أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز الصلاة خلف إمام بينه وبين المقتدي ساتر.
٧٦٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَصِيرَةٌ يَبْسُطُهَا بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهَا بِاللَّيْلِ، فَيُصَلِّي فِيهَا، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الْحَصِيرَةُ، فَقَالَ: "اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ ﷿ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ". ثُمَّ تَرَكَ مُصَلاَّهُ ذَلِكَ فَمَا عَادَ لَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿ وَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
[ ٩ / ٤٧٩ ]
٢ - (الليث) بن سعد أبو الحارث الفهمي، الإمام الحجة الفقيه المصري، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن عجلان) هو محمد المدني، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، مات سنة ١٤٨، من [٥]، أخرج له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة، تقدم في ٣٦/ ٤٠.
٤ - (سعيد المقبري) بن أبي سعيد كيسان، أبو سعد المدني، ثقة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود سنة ١٢٠، وقيل غير ذلك، من [٣] أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٥/ ١١٧.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة؛ فابن عجلان علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وأنهم مدنيون، إلا شيخه فبغلاني، والليث فمصري.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
[ ٩ / ٤٨٠ ]
ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة.
ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، كما تقدم في السند الماضي.
ومنها: أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة؛ من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان لرسول الله -ﷺ- حصيرة) هكذا رواية المصنف هنا، وفي الكبرى: "حصيره" بالهاء، والذي في كتب اللغة بدونها، وصرح في "المصباح" أن تأنيثها بالهاء عامي.
وهي -بفتح الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة أيضًا-: البساط الصغير من النبات. وقيل: سَفيفَة (^١) تُصنع من بَرْديّ، وأسَل، ثم تفرش، سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض. وقيل: الحصير المنسوج، سمي حصيرًا لأنه حُصِرت طاقاته بعضُهَا مع بعض. أفاده في "اللسان" (^٢).
_________________
(١) السَّفيفة -بفاءين-: النسيجة، يقال: سفَفتُ الخُوص اسُفّه -بالضم- سَفًّا، وأسففته إسفافًا: أي نسجته بعضه في بعض، وكل شيء ينسج بالأصابع فهو الإسفاف. اهـ لسان. والبَرْديُّ -بالفتح-: نبت معروف، واحدته بردية. اهـ. لسان. و"الأَسَل -بفتحتين-: عِيدَانٌ تنبت طِوالًا دِقاقًا مستوية، لا ورق لها، يعمل منها الحُصُر. اهـ. لسان.
(٢) لسان جـ ٢ ص ٨٩٧.
[ ٩ / ٤٨١ ]
وقال الفيومي: والحصير البَارِيَّةُ (^١). وجمعه حُصُر، مثل بَرِيد وبُرُد (^٢).
(يبسطها بالنهار) جملة في محل رفع على أنها صفة لحصيرة. أي يجعلها بساطًا يجلس عليها، والباء في قوله: "بالنهار" بمعنى "في"، وكذا في قوله: "بالليل".
(ويحتجرها بالليل) -بالراء المهملة- أي يتخذها كالحُجْرة، لئلا يمر عليه مارّ، ويتوفر خشوعه. وفي نسخة: "ويحتجز بها" بالزاي بدل الراء: أي يستتر بها عن غيره. وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ أن ذلك كان في رمضان، فعند البخاري من حديثه "أن رسول الله -ﷺ- اتخذ حُجرة -قال: حسبت أنه قال: من حصير- في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه … " الحديث.
(فيصلي فيها) أي يصلي صلاة الليل في داخل تلك الحجرة التي اتخذها من الحصير (ففطِن له الناس) أي تَنَبَّهُوا له. يقال: فَطِن، يَفْطَنُ فَطَنًا، وفِطْنة، وفَطانة: صار ذا فطْنة، وللأمر، وبه، وإليه: تنبه له (^٣). وقال المجد ﵀: الفِطْنة -بالكسر-: الحِذْق، فَطِن به، وإليه، وله، كفَرِح، ونَصَرَ، وكَرُمَ، فطْنًا، مثلثة، وبالتحريك، وبضمتين، وفُطُونَةً، وفَطانَة، وفَطانِيَة، مفتوحتين، فهو فَاطِن، وفَطِين،
_________________
(١) "الباريَّة": الحصير المعمول من القصب. قاله في اللسان.
