أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان الشخص الذي يمنع دخول المسجد.
فمن اسم موصول، و"يمنع" بالبناء للمفعول، والجار والمجرور متعلق به. ويحتمل أن تكون "من" استفهامية مبتدأ، والجملة بعدها
خبر، أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب من سأل قائلًا: أيُّ شخص يُمْنَعُ من المسْجد؟ والله تعالى أعلم.
٧٠٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ"، قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ: "الثُّومِ"، ثُمَّ قَالَ: "الثُّومِ، وَالْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت، من [١١] تقدم في ٧٢/ ٨٨.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
[ ٨ / ٦٥٤ ]
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل، كان يدلس ويرسل، من [٦] تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح المكي، ثقة فقيه فاضل كثير الإرسال، من [٣] تقدم في ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي - ﵄ -، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له أبو داود.
ومنها: أنه ليس في الكتب الستة من يسمى إسحاق بن منصور، إلا الكوسج هذا، وإلا إسحاق منصور السَّلُولِيُّ من الطبقة (٩).
ومنها: أن فيها جابرًا أحد المكثرين من الصحابة - ﵃ -، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) عبد الله - ﵄ -، أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أكل) شرطية مبتدأ، جوابها قوله "فلا يقربنا". قال ابن بطال: هذا يدل على إباحة أكل الثوم؛ لأن قوله: "من أكل" لفظ إباحة. وتعقبه ابن المُنَيِّر بأن هذه الصيغة إنما تعطي الوجود، لا
[ ٨ / ٦٥٥ ]
الحكم. أي من وجد منه الأكل، وهو أعم من كونه مباحًا، أو غير مباح.
قال الجامع: لكن قد جاء ما يدل على عدم تحريمها، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أنه قال: لم نَعْدُ أن فتحت خيبر، فوقعنا أصحاب رسول الله - ﷺ - في تلك البَقْلَة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رحنا إلى المسجد، فوجد رسول الله - ﷺ - الريح، فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا، فلا يَقْرَبَنَّا في المسجد"، فقال الناس: حرمت، حرمت، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فقال: "أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها". انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٥ ص ٥٠ - ٥١.
(من هذه الشجرة) واحدة الشجر، وهو ماله ساق صُلْب يقوم به، كالنخل وغيره، ويجمع أيضًا على شَجَرات، وأشجار. قاله في المصباحُ.
وقال في الفتح: وفي قوله: "الشجرة" مجاز؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
ومن أهل اللغة من قال: كل ما ثبتت له أرومة، أي أصل في الأرض يخلف ما قطع منه، فهو شجر، وإلا فنجم.
[ ٨ / ٦٥٦ ]
وقال الخطابي: في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم، والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق. انتهى.
ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوص، فكل نجم شجر من غير عكس، كالشجر والنخل، فكل شجر نخل، من غير
عكس. انتهى. فتح جـ ٢ ص ٣٩٦.
(قال أوَّلَ يوم: الثوم، ثم قال: الثوم، والبصل، والكراث) وفاعل "قال" ضمير عطاء، كما بينه أبو نعيم في مستخرجه من طريق رَوْح بن عبادة، عن ابن جريج، ولفظه: قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: "الثوم، والبصل، والكراث". أفاده في الفتح.
وحاصل المعنى أن عطاء قال في أول يوم تحديثه بهذا الحديث: "من أكل من هذه الشجرة، الثوم"، ثم قال حين حدث بعد ذلك: "من أكل من هذه الشجرة: الثوم والبصل والكراث"، فزاد البصل والكراث.
فقوله: "أول" منصوب على الظرفية متعلق بقال، وقوله: "الثوم" مقول القول، ولفظه مجرور على الحكاية، فإنه في الأصل بدل من الشجرة.
والثُّومُ -بضم المثلثة، واحدته: ثُومَة. والبَصَلُ- بفتح الباء الموحدة، والصاد المهملة، واحدته بَصَلَة. والكُراَّث، بضم الكاف
[ ٨ / ٦٥٧ ]
وفتحها وتشديد الراء، وزان رُمَّان، وكَتَّان. كما في "ق".
(فلا يقربنا) بفتح الراء وضمها، يقال: قَرِبْتُ الأمرَ، أقرَبُهُ، من باب تعب، وفي لغة من باب قتل، قرْبانًا، بالكسر: فَعَلْتُهُ، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني قولك: لا تَقْرَب الحِمَى، أي لا تَدْنُ منه. ومنه هذا الحديث، أي لا يَدْنُ منا.
فالفعل على هذا متعد، فَنَا في قوله: "يقربنا" في محل نصب مفعوله.
وأما قَرُبَ -بضم الراء، فلازم، ويتعدى بمن، يقال: قَرُب الشيء منا. كما تفيده عبارة المصباح.
