أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية نبش القبور، واتخاذ مكانها مسجدًا للصلاة فيه.
والنَّبْشُ -بفتح فسكون-: مصدر نَبَشَ، من باب قتل، يقال: نبشت الشيء، نبشًا إذا استخرجته من الأرض، ونبشت الأرض نبشًا: كشفتها، ومنه نَبَشَ الرجل القبر، والفاعل نَبَّاش للمبالغة. أفاده الفيومي.
والمراد بالقبور قبور المشركين لا قبور الأنبياء والصالحين، بدليل الباب الآتي.
وأصرح منه ترجمة البخاري في الصحيح، حيث قال: "باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مسجد"، لقول النبي - ﷺ -: "لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال في الفتح عند قوله: "قبور مشركي الجاهلية" ما نصه: أي دون غيرها من قبور الأنبياء، وأتباعهم، لما في ذلك من الإهانة لهم، بخلاف المشركين، فإنه لا حرمة لهم، وأما قوله: لقول النبي - ﷺ -. . . إلخ، فوجه التعليل أن الوعيد على ذلك يتناول من اتخذ قبورهم مساجد تعظيمًا ومغالاة، كما صنع أهل الجاهلية، وجرهم ذلك إلى عبادتهم، ويتناول من اتخذ أمكنة قبورهم مساجد، بأن تنبش، وترمى عظامهم، فهذا يختص بالأنبياء، ويلتحق بهم أتباعهم.
[ ٨ / ٥٨٩ ]
وأما الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم، إذ لا حرج في إهانتهم، ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعرف بذلك أن لا تعارض بين فعله - ﷺ - في نبش قبور المشركين، واتخاذ مسجده مكانها، وبين لعنه - ﷺ - من اتخذ قبور الأنبياء مساجد لما تبين من الفرق. انتهى. فتح جـ ١ ص ٦٢٤ - ٦٢٥.
والحاصل أن جواز نبش القبور، واتخاذ مكانها مساجد خاص بالقبور التي لا تعظم، كقبور المشركين، وأما القبور التي تعظم، كقبور الأنبياء، فلا يجوز نبشها. ولا اتخاذ المساجد مكانها. والله أعلم.
٧٠٢ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نَزَلَ فِي عُرْضِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ، مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ - ﵁ - رَدِيفُهُ، وَمَلأٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبٍ، وَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، فَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا، فَقَالَ: يَا بَنِي
[ ٨ / ٥٩٠ ]
النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: وَاللَّهُ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ ﷿، قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ خَرِبٌ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَتْ، وَبِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ … فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (عمران بن موسى) القزاز الليثي، أبو عمرو البصري، صدوق، من [١٠] تقدم في ٦/ ٦.
٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان البصري، ثقة ثبت، من [٨] تقدم في ٦/ ٦.
٣ - (أبو التيَّاح) يزيد بن حميد الضبعي البصري، ثقة ثبت، من [٥] تقدم في ٥٣/ ٦٧.
٤ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي - ﵁ -، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
[ ٨ / ٥٩١ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو الخامس والثلاثون منها، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي وابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن فيه أنسًا - ﵁ -، من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٢، أو ٩٣، وقد جاوز ١٠٠ سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) - ﵁ -، أنه (قال: لما قدم رسول الله - ﷺ -) أي المدينة (نزل في عُرض المدينة) العُرْض -بضم العين المهملة وسكون الراء- الجانب، والناحية من كل شيء. أي نزل - ﷺ - في أول قدومه في ناحية من نواحي المدينة.
وفي رواية للبخاري "نزل في عُلْو المدينة"، قال في الفتح: كل ما في جهة نجد يسمى العالية، وما في جهة تهامة يسمى السافلة، وقباء من عوالي المدينة، وأخذ من نزول النبي - ﷺ - التفاؤل له ولدينه بالعلو. انتهى. جـ ٧ ص ٣١٢.
[ ٨ / ٥٩٢ ]
ثم بَيَّنَ تلك الناحية بمَا أبْدَلَهُ، فقَال (في حي) -بفتح المهملة، وتشديد التحتانية- القبيلة، وجمعه أحياء (يقال لهم: بنو عمرو بن عوف) بفتح العين فيهما- أي ابن مالك بن الأوس بن حارثة، ومنازلهم بقباء، وهي على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهْدِم، وقيل: كان يومئذ مشركًا، وجزم به محمد بن الحسن بن زبالة في أخبار المدينة.
وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، على المعتمد، وشذ من قال: يوم الجمعة. وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب "قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول"، ونحوه عند أبي معشر، لكن قال: ليلة الاثنين، ومثله عن ابن البرقي، وثبت كذلك في أواخر صحيح مسلم، وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق "قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول"، وعند أبي سعيد في "شرف المصطفى" من طريق أبي بكر بن حزم "قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول".
