أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم الصلاة في الثوب الواحد.
٧٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ فَقَالَ: "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) المتقدم في الباب السابق.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم أبو بكر الزهري، الحافظ الثبت الحجة، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٤ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن المخزومي، المدني الثبت الحجة الفقيه، مات سنة ٩٤، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩.
[ ٩ / ٤٩٣ ]
٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله ثقات نُبَلاء، وكلهم من رجال الجماعة.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغْلانيا إلا أنه دخل المدينة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: ابن شهاب عن ابن المسيب.
ومنها: أنه أصح أسانيد أبي هريرة ﵁، كما ذكره أبو عبد الله الحاكم رحمه الله تعالى (^١).
ومنها: أن فيه ابن المسيب أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن فيه أبا هريرة من المكثرين السبعة، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن سائلًا)، قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه، لكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه "المبسوط" أن السائل ثوبان (^٢) (سأل رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) انظر تدريب الراوي جـ ١ ص ٨٣.
(٢) فتح جـ ٢ ص ١٩.
[ ٩ / ٤٩٤ ]
عن الصلاة في الثوب الواحد) أي عن حكم الصلاة في الثوب الواحد.
وفي رواية لمسلم: "نادى رجل النبي -ﷺ-، فقال: أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال: أوكلكم يجد ثوبين". وفي رواية أبي داود: "أن رسول الله -ﷺ- سئل عن الصلاة في ثوب واحد".
(فقال) -ﷺ-: (أو لكلكم ثوبان؟) استفهام بمعنى النفي، أي ليس لكل واحد منكم ثوبان، فهو -ﷺ- يشير به إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد، فكأنه قال: يكفي أحدكم في الصلاة الثوب الواحد؛ لأن الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد.
وقال الخطابي ﵀ في "معالمه": لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإخبار عما كان يعلمه من حالهم في العدم، وضيق الثياب، يقول:
وإذا كنتم بهذه الصفة، وليس لكل واحد منكم ثوبان -والصلاة واجبة عليكم- فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة.
وقال في شرح البخاري: وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، ثم استقصار فهمهم، واستزادة علمهم، كأنه قال: إذا كان ستر العورة واجبًا، والصلاة لازمة، وليس لكل واحد ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ انتهى (^١).
وقوله: "أَوَلكلكم": بواو مفتوحة بعد الهمزة، وهي واو العطف،
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ١٩.
[ ٩ / ٤٩٥ ]
وأصل الكلام: وألكلكم، لكن قدم الاستفهام؛ لأن له صدر الكلام. ومذهب الزمخشري في مثل هذا أن العطف على محذوف بعد الهمزة، دل عليه المعطوف، ولا تقديم، ولا تأخير، فالتقدير هنا أكلكم أغنياء، ولكلكم ثوبان. ومذهب الجمهور أولى، كما حققه ابن هشام الأنصاري في "مغني اللبيب" (^١).
وقال الكرماني ﵀: فإن قلت: ما المعطوف عليه بالواو؟ قلت: مقدر، أي أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر، ومعناه لا سؤال عن أمثاله، ولا ثوبين لكلكم، إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة المقام، وهذا التقدير على سبيل التمثيل. انتهى.
وقال النووي رحمة الله: ومعنى الحديث: أن الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد، فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٢) [الحج: ٧٨].
وقال الطحاوي ﵀: معناه لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا. انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذه الملازمة في مقام المنع، للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنما كان عن الجواز وعدمه، لا عن الكراهة. انتهى (^٣).
_________________
(١) مغني اللبيب جـ ١ ص ١٤ - ١٥.
(٢) شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٣١.
(٣) فتح جـ ٢ ص ١٩.
