أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم الاقتداء بأفعال من يقتدي بالإمام.
وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى بنحو ترجمة المصنف هذه، حيث قال في "صحيحه":
(باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم): قال في "الفتح": قال ابن بطال: هذا موافق لقول مسروق والشعبي: إن الصفوف يؤم بعضها بعضًا، خلافًا للجمهور. قال الحافظ: وليس المراد أنهم يأتمون بهم في التبليغ فقط، كما فهمه بعضهم، بل الخلاف معنوي؛ لأن الشعبي قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة: إنه أدركها، ولو كان الإمام رفع قبل ذلك، لأن بعضهم لبعض أئمة. انتهى.
فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعض ما يتحمله الإمام. وأثر الشعبي الأول وصله عبد الرزاق، والثاني وصله ابن أبي شيبة.
ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة لأنه بدأ بالترجمة الدّالة على أن المراد بقوله: "ويأتم الناس بأبي بكر" أنه في مقام المبلغ، ثم ثَنّى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر، ورشح ظاهرها
[ ١٠ / ١١٨ ]
بظاهر هذا الحديث المعلق -يعني حديث أبي سعيد المذكور هنا- فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي، ويرى أن قوله في الرواية الأولى: "ويسمع الناس التكبير" لا ينفي كونهم يأتمون به؛ لأن إسماعه لهم التكبير جزء من أجزاء ما يأتمون به فيه، وليس فيه نفي لغيره، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق عبد الله بن داود المذكور، ووكيع جميعًا عن الأعمش بهذا الإسناد، قال فيه: "والناس يأتمون بأبي بكر، وأبو بكر يسمعهم". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: والظاهر أن المصنف يرى أن معنى ائتمام المأموم بمن يأتم بالإمام هو أن يكون مبلغًا عنه يُسمِع الناسَ تكبيره، حيث إنه أورد أخيرًا حديث جابر ﵁ الذي هو صريح في توضيح معنى حديث أبي سعيد، وحديث عائشة ﵄، فإنه قال: "فإذا كبر رسول الله -ﷺ-، كبر أبو بكر يسمعنا". والله تعالى أعلم.
٧٩٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: "تَقَدَّمُوا، فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ ﷿".
[ ١٠ / ١١٩ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، مات سنة ٢٤٠، أخرج له الترمذي، والنسائي، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٨١، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (جعفر بن حَيَّان) السعدي، أبو الأشهب العطاردي البصري الخزاز الأعمى، مشهور بكنيته، ثقة، من [٦].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، صدوق. وقال أبو حاتم، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المديني: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من سلاّم بن مسكين. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن أبي خيثمة: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: كان حماد بن زيد يقول: لم يسمع أبو الأشهب من أبي الجوزاء. قال الحافظ: وقد وقع في صحيح البخاري في تفسير سورة النجم: حدثنا مسلم، ثنا أبو الأشهب، ثنا أبو الجوزاء … فذكر حديثًا، فالله أعلم. وذكر أبو عمرو الداني في طبقات القراء أنه قرأ على أبي رجاء العطاردي. قال الأصمعي
[ ١٠ / ١٢٠ ]
عن أبي الأشهب: ولدت عام الجُفْرَة (^١) سنة ٧٠ أو ٧١. وقال البخاري عن محمد بن محبوب: مات في آخر يوم من شعبان سنة ١٦٥ (^٢). أخرج له الجماعة.
٤ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي العَوَقي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، مات سنة ١٠٨ أو ١٠٩، من [٣]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٢١/ ٥٣٨.
٥ - (أبو سعيد) الخدري سعد بن مالك صحابي ﵁، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة إلا شيخه؛ فممن انفرد هو والترمذي به، وأن شيخه وعبد الله مروزيان، وجعفر وأبو نضرة بصريان، وأبو سعيد مدني، وأن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة؛ روى ١١٧٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (أن النبي -ﷺ- رأى في
_________________
(١) هي جُفْرة خالد موضع بالبصرة، سميت باسم خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. ويوم الجُفرة بينه وبين أصحاب مصعب بن الزبير.
