أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على وجوب متابعة الإمام في أفعال الصلاة.
٧٩٤ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَقَطَ مِنْ فَرَسٍ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، يَعُودُونَهُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ، فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا" رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (هَنّاد بن السَّريّ) بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة -١٠ - ت ٢٤٣ - أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٢ - (ابن عيينه) سفيان الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة من [٨]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة الثبت، من [٤]، مات سنة ١٢٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٩٩ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (٥١) عن رباعيات الكتاب.
منها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري إلا في خلق أفعال العباد.
ومنها: أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، وفي رواية للبخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري (أن رسول الله) وفي نسخة "نبي الله" (-ﷺ- سقط من فرس) بالبناء للفاعل، أي وقع على الأرض عن ظهر فرس ركبها، يقال: سقط، سقوطًا: وقع من أعلى إلى أسفل، ويتعدّى بالألف، فيقال: أسقطته (^١).
والفرس: يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر. فُرَيس، والأنثى: فُريسة، على القياس، وجمعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خيل، وعلى لفظها؛ فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث (^٢).
_________________
(١) المصباح جـ ١ ص ٢٨٠.
(٢) المصدر المذكور جـ ٢ ص ٣٦٧.
[ ١٠ / ١٠٠ ]
وفي الرواية الآتية (٤٠/ ٨٣٢) من طريق مالك عن ابن شهاب: "ركب فرسًا، فصرع عنه، فجُحش شقه الأيمن … " فقوله: "فصرع" بالبناء للمفعول، أي سقط عن ظهر الفرس. قال في المحكم: الصَّرْع: الطَّرْح بالأرض. وقوله: "فجحش" بالبناء للمفعول أيضًا، أي قُشِر جلده، وخُدِشَ. وذكر بعضهم أن الجحش أكبر من الخدش. وفي رواية للبخاري "فخدش"، أو "فجحش". وهذا يقتضي فرقًا بينهما، إلا أن يكون شكًا من الراوي في اللفظ المقول.
وقال القاضي عياض: قد يكون ما أصاب رسول الله -ﷺ- من ذلك السقوط رَضًّا في الأعضاء، وتوجع، فلذلك منعه القيام في الصلاة. انتهى (^١).
(على شقه الأيمن) متعلق بـ "سقط"، و"الشق" بكسر الشين المعجمة: الجانب. وفي رواية للشيخين من طريق الليث عن الزهري الاقتصار على قوله: "فجحش". وفي رواية للبخاري عن ابن عيينة، قال: حفظت "شقه الأيمن" فلما خرجنا من عند الزهري قال ابن جريج: "فجحش ساقه الأيمن". انتهى.
قال الحافظ ولي الدين ﵀: وقوله: "فجحش ساقه الأيمن" لا ينافي قوله في الرواية المشهورة: "شقه الأيمن"؛ لأن الجحش لم
_________________
(١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٤٣ - ٣٤٤.
[ ١٠ / ١٠١ ]
يستوعب الشقَّ، وإنما كان في بعضه، وقد تبين بتلك الرواية أن ذلك البعض هو الساق. وفي سنن أبي داود، وغيره عن جابر ﵁: "ركب رسول الله -ﷺ- فرسًا بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدمه … " الحديث. فيحتمل أن يقال في الجمع بينه وبين حديث أنس: لا مانع من حصول فك القدم، وقشر الجلد معًا، ويحتمل أنهما واقعتان. اهـ. كلام ولي الدين ﵀ (^١).
(فدخلوا عليه) أي دخل الصحابة ﵃ على النبي -ﷺ- (يعودونه) أي يزورونه، يقال: عُدتُ المريض، عِيَادَةً: زُرتُه، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدة، وجمعها عُوَّد، بغير ألف. قاله الأزهري (^٢). والجملة في محل نصب على الحال من الواو في "دخلوا".
(فحضرت الصلاة)، وفي رواية مالك الآتية: "فصلى صلاة من الصلوات". قال في الفتح: قال القرطبي ﵀: اللام للعهد ظاهرًا، والمراد الفرض؛ لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها، بخلاف النافلة. وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلًا. وتعقب لأن في رواية جابر ﵁ عند أبي داود الجزم بأنها فرض.
_________________
(١) طرح جـ ٢ ص ٣٤٤.
(٢) المصدر المذكور جـ ٢ ص ٤٣٦ - ٤٣٧.