[ ٩ / ٤٩٦ ]
فائدة:
قال في "الفتح": روى ابن حبان ﵀ هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب، لكن قال في الجواب: "ليتوشح به، ثم ليصل فيه". فيحتمل أن يكونا حديثين، أو حديثًا واحدًا، فرقه الرواة، وهو الأظهر. وكأن البخاري ﵀ أشار إلى هذا لذكره التوشح في الترجمة، حيث قال (باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به) قال الزهري في حديثه: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه. انتهى (^١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا (١٤/ ٧٦٣)، وفي "الكبرى" (١/ ٨٣٩) عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عنه. وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف.
ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي -ثلاثتهم
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ١٩ بتصرف.
[ ٩ / ٤٩٧ ]
عن مالك، به.
ومالك في الموطأ رقم ١٠٦.
والحميدي رقم (٩٣٧).
وأحمد (٢/ ٢٣٨، ٢٦٥، ٢٨٥، ٣٤٥، ٥٠١).
وابن خزيمة رقم ٧٥٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قال ولي الدين العراقي ﵀ في "طرح التثريب": استُدلّ بهذا الحديث على وجوب الصلاة في الثياب، لما دل عليه من أن جواز الاقتصار على ثوب واحد رخصة لضيق الحال، فدل على أنه لا يجوز ترك ذلك.
والمعتبر في ذلك الثوب أن يكون ساترًا للعورة بحسب اختلاف العلماء في العورة، وذلك أيضًا يختلف بالذكورة والأنوثة، وحرية المرأة ورقها، وإذا ثبت وجوب الستر في الصلاة كان دليلًا على أنه شرط فيها؛ لأن الغالب أن ما وجب في الصلاة كان شرطًا فيها، وبهذا قال الجمهور. وعند المالكية أربعة أقوال: الاشتراط مطلقًا، وهو المشهور، والاشتراط مع الذِّكر، دون النسيان، والوجوب خاصة (^١)، والاستحباب.
وحكى القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ في كون ستر العورة
_________________
(١) أي دون الاشتراط.
[ ٩ / ٤٩٨ ]
من فروض الصلاة أربعة أقوال، بعد أن صدّر كلامه بأن ستر العورة فرض إسلامي، لا خلاف فيه بين الأمة، قال: واختلف العلماء؛ هل هو من فروض الصلاة على أربعة أقوال:
الأول: أنه يجب ستر جميع الجسد، حكاه أبو الفرج.
الثاني: يكون متزر وسطه، كما فعل جابر. قاله ابن القاسم، كأنه غطى العورة، وحماها، وستر ما اتصل بها.
الثالث: يصلي مستور العورة خاصة، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأكثر علماء الأمصار.
الرابع: أن لا يجب ستر عورة، ولا غيرها. قال بعض شيوخنا: إذا كان في بيته، ولا يراه أحد. وحكاه القاضي أبو محمد، وغيره عن القاضي إسماعيل، والأبهري، وابن بكير، وجاء نحوه عن أشهب، لأنه قال: من صلى عريانًا أعاد في الوقت، قال: والصحيح وجوب ستر العورة في الصلاة، فإنها إذا وجبت خارج الصلاة تأكدت بالصلاة. انتهى.
قال الحافظ العراقي ﵀ في شرح الترمذي: وفيه نظر؛ فإنه ذكر أن الأقوال الأربعة في أن ستر العورة من فروض الصلاة أوّلًا، ثم حكى القول الأول أنه يجب ستر جميع الجسد، ولا قائل فيما نعلم بأن جميع جسد الرجل عورة، فكان حقه أن يفرض الخلاف فيما يجب ستره في الصلاة، لا بقيد كونه عورة، على أن الذي حكاه ابن عبد البر
[ ٩ / ٤٩٩ ]
في "الاستذكار" عن أبي الفرج وجوب ستر العورة في الصلاة، لا ستر جميع البدن. انتهى.