(٢) "ت" ص ٥٥. "تت" جـ ٢ ص ٨٨. "تك" جـ ٥ ص ٢٢ - ٢٥.
[ ١٠ / ١٢١ ]
أصحابه) متعلق بـ "رأى"، والظاهر أن المراد بعضهم، و"رأى" بصرية، فلذا تعدت إلى واحد، وهو قوله (تأخرًا)؛ أي عن الصف الأول. ولعلهم سمعوا قوله -ﷺ-: "ليليني منكم أولو الأحلام، والنُّهَى"، فرأوا في أنفسهم قصورًا عن هذه المرتبة، فتأخروا (فقال) لهم (تقدموا) أي إلى الصف الأول (فأتموا بي) أي اقتدوا بي في أفعال الصلاة، (وليأتم بكم من بعدكم) "من" موصولة في محل نصب مفعول "يأتم"، والظرف صلتها. أي ليقتد بكم الصف الذي يليكم.
قال السندي ﵀: والخطاب لأهل الصف الأول، أو من بعدكم من أتباع الصحابة، والخطاب للصحابة مطلقًا. انتهى (^١).
وقال في الفتح: وظاهره يدل لمذهب الشعبي. وأجاب النووي ﵀ بأن معنى: "وليأتم بكم مَن بعدكم". أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه، ولا يسمعه على مبلغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعًا للإمام. وقيل: معناه تعلموا مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا. انتهى (^٢).
(ولا يزال قوم يتأخرون) أي عن الصفوف الأُوَلِ (حتى
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٨٣.
(٢) فتح جـ ٢ ص ٤٤٠.
[ ١٠ / ١٢٢ ]
يؤخرهم الله ﷿) أي عن رحمته، وعظيم فضله، ورفع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك. قاله النووي رحمه الله تعالى (^١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٧/ ٧٩٥)، وفي "الكبرى" (١٧/ ٨٧٠) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن جعفر بن حيان، عن أبي نضرة، عنه. وفي (١٧/ ٧٩٦)، وفي "الكبرى" (١٧/ ٨٧١) عن سويد، عن ابن المبارك، عن سعيد الجُريري، عن أبي نضرة به. نحوه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن شيبان بن فَرُّوخ، عن جعفر بن حيان به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن عبد الله الرقاشي، عن بشر بن منصور، عن الجريري به. وأبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل -ومحمد بن عبد الله الخزاعي- كلاهما عن جعفر بن حيان به. وابن ماجه
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٥٩.
[ ١٠ / ١٢٣ ]
فيه عن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة - كلهم عن جعفر ابن حيّان به. وأحمد (٣/ ١٩، ٣٤، ٥٤)، وعبد بن حميد رقم (٨٧٤)، وابن خزيمة رقم (١٥٦٠) و(١٦١٢). والله تعالى أعلم.
تنبيه:
أورد البخاري ﵀ في "صحيحه" حديث أبي سعيد هذا معلقًا بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن النبي -ﷺ-: "ائتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم".
قال في "الفتح": قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه؛ لضعف فيه.
قال الحافظ: وهذا ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح. انتهى (^١). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٩٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٤٠.
[ ١٠ / ١٢٤ ]
الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، نَحْوَهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا سند آخر لحديث أبي سعيد ﵁، وهو نفس السند السابق، إلا أن شيخ عبد الله بن المبارك هنا الجريري، وهو: سعيد بن إياس، أبو مسعود الجُرَيري -بضم الجيم- البصري، ثقة، إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة ١٤٤، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٦٧٢.
