أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الشخص الذي يستحق أن يخرج من المسجد، لكونه أحل بحرمته، حيث فعل ما لا يليق به، من أكله ماله رائحة كريهة. والله تعالى أعلم.
٧٠٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: "إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَتَيْنِ مَا أُرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَلُ وَالثُّومُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا، فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة ثبت، من [١٠] تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
[ ٨ / ٦٦٧ ]
٣ - (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري، ثقة ثبت، من [٧] تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة حجة، من [٤] تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي الغطفاني الكوفي، ثقة يرسل كثيرًا، من [٣] تقدم في ٦١/ ٧٧.
٦ - (معدان بن أبي طلحة) ويقال: ابن طلحة الكناني اليَعْمَرِي، بفتح التحتانية والميم، بينهما مهملة، شامي، ثقة، من [٢].
قال ابن معين: أهل الشام يقولون: ابن طلحة، وقتادة، وهؤلاء يقولون: ابن أبي طلحة، وأهل الشام أثبت فيه. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره ابن سعد، ومسلم، وخليفة في الطبقة الأولى من أهل الشام. أخرج له الجماعة إلا البخاري.
٧ - (عمر بن الخطاب) العدوي الخليفة الثاني - ﵁ -، تقدم في ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا معدان، فما أخرج له البخاري.
[ ٨ / ٦٦٨ ]
ومنها: أن الثلاثة الأولين بصريون، وسالمًا كوفي، ومعدان شامي، وعمر - ﵁ - مدني.
ومنها: أن شيخه من مشايخ الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، قتادة، عن سالم، عن معدان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن معدان بن أبي طلحة) الكناني الشامي (أن عمر بن الخطاب) - ﵁ - (قال) أي في خطبة الجمعة.
وحديث عمر - ﵁ - هذا حديث طويل مشتمل على أشياء، منها قصة البصل والثوم، فأخرجها المصنف هنا، وفي الوليمة من "الكبرى" ومنها قصة الكلالة، فأخرجها في التفسير من الكبرى.
وقد ساقه مسلم رحمه الله تعالى بطوله في كتاب الصلاة من صحيحه، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة، فذكر نبي الله - ﷺ -، وذكر أبا بكر، قال: إني رأيت كأن ديكًا نَقَرَنِي ثلاث نَقَرات، وإني لا أرَاه إلا حضور أجلي، وإن قومًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه - ﷺ -، فإن عجل بي أمر فالخلافة شُورَى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله - ﷺ -،
[ ٨ / ٦٦٩ ]
وهو عنهم راض، وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك، فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال.
ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله - ﷺ - في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن باصبعه في صدري، فقال: "يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء"، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن، ومن لا يقرأ القرآن.
ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم، ليعدلوا عليهم، وليعلموا الناس دينهم، وسنة نبيهم - ﷺ -، ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم.
ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أرَاهُما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به، فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا". صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٥ ص ٥١ - ٥٤.
(إِنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين) وقد تقدم في الباب الماضي أن الشجر عند أكثر أهل اللغة اسم لما له ساق، وأما ما لا ساق له فهو النجم، لكن جعل بعض أهل اللغة الشجر أعم، وهو الراجح، ويؤيده هذا الحديث، والحديث المتقدم "من أكل من هذه الشجرة،
[ ٨ / ٦٧٠ ]
فلا يقربنا".
(ما أراهما) ولمسلم "لا أراهما"، أي لا أعتقدهما (إِلا خبيثتين) قال النووي -﵀-: سماهما خبيثتين، لقبح رائحتهما، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب: المكروه من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص. انتهى شرح مسلم جـ ٥ ص ٥٠.
(هذا البصل، والثوم) مبتدأ وخبر، بيان للشجرتين.
(ولقد رأيت نبي الله - ﷺ - إِذا وجد ريحهما من الرجل) ولمسلم زيادة "في المسجد" (أمر به) أي بإخراج ذلك الرجل (فأخرج إِلى البقيع) على بناء الفعل للمفعول، أي تأديبًا له على ما فعل من الدخول في المسجد مع الرائحة الكريهة. قاله السندي.
