أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم الصلاة في الإزار.
و"الإزار" -بكسر الهمزة- ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن، يذكر، ويؤنث (^١).
وقال الفيومي: الإزَار: معروف، والجمع في القلة آزِرَة، وفي الكثرة أُزُر بضمتين -مثل حمار، وأحْمِرة، وحُمُر، ويذكر، ويؤنث، فيقال: هو الإزار، وهي الإزار، قال الشاعر (من الرجز):
قَدْ عَلِمَتْ ذَاتُ الإزَارِ الْحَمْرَا … أَنِّي مِنَ السَّاعِينَ يَوْمَ النَّكْرَا
وربما أنث بالهاء، فقيل: إِزارة، والمئْزَر -بكسر الميم- مثله، نظيرُ لِحَاف، ومِلْحَفٍ، وقِرَام، ومِقْرَم، وقِيادَ، ومِقْوَد (^٢)، والجمع مَآزر. انتهى (^٣). والله تعالى أَعلم.
٧٧٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ،
_________________
(١) المعجم الوسيط جـ ١ ص ١٦.
(٢) المِقود -بالكسر-: الحبل يقال به، والجمع مقاود، والقِياد مثله. أفاده في المصباح. جـ ٢ ص ٥١٨.
(٣) المصباح جـ ١ ص ١٣.
[ ٩ / ٥٢٠ ]
قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَاقِدِي أُزْرَهُمْ، كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري أبو قُدامة السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنيّ، مات سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، الثقة الحجة الثبت، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (أبو حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة عابد، مات في خلافة المنصور، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (سهل بن سعد) بن مالك الساعدي الصحابي ابن الصحابي ﵄، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٧٣٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
[ ٩ / ٥٢١ ]
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وهم من رجال الجماعة، إلا شيخه فمن رجال الشيخين والمصنف، وهم ما بين سرخسي؛ وهو شيخه، وبصري؛ وهو يحيى، وكوفي؛ وهو سفيان، ومدنيين؛ وهما أبو حازم، وسهل.
ومنها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ؛ من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سهل بن سعد) ﵄، أنه (قال: كان رجال) التنكير فيه للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك، وهو كذلك، ووقع في رواية أبي داود: "رأيت الرجال"، واللام فيه للجنس، فهو في حكم النكرة (يصلون) جملة في رفع خبر "كان" (مع رسول الله -ﷺ-) متعلق بـ"يصلون" (عاقدي أزرهم) أصله عاقدين أزرهم، فلما أضيف سقطت النون، وهي جملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون انتصابه على أنه خبر "كان"، ويكون قوله: "يصلون" في محل نصب على الحال.
وفي رواية أبي داود: "لقد رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الإزار خلف رسول الله -ﷺ- في الصلاة … " الحديث (كهيئة الصبيان) "الهَيْئَة": الحالة الظاهرة، يقال: هَاءَ يَهُوءُ، ويَهِيء هَيْئَةً حسنةً: إذا صار إليها. قاله الفيومي (^١).
_________________
(١) المصباح جـ ٢ ص ٦٤٥.
[ ٩ / ٥٢٢ ]
و"الصبيان" -بكسر الصاد المهملة، وضمها- جمع صبي، وهو من لم يُفْطَم بَعدُ. أفاده المجد (^١).
والمعنى أنهم يعقدون أزرهم على أعناقهم من ضيقها، كما يعقد الصبيان أزرهم على قفاهم.
(فقيل) وفي رواية للبخاري: "وقال للنساء". قال في الفتح: قال الكرماني: فاعل "قال" هو النبي -ﷺ-، كذا جزم به، وقد وقع في رواية الكشميهني: "ويقال للنساء"، وفي رواية وكيع "فقال قائل: يا معشر النساء" فكأن النبي -ﷺ- أمر من يقول لهن ذلك، ويغلب على الظن أنه بلال. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: لم يذكر الحافظ مستندًا لكونه بلالًا غير الظن، ويؤيد ما قاله الكرماني ما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم. كراهية أن يَرَيْن من عورات الرجال".
