أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نهي الرجال عن منع نسائهم من إتيان المساجد للصلاة، ونحوها، إذا طلبن منهم ذلك.
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى يرى إطلاق النهي، سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا، لإطلاق الحديث الذي أورده في الباب، وهذا مخالف لرأي البخاري رحمه الله تعالى حيث قال: (باب خروج النساء إلى المساجد بالليل، والغلس) فإنه يرى تقييد ذلك بالليل، لورود التقييد في بعض الروايات بالليل. وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى.
٧٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يَمْنَعْهَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي بن راهويه، ثقة حافظ حجة، من [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة إمام حجة، من [٨] تقدم في ١/ ١.
[ ٨ / ٦٤٠ ]
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثقة ثبت حجة، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عمر العدوي المدني الفقيه، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم في ٤٩٠.
٥ - (عبد الله) بن عمر بن الخطاب الصحابي المشهور - ﵄ -، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا إسحاق، فلم يخرج له ابن ماجه.
ومنها: أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن ابن عمر أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة - ﵃ -. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر - ﵄ -، أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إِذا استأذنت امرأة أحدكم) أي طلبت الخروج (إِلى المساجد) لأداء الصلاة، ونحوها (فلا يمنعها) من
[ ٨ / ٦٤١ ]
الخروج ليلًا أو نهارًا، على ظاهر هذه الرواية، كما هو رأي المصنف، حيث أطلق الترجمة، أو ليلًا فقط، كما هو رأي البخاري -﵀- تعالى حيث قيد ترجمته به، على رواية التقييد.
فقد أخرج البخاري حديث ابن عمر - ﵄ - هذا من طريق حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن سالم، عنه، بلفظ: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المساجد، فأذنوا لهن".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة قوله: "بالليل"، وكذلك أخرجه مسلم، وغيره. وقد اختلف فيه على الزهري، عن سالم أيضًا، فأورده البخاري من رواية معمر، ومسلم من رواية يونس بن يزيد، وأحمد من رواية عقيل، والسراج من رواية الأوزاعي، كلهم عن الزهري بغير تقييد. وكذا أخرجه البخاري في النكاح عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري بغير قيد.
ووقع عند أبي عوانة في صحيحه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن عيينة مثله، لكن قال في آخره "يعني بالليل"، وبين ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء أن سفيان بن عيينة هو القائل: "يعني"، وله عن سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن عيينة قال: "قال نافع: بالليل"، وله عن يحيى بن حكيم، عن ابن عيينة قال: "جاءنَا رجل، فحدثنا عن
[ ٨ / ٦٤٢ ]
نافع، قال: إنما هو بالليل" وسمي عبدُ الرزاق، عن ابن عيينة الرجلَ المبهَمَ، فقال بعد روايته عن الزهري: "قال ابن عيينة: وحدثنا عبد الغفار -يعني بن القاسم- أنه سمع أبا جعفر -يعني الباقر- يخبر بمثل هذا عن ابن عمر، قال: فقال له نافع مولى ابن عمر: "إنما ذلك بالليل".
وكأن اختصاص الليل بذلك لكونه أستر. ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمنت المفسدة منهن، وعليهن.
وقال النووي -﵀-: استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، وتعقبه ابن دقيق العيد -﵀- بأنه إن أخذ من المفهوم، فهو مفهوم لقب، وهو ضعيف، لكن يتقوى بأن يقال: إنَّ منع الرجال نسائهم أمر مقرر، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، فيبقى ما عداه على المنع.
وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَنُ مخيرًا في الإجابة، أو الرد. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٤.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى، بل الصواب أن الأمر للوجوب، كما سيأتي تحقيقه. والله أعلم.
[ ٨ / ٦٤٣ ]
تنبيه:
وقع في رواية مسلم لحديث ابن عمر - ﵄ - هذا قصة مع أحد أبنائه، فأخرج من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذَنَكم إليها" قال: فقال: بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله، فسبه سبًّا سيئًا، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله - ﷺ -، وتقول: والله لنمنعنهن.
وفي رواية مجاهد: فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن، فيتخذنه دَغَلًا، قال: فزَبَرَه ابن عمر، وقال: أقول: قال رسول الله - ﷺ -، وتقول: لا ندعهن.
وفي رواية: فقال ابن له يقال له واقد: إذن يتخذنه دغلًا، قال: فضرب في صدره، وقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ -، وتقول: لا.
قال في "الفتح": والراجح أن صاحب القصة بلال، لورود ذلك من رواية نفسه، ففي رواية الطبراني من طريق عبد الله بن هبيرة، عن بلال ابن عبد الله: "فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرح أهله"، وكذا من رواية أخيه سالم كما تقدم، ولم يختلف عليهما في ذلك.
