أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على بيان محل وقوف الإمام إذا كان معه اثنان، وهو ثالثهما، وبيان اختلاف الأخبار في ذلك.
وأراد بالاختلاف هنا اختلاف حديث ابن مسعود، مع حديث مسعود الأسلمي، ولكن حديث مسعود ضعيف، كما بينه المصنف نفسه، فكان الأولى له أن يأتي بالأحاديث الصحيحة التي تختلف مع حديث ابن مسعود ﵁، كحديث أنس ﵁ في صلاته مع اليتيم خلف النبي -ﷺ-، المتفق عليه، وحديث جابر في صلاته مع جبّار خلفه -ﷺ- عند مسلم، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا.
اللهم إلا إذا أراد بيان ضعف حديث مسعود، مع الإشارة إلى الاختلاف الواقع بين حديث ابن مسعود، وبين الأحاديث الأخرى. والله تعالى أعلم.
٧٩٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ الأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، قَالَا: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ نِصْفَ النَّهَارِ، فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ أُمَرَاءُ، يَشْتَغِلُونَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةَ، فَصَلُّوا لِوَقْتِهَا، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهُ،
[ ١٠ / ١٣٧ ]
فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَعَلَ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن عبيد الكوفي) بن محمد بن واقد المحاربي، أبو جعفر، أو أبو يعلى النَّحّاس الكوفي، صدوق، مات سنة ٢٥١، وقيل: قبل ذلك، من [١٠].
قال النسائي: لا بأس به. وقال مسلمة: كوفي لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ٢٤٥، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ٢٥١، روى عنه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
٢ - (محمد بن فُضيل) بن غَزْوَان -بفتح المعجمة، وسكون الزاي- الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيع، من [٩].
قال حرب عن أحمد: كان يتشيع، وكان حسن الحديث. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: كان شيعيًا محترقًا. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يغلو في التشيع.
قال الحافظ: صنف مصنفات، وقرأ القراءات على حمزة الزيات.
[ ١٠ / ١٣٨ ]
وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا كثير الحديث متشيعًا، وبعضهم لا يحتج به. وقال العجلي: كوفي ثقة شيعي، وكان أبوه ثقة، وكان عثمانيًا. وقال ابن شاهين في الثقات: قال علي بن المديني: كان ثقة ثبتًا في الحديث. وقال الدارقطني: كان ثبتًا في الحديث، إلا أنه كان منحرفًا عن عثمان. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة شيعي. وقال أبو هاشم الرفاعي: سمعت ابن فضيل يقول: رحم الله عثمان، ولا رحم من لا يترحم عليه، قال: وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنة، رأيت على خفه أثر المسح، وصليت خلفه ما لا أحصي، فلم أسمعه يجهر بالبسملة.
قال ابن سعد، وأبو داود: توفي سنة أربع وتسعين، زاد أبو داود في أولها. وقال البخاري، وغير واحد: مات سنة ١٩٥ أخرج له الجماعة (^١)
٣ - (هارون بن عنترة) -بنون، ثم مثناة- بن عبد الرحمن الشيباني، أبو عبد الرحمن، أو أبو عمرو بن أبي وكيع، الكوفي، لا بأس به، من [٦].
قال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وكذا قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به مستقيم الحديث. وقال البرقاني:
_________________
(١) "ت" ص ٣١٥. "تت" جـ ٩ ص ٤٠٥ - ٤٠٦.
[ ١٠ / ١٣٩ ]
سألت الدارقطني عن عبد الملك بن هارون بن عنترة؟ فقال: متروك يكذب، وأبوه يحتج به، وجده يعتبر به.
وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره في الضعفاء أيضًا، وقال: يكنى أبا عمرو، منكر الحديث جدًّا، يروي المناكير الكثيرة، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها، لا يجوز الاحتجاج به بحال، مات سنة ١٤٢. وقال العجلي، وابن سعد: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. ونقل في "الميزان" عن الدارقطني أنه ضعفه. انتهى.
وممن كناه أبا عمرو يحيى بن سعيد، وابن المديني، والبخاري، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، وهو الصحيح. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في "التفسير" (^١).
٤ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، مات سنة ٩٩، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مكثر مخضرم فقيه، مات سنة ٧٤ أو ٧٥، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه
_________________
(١) "ت" ص ٣٦١. "تت" جـ ١١ ص ٩ - ١٠.
[ ١٠ / ١٤٠ ]
عابد، مات بعد سنة ٦٠، وقيل: بعد سنة ٧٠، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦١/ ٧٧
٧ - (عبد الله) بن مسعود الهذلي الصحابي ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، غير هارون، فمختلف فيه.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين.
ومنها: أنه فيه رواية الراوي عن أبيه، وعم أبيه؛ وهو عبد الرحمن ابن الأسود، فالأسود أبوه، وعلقمة عم أبيه، وفيه رواية تابعي عن تابعيين. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن الأسود) بن يزيد (وعلقمة) بن قيس، أنهما (قالا: دخلنا على عبد الله) بن مسعود ﵁.
ورواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: استأذدن علقمة، والأسود على عبد الله، وقد كنا أطلنا القعود على بابه،
[ ١٠ / ١٤١ ]
فخرجت الجارية، فاستأذنت لهما، فأذن لهما، ثم قام، فصلى بيني وبينه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- فعل.