قال الحافظ -﵀-: وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال، وعنده من حديث عمر "ثم نزل بني عمرو ابن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول"، كذا فيه، ولعله كان فيه "خلتا" ليوافق رواية جرير بن حازم، وعند الزبير في خبر المدينة عن ابن شهاب "في نصف ربيع الأول". وقيل: كان قدومه في سابعه.
[ ٨ / ٥٩٣ ]
وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبي: إنه خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول.
فإن كان محفوظًا، فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضم إلى قول أنس: إنه أقام بقباء أربع عشرة ليلة، خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكلبي جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه، فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبان، فإنه قال: "أقام بها الثلاثاء، والأربعاء، والخميس"، يعني: وخرج يوم الجمعة، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج.
وكذا قال موسى ابن عقبة: إنه أقام فيهم ثلاث ليال، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج، ولا الدخول، وعن قوم من بني عمرو بن عوف: أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يومًا، حكاه الزبير بن بكار، وفي مرسل عروة بن الزبير ما يقرب منه.
والأكثر أن قدومه كان نهارًا، ووقع في رواية مسلم "ليلًا" ويجمع بأن القدوم كان آخر النهار، فدخل نهارًا. أفاده في "الفتح" جـ ٧ ص ٢٨٧.
(فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) وفي رواية للبخاري "بضع عشرة ليلة"، وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: "أقام فيهم ثلاثًا". قال: وروى ابن شهاب عن مُجَمِّع بن جارية: "أنه أقام اثنتين وعشرين
[ ٨ / ٥٩٤ ]
ليلة"، وقال ابن إسحاق: أقام فيهم خمسًا، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أكثر من ذلك.
قال الحافظ: ليس أنس من بني عمرو بن عوف، فإنهم من الأوس، وأنس من الخزرج، وقد جزم بما ذكرته، فهو أولى بالقبول من غيره. انتهى.
(ثم أرسل إِلى ملأ من بني النجار) وفي نسخة "إلى الملأ" أي جماعة منهم، قال الفيومي -﵀-: والملأ مهموز: أشراف القوم، سموا بذلك لمَلاءَتِهِمْ بما يُلْتَمس عندهم من المعروف، وجَودَة الرأي، أو لأنهم يَملئُون الَعيون أبَّهَةً، والصدور هَيْبَةً، والجمع أملاء، مثل سبب، وأسباب. انتهى.
وبنو النجار: هم بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح، والنجار قبيل كبير من الأنصار، منه بطون وعمائر وأفخاذ وفصائل، وتيم اللات هو النجار، سمي بذلك لأنه اختتن بقَدُوم، وقيل: بل ضرب رجلًا بقدوم فجرحه. ذكره الكلبي، وأبو عبيدة.
وإنما طلب النبي - ﷺ - بني النجار لأنهم كانوا أخواله؛ لأن هاشمًا جده تزوج سَلْمَى بنت عمرو بن زيد، من بني عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب. قاله في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٧٥.
(فجاءوا متقلدي سيوفهم) بالإضافة، وهو منصوب على الحال من الفاعل، والتقلد: جعل نِجَاد السيف على المنكب. قاله العيني.
[ ٨ / ٥٩٥ ]
قال أنس - ﵁ - (كأني أنظر إِلى رسول الله - ﷺ -) أي أنه مستحضر الآن لتلك الهيئة، وأراد بذلك تأكيد خبره بأنه لم ينس منه شيئًا، بل كأنه ينظر إليهم الآن، وهم على الهيئة المذكورة (على راحلته) جار ومجرور متعلق بحال مقدر من رسول الله، أي حال كونه راكبًا على راحلته.
والراحلة: المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرْحَلَ، وجمعها رواحل. قاله الفيومي.
وراحلته - ﷺ - هذه أخذها من أبي بكر - ﵁ - في الهجرة، وذلك أن أبا بكر جهز للهجرة راحلتين، لما قال له النبي - ﷺ -: "أرجو أن يؤذن لي" يعني في الهجرة، فعلفهما ورق السمر أربعة أشهر، فلما أذن له - ﷺ - في الهجرة، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله، إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله - ﷺ -: "بالثمن"، فأخذها به.
قال الحافظ: وأفاد الواقدي أن الثمن ثمانمائة، وأن التي أخذها رسول الله - ﷺ - من أبي بكر هي القصواء، وأنها كانت من نعم بني قشير، وأنها عاشت بعد النبي - ﷺ - قليلًا، وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وذكر ابن إسحاق أنها الجذعاء، وكانت من إبل بني الحريش، وكذا في رواية أخرجها ابن حبان من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها الجذعاء. انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٢٧٧ - ٢٧٨.
[ ٨ / ٥٩٦ ]
(وأبو بكر - ﵁ - رديفه) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي حال كون أبي بكر راكبًا خلف رسول الله - ﷺ -.
والرديف: الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة، يقال: أرْدَفْتُهُ، إرْدَافًا، وارتدفته فهو رَدِيفٌ، ورِدْفٌ. قاله الفيومي.