قال ولي الدين ﵀: وحكى القاضي عياض عن أبي الفرج وجوب ستر جميع الجسد في الصلاة، كما حكاه ابن العربي. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول الجمهور بأن ستر العورة واجب في الصلاة هو الحق، وأما القول بعدم الوجوب، أو بوجوب ستر جميع الجسد فمن الأقوال الساقطة التي لا تستند إلى دليل. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في الصلاة في الثوب الواحد:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد.
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: وممن رأى من أصحاب رسول الله -ﷺ- الصلاة في ثوب واحد: عمر بن الخطاب، وأُبَي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وخالد بن الوليد، وأبو هريرة. وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري ﵃.
_________________
(١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٢٣٩ - ٢٤٠.
[ ٩ / ٥٠٠ ]
وبه قال جماعة من التابعين، وهو قول مالك، ومن تبعه من أهل المدينة، والأوزاعي، ومن قال بمثل قوله من أهل الشام، وسفيان الثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الحديث، وأهل الرأي من الكوفة.
وقد روينا عن ابن مسعود أنه قال: يصلي في ثوبين، وقال نافع: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، وقال: ألم أكسك ثوبين؟ فقلت: بلى، قال: أرأيت لو أرسلتك إلى فلان أكنت ذاهبًا في هذا الثوب؟ فقلت: لا، قال: الله أحق أن تزين له، أو من تزينت له.
وثبت عنه أنه قال لنافع: إذا كان واسعًا تتوشح به، وإذا كان قصيرًا فَاتَّزرر به.
ثم أخرج ابن المنذر أثري ابن عمر بسنده، ثم قال: وهذا من قول ابن عمر يدل على أنه استحب الصلاة في ثوبين، لا أنه رأى ذلك واجبًا لا يجزي عنه، ويشبه أن يكون مراد ابن مسعود هذا المعنى، استحبابًا لأن يصلي في ثوبين، ولو أوجب ابن مسعود الصلاة في ثوبين لكانت السنة مُستَغْنىً بها. والله أعلم (^١).
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن، قال: اختلف أُبَيّ بن كعب، وابن مسعود في الرجل يصلي في الثوب الواحد، فقال أُبَيّ: يصلي في الثوب الواحد، وقال ابن مسعود: في ثوبين، فبلغ ذلك
_________________
(١) الأوسط جـ ٥ ص ٥٣ - ٥٤.
[ ٩ / ٥٠١ ]
عمر، فأرسل إليهما، فقال: اختلفتما في أمر، ثم تفرقتما، فلم يدر الناس بِأيٍّ يأخذون، لو أتيتما عندي لوجدتما علمًا، القول ما قال أُبَيّ، ولم يألُ ابن مسعود.
وعن الحسن: أن أُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود اختلفا في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أُبَيّ: لا بأس به، قد صلى النبي -ﷺ- في ثوب واحد، فالصلاة فيه جائزة، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون الثياب، وأما إذ وجدوها فالصلاة في ثوبين. فقام عمر على المنبر، فقال: القول ما قال أُبَيّ، ولم يأْلُ ابن مسعود (^١).
وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد، أنه قال: لا تصل في ثوب واحد إلا أن لا تجد غيره. وأخرج عن ابن مسعود، قال: لا يصلين في ثوب واحد، وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض، يصلي، وهو مضطبع. وعن ابن علية عن ابن عون، قال: قيل للحسن: إنهم يقولون: يكره أن يصلي الرجل، وقد أخرج يده من تحت نحره، فقال الحسن: لو وكل الله دينه إلى هؤلاء لضيقوا على عباده (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الحق ما ذهب إليه الجمهور، وما نقل عن هؤلاء إما محمول على الاستحباب، وإلا فحديث النبي -ﷺ- حجة
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق جـ ١ ص ٣٥٦.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة جـ ١ ص ٣١٥.
[ ٩ / ٥٠٢ ]
عليهم. لكن الصلاة في ثوبين أفضل إن تيسر.