وإنما قال: "نحوه"، ولم يقل: "مثله" للاختلاف في ألفاظه؛ لأن المشهور عند المحدثين أنه إذا اتحد الروايتان في اللفظ يقال: "مثله"، وإذا اتحدا في المعنى دون اللفظ يقال: "نحوه"، قال الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية المصطلح":
الْحَاكِمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنى … وَمِثْلَهُ بِاللَّفظِ فَرْقٌ يُعْنَى
وقد تقدم ذكر هذه القاعدة غير مرة، وإنما أعدته إيضاحًا، وتذكيرًا.
وقد ساق ابن خزيمة ﵀ في صحيحه لفظ الجريري من طريق القاسم بن مالك المزني، عنه، قال: دخل رسول الله -ﷺ-، فرأى ناسًا في مؤخر المسجد، فقال: "ما يؤخركم؟ لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ﷿، تقدموا، فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم". انتهى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ١٠ / ١٢٥ ]
٧٩٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةَ: وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، فَصَلَّى قَاعِدًا، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَالنَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة ٢٣٩ من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو داود) الطيالسي، سليمان بن داود بن الجارود البصري، ثقة حافظ، غلط في أحاديث، مات سنة ٢٠٤ من [٩]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١١/ ٣٤٣.
٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت البصري، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
[ ١٠ / ١٢٦ ]
٤ - (موسى بن أبي عائشة) الهَمْدَاني مولاهم، أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، وكان يرسل، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة إلا شيخه؛ فما أخرج له أبو داود.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ موسى، عن عبيد الله.
ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة من التابعين؛ عبيد الله بن عبد الله.
ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة من الصحابة، روت ٢٢١٠ أحاديث.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال، على الصحيح في العنعنة إن
[ ١٠ / ١٢٧ ]
صدرت من غير مدلس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂: أن رسول الله -ﷺ- أمر أبا بكر) الصديق ﵁ (أن يصلي بالناس) وذلك في مرض موته، فالحديث مختصر من حديث عائشة ﵂ الطويل، وسيأتي بتمامه في "باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدًا" (٤٠/ ٨٣٢)، ويأتي تمام شرحه هناك، إن شاء الله تعالى.
(قالت عائشة) ﵂ (وكان النبي -ﷺ- بين يدي أبي بكر) أي يصلي إمامًا له، وللناس، فلا ينافي ما يأتي أنه جلس عن يسار أبي بكر ﵁ (فصلى قاعدًا، وأبو بكر يصلي بالناس) أي مبلغًا لهم تكبيره (والناس خلف أبي بكر) وفي الرواية الآتية (٤٠/ ٨٣٣) "فكان رسول الله -ﷺ- يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر برسول الله -ﷺ-، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁".
وفيه أن أبا بكر مبلغ، وهو الذي أراده المصنف ﵀ بقوله في الترجمة "الائتمام بمن يأتم بالإمام". والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. وسيأتي تمام شرحه، والمسائل المتعلقة به (٤٠/ ٨٣٣، ٨٣٤) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ ١٠ / ١٢٨ ]
٧٩٨ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِى ابْنَ يَحْيَى- قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُنَا.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبيد الله بن فضالة بن إِبراهيم) النسائي، أبو قُدَيد، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤١، من [١١].
روى عن عبد الرزاق، وسليمان بن داود الهاشمي، ومحمد بن المبارك الصوري، ويزيد بن هارون، وأبي حذيفة الصنعاني، واسمه عبد الله بن محمد بن عبد الكريم، ويقال: محمد بن عبيد الله، وسريج ابن النعمان، وأبي معمر المنقري، وأبي اليمان، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وغيرهم. وروى عنه النسائي، وأبو حاتم، وقال: صالح، وابن أبي عاصم، وأبو علي الحسن بن يزداد، والحسن بن سفيان. قال النسائي: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات. وأرخ وفاته سنة ٢٤١ (^١). انفرد به المصنف.
_________________
(١) "ت" ٢٢٦. "تت" جـ ٧ ص ٤٣ - ٤٤، "تك" جـ ١٩ ص ١٤٠ - ١٤١.