(للنساء) أي اللاتي يصلين وراء الرجال مع رسول الله -ﷺ- (لا ترفعن رؤوسكن) أي من السجود (حتى يستوي الرجال) يقال: استوى جالسًا، واستوى على الفرس: استقر. قاله الفيومي (^٢): (جلوسًا) إما جمع جالس، كالركوع جمع راكع، وإما مصدر بمعنى
_________________
(١) القاموس المحيط ص ١٦٧٩.
(٢) المصباح جـ ١ ص ٢٩٨.
[ ٩ / ٥٢٣ ]
جالسين، وعلى كل حال انتصابه على الحال (^١).
وإنما نهي النساء عن ذلك لئلا يلمحن عند رفع رؤوسهن من السجود شيئًا من عورات الرجال عند نهوضهم، لضيق الأُزُر. وقد تقدم في حديث أسماء ﵂ عند أحمد وأبي داود التصريح بذلك.
وفي رواية لابن خزيمة رقم (١٦٩٥): "كن النساء يؤمرن في الصلاة على عهد رسول الله -ﷺ- أن لا يرفعن رؤوسهن، حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من قباحة الثياب".
ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث سهل بن سعد ﵄ متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ١٦/ ٧٦٦، وفي "الكبرى" (٤/ ٨٤٢) عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن الثوري، عن أبي حازم، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
_________________
(١) عمدة القاري جـ ٤ ص ٦٩.
[ ٩ / ٥٢٤ ]
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن محمد بن كثير، وعن مسدد، عن يحيى، ومسلم فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع -ثلاثتهم عن الثوري، به. وأبو داود فيه عن محمد بن سليمان الأنباري، عن وكيع به. وأحمد في "مسنده" (٣/ ٤٣٣)، (٥/ ٣٣١). وابن خزيمة رقم (٧٦٣، ١٦٩٥). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو حكم الصلاة في الإزار وحده، وهو الجواز، لكن بشرط أن يكون شيء منه على عاتقه.
ومنها: عدم وجوب ستر أسفل البدن في الصلاة.
ومنها: ما كان عليه أصحاب رسول الله -ﷺ- من ضيق المعيشة، واكتفائهم بالقليل.
ومنها: جواز صلاة النساء في المسجد جماعة، وإن كان الأفضل أن يصلين في بيوتهن، للحديث الصحيح، "وبيوتهن خير لهن".
ومنها: جواز نظر النساء إلى أعالي البدن من الرجال، لكن بشرط أن لا يترتب عليه فتنة لهن، وإلا حَرُمَ. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٦٧ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، قَالَ: لَمَّا
[ ٩ / ٥٢٥ ]
رَجَعَ قَوْمِي مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالُوا: إِنَّهُ قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ، قَالَ: فَدَعَوْنِي، فَعَلَّمُونِي الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ مَفْتُوقَةٌ، فَكَانُوا يَقُولُونَ لأَبِي: أَلَا تُغَطِّي عَنَّا اسْتَ ابْنِكَ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائي، ثقة صاحب حديث، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، مات سنة ٢٠٦، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، مات سنة ١٤٠، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٤٨/ ٢٣٩.
٤ - (عمرو بن سلمة) (^١) بن قيس، وقيل ابن نُفَيع، وقيل غير ذلك، الجَرْمي، أبو بُرَيد -بالموحدة، والراء- ويقال: أبو يزيد -بالتحتانية، والزاي- البصري.
روى عن أبيه. وعنه أبو قلابة الجَرْمي، وعاصم الأحول، وعَيّاش ابن عبد الله الهمداني، وأبو الزبير المكي، ومسعر بن حبيب الجرمي، وغيرهم.
_________________
(١) "سَلِمَة" -بفتح السين المهملة، وكسر اللام، الجَرْمي- بفتح الجيم، وسكون الراء.
[ ٩ / ٥٢٦ ]
وكان يصلي بقومه على عهد النبي -ﷺ-، ولم يثبت له سماع ولا رؤية من النبي -ﷺ-، ووفد أبوه على النبي -ﷺ-، وقد روي من وجه غريب أن عمرًا أيضًا وفد على النبي -ﷺ-، وليس بثابت. هكذا قال الحافظ المزي ﵀ (^١).