قال الحافظ أبو عمر ﵀: وفي قوله -ﷺ-: "أوَلكلكم ثوبان؟ " دليل على أن من كان معه ثوبان يتزر بالواحد، ويلبس الآخر، إنه حسن في الصلاة. انتهى (^١).
وأخرج البخاري عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رجل إلى النبي -ﷺ-، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: "أوَكلكم يجدون ثوبين؟ " ثم سأل رجل عمر؟، فقال: إذا وسّع الله فأوسعوا: جَمَعَ رجل عليه ثيابه، صلَّى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تُبَّان وقباء، في تبان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء (^٢).
قال الحافظ ﵀: وفي هذا الحديث دليل على وجوب الصلاة في الثياب؛ لما فيه من أن الاقتصار على الثوب الواحد كان لضيق الحال. وفيه أن الصلاة في الثوبين أفضل من الثوب الواحد. وصرح القاضي عياض بنفي الخلاف في ذلك، لكن عبارة ابن المنذر قد تفهم إثباته؛ لأنه حكى عن الأئمة جواز الصلاة في الثوب الواحد، قال: وقد استحب بعضهم الصلاة في ثوبين.
_________________
(١) التمهيد جـ ٦ ص ٣٧١.
(٢) صحيح البخاري جـ ١ ص ١٠٢.
[ ٩ / ٥٠٣ ]
وعن أشهب فيمن اقتصر على الصلاة في السراويل مع القدرة يعيد في الوقت، إلا إن كان صفيقًا. وعن بعض الحنفية يكره.
قال الجامع عفا الله عنه: وجوب إعادة من صلى في سراويل إذا لم يكن على عاتقه شيء مع القدرة عليه هو الحق، وسيأتي تحقيقه (١٨/ ٧٦٩) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٦٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة).
٢ - (مالك).
تقدما في السند السابق.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، مات سنة ١٤٥، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.
[ ٩ / ٥٠٤ ]
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام المدني، ثقة فقيه، مات سنة ٩٤، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عمر بن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، أبو حفص المدني، رَبيب النبي -ﷺ-. روى عن النبي -ﷺ-، وعن أمه أم سلمة. وروى عنه ابنه محمد، وأبو أمامة بن سهل بن حُنَيف، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وثابت البناني، وعطاء بن أبي رباح، وقدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، وعبد الله بن كعب الحميري، ووهب بن كيسان، وأبو وجزة السعدي، وابن له غير مسمى.
قال ابن لهيعه، عن أبي الأسود، عن عروة: ولد بأرض الحبشة. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير: كنت أنا وعمر ابن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة. وفي رواية عنه: كان أكبر مني بسنتين. قال الزبير بن بَكّار: وكان مع علي بن أبي طالب، فولاّه البحرين، وله عقب.
وقال ابن عبد البر ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. وقيل: إنه كان ابن تسع سنين لما مات النبي -ﷺ-، وشهد مع علي الجمل، وتوفي بالمدينة سنة ٨٣، وقال غيره: قتل مع علي يوم الجمل، وليس بشيء. أخرج له الجماعة (^١). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تهذيب التهذيب جـ ٧ ص ٤٥٥ - ٤٥٦، وتهذيب الكمال جـ ٢١ ص ٣٧٢ - ٣٧٤.
[ ٩ / ٥٠٥ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، وكلهم من رجال الجماعة، وأنه مسلسل بالفقهاء المدنيين كسابقه، وأن فيه رواية الراوي عن أبيه، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا نحو تسعة أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمر بن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد ﵄ (أنه رأى رسول الله -ﷺ-)؛ "رأى" هنا بصرية، فلذا تتعدى إلى مفعول واحد، وهو "رسول الله" وجملة قوله: (يصلي) في محل نصب على الحال من "رسول الله"، ويحتمل أن تكون "رأى" علمية، فتتعدى إلى مفعولين، فالأول "رسول الله"، والثاني جملة "يصلي"، وهو الذي اقتصر عليه العيني في شرح البخاري (في ثوب واحد) يتعلق بـ "يصلي" (في بيت أم سلمة) متعلق بـ "يصلي" أيضًا، ولا يلزم منه تعلق حرفي الجر بلفظ واحد بفعل واحد؛ لاختلاف معناهما؛ إذ الأولى بمعنى الباء، والثانية للظرفية (واضعًا طرفيه على عاتقيه) حال من فاعل "يصلي".