(٢) المصباح جـ ١ ص ١٣٨ - ١٣٩.
(٣) المعجم الوسيط جـ ٢ ص ٦٩٥.
[ ٩ / ٤٨٢ ]
وفَطُون، وفَطِن، وفَطُن، كنَدُس، وفَطْن، كَعَدْل، جمعه فُطُن، بالضم، وهي فاطنة. اهـ (^١).
وفي رواية البخاري: "فثاب إليه ناس" بالثاء المثلثة، ثم موحدة: أي اجتمعوا، ووقع عند الخطابي "آبُوا" أي رجعوا، وفي رواية الكشميهني والسرخسي " فثاروا" بالمثلثة، والراء: أي قاموا (^٢).
(فصلوا بصلاته) أي بسبب صلاته، أو مع صلاته، فالباء سببية، أو بمعنى "مع" (وبينه وبينهم الحصيرة) فيه جواز الاقتداء، وإن كان بينهما حاجز، وسيأتي أقوال أهل العلم في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى.
(فقال) -ﷺ- (اكلَفُوا) -بفتح اللام- أي احمِلُوا على مشقة. قال الفَيُّومي ﵀: وكَلفْتُ الأمرَ، من باب تَعب: حَمَلتُه على مشقة، ويتعدى إلى مفعول ثان بالتضعيف، فيقال: كَلَّفته الأمرَ، فتكلفه، مثل حمَّلتُه، فتحمله وزنًا ومعنى على مشقة أيضًا. وكَلِفت به، كَلَفًا، فأنا كَلِف، من باب تَعبَ: أحببته، وأولعْتُ بهَ، والاسم الكَلافَةَ - بالفتح. اهـ (^٣). وقال ابن منظور ﵀: ويقال: كَلِفْتُ بهذا الأمر: أي أولِعتُ به. وفي الحديث: "اكلَفُوا من العمل ما تطَيقون". هو من
_________________
(١) القاموس المحيط.
(٢) فتح جـ ٢ ص ٤٥٣.
(٣) المصباح جـ ٢ ص ٥٣٧ - ٥٣٨. بتقديم وتأخير.
[ ٩ / ٤٨٣ ]
كَلِفْتُ بالأمر: إذا أولِعتَ به، وأحببته. اهـ (^١).
(من العمل) بيان مقدم لـ "ما تطيقون" فهو متعلق بحال محذوف من "ما" أي حال كون "ما تطيقونه كائنًا من العمل (ما تطيقونه)؛ "ما" اسم موصول في محل نصب مفعول "اكلَفوا"، أي اكلَفوا العمل الذي تستطيعون المداومة عليه، ثم علَّلَ ذلك بقوله: (فإِن الله ﷿ لا يمل حتى تملوا) قال الفَيُّومي ﵀: مَلِلْتُه، ومللتُ منه، مَلَلًا، من باب تَعبَ، ومَلَالةً: سَئِمتُ، وضَجِرْت، والفاعل مَلُول، ويتعدى بالهمز، فيقال: أمللته. اهـ (^٢).
قال النووي ﵀:
قال العلماء: المَلَل، والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى، فيجب تأويل الحديث. قال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة المالِّ، فيقطع عنكم ثوابه، وجزاءه، وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم.
وقيل: معناه لا يملّ إذا مَلِلْتم. قاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابي وغيره، وأنشدوا فيه شعرًا، قالوا: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى يقطع خصومه، معناه لا ينقطع إذا انقطع خصومه، ولو كان معناه ينقطع إذا انقطع خصومه لم يكن له فضل
_________________
(١) لسان جـ ٥ ص ٣٩١٦ - ٣٩١٧.
(٢) المصباح جـ ٢ ص ٥٨٠.
[ ٩ / ٤٨٤ ]
على غيره. اهـ (^١).
وقال السيوطي ﵀ في شرحه لهذا الكتاب ما نصه:
والْمَلالَ: استثقال الشيء والنفور عنه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى باتفاق. قال الإسماعيلي، وجماعة من المحققين: إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال القرطبي: وجه مجازه أنه تعالى لمّا قطع ثوابه عمن قطع العمل مَلالًا عبّر عن ذلك بالملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه. وقال الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه. وهذا كله بناء على أن "حتى" على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من المفهوم.
وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه لا يمل الله إذا مَلِلْتم، وهو مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا يفعل كذا حتى يَبْيَضَّ القارُ، أو حتى يَشِيب الغراب، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه؛ لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية. وهذا المثال أشبه من الذي قبله؛ لأن شَيب الغراب ليس ممكنًا عادة بخلاف الملال من العابد.
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٦ ص ٧١.
[ ٩ / ٤٨٥ ]
وقال المازري: قيل: "حتى" هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يملّ، وتملون، فنفى عنه الْمَلال، وأثبته لهم، قال: وقد قيل: "حتى" بمعنى "حين"، والأول أليق، وأحرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية. وقال ابن حبان في صحيحه: هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها. وهذا رأيه في جميع المتشابه. اهـ كلام السيوطي (^١).
قال الجامع: ليس في هذا الحديث إثبات الملل لله ﷿ صريحًا، بل هو من باب مفهوم المخالفة، وأما صريحه فنفي الملل عنه، فلا ينبغي أن نثبت به صفة الملل، فالأولى عندي قول بعضهم: إن "حتى" هنا بمعنى الواو، وليست للغاية، فيكون المعنى إن الله لا يمل، وأنتم تملون، أو يكون المعنى لا يمل إذا مللتم.
والمراد به تشجيعهم على المداومة على الأعمال القليلة التي لا تنقطع، ولا تؤدي إلى الملل، حيث إن الله تعالى لا يلحقه ملل، فلا ينبغي للعبد أن يمل عن الإقبال عليه، إذ يؤدي ملله إلى إعراض الله عنه، فإن من أعرض عن الله أعرض الله عنه؛ فقد أخرج الشيخان عن أبي واقد الليثي ﵁، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، فأما أحدهم فاوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه".
_________________
(١) زهر الربى جـ ٢ ص ٦٨ - ٦٩.
[ ٩ / ٤٨٦ ]
متفق عليه.
ثم عطف عَلَى العلة المذكورة علة أخرى، فقال (وإِن أحب الأعمال إِلى الله -﷿- أدومه، وإِن قلّ) أي ولأن الأحب من الأعمال إلى الله ﷿ أكثره دوامًا.
قال ابن العربي: معنى المحبة من الله تعالى تعلق الإرادة بالثواب، أي أكثر الأعمال ثوابًا أدومها، وإن قل.
قال الجامع: هذا تأويل لمعنى المحبة بلازمها، وهذا غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى نفي صفة المحبة عن الله تعالى بمعناها الحقيقي اللائق به ﷾، فالصواب إثباتها له، كما أثبتتها النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة على المعنى اللائق به ﷾، كسائر صفاته العلية، من الرضا، والإرادة، والقدرة، والعلم، وغيرها من غير فرق. ولا يلزم في ذلك تشبيهه بالمخلوقين؛ إذ صفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذواتهم، ولا فرقَ. وإنما يلزم التشبيه لو أثبتناها على المعنى الذي تفسر به إذا كانت للمخلوق، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فتبصر، ولا تتحير، واسلك سبيل السلف، تسلم من الضلال والتلف.
وقال النووي ﵀: وفيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرًا من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة،
[ ٩ / ٤٨٧ ]
والنية، والإخلاص، والإقبال على الخالق ﷾، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة (^١).
وقال ابن الجوزي ﵀: إنما أحب العمل الدائم؛ لمعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمُعرِض بعد الوصول، فهو متعرض لهذا، ولهذا أورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها (^٢)، وإن كان قبل حفظها لا تتعين عليه.
والثاني: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتًا مّا كمن لازم يومًا كاملًا ثم انقطع (^٣).
(ثم ترك) -ﷺ- (مصلاّه ذلك حتى قبضه الله ﷿) أي خوفًا من حرصهم على ذلك أوّلًا، ثم عجزهم عنه آخرًا (وكان) -ﷺ- (إِذا عمل عملًا أثبته) أي داوم عليه.
وفي رواية لمسلم: "وكان آل محمد -ﷺ- إذا عملوا عملًا أثبتوه".