لكن قال الحافظ ﵀: روى ابن منده في كتاب الصحابة حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المِنْهَال، عن حماد ابن سَلَمَة، عن أيوب، عن عمرو بن سَلمَة، قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله -ﷺ-. وهذا تصريح بوفادته. وقد روى أبو نعيم في الصحابة أيضًا من طرق ما يقتضي ذلك. وقال ابن حبان: له صحبة (^٢). وفي "ت": صحابي صغير (^٣)، أخرج له البخاري، وأبو داود، والمصنف. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه [٤٥] من رباعيات المصنف ﵀ في هذا الكتاب، وأن رجاله ثقات، وأنهم ما بين نسائي؛ وهو شيخه، وواسطي؛ وهو يزيد، وبصريين؛ وهما عاصم، وعمرو بن سلمة. وأن شيخه من أفراده، لم يرو عنه غيره من أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "تك" جـ ٢٢ ص ٥٠ - ٥١.
(٢) "تت" جـ ٨ ص ٤٢.
(٣) ص ٢٦٠.
[ ٩ / ٥٢٧ ]
شرح الحديث
(عن عمرو بن سلِمَة) تقدم الخلاف في صحبته، والراجح أن له صحبة؛ لما تقدم: "أنه قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله -ﷺ-". أخرجه ابن منده، وأخرجه الطبراني، كما قال في الفتح (^١).
أنه (قال: لَمَّا رجع قومي من عند النبي -ﷺ- قالوا: إِنه قال) وفي الرواية المتقدمة للمصنف (٨/ ٦٣٦) من طريق أيوب، "فقال: لمّا كان وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فذهب أبي بإسلام أهل حِوَائنا (^٢)، فلما قدم استقبلناه، فقال: قد جئتكم -والله- من عند رسول الله -ﷺ- حقًّا، فقال: "صَلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا".
وقد ساقه البخاري بطوله في "كتاب المغازي" في غزوة الفتح من "صحيحه"، فقال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلِمَة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه، فتسألَه، فقال: فلقيته، فسألته.
فقال: كنا بماء ممرَّ الناس، وكان يمرّ بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أو أوحَى إليه، أو أوحَى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يُغْرَى في
_________________
(١) فتح جـ ٨ ص ٣٣٨.
(٢) الحواء -بالكسر، والمد: بيوت مجتمعة من الناس على ماء.
[ ٩ / ٥٢٨ ]
صدري، وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومَه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق.
فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قَدِمَ قال: جئتكم والله من عند النبي -ﷺ- حقًّا، فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا".
فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني لِمَا كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تَقَلَّصَتْ عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم، فاشتروا، فقطعوا لي قميصًا، فما فَرِحْتُ بشيء فَرَحِي بذلك القميص (^١).
(ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن) وفي رواية أبي داود من رواية مِسْعَر بن حبيب الجرمي، عن عمرو بن سلمَة قالوا: يا رسول الله، من يؤمنا؟ قال: "أكثركم جمعًا للقرآن"، أو "أخذًا للقرآن".
(قال) عمرو (فدعوني) أي نادوني (فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلي بهم) يعني أنه كان يؤمهم؛ لكونه أكثرهم قرآنًا، ففي رواية البخاري المتقدمة، "فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني؛ لما كنت أتَلَقَّى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست،
_________________
(١) صحيح البخاري جـ ٥ ص ١٩١ - ١٩٢.
[ ٩ / ٥٢٩ ]
أو سبع سنين … ".
وفي رواية أبي داود: "قال: كنا بحاضر (^١)، يمر بنا الناس إذا أتوا النبي -ﷺ-، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا، فأخبرونا أن رسول الله -ﷺ- قال: كذا وكذا، وكنت غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا … " الحديث.
وفي رواية له: "قال: فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعت، قال: فقدموني، وأنا غلام، وعلي شَمْلة لي، قال: فما شهدت مَجْمعًا من جَرْم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا".
(وكانت عليَّ بردة) -بضم، فسكون- كساء صغير مربع، ويقال: كساء أسود صغير. قاله في المصباح (^٢) (مفتوقة) يقال: فتقتُ الثوب فَتْقًا، من باب قَتَلَ: نَقَضتُ خِياطتَه حتى فَصَلْتُ بعضه من بعض. قاله الفيّومي. وأراد هنا أنها مشقوقة، تظهر منها العورة. ففي رواية لأبي داود: "وعليّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني"، وفي رواية له: "فكنت أؤمهم في بردة مُوصَلَة فيها فتق، فكنت إذا سجدت خرجت استي".