وقال السندي -﵀-: الرديف هو الذي يركب خلف الراكب، والمراد أنه كان راكبًا خلف النبي - ﷺ -، وهما على بعير واحد، وهو الظاهر، أو على بعيرين، لكن أحدهما يتلو الآخر. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: كأن النبي - ﷺ - أردفه تشريفًا له، وتنويهًا بقدره، وإلا فقد كان لأبي بكر ناقة هاجر عليها. انتهى.
وقال العيني -﵀-: فلعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض، أو غيره، ويجوز أن يكون ردها إلى مكة، ليحمل عليها أهله، وثَمَّ وجه آخر حسن، وهو أن ناقته كانت معه، ولكنه ما ركبها لشرف الارتداف خلفه؛ لأنه تابعه، والخليفة بعده. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما استحسنه أخيرًا قريب مما قاله الحافظ -﵀-، وهو الأولى.
وحاصله أنه - ﷺ - أردفه على ناقته ليتشرف بذلك، وليعلم الناس منزلته عنده. والله أعلم.
(وملأ من بني النجار حوله) وفي نسخة "وملأ بني النجار"
[ ٨ / ٥٩٧ ]
بالإضافة، وهي جملة اسمية في محل نصب على الحال أيضًا، أي حال كون أشراف بني النجار محيطين به - ﷺ -، وإنما أحاطوا به تعظيمًا له، وفرحًا بقدومه إليهم.
(حتى ألقى) أي رحله، فالمفعول محذوف، يقال: ألقيتُ الشيء: إذا طرحته. و"حتى" غاية لمحذوف، أي واصل سيره حتى ألقى رحله (بفناء أبي أيوب) متعلق بألقى، والفِنَاء -بالكسر-: سعة أمام الدار، والجمع أفْنِيَة، وفي المجمل: فناء الدار ما امتد من جوانبها، وفي المحكم: وتبدل الباء من الفاء. ذكره العيني.
وأبو أيوب: اسمه خالد بن زيد بن كُلَيب الأنصاري النجاري - ﵁ - من كبار الصحابة، مات غازيًا بالروم سنة ٥٠، وقيل بعدها، وتقدمت ترجمته في ٢٠/ ٢٠.
تنبيه:
قال في "الفتح": وقع عند ابن إسحاق، وابن عائذ أنه ركب من قباء يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، هَلُم إلى العَدَدِ، والعُدَدِ، والقُوَّة، انزل بين أظهرنا.
وعن أبي الأسود، عن عروة نحوه، وزاد: وصاروا يتنازعون زمام ناقته، وسمى ممن سأله النزول عندهم عتبان بن مالك في بني سالم، وفروة بن عمرو، في بني بياضة، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وغيرهما في بني ساعدة، وأبا سَلِيط، وغيره في بني عدي، يقول لكل
[ ٨ / ٥٩٨ ]
منهم: "دعوها، فإنها مأمورة".
وعند الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس "جاءت الأنصار، فقالوا إلينا يا رسول الله، فقال: "دعوا الناقة، فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب".
وفي حديث البراء، عن أبي بكر "فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكْرِمُهُم بذلك"، وعند ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، وعند سعيد بن منصور، كلاهما عن عطاف بن خالد: "أنها استناخت به أولًا، فجاءه ناس، فقالوا: المنزل يا رسول الله - ﷺ -، فقال: "دعوها"، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلحلت، فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل، فأذن لي أن أنقل رَحْلك، قال: "نعم"، فنقل، وأناخ الناقة في منزله".
وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لما نقل رحل النبي - ﷺ - إلى منزله، قال النبي - ﷺ -: "المرء مع رحله"، وأن سعد بن زُرَارَة جاء فأخذ ناقته، فكانت عنده، قال: وهذا أثبت. وذكر أيضًا أن مدة إقامته عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر. انتهى ما في "الفتح" جـ ٧ ص ٢٨٩.
وذكر في الفتح أيضًا أن البخاري أخرج في التاريخ الصغير عن ابن شهاب، قال: بين ليلة العقبة -يعني الأخيرة- وبين مهاجر النبي - ﷺ - ثلاثة أشهر، أو قريب منها.
[ ٨ / ٥٩٩ ]
قال الحافظ: هي ذو الحجة، والمحرم، وصفر، لكن مضى من ذي الحجة عشرة أيام، ودخل المدينة بعد أن استهل ربيع الأول، فمهما كان الواقع أن اليوم الذي دخل فيه من الشهر يعرف منه القدر على التحرير، فقد يكون ثلاثة سواء، وقد ينقص، وقد يزيد؛ لأن أقل ما قيل: إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل: إنه دخل الثاني عشر منه. انتهى "فتح" جـ ٧ ص ٢٩١.
