أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على النهي عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة فيها.
والمراد بالقبور: قبور الأنبياء والصالحين بدليل الباب السابق.
٧٠٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَيُونُسَ، قَالَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَطَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ -وَهُوَ كَذَلِكَ-: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي، ثبت حجة، من [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦.
[ ٨ / ٦١٩ ]
٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري ثم اليمني، ثقة ثبت، من [٧] تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت، من [٧] تقدم في ٩/ ٩.
٥ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثبت حجة، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٦ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه، من [٣] تقدم في ٢٢٢.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدمت في ٥/ ٥.
٨ - (ابن عباس) عبد الله، الحبر البحر - ﵁ -، تقدم في ٢٧/ ٣١.
ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أن عائشة، وابن عباس) - ﵃ - (قالا: لما نُزِل برسول الله - ﷺ -) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل الجار والمجرور، والأصل: لما نَزَل الموتُ برسول الله - ﷺ -.
وفي الفتح: قوله: (لما نزَلَ) كذا لأبي ذر بفتحتين، والفاعل محذوف، أي الموت، ولغيره بضم النون، وكسر الزاي. انتهى. جـ ١ ص ٦٣. فأفاد أن رواية الأكثرين بالبناء للمفعول.
[ ٨ / ٦٢٠ ]
(فطَفِقَ) هكذا نسخ المجتبى التي بين يدي بالفاء، ونسخة الكبرى "طفق" بدونها، وهو الذي في الصحيحين، وهو ظاهر؛ لأن "طفق" عليه جواب "لَمَّا"، والأول أيضًا له وجه صحيح؛ لأن "طفق" عطف على "نزل"، وجواب "لما" قوله: "قال" من قوله: "قال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود" إلخ.
و"طفق" من أفعال الشروع التي تعمل عمل "كان"، كما أشار إليها في الخلاصة حيث قال:
كَأَنْشَأ السَّائق يَحْدُو، وَطَفِقْ … كذَا جَعَلْتُ، وَأَخذْتُ، وَعَلِقْ
حكى الأخفش طَفَقَ، يَطْفِقُ، مثل ضرب يضرب، وطَفِقَ يَطْفَقُ، مثل عَلِمَ يعلَمُ، ولم يستعمل له اسم فاعل، واستعمل له مصدر، حكى الأخفش طُفُوقًا، عمن قال: طفَقَ- بالفتح، وطَفَقًا عمن قال: طَفِقَ- بالكسر. ومعناه هنا: جعل. أفاده العيني.
(يطرح) جملة في محل نصب خبر "طفق" (خميصة) بالنصب مفعول "يطرح". وهي -بفتح المعجمة، وكسر الميم، بعدها ياء ساكنة، ثم صاد مهملة-: كساء أسود مربع، له علمان، فإن لم يكن معْلَمًا، فليس بخميصة، وهي ثوب خَزّ، أو صوف مُعلَم.
وقيل: لا تسمى خَمِيصَة، إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص.
وقيل: الخمائص: ثياب من خَزٍّ ثِخَانٌ سُودٌ، وحُمْرٌ، ولها
[ ٨ / ٦٢١ ]
أعلام ثِخَان أيضًا. أفاده في اللسان.
(له) متعلق بمحذوف صفة لخميصة أي كائنة له (على وجهه) متعلق بيطرح (فإِذا اغتم) بالغين المعجمة -أي احتبس نفسه عن الخروج، وقيل: سخن بالخميصة، وأخذ بنفسه من شدة الحر. قاله السندي (كشفيها عن وجهه) أي أزال تلك الخميصة عن وجهه ليزول اغتمامه.
(قال) وللبخاري "فقال" بالفاء (-وهو كذلك-) جملة في محل نصب على الحال، وهي معترضة بين القول ومقوله، أي والحال أنه في تلك الحال، من الطرح والكشف (لعنة الله على اليهود والنصارى) مقول القول، واللعنة: الطرد والإبعاد عن الرحمة، أي أبعدهم الله عن رحمته.
وكأنه - ﷺ - علم أنه لا يقوم من مرضه ذلك، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى، إشارة إلى ذم من فعل مثل فعلهم.
(اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة، استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدر، فكأن سائلًا سأله، فقال: "ما سبب لعنهم؟ " فأجابه بقوله: "اتخذوا". . .
وزاد في الكبرى، في الوفاة: "يُحذِّرُ مثل ما صنعوا". ونحوه عند الشيخين، وهو مستأنف من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بذلك.
[ ٨ / ٦٢٢ ]
وقد استشكل ذكر النصارى فيه؛ لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى، فليس بين عيسى، وبين نبينا - ﷺ - نبي غيره، وهو في السماء لم يمت، فليس له قبر:
والجواب: أنه كان فيهم أنبياء أيضًا، لكنهم غير مرسلين، كالحواريين، ومريم في قول، أو الجمع في قوله: "أنبيائهم" بإزاء المجموع من اليهود والنصارى، والمراد الأنبياء، وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيده -كما قال الحافظ -﵀-: قوله في رواية مسلم من طريق جندب "كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"، ولهذا لما أفرد النصارى في حديث عائشة الآتي (٧٠٤) قال: "إذا مات فيهم الرجل الصالح"، ولما أفرد اليهود في حديث أبي هريرة المتفق عليه، قال: "قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، أو المراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعًا، أو اتباعًا، فاليهود ابتدعت، والنصارى اتبعت، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود. قاله في "الفتح". جـ ١ ص ٦٣٤.
تنبيه:
نقل السيوطي عن البيضاوي أنه قال: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم، تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا، لعنهم، ومنع المسلمين من مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب
[ ٨ / ٦٢٣ ]
منه، لا التعظيم له، ولا التوجه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد. انتهى. وذكر في الفتح نحوه، وذكر نحوه أيضًا السندي.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا عجيب من هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم مثل هذا الكلام المنابذ للسنة، والمناقض للنص الصريح، وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب، فأول بداية ضلالهم هذا هو التبرك بقبور أنبيائهم وصالحيهم، فآل بهم الأمر إلى أن عبدوهم، ومن يرى حال أكثر الناس اليوم، فيما يفعلونه عند قبور الصالحين من أنواع الشرك والضلال، يتبين له أن ما فعله اليهود والنصارى بأنبيائهم وصالحيهم هو عين ما فعله هؤلاء.
ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم يشاركهم، ويزين لهم ذلك، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة، وابن عباس - ﵄ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له.
أخرجه هنا (١٣/ ٧٠٣)، و"الكبرى" (١٣/ ٧٨٢)، وفي "الوفاة" منه (٧/ ٧٠٨٩)، عن سويد بن نصر عن ابن المبارك، عن معمر، ويونس، كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
[ ٨ / ٦٢٤ ]
عنهما، و(٧٠٩٠) عن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، عن عمه يعقوب ابن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به. قال: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهري.
أنبأنا عبيد الله بن سعد، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا أبي، عن أبي إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عائشة، وابن عباس، حدثاه أنه: لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال -وهو يفعل ذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، حَذَرًا على أمته ما صنعوا.
وقد روى هذا الحديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
أنبأنا عمرو بن سَوَّاد بن الأسود بن عمرو، عن ابن وهب، قال: أنبيائهم مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال أبو عبد الرحمن: خالفه قتادة، فرواه عن سعيد بن المسيب، عن عائشة.
أنبأنا عمرو بن علي، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة عن النبي - ﷺ -،
[ ٨ / ٦٢٥ ]
قال: "لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". انظر الكبرى جـ ٤ ص ٢٥٦ - ٢٥٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي اليمان، عن شعيب، وفي اللباس عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، وفي ذكر بني إسرائيل، عن بشر بن محمد، عن ابن المبارك، عن معمر، ويونس، أربعتهم عن الزهري، به.
ومسلم في "الصلاة" عن هارون بن سعيد الأيلي، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو النهي عن اتخاذ القبور مساجد، لما يترتب عليه من الفساد بتعظيمها المؤدي إلى عبادتها.
ومنها: بيان ما كان عليه النبي - ﷺ - من شدة العناية في تحذير أمته من الوقوع في الشرك، حتى في آخر لحظة من حياته.