وأما تسميته واقدًا، فإن كان محفوظًا، فيحتمل أن يكون كلٌّ من بلال وواقد وقع له ذلك، إما في مجلس، أو في مجلسين، وأجاب
[ ٨ / ٦٤٤ ]
ابن عمر كلًا منهما بجواب يليق به. ويقويه اختلاف النقلة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم "فأقبل عليه عبد الله، فسبه سبًّا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط".
وفسر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن ثلاث مرات، وفي رواية زائدة، عن الأعمش "فانتهره، وقال: أفٍّ لك". وله عن ابن نمير، عن الأعمش "فعل الله بك، وفعل"، ومثله للترمذي، من رواية عيسى بن يونس، ولمسلم من رواية أبي معاوية "فزبره"، ولأبي داود من رواية جرير "فسبه، وغضب".
فيحتمل أن يكون بلال البادئ، فلذلك أجابه بالسب المفسر للعن، وأن يكون واقد بدأه، فلذلك أجابه بالسب المفسر بالتأفيف مع الدفع في صدره.
وكأن السر في ذلك أن بلالًا عارض الخبر برأيه، ولم يذكر علة المخالفة، ووافقه واقد، لكن ذكرها بقوله: "يتخذنه دَغَلًا"، وهو بفتح المهملة، ثم المعجمة، وأصله الشجر الملتف، ثم استعمل في المخادعة، لكون المخادع يلف في ضميره أمرًا، ويظهر غيره.
وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك المغيرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، وإلا فلو قال -مثلًا-: إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منها قصد المسجد وإضمار غيره، لكان يظهر أن لا ينكر عليه.
[ ٨ / ٦٤٥ ]
وإلى ذلك أشارت عائشة بما ذكر في حديثها.
وأخذ من إنكار ابن عمر على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده، وإن كان كبيرًا، إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران، فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عند أحمد "فما كلمه عبد الله حتى مات"، وهذا إن كان محفوظًا يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة بيسير. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٥ - ٤٠٦. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر - ﵄ - هذا من طريق ابن عيينة متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٥/ ٧٠٦)، و"الكبرى" (١٥/ ٧٨٥)، عن إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في "النكاح" (١١٧) عن علي بن عبد الله.
ومسلم في "الصلاة" (٣٠/ ١) عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب ثلاثتهم عن ابن عيينة، به.
[ ٨ / ٦٤٦ ]
وأخرجه من طريق حنظلة بن أبي سفيان الجمحي البخاري في الصلاة ٣١٣/ ٢ عن عبيد الله بن موسى.
وأخرجه مسلم فيه (٣٠/ ٤) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، كلاهما عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه.
ومن طريق معمر أخرجه البخاري في "الصلاة" (٣١٧/ ١) عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، به. وابن ماجه في المقدمة (٣/ ٥) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، به. ومن طريق يونس بن يزيد الأيلي، ومسلم في "الصلاة" (٣٠/ ٢) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، به.
وأخرجه أحمد، والحميدي، والدارمي، وابن خزيمة. والله تعالي أعلم.
المسألة الرابعة: هذا الحديث- كما قال العلامة الحافظ ابن دقيق العيد -﵀- في "إحكام الأحكام" جـ ٢ ص ١٣٩، صريح في النهي عن منع النساء عن المساجد عند الاستئذان.
وقد ثبت في "صحيح ابن حبان" جـ ٥ ص ٢٢١١، و٢٢١٤ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، وهو يشعر بطلبهن للخروج، فإن المانع إنما يكون مانعًا بعد وجود المقتضي، ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته لهن؛ لأنه لو كان ممتنعًا لم ينه الرجال عن منعهن منه.
والحديث عام في النساء، ولكن الفقهاء قد خصوه بشروط وحالات: منها أن لا يتطيبن، وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي
[ ٨ / ٦٤٧ ]
بعض الروايات "وليخرجن تَفِلات"، قال الحافظ: وهو بفتح المثناة، وكسر الفاء، أي غير متطيبات، ويقال: امرأة تفلة: إذا كانت متغيرة الريح، وهو عند أبي داود، وابن خزيمة من حديث أبي هريرة، وعند ابن حبان من حديث زيد بن خالد، وأوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد"، ومسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود - ﵁ -: "إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمسن طيبًا".
ويلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة، كحسن الملبس، والحلي الذي يظهر، والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال.
وفرق كثير من الفقهاء المالكية، وغيرهم بين الشابة وغيرها، وفيه نظر، إلا إن أخذ الخوف عليها من جهتها؛ لأنها إذا عريت مما ذكر، وكانت مستترة حصل الأمن عليها، ولا سيما إذا كان ذلك بالليل.
وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب ابن أبي ثابت، عن ابن عمر، بلفظ "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن"، أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة.
ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية "أنها جاءت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك، قال: "قد علمت، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في
[ ٨ / ٦٤٨ ]
حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في
مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة". وإسناده حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود.
ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة - ﵂ - -كما في صحيح البخاري- "لو أدرك رسول الله - ﷺ - ما أحدث النساء لمنعهن، كما منعت نساء بني إسرائيل".