تنبيه:
قد ذكر الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته في السيرة وُصُولَه - ﷺ - إلى قباء، ثم إلى المدينة، فأجاد في ذلك وأفاد، حيث قال:
حَتَّى إِذَا أتَى إِلَى قُبَاءِ … نَزَلَهَا بِالسَّعْدِ وَالهَنَاءِ
فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِثِنْتَي عشْرَه … مِنْ شَهْرِ مَوْلِدٍ فَنِعْمَ الهِجْرهُ
أقَامَ أرْبَعًا لَدَيْهِمْ وَطَلَعْ … فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ فَصَلَّى وَجَمَعْ
فِي مَسْجِدِ الْجُمْعَةِ وَهْوَ أوَّلُ … مَا جَمَّع النَّبِيُّ فِيمَا نَقَلُوا
وَقِيلَ بَلْ أقَامَ أرْبَعْ عَشْرَه … فِيهمْ وَهُمْ يَنْتَحِلُوْنَ ذِكْرَهْ
وَهْوَ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ … لَكِنَّ مَا مَرَّ مِنَ الإِتْيَانِ
لِمَسْجِدِ الجُمْعَةِ يَوْمَ جُمْعَةِ … لا يَسْتَقِيمُ مَعَ هَذِي المُدَّةِ
إلا عَلَى قَوْلٍ بِكَونِ الْقَدْمَةِ … إِلى قُبَا كانَتْ بِيَومِ الجُمْعَةِ
[ ٨ / ٦٠٠ ]
بَنَى بِهَا مَسْجِدَهُ وارْتَحَلا … لِطَيبَةَ الفَيْحَاءِ طَابَتْ مَنزِلَا
فَبَرَكْتْ نَاقَتُهُ الْمَأْمُورَه … بِمَوْضِعِ الْمَسْجِدِ فِي الظَّهِيرَهْ
فَحَلَّ فِي دَارِ أبي أيّوبَا … حَتَّى ابْتَنَى مَسْجِدَهُ الرَّحِيبَا
وَحْوْلَهُ مَنَازِلًا لأهْلِهِ … وَحَوْلَهُ أصْحَابُهُ فِي ظِلِّهِ
طَابَتْ بِهِ طَيْبَة مِنْ بَعْدِ الرَّدَى … أشْرَقَ مَا قَدْ كَانَ مِنْهَا أَسْوَدَا
كَانَتْ لَمِنْ أوْبَا أرَاضِي اللهِ … فَزَالَ دَؤُهَا بِهَذَا الجَاهِ
وَلَيْسَ دَجَّالُ وَلا طَاعُونٌ … يَدْخُلُهَا فَحِرْزُهَا حَصِينُ
انتهى المقصود من كلام الحافظ العراقي رحمه الله تعالى.
(وكان يصلي حيث أدركته الصلاة) وللبخاري "وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة".
يعني أنه - ﷺ - كان يصلي الصلاة في أي موضع أدركه وقتها، مبادرة إليها في أول وقتها.
(فيصلي في مرابض الغنم) جمع مَرْبِضٍ، كمَجْلِسٍ، ومَقْعَدٍ: مأواها ليلًا، يقال: رَبَضَتْ الدابة، رَبْضًا، من باب ضَرَبَ، رُبُوضًا، وهو مثل بُرُوك الإبل. أفاده المجد، والفيومي.
(ثم أمر بالمسجد) بالبناء للفاعل، أي أمر النبي - ﷺ - أصحابه ببناء المسجد، وروي بالبناء للمفعول، أي أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - به.
[ ٨ / ٦٠١ ]
(فأرسل إِلى ملأ بني النجار) وفي نسخة "ملأ من بني النجار" بزيادة "من" (فجاءوا، فقال: يا بني النجار ثامنوني) أي قرروا معي ثمنه، وبيعونيه بالثمن. يقال: ثامنت الرجل في المبيع، أثَامِنُهُ: إذا قاولته في ثمنه، وساومته على بيعه، واشترائه. قاله في اللسان.
(بحائطكم هذا) مشيرًا إلى بستان هناك، والحائط: البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط، وهو الجدار، وجمعه الحوائط. قاله في
اللسان. ومتعلق بثامنوني.
(قالوا: لا) وفي نسخة "ما" (نطلب ثمنه إِلا إِلى الله ﷿) أي لا نطلب الثمن إلا من الله تعالى. وقال الكرماني ما حاصله: لا نطلب ثمن المصروف في سبيل الله، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة، ثم قال: فإن قلت: الطلب يستعمل بمن، فالقياس أن يقال: إلا من الله. قلت: معناه: لا نطلب الثمن من أحد، لكنه مصروف إلى الله تعالى.
قال البدر العيني -﵀-: هذا كله تعسف مع تطويل بل معناه: لا نطلب الثمن إلا من الله تعالى، وكذا وقع عند الإسماعيلي: "لا نطلب ثمنه إلا من الله"، وقد جاء "إلى" في كلام العرب للابتداء، كقوله [من الطويل]:
تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا … أيُسْقَى فَلا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا
أي تقول الناقة بلسان الحال ذلك، والكور: الرحل، والسقي
[ ٨ / ٦٠٢ ]
بمعنى الركوب مجازًا، وإليَّ بمعنى مني. انظر مغني اللبيب مع حاشية الأمير جـ ١ ص ٧٠ - ٧١.