ومنها: بيان اشتداد مرضه - ﷺ -، وذلك لتضعيف درجاته، فعن عائشة - ﵂ -، أنها قالت: "ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله - ﷺ -"، أخرجه الشيخان.
ومنها: مشروعية لعن اليهود والنصارى، لانحرافهم عن دينهم، وما أنزل الله على أنبيائهم، حتى عبدوا الأنبياء، والصالحين من دون الله،
[ ٨ / ٦٢٦ ]
كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١] الآية.
ومنها: أن من فعل مثل ما فعله اليهود والنصارى يستحق اللعن. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٠٤ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَتَاهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا تِيكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي، ثقة حافظ، من [١٠] تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [٥]،
[ ٨ / ٦٢٧ ]
تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني، الفقيه، ثقة، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) - ﵂ -، تقدمت في ٥/ ٥.
ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين - ﵂ - (أن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية، زوج النبي - ﷺ -، أسلمت قديمًا، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول الله - ﷺ -، وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع.
روت عن النبي - ﷺ -، وعن زينب بنت جحش، وعنها ابنتها حبيبة، وأخواها معاوية وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، ومولاها سالم بن سوَّار، ومولاها الآخر أبو الجراح، وأبو صالح السمان، وعروة بن الزبير، وزينب بنت أم سلمة، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حوشب، وآخرون.
قال أبو عبيد: توفيت سنة (٤٤)، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت
[ ٨ / ٦٢٨ ]
قبل معاوية بسنة، يعني سنة ٥٩، وقال ابن حبان، وابن قانع: ماتت سنة (٤٢)، وقال ابن عبد البر: قيل: إن اسمها هبيرة. أخرج لها الجماعة. انتهى. تت جـ ١٢ ص ٤١٩.
(وأم سلمة) هند بنت أبي أمية، حذيفة، ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن المغيرة بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين - ﵂ -، تقدمت ترجمتها في ١٢٣/ ١٨٣.
(ذكرتا) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة، وأم سلمة.
(كنيسة) -بفتح الكاف، وكسر النون: مُتَعَبَّدُ اليهود، وتطلق على متعبد النصارى، وهو المراد هنا، وهو مُعَرَّب، كما قال الفيومي.
وفي رواية للبخاري، في "بابُ الصلاة في البِيعَة" من طريق عبدة، عن هشام: أن تلك الكنيسة، كان تسمى مَارِيَة بكسر الراء، وتخفيف الياء التحتانية، وله في الجنائز من طريق مالك، عن هشام نحوه، وزاد في أوله "لَمَّا اشتكى النبي - ﷺ -، ومن طريق هلال، عن عروة، بلفظ "قال في مرضه الذي مات فيه".
ولمسلم من حديث جندب أنه - ﷺ - قال نحو ذلك قبل موته بخمس ليال، وزاد فيه: "فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
قال الحافظ -﵀-: وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلى أنه المُحكَم الذي لم ينسخ، لكونه صدر في آخر حياته - ﷺ -. انتهى.
[ ٨ / ٦٢٩ ]
فتح جـ ١ ص ٦٢٥.
(رأتاهما) -بضمير التثنية للمؤنث- على الأصل، وهكذا عند البخاري في رواية الأصيلي، والكشميهني، ووقع في رواية غيرهما، وهي رواية المصنف في الكبرى "رأينها" بصيغة جمع المؤنث الماضي، ووجه الجمع فيها باعتبار من كان مع أم حبيبة، وأم سلمة - ﵄ -.
(فيها تصاوير) جملة اسمية، في محل نصب على الحال من كنيسة، لكونها موصوفة بجملة "رأتاها"، أو في محل نصب صفة بعد صفة لها، والتصاويرُ: التماثيلُ.
(فقال رسول الله - ﷺ -: إِن أولئك) -بكسر الكاف، ويجوز فتحها. قاله في الفتح، والعمدة. وقال السندي: قيل بكسر الكاف، لأن الخطاب لمؤنث، وقد تفتح.
قلت: كأن الفتح لتوجيه الخطاب إلى كل ما يصلح له، لا لتوجيهه إليهما، وأنت خبير بأن مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال:
أولئكما، لا أولئك -بالكسر- وعند الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب إلى كل ما يصلح له. فليتأمل. انتهى.