وتمسك بعضهم بقول عائشة هذا في منع النساء مطلقًا، وفيه نظر، إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علقته على شرط، لم يوجد بناء على ظن ظنته، فقالت: "لو رأى لمنع"، فيقال عليه: لم ير، ولم يمنع، فاستمر الحكم، حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع، وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع.
وأيضًا فقد علم الله سبحانه ما سيُحْدِثْنَ، فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها، كالأسواق أولى.
وأيضًا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء، لا من جميعهن، فإن تعين المنع، فليكن لمن أحدثت، والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه من
[ ٨ / ٦٤٩ ]
الفساد، فيجتنب، لإشارته - ﷺ - إلى ذلك بمنع الطيب والزينة، وكذلك التقييد بالليل، كما سبق. انتهى فتح جـ ٢ ص ٤٠٧.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد حصل من الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة، من طيب، أو حلي، أو زينة واجب على الرجال، وأنه لا يجب مع ما يدعو إلى ذلك، ولا يجوز، ويحرم عليهن الخروج، لقوله - ﷺ -: "أيما امرأة أصابت بَخُورًا فلا تشهدنَّ معنا العشاء الآخرة"، رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
وصلاتهن على كل حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد. انتهى. "نيل" جـ ٤ ص ١٦.
وقال النووي -﵀-: وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه، إذا كانت المرأة ذات زوج، أو سيد، ووجدت الشروط المذكورة، فإن لم يكن لها زوج، ولا سيد حرم المنع، إذا وجدت الشروط. انتهى. "شرح مسلم" جـ ٤ ص ١٦٢.
قال الجامع عفا الله عنه: تفريق النووي -﵀- بين ذوات الأزواج، وبين غيرهن لا وجه له؛ لأن النص جاء صريحًا في ذوات الأزواج، فالراجح ما تقدم للشوكاني، من التحريم مطلقًا، للنصر الصريح. والله أعلم.
[ ٨ / ٦٥٠ ]
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في خروج النساء إلى المساجد:
قال العلامة المجتهد أبو محمد بن حزم -﵀-: ولا يحل لولي المرأة، ولا لسيد الأمة منعهما من حضور الصلاة في جماعة في المسجد، إذا عرف أنهن يردن الصلاة، ولا يحل لهن أن يخرجن متطيبات، وفي ثياب حسان، فإن فعلت فليمنعها، وصلاتهن في الجماعة أفضل من صلاتهن منفردات.
قال: وقال أبو حنيفة ومالك: صلاتهن في بيوتهن أفضل. وكره أبو حنيفة خروجهن إلى المساجد لصلاة الجماعة، وللجمعة، وفي العيدين، ورخص للعجوز خاصة في العشاء الآخرة، والفجر، وقد روي عنه أنه لم يكره خروجهن في العيدين.
وقال مالك: لا نمنعهن من الخروج إلى المساجد، وأباح لِلْمُتَجالَّةِ -أي الكبيرة السنن- شهود العيدين، والاستسقاء، وقال: تخرج الشابة إلى المسجد المرة. بعد المرة، قال: والمتجالة تخرج إلى المسجد، ولا تكثر التردد.
ثم رد أبو محمد -﵀- على هؤلاء بما لا تجده في غير كتابه، فأجاد، وأفاد. انظر "المحلى" جـ ٣ ص ١٢٩.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو محمد رحمه الله تعالى
[ ٨ / ٦٥١ ]
حسن جدًا، إلا قوله: وصلاتهن في الجماعة أفضل، فإنه غير مُسَلَّم له، فإن صلاتهن في بيوتهن أفضل، لصحة الأحاديث بذلك:
فمنها: حديث أم حميد المتقدم، وهو حديث حسن، كما تقدم عن الحافظ.
ومنها: حديث ابن مسعود - ﵁ -، أن النبي - ﷺ -، قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح. والمخدع -بضم الميم-: بيت صغير، يحرز فيه الشيء، وتثليث الميم لغة. قاله في المصباح.
ومنها: حديث ابن عمر - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن". أخرجه أبو داود، وأحمد، والحاكم، والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه جماعة آخرون، لكن فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس. كما قال الشيخ الألباني. انظر "الإرواء" جـ ٢ ص ٢٩٣ - ٢٩٤.
قال الجامع: لكنه ينجبر بالأحاديث المذكورة.
وبالجملة فأحاديث الباب صحيحة، فتضعيف ابن حزم لها، وكذا دعواه النسخ فيها على تقدير ثبوتها، مما لا يلتفت إليه.
[ ٨ / ٦٥٢ ]
والحاصل أن الأرجح من الأقوال المذكورة في هذا الباب قول من قال بوجوب إذن الرجل لامرأته إذا طلبت منه الخروج إلى المساجد، إذا كان على الوجه المشروع لها، بأن لا تتطيب، ولا تتزين، ونحو ذلك، ولكن الأفضل لها أن تصلي في بيتها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٦٥٣ ]