أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان الفضل الموعود في إتيان المساجد للصلاة.
ثم إن استدلال المصنف على ما ترجم له ظاهر على نسخة المجتبى في قوله: "مسجده" بضمير الغائب، وأما على نسخة الكبرى: "مسجدي" بضمير المتكلم فغير واضح؛ لأن المراد المسجد النبوي، لا جميع المساجد. اللهم إلا أن يريد إلحاق سائر المساجد بمسجده - ﷺ -، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من تطهير في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله، ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه، إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة". والله أعلم.
٧٠٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "حِينَ يَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَرِجْلٌ، تُكْتَبُ حَسَنَةً، وَرِجْلٌ تَمْحُو سَيِّئَةً".
[ ٨ / ٦٣٥ ]
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس، ثقة، ثبت، من [١٠] تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل،
توفي سنة ١٨٥، من [٧] تقدم في ٦٨١.
٤ - (الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي) ويقال له: سويد، ثقة، من [٦].
قال أبو زرعة: شيخ ليس بالمشهور. وقال النسائي في التمييز: ثقة. وكذا قال العجلي. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: من قال: العلاء بن الأسود بن جارية، فقد وهم، يشير إلى أن بعضهم قلبه، وأشار البخاري في التاريخ إلى أنه يقال له أيضًا: سويد. أخرج له مسلم، والمصنف.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من [٣] تقدم في ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الشهير - ﵁ -، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
[ ٨ / ٦٣٦ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف -﵀-.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا الأسود، فانفرد به هو ومسلم.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، ويحيى، فبصريان.
ومنها: أن شيخه أحد التسعة الذين اتفق عليهم أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة.
ومنها: أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: أن أبا هريرة أكثر الصحابة رواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) - ﵁ - (عن النبي - ﷺ -) أنه (قال: حين يخرج الرجل من بيته إِلى مسجده) هكذا نسخ المجتبى "مسجده" بضمير الغائب، وكذا في مسند أحمد جـ ٢ ص ٣١٩، والاستدلال عليها للترجمة واضح.
ووقع في "الكبرى" "إلى مسجدي" بضمير المتكلم، وهو الذي في "تحفة الأشراف" جـ ١٠ ص ٤٥٨، وكذا في "مسند أحمد" جـ ٢ ص ٤٣٢، وص ٤٧٨. وعلى هذا فيكون المراد المسجد النبوي، وهو
[ ٨ / ٦٣٧ ]
لا يناسب ترجمة المصنف؛ لأنها أعم، وهو أخص. إلا أن يريد إلحاق سائر المساجد به، كما تقدم البحث عنه في أول الباب. والله أعلم.
والظرف متعلق بمحذوف، تقديره: يثاب، وفي رواية أحمد "من حين يخرج الرجل" بزيادة "من"، ثم فصل ذلك الثواب بقوله (فرجل) -بكسر الراء، وسكون الجيم- أي قدم، والمراد الخطوة، وهو مبتدأ سوغه التفصيل، كقول الشاعر [من المتقارب]:
فَأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكبَتَيْنِ … فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثوْبٌ أَجُرُّ
والخبر جملة قوله (تكتب حسنة) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير الرجل، و"حسنة" بالنصب مفعوله، وإسناد الكتابة للرجل مجاز، لكونها سببًا، وإلا فالكاتب حقيقة هو الله تعالى.
ويحتمل -كما قال السندي- كونه مبنيًا للمفعول، والضمير للرجل أيضًا، و"حسنة" بالنصب مفعول ثان لتكتب، على تضمينه، معنى "تجعل". والأول أولى ليوافق ما بعده. والله أعلم.
(ورجل تمحو سيئة) أي إن كانت له سيئة، وإلا فكل الخطوات تكتب حسنات. والله أعلم.
تنبيه:
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (١٤/ ٧٠٥)، وفي "الكبرى" (١٤/ ٧٨٥) عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب، عن الأسود ابن العلاء الثقفي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه.
[ ٨ / ٦٣٨ ]
وأخرجه أحمد في مسنده جـ ٢ ص ٣١٩ و٤٣١ و٤٧٨، وعبد بن حميد في مسنده رقم (١٤٥٩). والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، واليه أنيب.
[ ٨ / ٦٣٩ ]