[ ١٠ / ١٠٢ ]
قال الجامع عفا الله عنه: لفظ أبي داود في سننه: حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، ثنا جرير ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ركب رسول الله -ﷺ- فرسًا بالمدينة، فصرعه على جِذْم نَخْلَة، فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة ﵂ يسبح جالسًا، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه، فأشار إلينا، فقعدنا، فلما قضى الصلاة، قال: "إذا صلى الإمام جالسًا، فصلوا جلوسًا، وإذا صلى قائمًا، فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها" انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صريح في أنهم دخلوا يعودونه مرتين، ففي المرة الأولى صلوا وراءه نافلة قيامًا، وهو جالس، وفي المرة الثانية صلوا وراءه فريضة قيامًا، فأشار عليهم بالجلوس، فدل على اختلاف الحكم بين الفريضة والنافلة، وأن تلك الصلاة التي أمرهم بالجلوس فيها كانت فريضة.
قال الحافظ ﵀: لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس "فصلى بنا يومئذ"، فكأنها نهارية؛ الظهر، أو العصر. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: في استدلال الحافظ على أنها نهارية بقوله: "يومئذ" بُعْد، لأن "يومئذ" في مثل هذا لمطلق الوقت، لا
[ ١٠ / ١٠٣ ]
لخصوص النهار. فتدبر. والله أعلم.
تنبيه:
تبين من قوله: "في مشربة لعائشة" أن ذلك لم يكن في المسجد، وإنما كان في بيته، وكأنه لم يستطع الخروج لعذره، ولا يمكن التقدم عليه، فصلى بهم، وصلى الناس وراءه في منزله،
قال القاضي عياض ﵀. والظاهر أن مَن في المسجد صلى بصلاته، لكون منزله في المسجد، قال: وفيه جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه أصحابه إذا كانت معه جماعة هناك، قال: وقد روي هذا عن مالك، وحمله شيوخنا على تفسير ما وقع له من الكراهية مجملًا، وأن منعه من ذلك إنما هو لمن يفعله تكبرًا، وهو ضد ما وضعت له الصلاة من التواضع، والسكينة. انتهى.
قال ولي الدين ﵀: وهذه الصورة إن صح فيها أن أهل المسجد صلوا مقتدين بالنبي -ﷺ- ليست من صور المنع عند مالك وأبي حنيفة، لأنهما يقولان: إن كان مع الإمام في العلو طائفة جازت الصلاة بالذين أسفل، وإلا فلا. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
تنبيه آخر:
قوله: "فصلينا وراءه قعودًا"، ظاهره يخالف حديث عائشة
_________________
(١) طرح جـ ٢ ص ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ١٠ / ١٠٤ ]
﵂، فإن فيه: "وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا". والجمع بينهما أن في رواية أنس هذا اختصارًا، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. وفي رواية للبخاري من رواية حميد، عن أنس ﵁: "فصلى بهم جالسًا، وهم قيام، فلما سلم، قال: إنما جعل الإمام … " وفيها اختصار أيضًا؛ لأنه لم يذكر فيه قوله لهم: "اجلسوا". والجمع بينهما أنهم ابتدؤوا الصلاة قيامًا، فأومأ إليهم أن يقعدوا، فقعدوا، فنقل كل من الزهري، وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جمعهما جابر عند مسلم.
وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس ﵁، وبعضهم قام حتى أشار إليهم بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة ﵂. وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه -ﷺ-؛ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد؛ لأن فرض القادر في الأصل القيام. وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، وفيه بعد؛ لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرناه من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلخ. لأنهم قد امتثلوا أمره السابق، وصلوا قعودًا، لكونه قاعدًا. قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال بتعدد الواقعة لا بُعْدَ فيه؛
_________________
(١) جـ ٢ ص ٤٠٨.
[ ١٠ / ١٠٥ ]
لاحتمال أن يكون الذين صلوا معه في واقعة غير الذين صلوا معه في أخرى. فتأمل. والله تعالى أعلم.
(فلما قضى الصلاة قال: إِنما جعل الإِمام) في رواية المصنف هنا اختصار يبينه ما يأتي من رواية مالك، ولفظه: "فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به … ".
فقول: "إنما جعل الإمام" ببناء "جُعِلَ" للمفعول، وهو: بمعنى صيّر يتعدى إلى مفعولين، فـ "الإمام" بالرفع نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وحذف المفعول الثاني، أي إنما جعل الإمام إمامًا.
قال العلامة الشوكاني ﵀: لفظ "إنما" من صيغ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان، ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه. واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط. ونقله أبو حيان عن البصريين. وفي كلام الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ ما يقتضي نقل الاتفاق على إفادتها للحصر.
والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام، والاتباع له، ومن شأن التابع أن لا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصلها الحديث، ولا ينافي غيرها قياسًا عليها، ولكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة، لا الباطنة، وهي ما
[ ١٠ / ١٠٦ ]
لا يطلع عليه المأموم، كالنية، فلا يضر الاختلاف فيها، فلا يصح الاستدلال به على من جوز ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وعكس ذلك.
وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها؛ لأن ذلك من الاختلاف، وقد نهى عنه -ﷺ- بقوله: "فلا تختلفوا". وأجيب بأنه -ﷺ- قد بَيَّنَ وجوه الاختلاف، فقال: "فإذا كبر، فكبروا" إلخ. ويتعقب بإلحاق غيرها بها قياسًا، كما تقدم.
وقد يَسْتَدِلُّ بالحديث أيضًا القائلون بأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام إذا بان جنبًا، أو محدثًا، أو عليه نجاسة خفية، وبذلك صرح أصحاب الشافعي بناء على اختصاص النهي عن الاختلاف بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتم الاطلاع عليها. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي أن الاختلاف المنهي عنه مقصور على الأشياء المذكورة في الحديث، فلا يُلحق بها غيرها قياسًا عليها. والله تعالى أعلم.
وقال في الفتح: قال البيضاوي، وغيره: الائتمام: الاقتداء،
_________________
(١) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٦ - ٢٧.
[ ١٠ / ١٠٧ ]
والاتباع، أي جعل الإمام إمامًا ليُقتَدَى به، ويُتَّبَعَ، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال.
وقال النووي وغيره: متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نبه عليها في الحديث، فذكر الركوع، وغيره، بخلاف النية، فإنها لم تذكر، وقد خرجت بدليل آخر. وكأنه يعني قصة معاذ الآتية (٤١/ ٨٣٥).
قال الحافظ ﵀: ويمكن أن يستدلّ من هذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله، لا في جميع أحواله، كما لو كان محدثًا، أو حامل نجاسة، فإن الصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء، ثم مع وجوب المتابعة ليس شيء منها شرطًا في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام.
واختلف في السلام، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام، والقيام من التشهد الأول، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأن معنى الائتمام الامتثال، ومن فعل مثل فعل إمامه عُدَّ ممتثلًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحنفية مخالف لصريح الحديث الذي يوجب تأخر فعل المأموم عن فعل الإمام كما سيأتي تحقيقه، إن
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٠٦.
[ ١٠ / ١٠٨ ]
شاء الله تعالى. والله أعلم.
(ليؤتم به) أي ليقتدى به على الوجه المشروع، فقوله: "فإذا ركع، فاركعوا" إلخ، بيان للوجه المشروع الذي يطلب الاقتداء فيه.
(فإذا ركع، فاركعوا) جزم ابن بطال وابن دقيق العيد وغيرهم بأن الفاء فيه للتعقيب، قالوا: ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام.
واعترض عليهم بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جوابًا للشرط، فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام، إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء، وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفي المقارنة. لكن رواية أبي داود "لا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد" صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة. والله أعلم (^١).
وقال العلامة العيني ﵀: فإن قلت: الفاء التي للتعقيب هي الفاء العاطفة، والفاء التي هنا للربط فقط؛ لأنها وقعت جوابًا للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام.
قلت: وظيفة الشرط التقدم على الجزاء، مع أن رواية أبي داود تصرح بانتفاء التقدم، والمقارنة، ولا اعتبار لقول من يقول: إن الجزاء
_________________
(١) قاله في الفتح جـ ٢ ص ٤٠٦ - ٤٠٧.
[ ١٠ / ١٠٩ ]
يكون مع الشرط. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: المراد بالتعقيب هنا هو الترتيب بدون مهلة، فما قاله الأولون من إفادة الفاء له هو الصواب، وأما الاعتراض بأن الفاء لا تفيد الترتيب إلا إذا كانت للعطف - غير صحيح، فقد نقل محمد الأمير في حاشيته على "مغني اللبيب" لابن هشام الأنصاري جـ ١ ص ١٣٩ عن العلامة الرضي أن الفاء تفيد الترتيب سواء كانت حرف عطف، أو لا. انتهى.
ويؤيد هذا المعنى رواية أبي داود المذكورة، فإنها صريحة في وجوب كون أفعال المأموم بعد أفعال الإمام، بأن يقع كل فعل من أفعاله عقب كل فعل من أفعاله بلا تراخ. فتبصر، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" في شرح حديث عائشة ﵂: قوله: "فإذا ركع، فاركعوا" قال ابن المُنَير: مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوله، فيشرع فيه بعد أن يشرع. قال: وحديث أنس أتم من حديث عائشة؛ لأنه زاد فيه المتابعة في القول أيضًا.
