أي هذا باب، في ذكر الحديث الدال على حكم صلاة الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه شيء من ذلك الثوب.
وجملة "ليس … " إلخ في محل نصب على الحال من "الثوب".
و"العاتق": ما بين المنكب والعنق، مذكر، وقد أُنث، وليس بثَبَت، وزَعَمُوا أن هذا البيت مصنوع، وهو:
لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الْفتْقُ عَلَى الرَّاتِقِ
لَا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ وَلَا … بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي
سَيْفِي وَمَا كُنَّا بِنَجْدٍ وَمَا … قَرْقَرَ قُمْرُ الْوَادِ بِالشَّاهِقِ
قال ابن بَرّيّ: والعاتق مؤنثة، واستشهد بهذه الأبيات، ونسبها لأبي عامر جَدّ العباس بن مِرْداس، وقال: ومن روى البيت الأول:
اتَّسَعَ الْخَرقُ عَلَى الرَّاقِعِ
فهو لأنس بن العباس بن مرداس؛ وقال اللحياني: هو مذكر لا غير، وهما عاتقان، والجمع عُتْق، وعُتَّقٌ، وعَوَاتِقُ. انتهى "لسان العرب" (^١).
وقال العلامة العيني ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدم ما نصه: وفي "الموعب": صفح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعًا يقال له
_________________
(١) جـ ٤ ص ٢٨٠٠.
[ ٩ / ٥٣٧ ]
العاتق. وقال أبو حاتم: روى من لا أثق به التأنيث، وسألت بعض الفصحاء، فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتًا، ليس بمعروف، ولا عن ثقة: "ولا صلح بيني" إلى آخره.
وقال ابن التباني: قال أبو عبيدة: قال الأحمر: العاتق يذكر ويؤنث، وأنشدنا: "لا صلح بيني" إلخ. وقال ابن الأنباري عن الفراء مثله.
وفي "الجامع": هو مذكر، وبعض العرب يؤنث. وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا يعرف. وأما يعقوب بن السكيت فذكره مذكرًا ومؤنثًا من غير تردد، وتبعه على ذلك جماعة، منهم أبو نصر الجوهري. وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ (من الطويل):
وَهَاكَ مِنَ الأَعْضَاء مَا قَدْ عَدَدتُهُ … يُؤَنَّثُ أَحْيَانَا وَحِينًا يُذَكَّرُ
لِسَانُ الْفَتَى وَالْعُنْقُ وَالإِبْطُ وَالْقَفَا … وَعَاتِقُهُ وَالْمَتْنُ وَالضِّرْسُ يُذْكرُ
وَعِنْدِي ذِرَاعٌ وَالْكُرَاعُ مَعَ الْمِعَا … وَعَجْزُ الْفَتَى تَمَّ الْقَرِيضُ الْمُحَبَّرُ
كَذَا كُلُّ نَحْوِيٍّ حَكَى فِي كتَابِهِ … سِوَى سِيبَوَيْهِ وَهْوَ فِيهِمْ مُكَبَّرُ
يَرَى أَنَّ تَأْنِيثَ الذِّرَاعِ هُوَ الَّذِي … أَتَى وَهْوَ لِلتَّذْكِيرِ فِي ذَاكَ مَنْكِرُ (^١)
٧٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ
_________________
(١) عمدة القارىء جـ ٤ ص ٦٥.
[ ٩ / ٥٣٨ ]
الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الجوّاز المكي، ثقة، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في (٢٠/ ٢١).
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد، الإمام الثبت الحجة، مات سنة ١٩٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في (١/ ١).
٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه، مات سنة ١٣٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٧/ ٧).
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرمُز المدني، ثقة ثبت، مات سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٧/ ٧).
٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في (١/ ١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وأنهم مدنيون، إلا شيخه وسفيان، فمكيان.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أبو الزناد عن الأعرج، وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والقول. والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ٥٣٩ ]
شرح الحديث
(عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يصلينّ أحدكم) بنون التأكيد، وفي رواية الشيخين: "لا يصلي أحدكم". قال ابن الأثير: كذا في الصحيحين بإثبات الياء، ووجهه أن "لا" نافية، وهو خبر بمعنى النهي.
