أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلاة في قميص واحد، وعلى كيفية الصلاة فيه.
٧٦٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَطَّافُ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَكُونُ فِي الصَّيْدِ، وَلَيْسَ عَلَيَّ إِلاَّ الْقَمِيصُ، أَفَأُصَلِّي فِيهِ؟ قَالَ: "وَزُرَّهُ عَلَيْكَ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) تقدم في السند الماضي.
٢ - (العطاف) -بتشديد الطاء المهملة- بن خالد بن عبد الله بن العاص بن وابصة بن خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، المخزومي، أبو صفوان المدني، صدوق يهم مات قبل مالك، من [٧].
قال مالك، وقد بلغه أن عطاف بن خالد قد حدث: ليس هو من أهل القباب (^١)، قال مطرف: قال لي مالك: عطاف يحدث؟ قلت: نعم، فأعظم ذلك، وقال: لقد أدركت أناسًا ثقات يحدثون ما يؤخذ
_________________
(١) هكذا في تت: "من أهل القباب"، وفي تك: "من إبل القباب".
[ ٩ / ٥١١ ]
عنهم، قلت: كيف؟ قال: مخافة الزلل.
وقال في رواية عنه: إنما يكتب العلم عن قوم قد جرى فيهم العلم، مثل عبيد الله بن عمر، وأشباهه. وقال أحمد: لم يرضه ابن مهدي. وقال أبو طالب عن أحمد: هو من أهل المدينة، صحيح الحديث، يروي نحو مائة حديث.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس. قال: سئل عن يحيى بن حمزة، وعطاف؟ قال: ما أقربهما! عطاف صالح الحديث. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس به بأس، ثقة صالح الحديث. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح، ليس بذاك، محمد بن إسحاق، وعطاف بن خالد هما من باب رحمة (^١).
وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال مرة: صالح، ليس به بأس. قال مالك: عطاف يحدث؟ قيل: نعم. قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون.
وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال مرة: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لم أر بحديثه بأسًا إذا روى عنه ثقة. ووثقه العجلي. وقال الساجي: روى عن نافع، عن ابن عمر حديثًا لم يتابع عليه -يعني حديث أن النبي -ﷺ- أقاد من خداش.
_________________
(١) هكذا نسخة تت بزيادة "من"، ونسخة تك: هما باب رحمة، بحذفها.
[ ٩ / ٥١٢ ]
وقال أبو بكر البزار: قد حدث عنه جماعة، وهو صالح الحديث، وإن كان قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها.
وقال الزبير: كان من ذوي السنن من قريش. وعن عطاف قال: ولدت سنة ٩١ وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به، إلا فيما يوافق فيه الثقات.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود في "القدر"، والترمذي، والنسائي (^١).
٣ - (موسى بن إِبراهيم) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، مقبول من [٤].
روى عن أبيه، وسلمة بن الأكوع. وعنه عبد الرحمن بن أبي الموال، وعطاف بن خالد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي. ذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له أبو داود، والنسائي، حديث سلمة بن الأكوع هذا فقط. قال أبو داود: موسى ضعيف، وهو موسى بن محمد ابن إبراهيم. قال: وبلغني عن أحمد أنه كره الرواية عن موسى، وقال أبو حاتم: موسى بن إبراهيم هذا غير موسى بن محمد بن إبراهيم، ذاك ضعيف.
_________________
(١) تهذيب التهذيب جـ ٧ ص ٢٢١ - ٢٢٣، وتهذيب الكمال جـ ٢٠ ص ١٣٨ - ١٤٢.
[ ٩ / ٥١٣ ]
قال الحافظ: وفرق البخاري أيضًا بين موسى بن إبراهيم المخزومي، وبين موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، وقال في الثاني: عنده مناكير، وإنما حصل الاشتباه (^١)؛ لأن مسدد بن مسرهد روى الحديث عن عطاف بن خالد، عن موسى الشافعي، وإسحاق بن عيسى بن الطباع، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم، كلهم عن عطاف، عن موسى بن إبراهيم، ونسبه العقدي كما في صدر الترجمة، وهو الصواب، وهكذا نسبه الشافعي، عن الدراوردي عنه في رواية عنه. وأخرج الحديث المذكور ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما". وقال ابن المديني: موسى بن إبراهيم المخزومي وسط. والله أعلم (^٢). انفرد به أبو داود، والمصنف.
٤ - (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله بن بشير بن يقظة بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم الأسلمي، أبو مسلم، ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر، وقيل: اسم أبيه وهب. وقيل: اسم بشير قشير، وقيل: قيس، شهد بيعة الرضوان.
روى عن النبي -ﷺ-، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وعبد الرحمن بن عبد الله
_________________
(١) قال الجامع: كلام الحافظ من قوله: "وإنما حصل الاشتباه" إلى قوله: "وهكذا نسبه الشافعي" ليست نسخة تت محررة، فتنبه.
(٢) تت جـ ١٠ ص ٣٣٢، تك جـ ٢٩ ص ١٨ - ١٩.
[ ٩ / ٥١٤ ]
ابن كعب بن مالك، والحسن بن محمد بن الحنفية، وزيد بن أسلم، وموسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وغيرهم. كان شجاعًا راميًا، ويقال: كان يسابق الفرس شَدًا، وكان يسكن الرَّبَذَة.
قال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات سنة ٧٤، وهو ابن ٨٠ سنة. وفي صحيح البخاري، عن يزيد بن أبي عبيد، قال: لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، وتزوج بها امرأة، وولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة. قال أبو نعيم: استوطن الربذة بعد قتل عثمان، وتوفي سنة ٧٤، وقيل: سنة ستين. وذكر إبراهيم بن المنذر أنه توفي سنة ٦٤.