(إِذَا كان فيهم الرجل الصالح، فمات) عطف على قوله: "كان" (بَنوا) جواب "إذا" (على قبره مسجدًا) أي محل عبادة
[ ٨ / ٦٣٠ ]
(وصوروا تيك الصور) -بكسر التاء المثناة، وسكون الياء بدل اللام، من "تلك"، وهي لغة فيه، وهي نسخة الكبرى.
(أولئك) -بكسر الكاف، وفتحها- كما مر آنفًا (شِرَارُ الخلق) بكسر الشين المعجمة، جمع شَرٍّ، كالخِيَار، جمع خَيْرٍ، والبحار، جمع بحر، وأما الأشرار، فقال يونس: واحدها شَرّ أيضًا. وقال الأخفش: شَرِيرٌ، مثل يَتِيم، وأيتام. أفاده العيني.
وإنما كانوا شرار الخلق لأنهم ضموا إلى كفرهم الأعمال القبيحة، فهم أقبح الناس عقيدة وعملًا. قاله السندي.
(عند الله يوم القيامة) متعلقان بشرار. وإنما خص يوم القيامة، لأن الأمور تشتد فيه، بخلاف الدنيا، فمن كان أشر الناس فيه كان أشدهم عذابًا، ولأن من كان في الدنيا ربما يوفق للتوبة، وأما الآخرة فليست إلا دار الجزاء. والله أعلم.
تنبيه:
قال القرطبي رحمه الله تعالى: إنما صَوَّر أوائلُهم الصورَ، ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خَلَفَ من بعدهم خُلُوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذر النبي - ﷺ - عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسدًا للذرائع في قبره - ﷺ -، وكان ذلك في مرض
[ ٨ / ٦٣١ ]
موته، إشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده.
ولما احتاجت الصحابة - ﵃ -، والتابعون إلى زيادة في مسجده - ﷺ - بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا تَصِلَ إليه العوام، فيؤدي إلى ذلك المحذور، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي، حرَّفُوهما حتى التقيا، حتى لا يمكن أحدا أن يستقبل القبر. أفاده في عمدة القاري جـ ٤ ص ١٧٤. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة - ﵂ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٣/ ٧٠٤)، والكبرى (١٣/ ٧٨٣) عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى القطان، عن هشام بن عروة، عن عروة، عنها. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في "الصلاة"، وفي هجرة الحبشة، من المناقب عن محمد بن المثنى.
ومسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، به.
وأخرجه أحمد جـ ٦/ ٦٣، وابن خزيمة رقم ٧٩٠.
[ ٨ / ٦٣٢ ]
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: منع بناء المساجد على القبور، ومنع الصلاة في المقابر، سواء كانت بجنب القبر، أو عليه، أو إليه، كما قال في الفتح جـ ١ ص ٦٢٦.
وقال العيني -﵀-: ومقتضاه التحريم، كيف، وقد ثبت اللعن عليه، وأما الشافعي، وأصحابه فصرحوا بالكراهة. وقال البندنيجي: والمراد أن يسوى القبر مسجدًا، فيصلى فيه فوقه، وقال: إنه يكره أن يبنى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقبرة الداثرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه، فلم أر فيه بأسًا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد، فمعناهما واحد. انتهى. عمدة جـ ٤ ص ١٧٤.
قال الجامع: ما نقله عن البندنيجي أخيرًا من قوله: فلم أر به بأسًا. . . إلخ، نظر، إذ النص يشمله، فكيف يجوز. فتبصر. والله أعلم.
ومنها: أن فيه تحريم تصوير الحيوان، ولا سيما الرجل الصالح، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان، لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد -﵀- في رد ذلك. كما قال في الفتح.
قال الجامع: هو حقيق بالرد لمنابذته النص الصريح المطلق. والله أعلم.
[ ٨ / ٦٣٣ ]
ومنها: جواز حكايته ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوبُ بيانِ حكم ذلك على العالم به.
ومنها: أن فيه ذَمَّ فاعل المحرمات.
ومنها: أن فيه أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل. انظر الفتح جـ ١ ص ٦٢٦. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٦٣٤ ]