ويجوز أن تكون "إلى" هنا على معناها لانتهاء الغاية، ويكون التقدير: نُنْهِي طلب الثمن إلى الله تعالى، كما في قولهم: أحمد إليك الله، والمعنى: أنهي حمده إليك، والمعنى هنا: لا نطلب منك الثمن بل نتبرع به، ونطلب الأجر من الله تعالى. انتهى عمدة القاري جـ ٤ ص ١٧٧. بزيادة من المغني.
تنبيه:
ظاهر هذا الحديث يدل على أنه لم يشتره منهم، ولم يأخذوا منه ثمنًا، لكن وقع في صحيح البخاري في الهجرة ما ظاهره مخالف له، ففيه: قال: "ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول الله - ﷺ - بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر، لسهيل، وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله - ﷺ - حين بركت به راحلته: "هذا -إن شاء الله- المنزل"، ثم دعا رسول الله الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله - ﷺ - أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. . ." الحديث.
فهذه الرواية تدل على أنه اشتراه منهما، وذكر أهل السير ما يدل
[ ٨ / ٦٠٣ ]
على أنهم أخذوا الثمن، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات، عن الواقدي، عن معمر، عن الزهري: "أن النبي - ﷺ - أمر أبا بكر أن يعطيهما ثمنه"، قال: وقال غير معمر: أعطاهما عشرة دنانير. قاله في الفتح.
وفي "المنهل": روي أن أسعد بن زرارة عَوَّض الغلامين نخلًا له في بني بَيَاضَة. وروي أيضًا أن أبا أيوب قال: هو ليتيمين، وأنا أرضيهما، فأرضاهما. انتهى. جـ ٤ ص ٥٦.
وقد أجاب الحافظ -﵀-، بما حاصله أنه لا منافاة بينهما؛ لأنه يجمع بأنهم لمَّا قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله سأل عمن يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما، فحينئذ يحتمل أن يكون الذين قالوا له: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تحملوا عنه للغلامين بالثمن، وعند الزبير أن أبا أيوب أرضاهما عن ثمنه. انتهى ما قاله في "الفتح" جـ ٧ ص ٢٩٠.
وقال في "المنهل" بعد ذكر نحو ما قاله الحافظ ما نصه: ويجمع بين رواية الواقدي، وما بعدها بأن أبا بكر رغب في الخير كما رغب فيه أسعد، وأبو أيوب، ومعاذ بن عفراء، فدفع أبو بكر العشرة، ودفع كل من أولئك ما دفع، فاشتركوا في الثمن. انتهى جـ ٤ ص ٥٦.
قال الجامع عفا الله عنه: الجمع المذكور حسن جدًّا، إذ به تجتمع الروايات المختلفة في الباب. والله أعلم.
[ ٨ / ٦٠٤ ]
(قال أنس) - ﵁ - (وكانت فيه قبور المشركين) وللبخاري، فقال أنس: "فيه ما أقول لكم: قبور المشركين". . . (وكانت فيه خَرِب) قال ابن الأثير -﵀-: الخِرَبُ، يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح الراء، جمع خرَبَة كَنِقمَةٍ، وَنِقَم، ويجوز أن يكون جمع خِرْبَة -بكسر الخاء، وسكَون الراء- على التخفيف، كنِعْمَة، ونِعَمٍ، ويجوز أن يكون الخَرِبَ -بفتح الخاء، وكسر الراء- كَنَبِقَة، ونَبِقٍ، وكَلِمَة، وكَلِمٍ، قال: وقد روي بالحاء المهملة والثاء المثلثة، يريد به الموضع المحروث للزراعة. انتهى. نهاية جـ ٢ ص ١٨.
وفي الفتح: قال ابن الجوزي -﵀-: المعروف فيه: فتح الخاء المعجمة، وكسر الراء بعدها موحدة، جمع خَرِبَة، ككلم، وكلمة.
قال الحافظ: وكذا ضبط في سنن أبي داود، وقال الخطابي -﵀-: أكثر الرواة بالفتح، ثم الكسر، وحدثناه الخيام بالكسر، ثم الفتح، ثم حكى احتمالات: منها الخُرْب- بضم أوله، وسكون ثانيه، قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، والِجرَفُ -بكسر الجيم، وفتح الراء، بعدها فاء: ما تجرفه السيول، وتأكلهَ الأرض، والحَدَبُ -بالمهملة، وبالدال المهملة- أيضًا المرتفع من الأرض، قال: وهذا لائق بقوله: "فسوِّيتْ"؛ لأنه إنما يستوي المكان المُحْدَوْدِبُ، وكذا الذي جرفته السيول، وأما الخراب فيبنى، ويعمر دون أن يصلح، ويُسَوَّى. انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٣١٢.
[ ٨ / ٦٠٥ ]
قال القاضي عياض -﵀- رَدًّا على الخطابي: هذا التكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض، أمر بالخرب، فرفعت رسومها، وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فعل بالقبور.
وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح "وأمر بالحرث، فحرث"، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، يريد الموضع المحروث للزراعة. انتهى. "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٧٨.
(وكانت فيه) أي في الحائط الذي بني في مكانه المسجدُ (نخل) اسم جمع، الواحدة نَخْلَة، وكل جمع بينه، وبين واحده الهاء. قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثر، فيقولون: هي التمر، وهي البُرُّ، وهي النخل، وهي البقر. وأهل نجد، وتميم يذكرون، فيقولون: نخل كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل "نخل منقعر"، و"نخل خاوية"، وأما النخيل بالياء، فمؤنثة. أفاده في "المصباح".
قال الجامع عفا الله عنه: ولكون الأكثر في النخل التأنيث، ألحق التاء بالفعل في المواضع الثلاثة. والله أعلم.
(فأمر رسول الله - ﷺ - بقبور المشركين فنُبِشَتْ) أي كشفت، وأخرج ما فيها من العظام.
[ ٨ / ٦٠٦ ]
قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدًا نصًا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تنبش بطلب المال؟ فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعي، وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن المشرك لا حرمة له حيًّا ولا ميتًا. قاله في الفتح جـ ٧ ص ٣١٢.
(وبالنخل فقطعت) أي أمر بقطع النخل، فقطعت، وهذا -كما قال في الفتح-: محمول على أنه لم يكن يثمر، أو يثمر، ولكن دعت الحاجة إليه ليمكن بناء المسجد في ذلك المكان. والله أعلم.
(وبالخَرِبِ فسويت) أي أمرهم بتعديل الخَرِب، فعدلت، يقال: سويت المكان: إذا عدلته. كما في المصباح. وإنما أمر بذلك لتستوي الأرض، فتصلح لبناء المسجد عليها.
(فصفُّوا النخل قبلة المسجد) من صَفَفْتُ الشيءَ صَفًّا. أي جعلوها سواري جهة القبلة ليسقف عليها. أفاده في المنهل.
وفي مغازي ابن بكير، عن ابن إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن، ويقال: بل من حجارة منضودة بعضها على بعض.
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر - ﵄ -: "أن المسجد كان على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيًا باللَّبِنِ، وسَقْفُهُ الجريد، وعَمَدُه خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا". . . قال البدر العيني -﵀-: ولعل المراد بالقبلة جهتها، لا القبلة المعهودة اليوم، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت.
[ ٨ / ٦٠٧ ]
(وجعلوا عضادتيه الحجارة) أي بنوا جانبي الباب بحجارة، والعِضَادتان: تثنية عضادة -بكسر العين المهملة، بعدها ضاد معجمة- وفي التهذيب للأزهري: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه، وشماله، وزاد القزاز: فوقهما العارضة. انتهى. عمدة القاري.
(وجعلوا ينقلون الصخرة) أي شرعوا، وأخذوا ينقلون الحجارة العظيمة لتأسيس المسجد. فروي أنهم أسسوه إلى ثلاثة أذرع بالحجارة، وكملوه باللبن.
(وهم يرتجزون) جملة حالية من الضمير في ينقلون، أي يقولون الرجز، ويتعاطونه، والرجز نوع من أنواع الشعر معروف، أجزاؤه "مستفعلن" ست مرات.
(ورسول الله - ﷺ - معهم) جملة حالية أيضًا، إما مترادفة، أو متداخلة، أي والحال أن رسول الله - ﷺ - مصاحب لهم في النقلِ، وقولِ الرجز.
(وهم يقولون) وفي بعض النسخ "وهو يقول"، والضمير عليه للنبي - ﷺ -.
وللبخاري في الهجرة من طريق الزهري، قال: "وَطَفِقَ" رسول الله - ﷺ - ينقل معهم اللبِنَ في بنيانه، ويقول -وهو ينقل اللبن-:
[ ٨ / ٦٠٨ ]
هذَا الحِمَالُ لاحِمَالُ خَيْبَرْ … هَذَا أبَرُّ رَبَّنَا وَأطْهَرْ
ويقول:
اللَّهُمَّ إِنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَهْ … فارْحَمِ الأنْصَارَ والمُهَاجِرَهْ
فتمثل بشعر رجل من المسلمين، لم يسم لي.
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا -في الأحاديث- أن رسول الله - ﷺ - تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات.
قال في "الفتح": زاد ابن عائذ في آخره: "التي كان يرتجز بهن، وهو ينقل اللبن لبناء المسجد".
وقال ابن التين: أنكر على الزهري هذا من وجهين:
أحدهما: أنه رجز، وليس بشعر، ولهذا يقال لقائله راجز، ويقال: أنشد رجزًا، ولا يقال له شاعر، ولا أنشد شعرًا.
والوجه الثاني: أن العلماء اختلفوا هل ينشد النبي - ﷺ - شعرًا، أم لا؟ وعلى الجواز، هل ينشد بيتًا واحدًا، أو يزيد؟ وقد قيل: إن البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظر. انتهى.