قال النووي -﵀-: هذا فيه إخراج من وجد منه ريح الثوم، والبصل، ونحوهما من المسجد، وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه. انتهى.
وفيه أيضًا أن رحبة المسجد له حكم المسجد، حيث إنه لم يخرج إليه، بل أمر بإبعاده إلى البقيع. وقد تقدم هذا في الباب الماضي.
(فمن أكلهما) أي من أراد أكل البصل، والثوم (فليمتهما طبخًا) أي ليزل رائحتهما الكريهة بالطبخ، وإماتة كل شيء: كسر حدته، ومنه قولهم: قتلت الخمر: إذا مزجها بالماء، وكسر حدتها. والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان.
[ ٨ / ٦٧١ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٧/ ٧٠٨)، وفي "الكبرى" (١٧/ ٧٨٧) عن محمد ابن المثنى، عن يحيى القطان، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عنه.
و"التفسير"، من "الكبرى" (١١١/ ١١١٣٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، به.
وفي أبواب الأطعمة منه (٣٦/ ٦٦٨٢) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن شبابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، به. و(٦٦٧٣) عن سليمان بن منصور، عن أبي الأحوص، عن حصين، و(٦٦٨٤) عن قتيبة، عن جرير، عن منصور كلاهما عن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عمر به، رفعه حصين، ووقفه منصور، ولم يذكرا معدان. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وابن ماجه.
فأخرجه مسلم في "الفرائض" (٣/ ٦) عن محمد بن أبي بكر المقدمي، وفيه، وفي "الصلاة" (٧٠/ ١١)، عن محمد بن المثنى،
[ ٨ / ٦٧٢ ]
كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائي.
وفي "الفرائض" (٣/ ٧)، و"الصلاة" (٧٠/ ١٢)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، وفي الفرائض (٣/ ٧)، و"الصلاة" (٧٠/ ١٢)، عن إسحاق بن إبراهيم، وزهير بن حرب، وفي "الفرائض" (٣/ ٧) عن محمد بن رافع، ثلاثتهم عن شبابة ابن سوار، عن شعبة، ثلاثتهم عن قتادة، عن سالم ابن أبي الجعد، عن معدان، عن عمر - ﵁ -. ذكره في الصلاة بتمامه عن محمد ابن المثنى، ثم ذكر ما بعد ذلك من الأسانيد حوالة على حديثه، وذكر منه في الفرائض قصة الكلالة، ومن أوله إلى قوله: "أبا بكر" عن المقدمي، ومحمد بن المثنى؛ ثم ذكر ما بعد ذلك من الأسانيد حوالة على حديثهما.
وأخرج ابن ماجه قصة الكلالة في الفرائض (٥/ ١) وقصة البصل، والثوم في "الأطعمة" (٥٩/ ١) وفي الصلاة أيضًا (٥٨/ ١٠١٤) جميعًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به.
وأخرجه الحميدي في مسنده رقم (١٠ و٢٩)، وأحمد (١/ ١٥، ١/ ٢٦، ٢٧، ٤٨)، وابن خزيمة في "صحيحه" رقم ١٦٦٦.
المسألة الرابعة: قال النووي -﵀-: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث
[ ٨ / ٦٧٣ ]
ثلاثة حفاظ، وهم منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، فرووه عن سالم، عن عمر منقطعًا، لم يذكروا فيه معدان.
قال الدارقطني: وقتادة، وإن كان ثقة، وزيادة الثقة مقبولة عندنا، فإنه مدلس، ولم يذكر سماعه من سالم، فأشبه أن يكون بلغه عن
سالم، فرواه عنه.
قال النووي -﵀-: قلت: هذا الاستدراك مردود؛ لأن قتادة، وإن كان مدلسًا فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاري ومسلم عن المدلسين، وعنعنوه، فهو محمول على أنه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلس هذا الحديث ممن عنعنه عنه، وأكثر هذا، أو كثير منه يذكر مسلم، وغيره سماعه من طريق آخر متصلًا به.