وذكر الكلاباذي عن الهيثم بن عدي أنه مات في أواخر خلافة معاوية.
قال الحافظ: وهو غلط؛ فإن له قصة مع الحجاج بن يوسف الثقفي في إنكاره عليه اختيار البدو، واعتذار سلمة بأن النبي -ﷺ- أذن له في البدو، والقصة مشهورة، ذكرها البخاري وغيره، ولم يكن الحجاج في زمن معاوية ولا ابنه يزيد صاحب أمر ولا ولاية، وهذا يرجح قول من قال: مات سنة ٧٤.
لكن في تقدير سنه على هذا نظر، فإنه غلط محض؛ إذ يلزم منه أنه شهد بيعة الرضوان، وعمره اثنا عشرة سنة، وقد قال هو فيما صح
[ ٩ / ٥١٥ ]
عنه: بايعت النبي -ﷺ- يومئذ على الموت، ومن كان بهذا السن لا يتهيأ منه هذا، فيحرر هذا.
ثم رأيت مدار مقدار سنه على الواقدي، وهو من تخليطه، والمصنف -يعني الحافظ المزي صاحب تهذيب الكمال- تبع فيه صاحب الكمال، وكذا النووي في تهذيبه تبع صاحب الكمال، وصاحب الكمال تبع ابن طاهر، والصواب خلاف هذا، والله أعلم.
قال: ثم وجدت ما يدلّ على أن من أرخ موته في خلافة معاوية، أو ابنه يزيد، أو بعد ذلك إلى سنة ٧٤ غلط، بل يدل على أنه تأخر إلى ما بعد الثمانين، فعند أحمد من طريق عمرو بن عبد الرحمن بن جرهد، سمعت رجلًا يقول لجابر: من بقي من أصحاب رسول الله -ﷺ-؟ فقال: سلمة بن الأكوع وأنس، فقال رجل، فذكر كلامًا في حق سلمة.
فهذا يدل على ما قاله، فإن عبد الله بن أبي أوفى مات سنة ٨٦ أو ٨٧ أو ٨٨ بالكوفة، فلو كان حين السؤال المذكور موجودًا ما خفي على جابر، ثم تبين لي أنه خفي عليه، أو أغفل ذكره الراوي، فإن جابرًا مات قبل الثمانين، كما تقدم في ترجمته، والحديث المذكور يرجح قول من قال في سلمة: إنه مات سنة ٧٤ لكن بقي النظر في مقدار سنه (^١). انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
_________________
(١) تت جـ ٤ ص ١٥٠ - ١٥٢.
[ ٩ / ٥١٦ ]
أخرج له الجماعة. له ٧٧ حديثًا، اتفق الشيخان على ١٦، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة (^١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه (٤٤) من رباعيات المصنف، في هذا الكتاب.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيًا إلا أنه دخلها.
ومنها: أن موسى بن إبراهيم ليس له عند المصنف غير هذا الحديث، وكذا عند أبي داود. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سلمة بن الأكوع) ﵁، أنه (قال: قلت: يا رسول الله، إِني لأكون في الصيد) يحتمل أن يكون "الصيد" بمعنى المصيد، أي في طلب الحيوان الذي يُصاد، ويحتمل أن يكون بالمعنى المصدري، يقال: صادَ الصيدَ يَصِيدُه، ويَصَادُه صَيْدًا: إذا أخذه. قاله في اللسان (^٢).
(وليس عليّ إِلا القميص) أي الواحد، ففي رواية أبي داود:
_________________
(١) خلاصة ص ١٤٨.
(٢) لسان جـ ٤ ص ٢٥٣٣.
[ ٩ / ٥١٧ ]
"فأصلي في القميص الواحد؟ "، (أفأصلي فيه؟) أي في القميص الواحد (قال: وزُرَّه عليك ولو بشوكة) عطف على محذوف، أي قال: نعم، وزُرّه عليك ولو بشوكة. وفي رواية أبي داود: "قال: نعم، وازرره ولو بشوكة".
و"زُرّ" -بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة المشددة- فعل أمر، من الزَّرِّ، وهو الربط بالأزرار، يقال: زَرَّ الرجلُ القميص زَرًا -من باب قتل-: أدَخَلَ الأزْرَار في العُرَا، وزَرَّرَه بالتضعيف، مبالغةٌ، وأزرّه بالألف جعل له أزْرَارًا، واحدها زِرّ بالكسر. قاله الفيّومي (^١).
والشَّوْكَة -بفتح المعجمة، وسكون الواو- واحدة الشوك. وهو ما يخرج من الشجر، أو النبات دقيقًا صُلْبًا محدد الرأس كالإبرة، جمعه أشْواك (^٢).
والمعنى: اربط جيبك لئلا تظهر عورتك، ثم صل فيه.
أمره -ﷺ- أن يزر قميصه مبالغة في حصول الستر، ولئلا يقع بصره على عورته حال ركوعه إذا كان جيب القميص واسعًا.
وفيه دلالة على جواز الصلاة في القميص الواحد، وهو الذي أراده المصنف رحمه الله تعالى بالترجمة هنا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) المصباح جـ ١ ص ٢٥٢.
(٢) المعجم الوسيط بزيادة جـ ١ ص ٥٠٠.
[ ٩ / ٥١٨ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٥/ ٧٦٥)، وفي "الكبرى" (٣/ ٨٤١) عن قتيبة، عن العطاف بن خالد، عن موسى بن إبراهيم، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى بن إبراهيم به. والشافعي في الأم (١/ ٧٨)، وأحمد في المسند (٤/ ٤٩، ٤/ ٥٤)، وابن خزيمة رقم (٧٧٧، ٧٧٨)، والحاكم (١/ ٢٥٠)، والبيهقي (٢/ ٢٤٠). والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
[ ٩ / ٥١٩ ]