قال الحافظ: والجواب عن الأول أن الجمهور على أن الرجز من أقسام الشعر إذا كان موزونًا، وقد قيل: إنه كان - ﷺ - إذا قال ذلك لا يطلق القافية، بل يقولها متحركة التاء، ولا يثبت ذلك.
وعن الثاني بأن الممتنع عنه - ﷺ - إنشاؤه، لا إنشاده، ولا دليل على
[ ٨ / ٦٠٩ ]
منع إنشاده متمثلًا. وقول الزهري: لم يبلغنا، لا اعتراض عليه فيه، ولو ثبت عنه - ﷺ - أنه أنشد غير ما نقله الزهري؛ لأنه نفى أن يكون بلغه، ولم يطلق النفي المذكور. على أن ابن سعد روى عن عفان، عن معتمر بن سليمان، عن معمر، عن الزهري، قال: "لم يقل النبي - ﷺ - شيئًا من الشعر، قيل قبله، أو يروى عن غيره، إلا هذا"، كذا قال، وقد قال غيره: إن الشعر المذكور لعبد الله بن رواحة، فكأنه لم يبلغه، وما في الصحيح أصح، وهو قوله "شعر رجل من المسلمين". انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٢٩١.
تنبيه:
قد ذكر العلامة القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] بحثًا نفيسًا، فقال:
إصابة الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن، كقوله يوم حنين، وغيره:
هَلْ أنْتِ إلا إصبَغٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
وقوله:
أنَا النَبِيُّ لا كَذِبْ … أنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام، وليس ذلك شعرًا، ولا في معناه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
[ ٨ / ٦١٠ ]
تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]. وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ذكر ابن العربي منها آيات، وتكلم عليها، وأخرجها عن الوزن، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله: "أنا النبي لا كذب":
ليس بشعر.
وقال الخليل في كتاب العين: إن ما جاء من السجع على جزءين لا يكون شعرًا. وروي عنه أنه من منهوك الرجز. وقد قيل: لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله: "لا كذب". ومن قوله: "عبد المطلب". ولم يعلم كيف قاله النبي - ﷺ -. قال ابن العربي: والأظهر من حاله أنه قال: "كَذِبٌ" الباء مرفوعة، وبخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة.
وقال النحاس: قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرًا؛ لأنه إذا فَتَحَ الباء من البيت الأول، أو ضمها، أو نونها، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر.
وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر. وهذا مكابرة العيان، لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره.
وأما قوله: "هل أنت إلا إصبع دميت"، فقيل: إنه من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من دميت، فإن سكن لا
[ ٨ / ٦١١ ]
يكون شعرًا بحال؛ لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعولْ، ولا مدخل لفعول في بحر السريع، ولعل النبي - ﷺ - قالها ساكنة التاء، أو متحركة التاء من غير إشباع.
والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ويُسْقِطُ الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبي - ﷺ - عالمًا بالشعر، ولا شاعَرًا أن التمثل بالبيت النزر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر، ولا يسمى شاعرًا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطًا لا يكون خياطًا.
قال أبو إسحاق الزجاج: معنى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]: وما علمناه أن يشعر، أي ما جعلناه شاعرًا، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئًا من الشعر.
قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا. وقد قيل: إنما خَبَّرَ الله ﷿ أنه ما علمه الله الشعر، ولم يخبر أنه لا ينشد شعرًا، وهو ظاهر الكلام. وقيل فيه قول بَيِّنٌ، زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا. كل من قال قولًا موزونًا لا يقصد به إلى شعر، فليس بشعر، وإنما وافق الشعر، وهذا قول بَيِّنٌ.
قالوا: وإنما الذي نفاه الله عن نبيه - ﷺ - فهو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بذلك بالاتفاق، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا
[ ٨ / ٦١٢ ]
قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: إنه شاعر، فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئًا منها، وما قوله بشعر.
وقال أنيس أخو أبي ذرّ: لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء، فلم يلتئم. أخرجه مسلم. وكان أنيس من أشعر العرب- وأقراءُ الشعر: أنواعه، وطرقه، وبحوره-.
وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه: والله ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر. وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء واللُّسْن البلغاء.
ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرًا، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، فقد يقول القائل: حدثنا شيخ لنا، وينادي: يا صاحب الكسائي. ولا يعدّ هذا شعرًا.
وقد كان رجل ينادي في مرضه، وهو من عُرض العامة العقلاء: اذهبوا بي إلى الطبيب، وقولوا: قد اكتوى. انتهى كلام القرطبي -﵀- جـ ١٥ ص ٥٢ - ٥٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب الأخير هو الأحسن عندي، وحاصله أن الشعر المعني في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] هو الذي وقع عن قصد، وأما ما وقع اتفاقًا، فلا. فما وقع من كلامه - ﷺ - موزونًا، وكذا ما أنشده لغيره،
[ ٨ / ٦١٣ ]
وما وقع في الآيات القرآنية، فليس شعرًا، لما قلنا. وبهذا يزول الإشكال. والله أعلم.