وقد اتفقوا على أن المدلس لا يحتج بعنعنته، ولا شك عندنا في أن مسلمًا رحمه الله تعالى يعلم هذه القاعدة، ويعلم تدليس قتادة، فلولا ثبوت سماعه عنده لم يحتج به، ومع هذا كله، فتدليسه لا يلزم منه أن يذكر معدانًا من غير أن يكون له ذكر، والذي يخاف من المدلس أن يحذف بعض الرواة أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلس، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه، وإنما ذكر معدان زيادة ثقة، فيجب قبولها.
والعجب من الدارقطني رحمه الله تعالى في كونه جعل التدليس
[ ٨ / ٦٧٤ ]
موجبًا لاختراع ذكر رجل لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محله من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية. والله أعلم. انتهى شرح مسلم جـ ٥ ص ٥١ - ٥٢.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما رد به النووي على الدارقطني أمران:
أحدهما: أن ما كان في الصحيحين معنعنًا عن طريق المدلسين محمول على السماع.
والثاني: أن هذا ليس من نوع التدليس؛ لأن التدليس إنما يخاف فيه من الإسقاط، وهذا زيادة، لا إسقاط، بل هو من زيادة الثقة، فيجب قبولها.
قال الجامع: وعلى تقدير صحة كونه منه -كما زعم الدارقطني- يقال: إن هذا مما لم يدلس فيه قتادة قطعًا؛ لأنه رواه شعبة عنه، وقد عرف أن شعبة لا يروي عنه إلا ما صرح فيه بالسماع، فقد نقل عنه أنه قال: كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: حدثنا وسمعت، حفظته، وإذا قال: حدث فلان، تركته. وقال أيضًا: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة.
وقلت في منظومتي المسماة "الجوهر النفيس، في نظم أسماء ومراتب الموصوفين بالتدليس" في الرد على من زعم تدليس شعبة:
[ ٨ / ٦٧٥ ]
وَكيْفَ لا وَقَدْ كَفَاَنَا عَلَنَا … مِنْ شَرِّ تَدْلِيس ثَلاثَةٍ لَنَا
قَتَادَةٍ ثُمَّ السَّبِيعِي الأعْمَشِ … فَاقْنَعْ بِمَا قَالَ وَلا تفَتِّشِ
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَيَّدَةُ … إِذَا أتَتْ لَنَا مِنْهُمْ رِوَايَةُ
أيْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةٍ مُعَنْعَنَهْ … مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاع آمِنَهْ
والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان من يستحق أن يُخْرَجَ مِن المسجد، وهو الذي أكل بصلًا، أو ثومًا، ووجدت منه الرائحة الكريهة.
ومنها: أن كون الشيء خبيثًا لا يستلزم تحريمه، بل العكس هو اللازم، فكل محرم خبيث، ولا عكس، ففي هذا الحديث سَمَّى عمر - ﵁ - البصل والثوم شجرتين خبيثتين، مع حل أكلهما، وقد ثبت هذا مرفوعًا، ففي صحيح مسلم -﵀- عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: لم نَعدُ أنْ فُتحَتْ خيبر، فوقعنا أصحابَ رسول الله - ﷺ - في تلك البقلة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رُحْنَا إلى المسجد، فوجد رسول الله - ﷺ - الريح، فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا، فلا يقرَبَنَّا في المسجد" فقال الناس: حُرِّمَتْ، حُرِّمت، فبلغ ذاك النبي - ﷺ -، فقال: "أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها".
[ ٨ / ٦٧٦ ]
فهذا نص في كونها حلالًا، مع كونها خبيثة، فيستفاد منه أن التحريم لا يكون إلا بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يتسارع في الحكم على الشيء بالحرمة بمجرد أن تستخبثه نفسه، إلا بدليل شرعي. والله أعلم.
ومنها: أن رحبة المسجد له حكم المسجد -كما تقدم عن الحافظ- حيث لم يكتف النبي - ﷺ - بإخراجه إليه، بل أبعده إلى البقيع.
ومنها: أن إزالة المنكر تكون باليد لمن أمكنه.
ومنها: أن من أراد أكل الثوم ونحوه، ممن يحضر المسجد، فليكسر حِدَّةَ رائحته بالطبخ، وهو معنى قوله: "فليمتهما طبخًا". والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٦٧٧ ]