(في مساجدنا) متعلق بيقرب، وهو بصيغة الجمع عند المصنف هنا، وفي "الكبرى" وفي رواية لمسلم "فلا يأتين المساجد"، ووقع في بعض روايات الشيخين "مسجدنا" بالإفراد.
قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: تعلق به بعضهم في أن هذا النهي مخصوص بمسجد الرسول - ﷺ -، وربما يتأكد ذلك بأنه كان مهبط الملك بالوحي، والصحيح المشهور خلاف ذلك، وأنه عام، لما جاء في بعض الروايات "مساجدنا"، ويكون "مسجدنا" للجنس، أو لضرب المثال، فإن هذا النهي معلل: إما بتأذي الآدميين، أو بتأذي
[ ٨ / ٦٥٨ ]
الملائكة الحاضرين، وذلك يوجد في المساجد كلها. انظر العمدة بنسخة الحاشية جـ ٢ ص ٥١٤.
ثم بين علة النهي، فقال: (فإِن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإِنس) الفاء للتعليل، أي لأن الملائكة. . . إلخ، أي إن سبب النهي عن الدُّنُوِّ من المسجد تأذي الملائكة برائحة تلك الشجرة. وفي رواية لمسلم "فلا يقربَنَّ مسجدنا، ولا يؤذِيَنَّا بريح الثوم". فدل أن تأذي الآدميين سبب للنهي أيضًا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (١٦/ ٧٠٧)، وفي "الكبرى" (١٦/ ٧٨٦) عن إسحاق ابن منصور، عن يحيى القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، عنه.
وفي الوليمة من "الكبرى" عن إسحاق بن منصور به. وعن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن جريج، به. وأخرجه من طريق ابن شهاب، عن عطاء، في الوليمة أيضًا: عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عنه، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
[ ٨ / ٦٥٩ ]
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" (٢١١/ ٢) عن عبد الله بن محمد، عن أبي عاصم، عن ابن جريج به. وأخرجه البخاري أيضًا من رواية ابن شهاب، عن عطاء في "الأطعمة" (٤٩/ ٢) عن علي بن عبد الله، عن أبي صفوان عبد الله بن سعيد، عن يونس، عنه به، وفي "الصلاة" (٣١١/ ٣) عن سعيد بن عفير، وفي "الاعتصام" (٢٥/ ٥) عن أحمد بن صالح، كلاهما عن ابن وهب عن يونس، به.
ولفظه في الصلاة: عن ابن شهاب، زعم عطاء، أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي - ﷺ - قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا، فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مساجدنا، وليقعد في بيته"، وأن النبي - ﷺ - أتي بقِدْر فيه خَضِرَات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل؟ فأخبر بما فيها من البقول، فقال: "قربوها- إلى بعض أصحابه، كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: "كل، فإني أناجي من لا تناجي".
قال الجامع: هذا فيه تصريح في كونها حلالًا. والله أعلم.
وأخرج له مسلم فيه عن محمد بن حاتم، عن يحيى القطان، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن بكر، وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، ثلاثتهم عن ابن جريج به، ومن رواية ابن شهاب عن عطاء عن أبي الطاهر، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، به.
[ ٨ / ٦٦٠ ]
وأبو داود في الأطعمة (٤١/ ١) عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، به.
والترمذي في الأطعمة (١٣/ ١) عن إسحاق بن منصور، عن يحيى، به.
وأخرجه من رواية ابن شهاب، عن عطاء: البخاري ومسلم والنسائي.
وأخرجه أحمد في مسنده جـ ٣ ص ٣٨٠، ٣٩٧، ٤٠٠، وابن خزيمة رقم ١٦٦٤، و١٦٦٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن الشخص الذي يمنع من دخول المسجد هو الذي أكل من هذه البقول، فلا يجوز له أن يدخل
المسجد حتى يذهب ريحها.
قال النووي -﵀- في شرح مسلم: هذا صريح بنهي من أكل الثوم، ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض -﵀- عن بعض العلماء أن النهي خاص في مسجد النبي - ﷺ -، لقوله - ﷺ - في بعض روايات مسلم "فلا يقربن مسجدنا". وحجة الجمهور "فلا يقربن المساجد". انتهى. جـ ٥ ص ٤٨.
[ ٨ / ٦٦١ ]
ووقع في صحيح البخاري من رواية أنس - ﵁ - "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، أو لا يصلين معنا".
قال في "الفتح": وليس في هذا تقييد النهي بالمسجد، فيستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد، كمصلى العيد، والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسك بهذا العموم أولى، ونظيره رواية "وليقعد في بيته".
لكن قد علل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهي بالمساجد، وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعم النهي كل مجمع كالأسواق، ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم "من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربنا في المسجد".
قال القاضي ابن العربي: ذكر الصفة في الحكم يدل على التعليل بها، ومن ثَمَّ رُدَّ على المازري حيث قال: لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ماله رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم؛ لأن المنع لم يختص بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنع من تناول شيئًا من ذلك، ودخل المسجد مطلقًا، ولو كان وحده.