(اللهم) معناه: يا الله، وقال البصريون: اللهم دعاء بجميع أسمائه، إذ الميم تشعر بالجمع، كما في عليهم، وقال الكوفيون: أصله الله أمَّنَا بخير، أي اقصدنا، فخفف، فصار "اللهم" (لاخير إِلا خير الآخرة)، وفي رواية أبي داود "اللهم إن الخير خير الآخرة (فانصر الأنصار) هكذا رواية المصنف "فانصر"، وهي رواية البخاري في الهجرة، ورواية أبي داود أيضًا، ووقع في رواية الأكثرين للبخاري "فاغفر للأنصار"، وللمستملي، والحموي "فاغفر الأنصار" بحذف اللام، بتضمين "اغفر" معنى "استر".
والأنصار: جمع نصير، كأشْراف، جمع شريف، والنصير: الناصر، من نصره الله على عدوه، ينصره، نصرًا، والاسم: النصرة، وسموا بذلك؛ لأنهم آووا النبي - ﷺ -، وعزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، - ﵃ -.
(والمهاجرة) أي الجماعة المهاجرة، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة فرارًا بدينهم إلى الله تعالى، وإلى رسوله - ﷺ -.
والهجرة في الأصل، من الهَجْرِ، ضِدِّ الوصل، وقد هَجَرَه، هَجْرًا، وهِجْرانا، ثم غلب على الخرَوج منَ أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية. يقال منه: هاجر مهاجرة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ٨ / ٦١٤ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٢/ ٧٠٢)، و"الكبرى" (١٢/ ٧٨١) عن عمران بن موسى، عن عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس رضي الله تعالى عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة"، وفي موضعين من الوصايا، وفي الهجرة من المناقب، عن مسدد، وفي "الحج" عن أبي معمر عبد الله ابن عمرو، وفي "البيوع" عن موسى بن إسماعيل، وفي الوصايا عن إسحاق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، وفي الهجرة عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد.
ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وشيبان بن فروخ، ستتهم عن عبد الوارث بن سعيد، به.
وأبو داود فيه عن مسدد به. وعن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عنه نحوه.
[ ٨ / ٦١٥ ]
وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع، عن حماد بن سلمة ببعضه: كان موضع مسجد النبي - ﷺ - لبني النجار. . . إلى آخر الحديث.
وأخرجه أحمد (٣/ ٢١١، ١١٨، ١٨٠، ١٢٣، ٢٤٤)، وابن خزيمة رقم (٧٨٨). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز نبش قبور المشركين، واتخاذ أرضها مسجدًا للصلاة فيه.
ومنها: مشروعية الهجرة من بلاد الكفر إلى دار الإسلام.
ومنها: جواز الارتداف على دابة واحدة، لكن إذا كانت تطيق ذلك.
ومنها: جواز التِفَافِ المَرْءُوسِينَ حول رئيسهم، احترامًا له.
ومنها: أن للرئيس أن يخص بعض قومه بالنزول عنده، إذا كان قريبًا له، تقديمًا لحق القرابة.
ومنها: مشروعية الصلاة في أي مكان حضرت.
ومنها: جواز الصلاة في مرابض الغنم، وكون بعرها وبولها طاهرًا على الراجح من أقوال أهل العلم.
[ ٨ / ٦١٦ ]
ومنها: المبادرة ببناء المسجد قبل بناء المنازل.
ومنها: مشروعية بيع الأرض وشرائها ومنع اغتصابها.
ومنها: مشروعية التبرع لله تعالى بما يملكه من الأراضي.
ومنها: جواز قطع الأشجار، وإن كانت مثمرة للحاجة.
ومنها: جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها، وإخراج ما فيها.
ومنها: أن المشرك لا حرمة لدمه، ولا لعظامه بعد موته.
ومنها: جواز قول الشعر، ولا سيما الرجز للتعاون على الأعمال الشاقة لما فيها من تحريك الهمة، وتشجيع النفوس على معالجة الأمور الصعبة.
قال في "الفتح": وذكر الزبير من طريق مجمع بن يزيد، قال قائل من المسلمين في ذلك [من الرجز]:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ … ذَاكَ إذًا لَلْعَمَلُ المضَلَّلُ
ومن طريق أخرى عن أم سلمة نحوه، وزاد: قال: وقال علي بن أبي طالب [من الرجز]:
لا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ المَسَاجِدَا … يَدْأب فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا
وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائدًا
[ ٨ / ٦١٧ ]
ومنها: أن ما ورد في كراهية البناء مختص بما زاد على الحاجة، أو لم يكن في أمر ديني، كبناء المساجد.
ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من التواضع، وكمال الخلق، حيث ينقل معهم الصخر، ويجيبهم في شعرهم.
ومنها: أن الخير كل الخير هو خير الآخرة، لكونه لا ينقطع بخلاف خير الدنيا فإنه سريع الزوال.
ومنها: استحباب الدعاء بالنصر للمسلمين. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٦١٨ ]