وقال الحافظ: ورواه الدارقطني في غرائب مالك من طريق الشافعي، عن مالك بلفظ: "لا يصل" بغير ياء، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري، عن أبي الزناد بلفظ: "لا يصل" بغير ياء، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري، عن أبي الزناد بلفظ: "نهى رسول الله -ﷺ-".
(في الثوب الواحد) متعلق بـ "يصلي" (ليس على عاتقه منه شيء) وفي رواية مسلم "على عاتقيه" بالتثنية، وعند أبي داود: "ليس على منكبيه منه شيء".
و"شيء": اسم "ليس" مؤخرًا، وخبرها الجار والمجرور الأول، والثاني صفة لـ "شيء" قدم عليه، فيعرب حالًا؛ لأن نعت النكرة إذا قدم عليها يعرب نعتًا، كما في قول الشاعر:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ … يَلُوحُ كَأنَّهُ خِلَلُ
فـ "موحشًا" صفة لـ "طلل" فلما قدم نصب على الحال. وجملة
[ ٩ / ٥٤٠ ]
"ليس" في محل نصب على الحال من الثوب.
يعني أنه لا يتزر بالثوب الواحد في وسطه، ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه، ليحصل الستر لجزء من أعلى البدن، وإن كان ليس بعورة، ولكون ذلك أمكن في ستر العورة (^١).
وقد ورد بيان كيفية الصلاة في الثوب الواحد، وهو أن يخالف بين طرفي الثوب على عاتقيه؛ وهو التوشح المذكور فيما أخرجه البخاري، وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁، قال: أشهد أني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من صلى في ثوب فليخالف يين طرفيه". ولفظ أبي داود: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه".
هذا فيما إذا كان الثوب يتسع لذلك، وأما إذا كان ضيقًا فليصل به متزرًا، لما أخرجه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنه صلى إلى جانب رسول الله -ﷺ- مشتملًا بثوب واحد، فقال له: "ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ " قال: قلت: كان ثوبًا -يعني ضاق- قال: "فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به". ولفظ مسلم: "إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاشدده على حَقْوِك" (^٢). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٢٠.
(٢) و"الحقو" -بفتح الحاء المهملة-: موضع شد الإزار، وهو الخاصرة، ثم توسعوا حتى سموا الإزار الذي يشد على العورة حقوًا، والجمع أحْقٍ، وحُقِيّ، مثل فلس =
[ ٩ / ٥٤١ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٨/ ٧٦٩)، وفي الكبرى (٦/ ٨٤٥) عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي عاصم النبيل، عن مالك، عن أبي الزناد به. ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب -وأبو داود فيه عن مسدد- أربعتهم عن سفيان بن عيينة، به.
والحميدي رقم (٩٦٤)، وأحمد (٢/ ٢٤٣، ٤٦٤)، والدارمي رقم (١٣٧٨)، وابن خزيمة رقم (٧٦٥). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
يستفاد من الحديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتقه شيء منه.
_________________
(١) = وفلوس، وقد يجمع على حقَاء، مثل سهم وسهام. أفاده في المصباح. وذكر في القاموس أن حاء الحقو يكسر أَيضًا.
[ ٩ / ٥٤٢ ]
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: هذا النهي معلل بأمرين؛ أحدهما: أن في ذلك تعري أعالي البدن، ومخالفة الزينة المسنونة في الصلاة. والثاني: أن الذي يفعل ذلك إما أن يشتغل بإمساك الثوب، أو لا، فإن لم يشتغل خيف سقوط الثوب، وانكشاف العورة، وإن شُغِلَ كان فيه مفسدتان؛ إحداهما: أنه يمنعه من الإقبال على صلاته، والاشتغال بها، الثانية: أنه إذا شغل يده في الركوع والسجود لا يؤمن من سقوط الثوب وانكشاف العورة (^١). انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
وقال النووي ﵀: قال العلماء: حكمته أنه إذا ائتزر به، ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده، أو يديه فيشغل بذلك، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت صدره، ورفعهما حيث شرع الرفع وغير ذلك، ولأن فيه ترك ستر أعلى البدن وموضع الزينة، وقد قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١].