[ ١٠ / ١٢٩ ]
٢ - (يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد التميمي الحنظلي، أبو زكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام؛ من [١٠]. قال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان ثقة، وزيادة، وأثنى عليه خيرًا. وقال أبو داود، عن أحمد: خرج من خراسان رجلان، ابن المبارك، ويحيى بن يحيى. وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه، قال: وهو أثبت من عبد الرحمن بن مهدى، قال: ومات يوم مات، وهو إمام لأهل الدنيا.
وقال الحسن بن سفيان: كنا إذا رأينا رواية ليحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، قلنا: ريحانة أهل خراسان، عن ريحانة أهل العراق. قال محمد بن أسلم الطوسي: رأيت النبي -ﷺ- في النوم، فقلت: عمن أكتب؟ قال: عن يحيى بن يحيى. وقال العباس بن مصعب: يحيى بن يحيى أصله من مرو، وهو من بني تميم من أنفسهم، وكان ثقة، يرجع إلى زهد وصلاح. وقال أحمد بن سيار. يحيى بن يحيى من موالي بني منقر، وكان ثقة في الحديث، حسن الوجه، طويل اللحية، وكان خيّرًا فاضلًا صائنًا لنفسه.
وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال مرة أخرى: ثقة مأمون، مات في آخر صفر سنة ٢٢٦، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: أوصى بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، وكان من سادات أهل زمانه علمًا ودينًا وفضلًا
[ ١٠ / ١٣٠ ]
ونسكًا وإتقانًا. وقال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملي سمعت أبا الطيب المكفوف، يقول: ولد يحيى بن يحيى سنة ١٤٢، قال: وسألت أبا أحمد الفراء عن وفاته، فقال: ليلة الأربعاء غرة ربيع الأول. قال الحاكم: وكل من خالف هذا القول يخطىء، والمكتوب على اللوح في قبره خطأ، قرأت في اللوح أنه مات سنة ٢٢٤، وقال محمد بن موسى الباشاني: مات سنة خمس، وكلا القولين خطأ.
وقال الفراء: أخبرني زكرياء بن يحيى، قال: أوصى أبي بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، فأتيته بها، فقال: ليس هذا من لباسي، ثم أخذ ثوبًا واحدًا منه، ورد الباقي. وطول الحاكم في "تاريخه" ترجمته، وقسم الرواة عنه إلى خمس طبقات، ومن آخرهم داود بن الحسين البيهقي، وإبراهيم بن علي الذهلي. وروى فيها عن أحمد بن حنبل، قال: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه، وقيل له: كان إمامًا؟ قال: نعم، ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه.
وعن الأثرم قال: ذكر أبو عبد الله يحيى بن يحيى، فقال: بخ بخ بخ، ثم ذكر قتيبة، فأثنى عليه، ثم قال: إلا أن يحيى شيء آخر، وقدمه عليه. وقال الفراء: قال أحمد: قراءة يحيى بن يحيى على مالك أحب إليّ من سماع غيره.
وقال يحيى بن محمد بن يحيى: كان أبي يرجع في كل المشكلات
[ ١٠ / ١٣١ ]
إلى يحيى بن يحيى، ويقول: هو إمام فيما بيني وبين الله تعالى. قال يحيى: وما رأيت محدّثًا أورع منه، ولا أحسن بيانًا. وقال الحسين بن منصور: سمعت عبد الله بن طاهر يقول: شك يحيى بن يحيى عندنا بين (^١).
وقال أبو أحمد الفراء: سمعت يحيى بن يحيى، وكان إمامًا، وقدوة، ونورًا، وضوءًا للإسلام. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قرأ عليه إسحاق بن إبراهيم، عن مشايخه أحاديث، ثم انتهى إلى حديث يحيى بن يحيى، فقال: ثنا يحيى بن يحيى، وهو من أوثق من حدثتكم اليوم عنه. وقال: سمعت الذهلي يقول: لو شئت لقلت هو أسن (^٢) المحدثين في الصدق، وكان ثبتًا.