ومنها: أن بعضهم استدل به على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين.
قال العلامة ابن دقيق العيد -﵀-: هذا الحديث صريح في
[ ٨ / ٦٦٢ ]
التخلف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور، واللازم عن ذلك أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان، أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان، ويمتنع أكل هذه الأشياء إذا آذت، إن حملنا النهي عن القربان على التحريم، وجمهور الأمة على إباحة أكلها، لقوله ﵇ "ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهه"، ولأنه علل بشيء يختص به، وهو قوله ﵇ "فإني أناجي من لا تناجي"، ويلزم من هذا أن لا تكون الجماعة في المسجد واجبة على الأعيان.
وتقريره أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حق آكلها جائز، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب. انتهى. "إِحْكَام الأَحكام" جـ ٢ ص ٥١٢ - ٥١٣.
قال الجامع عفا الله عنه: قد رد بعض المحققين هذا التقرير، فقال: ليس هذا التقرير بجيد، والصواب أن أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين، كما أن حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قدم بين يديه مع كون ذلك مباحًا.
وخلاصة الكلام أن الله سبحانه يسر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات عذرًا في ترك الجماعة لمصلحة شرعية، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلة لترك الجماعة حرم عليه ذلك. والله أعلم.
[ ٨ / ٦٦٣ ]
قال الجامع: هذا تحقيق حسن جدًّا. والله أعلم.
ومنها: أن ابن دقيق العيد قال: ونقل عن أهل الظاهر، أو بعضهم تحريم أكل الثوم بناء على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.
وتقرير هذا أن يقال: صلاة الجماعة واجبة على الأعيان، ولا تتم إلا بترك أكل الثوم، لهذا الحديث، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فترك أكل الثوم واجب. انتهى. عمدة.
قال في "الفتح": وكذا نقله غيره عن أهل الظاهر، لكن صرح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال مع قوله بأن الجماعة فرض عين، وانفصل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مختص بمن علم بخروج الوقت قبل زوال الرائحة. ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النداء. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٠.
قال الجامع: ما قاله ابن حزم -﵀- هو الصواب، لموافقته للنصوص المتقدمة.
وحاصله أن صلاة الجماعة فرض عين، وأن أكل هذه الأشياء مباح، وأنه يسقط عمن أكلها فرض صلاة الجماعة، حتى تزول رائحتها.
فتبين بهذا أن قول الخطابي: توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله، إذ حرم فضل الجماعة. انتهى. غير صحيح، بل الصواب أنه عذر في الخلف لظاهر
[ ٨ / ٦٦٤ ]
النص؛ لأن من فعل ما أبيح له لا يعاقب على فعله، فتنبه. والله أعلم.
ومنها: أنه اختلف هل كان أكل الثوم ونحوه حرامًا على النبي - ﷺ - وسلم أولًا؟ والراجح الحل لعموم قوله - ﷺ -: "وليس بمحرم". كما رواه ابن خزيمة من حديث أبي أيوب - ﵁ -. قاله في الفتح.
ومنها: أنه نقل ابن التين عن مالك، قال: الفُجْل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم، وقيده عياض بالجشاء.
قال الحافظ: وفي الطبراني الصغير من حديث أبي الزبير عن جابر التنصيص على ذكر الفجل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد، وهو ضعيف.
وألحق بعضهم بذلك من بفيه بَخَرٌ، أو به جرح له رائحة. وزاد بعضهم، فألحق أصحاب الصنائع كالسَّمَّاك، والعاهات كالمجذوم، ومن يؤدي الناس بلسانه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أن ذلك كله توسع غير مرضي. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٠.
قال الجامع: الحق ما قاله ابن دقيق العيد -﵀-، فلا ينبغي إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص؛ لأن هذه الأشياء كانت موجودة في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يرد النص بنهي أصحابها عن دخول المسجد، مع وجود الحاجة إلى بيانها. والله أعلم.
[ ٨ / ٦٦٥ ]
فائدة:
قال الحافظ -﵀-: حكم رحبة المسجد، وما قرب منها حكمه، ولذلك كان - ﷺ - إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج من وجدت منه إلى البقيع، كما ثبت في مسلم عن عمر - ﵁ -. ويأتي للمصنف في الباب التالي.
تنبية:
وقع في حديث حذيفة عند ابن خزيمة: "من أكل من هذه البقلة الخبيثة، فلا يقربن مسجدنا، ثلاثًا". وبوب عليه "توقيت النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم". قال الحافظ: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون قوله "ثلاثًا" يتعلق بالقول، أي قال ذلك ثلاثًا، بل هذا هو الظاهر؛ لأن علة المنع وجود الرائحة، وهي لا تستمر هذه المدة. انتهى. فتح جـ ٢ ص ٤٠٠.
قال الجامع: ما قاله الحافظ -﵀- حسن جدًّا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٦٦٦ ]