قال الحافظ ﵀: قد وقعت الزيادة المذكورة، وهي قوله: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده"، في حديث عائشة أيضًا. ووقع في رواية الليث عن الزهري، عن أنس زيادة أخرى في الأقوال، وهي قوله في أوله: "فإذا كبر، فكبروا". وكذا من رواية الأعرج، عن أبي هريرة.
[ ١٠ / ١١٠ ]
وزاد في رواية عبدة، عن هشام: "وإذا رفع، فارفعوا، وإذا سجد، فاسجدوا". وهو يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، وجميع السجدات. وكذا وردت زيادة ذلك في حديث أنس في حديث الباب. وقد وافق عائشة، وأنسًا، وجابرًا على رواية هذا الحديث دون القصة التي في أوله أبو هريرة، وله طرق عند مسلم:
منها: ما اتفق عليه الشيخان من رواية همام عنه، وفيه جميع ما ذكر في حديث عائشة، وحديث أنس بالزيادة، وزاد أيضًا بعد قوله: "ليؤتم به": "فلا تختلفوا عليه". ولم يذكرها البخاري في رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عنه من طريق شعيب، عن أبي الزناد، لكن ذكرها السرَّاج، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في المستخرج عنه من طريق أبي اليمان شيخ البخاري فيه، وأبو عوانة من رواية بشر بن شعيب، عن أبيه شيخ أبي اليمان، ومسلم من رواية مغيرة بن عبد الرحمن، والإسماعيلي من رواية مالك وورقاء، كلهم عن أبي الزناد شيخ شعيب.
وأفادت هذه الزيادة أن الأمر بالاتباع يعم جميع المأمومين، ولا يكفي في تحصيل الائتمام اتباع بعض دون بعض.
ولمسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عنه: "لا تبادروا الإمام؛ إذا كبر، فكبروا … " الحديث. زاد أبو داود من رواية مصعب ابن محمد، عن أبي صالح: "ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا
[ ١٠ / ١١١ ]
حتى يسجد". وهي زيادة حسنة، تنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله: "إذا كبر، فكبروا". انتهى (^١).
(وإِذا رفع فارفعوا) يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، كما تقدم قريبًا.
(وإِذا سجد فاسجدوا) قال العلامة الشوكاني ﵀: في شرح حديث أبي هريرة ﵁ عند قوله: "فإذا كبر فكبروا" ما حاصله:
فيه أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ الإمام منه، وكذلك الركوع، والرفع منه، والسجود، ويدل على ذلك أيضًا قوله في الرواية الثانية: "ولا تكبروا، ولا تركعوا، ولا تسجدوا". وكذلك سائر الروايات المشتملة على النهي.
وقد اختلف في ذلك هل هو على سبيل الوجوب، أو الندب، والظاهر الوجوب من غير فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها. انتهى (^٢).
قال الجامع: ما قاله الشوكاني من كون الأمر للوجوب هو الذي رجحه الصنعاني في عدته جـ ٢ ص ٢٤١، وهو الراجح عندي، فيحرم على المأموم مسابقة إمامه، أو مقارنته؛ لأن النهي الصريح المتقدم في
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٢) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٧.
[ ١٠ / ١١٢ ]
رواية أبي داود للتحريم. والله تعالى أعلم.
(وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد) هكذا الرواية هنا، وفي الكبرى بدون واو، وفي (٢٢/ ١٠٦١) "فقولوا: ربنا ولك الحمد" بالواو.
قال في "الفتح": قوله: "قولوا: ربنا ولك الحمد". كذا لجميع الرواة في حديث عائشة ﵂ بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة، وأنس ﵄، إلا في رواية الليث، عن الزهري، فللكشميهني بحذف الواو. ورجح إثبات الواو بأن فيها معنىً زائدًا؛ لكونها عاطفة على محذوف، تقديره: ربنا استجب، أو ربنا أطعناك، ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معًا. ورجح قوم حذفها؛ لأن الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه، كما قال ابن دقيق العيد. وقال النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح. انتهى (^١).
وقال العلامة الصنعاني ﵀: وجزم بعضهم بأنها زائدة، لا عاطفة، قال: وجزم به ابن القيم في كتابه الصغير في الصلاة. وقال في الهدي: لا ينبغي أن تهمل زيادة الواو، فإنها تُصَيّر الكلام جملتين. انتهى (^٢).
