحافظ ابن المنذر ﵀ هو الحق عندي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) الأوسط جـ ٤ ص ١٦٦ - ١٦٨.
[ ١٠ / ٥٨ ]