والمراد من وضع الطرفين على العاتقين هو المخالفة بين طرفي الثوب، كما فسرته رواية البخاري من طريق عبيد الله بن موسى، عن
[ ٩ / ٥٠٦ ]
هشام بن عروة، ففيها: "صلى في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه". وفي طريق يحيى القطان، عن هشام: "أنه رأى النبي -ﷺ- يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقيه" ومن طريق أبي أسامة عن هشام قال: "رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي في ثوب واحد مشتملًا به في بيت أم سلمة، واضعًا طرفيه على عاتقيه".
وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: "رأيت النبي -ﷺ- يصلي في ثوب واحد متوشحًا به".
قال البخاري ﵀: قال الزهري في حديثه: المُلتَحِف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه. قالت أم هانىء: التحف النبي -ﷺ- بثوب، وخالف بين طرفيه على عاتقيه. انتهى (^١).
وقال النووي ﵀: المشتمل، والمتوشح، والمخالف بين الطرفين معناها واحد هنا. قال ابن السكّيت: التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره (^٢).
والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
_________________
(١) صحيح البخاري جـ ١ ص ٩٩ - ١٠٠.
(٢) شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٣٣.
[ ٩ / ٥٠٧ ]
حديث عمر بن أبي سلمة هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٤/ ٧٦٤) وفي "الكبرى" (٢/ ٨٤٠) عن قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبيد الله بن موسى -وعن محمد بن المثنى، عن يحيى ابن سعيد- وعن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة.
ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن حماد بن زيد، وعن أبي كريب، عن أبي أسامة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن وكيع.
والترمذي فيه عن قتيبة، عن الليث.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع.
كلهم عن هشام بن عروة، به.
وأخرجه مالك في "الموطأ" ص ١٠٦، وأحمد في المسند جـ ٤/ ٢٦، وابن خزيمة رقم (٧٦١). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة:
في هذا الحديث بيان كيفية الصلاة في الثوب الواحد، وهي أن
[ ٩ / ٥٠٨ ]
يضع طرفيه على عاتقيه، وهو معنى المخالفة، والتوشح، والالتحاف، كما مر، وقد ورد الأمر به، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة، قال: سمعت أبا هريرة ﵁، يقول: أشهد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من صلى في ثوب فليخالف بين طرفيه".
ولا يجوز أن يشتمل به اشتمال الصماء، لورود النهي بذلك، فعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: "نهى رسول الله -ﷺ- عن اشتمال الصماء، وأن يحتبى الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء". متفق عليه.
واشتمال الصماء -بالصاد المهملة، والمد- قال أهل اللغة: هو أن يخَلِّلَ جسدَه بالثوب، لا يرفع منه جانبًا، ولا يبقي ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة ﵀: سميت صماء لأنه يسد المنافذ كلها فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق.
وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيصير فرجه باديًا. قال النووي ﵀: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهًا؛ لئلا يعرض له حاجة، فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر. وعلى تفسير الفقهاء يحرم؛ لأجل انكشاف العورة.
قال الحافظ ﵀: ظاهر سياق المصنف -يعني البخاري- من رواية يونس في اللباس أن التفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لما
[ ٩ / ٥٠٩ ]
قال الفقهاء، ولفظه: "والصمّاء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه". وعلى تقدير أن يكون موقوفًا فهو حجة على الصحيح؛ لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر. انتهى (^١).
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب"
…
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٢٨.
[ ٩ / ٥١٠ ]