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٠٧.
(٢) راجع "العدة" حاشية "العمدة" جـ ٢ ص ٢٤٢ - ٢٤٣.
[ ١٠ / ١١٣ ]
قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما قاله النووي رحمه الله تعالى هو الأرجح؛ إذ لا مرجح من جهة النقل، فتبصر. والله تعالى أعلم.
وسيأتي تمام القول في هذه المسألة، وفي زيادة "اللهم" قبلها. في [باب قوله: ربنا ولك الحمد] برقم (٢٣/ ١٠٦٣، ١٠٦٤) إن شاء الله تعالى.
ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله: "سمع الله لمن حمده"، وأن المأموم يقتصر على قوله: "ربنا ولك الحمد". قال الحافظ: وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول: "ربنا ولك الحمد" عقب قول الإمام: "سمع الله لمن حمده"، فأما منع الإمام من قول: "ربنا ولك الحمد" فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي -ﷺ- كان يجمع بينهما. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق القول في هذه المسألة في الباب المذكور إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٠٧.
[ ١٠ / ١١٤ ]
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٦/ ٧٩٤)، و"الكبرى" (١٦/ ٨٦٩) عن هناد بن السري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عنه. و(٤٠/ ٨٣٢)، و"الكبرى" (٤٠/ ٩٠٦) عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري به. و(٢٢/ ١٠٦١) بسند الباب. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، فأخرجه البخاري عن علي بن عبد الله -وعن أبي نعيم- كلاهما عن ابن عيينة به. وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وعن قتيبة، عن الليث بن سعد -وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة- كلاهما عن ابن شهاب به.
ومسلم عن ابن أبي عمر، عن معن بن عيسى، عن مالك، به. وعن يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وأبي كريب، كلهم عن ابن عيينة به. وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب به. وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث بن سعد به. وعن حرملة بن يحيي، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به.
[ ١٠ / ١١٥ ]
وأبو داود عن القعنبي، عن مالك به. والترمذي عن قتيبة، عن الليث به. وابن ماجه عن هشام بن عمار، عن ابن عيينة به.
مالك في "الموطأ" ص ١٠٣، والدارمي رقم (١٢٥٩)، (١٣١٦)، والحميدي رقم (١١٨٩)، وأحمد جـ ٣ ص ١١٠، ١٦٢ مطولًا ومختصرًا، وعبد بن حميد رقم (١١٦١). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو وجوب متابعة الإمام فى أفعال الصلاة، أي كون أفعاله عقب أفعاله بدون تراخ.
ومنها: مشروعية ركوب الخيل، والتدرب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق للنبي -ﷺ- في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة.
ومنها: أنه يجوز عليه ما يجوز على البشر من الأسقام، ونحوها، من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعةً، ومنصبه جلالةً.
ومنها: مشروعية عيادة من سقط عن مركوبه، فحصل له بذلك ضرر.
ومنها: ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: أنه يجوز للإمام إذا مرض، وعجز عن القيام أن يصلي بنفسه، ولا يستخلف، لكن الأفضل له الاستخلاف.
قال الشافعي ﵁: وإنما اخترت أن يوكل الإمام إذا مرض
[ ١٠ / ١١٦ ]
رجلًا صحيحًا، يصلي بالناس قائمًا؛ لأن مرض رسول الله -ﷺ- كان أيامًا كثيرة، وإنا لم نعلمه صلى بالناس جالسًا في مرضه إلا مرة واحدة، لم يصل بهم بعدها علمته حتى لقي الله ﷿، فدلّ ذلك على أن التوكيل بهم، والصلاة قاعدًا جائزان عنده مَعًا، وكان ما صلى بهم غيره بأمره أكثر من ذلك. انتهى.
ومراد الشافعي بكونه ﵊ لم يصل بالناس جالسًا في مرضه إلا مرة مرض موته، فإنه قد صلى بهم في غير مرض الموت غير مرة، وهو جالس، وهم جلوس، كما دلت عليه الأحاديث، وكذا ذكر الحنابلة أنه يستحب الاستخلاف عند العجز عن القيام، وعللوه بأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فنخرج من الخلاف، وبأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه ﵊ فعل ذلك لبيان الجواز، واستخلف في الأكثر، وبأن الاقتداء بالنبي -ﷺ- قاعدًا أفضل من الاقتداء بغيره قائمًا. انتهى (^١).
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٤٥.
[ ١٠ / ١١٧ ]