قال النووي ﵀: أي لازموه، وداوموا عليه. والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته، وخواصه -ﷺ- من أزواجه، وقرابته، ونحوهم (^٤).
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٦ ص ٧١.
(٢) الحديث الوارد في هذا أخرجه الترمذي، وهو ضعيف.
(٣) نقله في زهر الربى جـ ٢ ص ٦٩ - ٧٢.
(٤) شرح مسلم جـ ٦ ص ٧٢.
[ ٩ / ٤٨٨ ]
وأخرج مسلم أيضًا عن علقمة، قال: سألت أم المؤمنين عائشة ﵂، قال: قلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل رسول الله -ﷺ-؟، هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان عليه رسول الله -ﷺ- يستطيع؟.
وأخرج أيضًا عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها، وإن قلّ. قال: وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٢/ ٧٦٢)، وفي "الكبرى" (١٢/ ٨٣٨) عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة، عنها. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن إبراهيم بن المنذر، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، وفي اللباس عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر -كلاهما عن سعيد المقبري به.
[ ٩ / ٤٨٩ ]
ومسلم في الصلاة عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر به.
وأبو داود فيه عن قتيبة، عن الليث، ببعضه: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون".
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، عن عبيد الله بن عمر -بقصة الحصير مختصرة.
وأخرجه الحميدي رقم (١٨٣)، وأحمد جـ ٦ ص ٤٠، ٦١، ٨٤، ٢٤١، ٢٦٧. وابن خزيمة رقم (١٦٢٦). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الاقتداء بمن كان بينه وبينه حاجز، وهذا إذا لم يشتبه عليه انتقالات الإمام، وإلا فلا.
ومنها: بيان ما كان عليه النبي -ﷺ- من الاجتهاد في العبادة، وقيام الليل.
ومنها: بيان ما كان عليه من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، حيث إنه كان يكتفي بحصير واحد يجلس عليه نهارًا، ويتخذه حجرة ليلًا.
ومنها: مشروعية الجماعة في النافلة.
ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص في تتبع أفعال النبي -ﷺ-، للاقتداء به.
[ ٩ / ٤٩٠ ]
ومنها: كمال شفقته -ﷺ-، ورأفته بأمته، حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو التمسك من الأعمال بما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحًا، فتتم العبادة، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق عليه، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفة، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم، وقد ذم الله ﷾ من اعتاد عبادة، ثم أفرط فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية. وقد نَدِمَ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ على تركه قبول رخصة رسول الله -ﷺ- (^١).
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في جواز الاقتداء مع وجود الحائل بين الإمام والمأموم.
قال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: (باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط، أو سترة): وقال الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر. وقال أبو مِجْلَز: يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق أو جدار، إذا سمع تكبير الإمام. انتهى (^٢).
قال العلامة العيني ﵀: وجواب "إذا" محذوف، تقديره: لا يضر ذلك. والمسألة فيها خلاف، ولكن ما في الباب يدل على أن ذلك
_________________
(١) أفاده في شرح مسلم جـ ٦ ص ٧١.
(٢) صحيح البخاري جـ ١ ص ١٨٥ - ١٨٦.
[ ٩ / ٤٩١ ]
جائز، وهو مذهب المالكية أيضًا، وهو المنقول عن أنس، وأبي هريرة، وابن سيرين، وسالم، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام، وهو في دار بينها وبين المسجد طريق.
وقال مالك: لا بأس أن يصلي، وبينه وبين الإمام نهر صغير، أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداها تجزيهم الصلاة معه. وكره ذلك طائفة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو حائط أو نهر فليس هو معه.
وكره الشعبي، وإبراهيم أن يكون بينهما طريق. وقال أبو حنيفة: لا تجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق. وبه قال الليث، والأوزاعي، وأشهب (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي هو القول بجواز الاقتداء بمن كان بينه وبينه جدار، أو طريق، أو نهر، أو غير ذلك من الفاصل بينهما إذا كان يعلم بانتقالات الإمام، بسماع تكبيره، أو برؤيته، أو رؤية بعض الصفوف، أو نحو ذلك. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) عمدة القاري جـ ٥ ص ٢٦٢.
[ ٩ / ٤٩٢ ]