أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على الإمام الذي تعرض له الحاجة بعد الإقامة للصلاة، ولابد من التقدير، أي هل يباح له التشاغل بالحاجة قبل الدخول في الصلاة أم لا؟ والجواب أنه يجوز له ذلك.
وقيد بقوله: "بعد الإقامة" لأنه قبل الإقامة يجوز بالطريق الأولى. أفاده العيني (^١).
وقوله: "تعرض" -بكسر الراء- مضارع عَرَضَ، أي تظهر. يقال: عَرَضَ له أمر، من باب ضرب: إذا ظهر (^٢). أفاده الفيومي.
تنبيه:
قال الزين بن المُنَيِّرِ ﵀ عند قول البخاري رحمه الله تعالى: (باب الإمام تعرِض له الحاجة بعد الإقامة): خص المصنفُ الإمامَ بالذكر مع أن الحكم عام؛ لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجة النبي -ﷺ-، لقوله: "والنبي -ﷺ- يناجي رجلًا" ولو كانت لحاجة الرجل لقال أنس: ورجل يناجي النبي -ﷺ-. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وهذا ليس بلازم، وفيه غفلة منه عما في صحيح مسلم بلفظ: "أقيمت الصلاة، فقال رجل: لي حاجة. فقام النبي -ﷺ- يناجيه".
_________________
(١) عمدة جـ ٥ ص ١٥٧ - ١٥٨.
(٢) المصباح جـ ٢ ص ٤٠٢.
[ ١٠ / ٥٩ ]
والذي يظهر لي أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام؛ لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين بخلاف الإمام، ولما كانت المسألة بين الإحرام والإقامة تشمل المأموم والإمام أطلق البخاري الترجمة -يعني الترجمة التالية- ولم يقيدها بالإمام، فقال: (باب الكلام إذا أقيمت الصلاة). وأشار بذلك الردّ على من كرهه مطلقًا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (^١). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٩١ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَجِيٌّ لِرَجُلٍ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي طوسي الأصل، يلقب دَلُّويه، وكان يغضب منها، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢ وله ٨٦ سنة، من [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم بن مِقْسم، المعروف بابن عُلَيَّة، أبو بشر البصري، ثقة حافظ، مات سنة ١٩٣ وله ٨٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٣٧ - ٣٣٨.
[ ١٠ / ٦٠ ]
٣ - (عبد العزيز) بن صهيب البُنَاني البصري، ثقة، مات سنة ١٣٠، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الخادم ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٤٩) من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم بصريون، إلا شيخه، فطوسي -بالضم- نسبة إلى طوس، قرية من قرى بُخَارى، نزيل بغداد.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، وفي رواية لمسلم "سمع أنسًا". أنه (قال: أقيمت الصلاة) أي صلاة العشاء، كما بينه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، ولفظه: "أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي -ﷺ- يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلَّوا".
(ورسول الله -ﷺ- نجي لرجل) جملة من مبتدأ وخبر في محل
[ ١٠ / ٦١ ]
نصب على الحال من "الصلاة" والرابط الواو. و"النجي": المناجي، كنديم، بمعنى منادم، ووزير بمعنى موازر.
وقال السندي ﵀: "النجي": فعيل من المناجاة، أي مناج له، ولعله كان أمرًا ضروريًا، أو فعل ذلك لبيان الجواز، ويؤخذ منه أن الفصل بين الإقامة والشروع لا يضر بالصلاة. انتهى (^١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: "وأما قوله: نجي لرجل": فمعناه مُسَارّ له، والمناجاة: التحديث سرًّا. و"النَّجِيَ" فَعِيلٌ بمعنى فاعل، يقال: رجل نجي، ورجلان نجي، ورجال نجيَّ بلفظ واحد. قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] والله أعلم. انتهى (^٢).
قال الحافظ ﵀: ولم أقف على اسم هذا الرجل. وذكر بعض الشراح أنه كان كبيرًا في قومه، فأراد أن يتألفه على الإسلام. ولم أقف على مستند ذلك. قيل: ويحتمل أن يكون مَلكًا من الملائكة جاء بوحي من الله ﷿. ولا يخفى بعد هذا الاحتمال. اهـ (^٣).
(فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم) زاد شعبة عن عبد العزيز: "ثم قام، فصلى" أخرجه مسلم، وهو عند البخاري في "الاستئذان".
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٨١ - ٨٢.
(٢) شرح مسلم جـ ٤ ص ٧٢ - ٧٣.
(٣) فتح جـ ٢ ص ٣٣٧.
[ ١٠ / ٦٢ ]
ووقع عند إسحاق بن راهويه في مسنده، عن ابن علية، عن عبد العزيز في هذا الحديث: "حتى نعس بعض القوم". وكذا هو عند ابن حبان من وجه آخر عن أنس. وهو يدلّ على أن النوم المذكور لم يكن مستغرقًا (^١).
وقد تقدم تحقيق أقوال أهل العلم في انتقاض الوضوء بالنوم وعدمه، وترجيح الراجح منها بدليله في باب الوضوء من النوم رقم (١١٦/ ١٦١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا (١٣/ ٧٩١)، وفي "الكبرى" (١٣/ ٨٦٦) بالسند المذكور.
وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز، عنه. وعن عياش بن الوليد، عن عبد الأعلى، عن حميد، عن ثابت، عنه. وفي "الاستئذان" عن محمد ابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد العزيز، عنه.
_________________
(١) راجع الفتح جـ ٢ ص ٣٣٧.
[ ١٠ / ٦٣ ]
ومسلم في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. وعن زهير بن حرب، عن إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز به. وعن أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، عن حَبّان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت به.
وأبو داود فيه عن مسدد، عن عبد الوارث به. وعن حسين بن معاذ، عن عبد الأعلى، عن حميد به. وعن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به.
والترمذي فيه عن الحسن بن علي الخلال، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت عنه.
وأحمد (٣/ ١٢٩، ١٠١، ١٦٠، ٢٦٨، ١١٤، ٢٣٨، ١٦١، ٢٣٢، ٢٠٥، ١٩٩). وعبد بن حميد رقم (١٣٢٤) و(١٢٤٩).
وابن خزيمة رقم (١٥٢٧). والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى؛ وهو جواز تشاغل الإمام إذا عرضت له حاجة بعدما تقام الصلاة، ومثله غير الإمام، كما تقدم قريبًا.
ومنها: جواز مناجاة الاثنين لحضور الجماعة.
ومنها: جواز الفصل بين الأذان والإحرام للصلاة إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، قال الحافظ ﵀: واستدلّ به
[ ١٠ / ٦٤ ]
للردّ على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال: "قد قامت الصلاة" وجب على الإمام التكبير. اهـ.
وقال صاحب "التلويح" ﵀: فيه جواز الكلام بعد الإقامة، وإن كان إبراهيم، والزهري، وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك، حتى قال بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة" وجب على الإمام التكبير، وقال مالك: إذا بعدت الإقامة رأيت أن تعاد الإقامة استحبابًا. اهـ.
قال العلامة العيني ﵀: إنما كره الحنفية الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا يكره (^١).
ومنها: أن النوم الخفيف الذي لا يستغرق لا ينقض الطهارة، وقد مرّ تحقيقه في موضعه من كتاب الطهارة كما أشرت إليه قريبًا.
ومنها: جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها للحاجة. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) انظر الفتح جـ ٢ ص ٣٣٧. وعمدة القاري جـ ٥ ص ١٥٨.
[ ١٠ / ٦٥ ]