ثم قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي رحمهم الله تعالى، والجمهور: هذا النهي للتنزيه، لا للتحريم، فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته، ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه، أم لا.
_________________
(١) إحكام الأحكام جـ ٢ ص ٥٠٩ - ٥١٠.
[ ٩ / ٥٤٣ ]
وقال أحمد وبعض السلف ﵏: لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه، لظاهر الحديث. وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه تصح صلاته، ولكن يأثم بتركه.
وحجة الجمهور قوله -ﷺ- في حديث جابر ﵁: "فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به". رواه البخاري، ومسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل (^١). انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى.
وقال العلامة الشوكاني ﵀: والحديث يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد. قال النووي ﵀: ولا خلاف في هذا إلا ما حكي عن ابن مسعود ﵁، ولا أعلم صحته. وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل.
ويدل أيضًا على المنع من الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتق المصلي منه شيء. وقد حمل الجمهور هذا النهي على التنزيه. وعن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه. وعنه أيضًا تصح ويأثم. وغفل الكرماني عن مذهب أحمد، فادّعى الإجماع على جواز ترك جعل طرف الثوب على العاتق، وجعله صارفًا للنهي عن التحريم إلى الكراهة.
وقد نقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز. وكلام الترمذي يدل على ثبوت الخلاف أيضًا. وعقد الطحاوي له بابًا في شرح معاني
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٣١ - ٢٣٢.
[ ٩ / ٥٤٤ ]
الآثار، ونقل المنع عن ابن عمر، ثم عن طاوس، والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب، وابن جرير. وجمع الطحاوي بين الأحاديث بأن الأصل أن يصلي مشتملًا، فإن ضاق اتزر.
ونقل الشيخ تقي الدين السبكي وجوب ذلك عن الشافعي، واختاره. قال الحافظ: لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه. واستدل الخطابي على عدم الوجوب بأنه -ﷺ- صلى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض نسائه، وهي نائمة. قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به، ويفضل منه ما كان لعاتقه. وفيما قاله نظر لا يخفى. قاله الحافظ.
إذا تقرر لك عدم صحة الإجماع الذي جعله الكرماني صارفًا للنهي، فالواجب الجزم بمعناه الحقيقي، وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على العاتق، والجزم بوجوبه مع المخالفة بين طرفيه بحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم: "من صلى في ثوب فليخالف بطرفيه". حتى ينتهض دليل يصلح للصرف. ولكن هذا في الثوب إذا كان واسعًا، جمعًا بين الأحاديث، كما صرح به في حديث جابر ﵁ المتقدم.
وقد عمل بظاهر الحديث ابن حزم ﵀، فقال: وفَرْضٌ على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه، أو عاتقيه، فإن لم يفعل بطلت صلاته، فإن كان ضيقًا اتزر به، وأجزأه، سواء كان معه
[ ٩ / ٥٤٥ ]
ثياب غيره، أو لم يكن، ثم ذكر ذلك عن نافع مولى ابن عمر، والنخعي، وطاوس.
انتهى كلام الشوكاني (^١) رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله المانعون من عدم صحة الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتقه منه شيء، هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، لقوة دليله، ووضوحه، وخلافه رأي لا يؤيده دليل يصلح للتمسك به. فتبصر.
والحاصل أن حديث الباب يدل على تحريم الصلاة في الثوب الواحد الواسع إذا لم يكن على عاتقه منه شيء، والنهي للتحريم، لعدم وجود صارف له، فمن صلى في ثوب واحد واسع ولم يجعل على عاتقه منه شيئًا، وهو قادر، بطلت صلاته. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) نيل الأوطار جـ ٢ ص ١٤٨ - ١٤٩.
[ ٩ / ٥٤٦ ]