(فكانوا يقولون لأبي) هو سَلِمَة بن قيس، وقيل: ابن نُفيع، وقيل: ابن لائم، وقيل: ابن لاي، أبو قدامة البصري الجَرمي، صحابي
_________________
(١) "الحاضر" في الأصل: القوم النزول على ماء يقيمون به، ولا يرحلون عنه، والمراد به المكان المحضور الذي يقيمون به. اهـ. المنهل جـ ٤ ص ٣٠١.
(٢) جـ ١ ص ٤٣.
[ ٩ / ٥٣٠ ]
وفد على النبي -ﷺ-، وروى عنه. وعنه ابنه عمرو بن سلمة. وقد قيل فيه سلَمَة -بفتح اللام- والصواب كسرها (^١).
(ألا) أداة استفتاح وتنبيه (تغطي عنا) أي تستر عن أعيننا (است ابنك) أي عَجُزَه.
يعني أن بعض الناس كان يقول لأبيه: استر عنا عورة ابنك.
وقال السندي ﵀ في شرحه: أي خذ من كل منّا شيئًا، واشتر به ثوبًا يستر عورته. اهـ (^٢).
وفي رواية أبي داود: "فقالت امرأة من النساء: وَارُوا عنّا عورة قارئكم، فاشْتَرَوْا لي قميصًا عُمَانيّا، فما فَرِحْتُ بشيء بعد الإسلام فَرَحِي به … " الحديث.
و"الاست" -كما قال الفيومي ﵀-: العَجُزُ، ويراد به حَلْقَة الدبر، والأصل: سَتَهٌ -بالتحريك- ولهذا يجمع على أسْتاه، مثل سبب وأسباب، ويصغر على سُتَيْهٍ، وقد يقال: سَهٌ بالهاء، وسَتٌ بالتاء، فيعرب إعراب يَدٍ وَدَمٍ، وبعضهم يقول في الوصل بالتاء، وفي الوقف بالهاء، على قياس هاء التأنيث.
قال الأزهري: قال النحويون: الأصل سَتْهٌ -بالسكون-، فاستثقلوا الهاء لسكون التاء قبلها، فحذفوا الهاء، وسكنت السين، ثم اجتلبت همزة الوصل.
وما نقله الأزهري، في توجيهه نظر لأنهم قالوا: سَتِهَ سَتَهًا، من
_________________
(١) "تت" جـ ٤ ص ١٦٣.
(٢) شرح السندي جـ ٢ ص ٧١.
[ ٩ / ٥٣١ ]
باب تعب: إذا كبرت عَجِيزته، ثم سمي بالمصدر، ودخله النقص بعد ثبوت الاسم، ودعوى السكون لا يشهد له أصل، وقد نسبوا إليه سَتَهِيٌّ -بالتحريك- وقالوا في الجمع: أستاه، والتصغير وجمع التكسير يردان الأسماء إلى أصولها. انتهى كلام الفيومي (^١).
وهي من الأسماء العشرة التي سُمِعَ في أولها همزة الوصل، وهي المجموعة في قول ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
وَفِي اسْمٍ اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعْ … وَاثْنَيْنِ وَامْرِىءٍ وَتَأْنِيثٌ تَبِعْ
وَايْمُنُ هَمْزُ أَلْ كذَا وَيُبْدَلُ … مَدًّا فِي الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ
تنبيه:
هذا الحديث أخرجه البخاري كما تقدم قريبًا، ومحل مطابقة الحديث للترجمة قوله: "وكانت عليّ بُرْدة"؛ حيث إن الصلاة في بردة واحدة كالصلاة في إزار واحد.
وقد تقدم تخريجه، وما يتعلق به من المسائل (٨/ ٦٣٦)، وسيأتي ما تبقّى من مسائله في (١١/ ٧٨٩) إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
…
_________________
(١) المصباح جـ ١ ص ٢٦٦.
[ ٩ / ٥٣٢ ]