وقال أبو أحمد الفراء: سمعت عامة مشايخنا يقولون: لو أن رجلًا جاء إلى يحيى بن يحيى عامدًا ليتعلم من شمائله كان ينبغي له أن يفعل. وقال المستملي: قال قتيبة بن سعيد: يحيى بن يحيى رجل صالح إمام من أئمة المسلمين. وقال محمد بن نصر المروزي، وقيل له: من أدركت من المشايخ على سنن رسول الله -ﷺ-؟ فقال له: ما أدركت أحدًا إلا أن يكون يحيى بن يحيى. أخرج له البخاري، ومسلم،
_________________
(١) هكذا النسخة "بين". ولعل صوابه "يقين".
(٢) هكذا النسخة، ولعل الصواب: "أحسن"، أو نحوه.
[ ١٠ / ١٣٢ ]
والترمذي، والنسائي (^١).
٣ - (حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرُّؤَاسي (^٢» أبو عوف الكوفي، ثقة، مات سنة ١٨٩، وقيل غير ذلك، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٤٩٧.
٤ - (عبد الرحمن) بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي الكوفي، ثقة، من [٧].
قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وذكره ابن حبان مي الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي ثقة. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْوُس الأسدي مولاهم
المكي، صدوق، يدلس، مات سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٦ - (جابر) بن عبد الله بن عَمْرو بن حَرَام الصحابي ابن الصحابي ﵄ تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "تت" جـ ١١ ص ٢٩٦ - ٢٩٩، "ت" ص ٣٨٠.
(٢) "الرؤاسي" -بضم الراء، بعدها همزة خفيفة-: نسبة إلى رؤاس بن كلاب. قاله في "المغني". وفي "لب اللباب" جـ ١ ص ٣٦٠: نسبة إلى بطن من قيس عيلان، ومن همدان. اهـ.
[ ١٠ / ١٣٣ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن شيخه ممن انفرد هو به، وأن جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة؛ روى ١٥٤٠ حديثًا، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) بن عبد الله ﵄، أنه (قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ-، الظهر) وقد بين جابر في رواية أخرى أنه صلى جالسًا لكونه مريضًا، ففي روايه المصنف في [باب الرخصة قي الالتفات في الصلاة يمينًا وشمالًا] (١١/ ١٢٠٠) من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عنه، قال: اشتكى رسول الله -ﷺ-، فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يكبر، يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: "إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتمّوا بأئمتكم؛ إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا".
(وأبو بكر خلفه) جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الفاعل (فإِذا كبر رسول الله -ﷺ- كبر أبو بكر) رضي الله
[ ١٠ / ١٣٤ ]
عنه (يسمعنا) جملة حالية، أي حال كون أبي بكر ﵁ مسمعًا ومبلغًا لنا تكبير رسول الله -ﷺ-. وهذا صريح في كون النبي -ﷺ- هو الإمام، وكون أبي بكر مبلغًا له.
فحديث جابر ﵁ هذا مبين لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم: "وليأتم بكم مَن بَعدَكم"، ولقول عائشة ﵂ في الحديث الذي قبل هذا: "وأبو بكر يصلي بالناس". والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٧/ ٧٩٨)، وفي "الكبرى" (١٧/ ٨٧٣) عن عبيد الله ابن فَضالة بن إبراهيم، عن يحيى بن يحيى، عن حميد بن عبد الرحمن ابن حميد الرُّؤَاسيّ، عن أبيه، عن أبي الزبير، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى بسند المصنف. وعن قتيبة -ومحمد بن رمح- وأبو داود فيه عن قتيبه -ويزيد بن خالد-
[ ١٠ / ١٣٥ ]
وابن ماجه فيه عن محمد بن رمح -ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عنه، وأحمد جـ ٣ ص ٣٣٤، والبخاري في "الأدب المفرد" برقم (٩٤٨)، وابن خزيمة برقم (٤٨٦)، (٨٧٣)، (٨٨٦). والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
[ ١٠ / ١٣٦ ]