(نصف النهار) وفي رواية أحمد عن الأسود بن يزيد، قال: دخلت أنا وعمي علقمة على ابن مسعود بالهاجرة، فأقام الظهر ليصلي، فقمنا خلفه فأخذ بيدي، ويد عمي، ثم جعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن يساره، فصفنا صفًا واحدًا، ثم قال: هكذا كان رسول الله -ﷺ- يصنع إذا كانوا ثلاثة.
(فقال: إِنه سيكون أمراء، يشتغلون عن وقت الصلاة) أي عن أداء الصلاة في وقتها، وهل معنى اشتغالهم عن وقت الصلاة، تفويتها بالكلية، أم تأخيرها إلى آخر وقتها؟ احتمالان، والأول أقرب إلى ظواهر النصوص، كما تقدم تحقيقه في شرح حديث (٢/ ٧٧٩).
(فصلوا الصلاة لوقتها) أي في وقتها المأمور أداؤها فيه. (ثم قام) أي ابن مسعود ﵁ (فصلى بيني وبينه) أي بين الأسود، وعلقمة، وفي الرواية السابقة (٢٧/ ٧١٩) من طريق إبراهيم النخعي عن الأسود "فذهبنا لنقوم خلفه، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فصلى … " (فقال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- فعل) يعني القيام بين الاثنين.
وفيه دليل على أنه إذا كانوا ثلاثة يقومون صفًا واحدًا، وهو قول ابن مسعود ﵁، وخالفه في ذلك الجمهور، كما سيأتي
[ ١٠ / ١٤٢ ]
تحقيقه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
وتقدم في الرواية المذكورة أنه فعل التطبيق أيضًا، وسيأتي تمام البحث فيه في (باب التطبيق) (١٠٢٩) إن شاء الله تعالى، وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود ﵁ هذا صحيح (^١).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٨/ ٧٩٩)، وفي "الكبرى" (١٨/ ٨٧٤)، عن محمد ابن عبيد المُحَارِبيّ، عن محمد بن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود وعلقمة، كلاهما عنه.
وفي (٢٧/ ٧١٩)، وفي "الكبرى" (٢٧/ ٧٩٨) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: دخلت أنا وعلقمة على عبد الله …
وفي (٢٧/ ٧٢٠)، و"الكبرى" (٧٩٩)، عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شميل، عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن
_________________
(١) سيأتي قريبًا بيان ما قاله بعض العلماء من تضعيفه مرفوعًا، وأن الصحيح صحته.
[ ١٠ / ١٤٣ ]
الأسود، وعلقمة، كلاهما عن عبد الله. وفي (١/ ١٠٢٩)، عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، به.
وفي (١/ ١٠٣٠) عن أحمد بن سعيد الرِّبَاطِيّ، عن عبد الرحمن ابن عبد الله، عن عمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن العلاء الهمداني، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به. مطولًا، ولفظه: عن الأسود، وعلقمة، قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خَلْفَكُم؟ فقلنا: لا. قال: فقوموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا؛ فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا، وطَبَّقَ بين كفيه، ثم أدخلهما بين فخذيه.
قال: فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء، يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويَخْنُقُونها إلى شَرَقِ الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك، فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم، فليُفْرِش ذراعيه على فخذيه، ولْيَجْنَأْ، وليطبق بين كفيه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله -ﷺ-، فأراهم.
[ ١٠ / ١٤٤ ]
وعن مِنْجاب بن الحارث التميمي، عن علي بن مسهر -وعن عثمان ابن أبي شيبة، عن جرير- وعن محمد بن رافع، عن يحيى بن آدم، عن مفضل -كلهم عن الأعمش به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم به.
وأبو داود فيه عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. وعن عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن هارون بن عنترة به. مختصرًا.
وأحمد جـ ١ ص ٣٧٨، ٤١٣، ٤١٤، ٤٢٦، ٤٥١، ٤٥٥، ٤٥٩، ٤٢٤، ٤٤٧)، وابن خزيمة رقم (١٦٣٦). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة، وذلك أنه يقف وسطهم، وهذا كما سبق مذهب ابن مسعود ﵁، وخالفه فيه الجمهور، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية.
ومنها: أن قوله: "ستكون عليكم أمراء" قد مر التصريح برفعه في (باب الصلاة مع أئمة الجور) ففيه علم من أعلام النبوة، حيث أخبر بأنه سيكون أمراء تُشغَل عن وقت الصلاة، وقد حدث ذلك بعده -ﷺ-، في أمراء بني أمية، وغيرهم.
ومنها: أن من أدرك ذلك الوقت صلى الصلاة لوقتها، ثم إذا أدركهم يصلون صلى معهم، ليجمع بين الفضيلتين، وليبتعد
[ ١٠ / ١٤٥ ]
عن الفتن. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في موقف الإمام إذا كان معه اثنان: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقال كثير منهم: إذا كانوا ثلاثة يتقدمهم أحدهم، هذا قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
ثم أخرج بسنده عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن الخطاب، وهو يصلي في الهاجرة تطوعًا، فأقامني حذوه عن يمينه، فلم يزل حتى دخل يَرْفَأ مولاه، فتأخرت، وصففنا خلف عمر. وأخرج عن النَّزَّال بن سَبْرَة، عن علي ﵁، قال: إذا كانوا ثلاثة تقدمهم أحدهم. وأخرج عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: يصليان وراءه.
قال: وفيه قول ثان: كان عبد الله بن مسعود، يقول: إذا كنتم ثلاثة، فصفوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك، فقدموا أحدكم، وكذلك فعل عبد الله بعلقمة، والأسود، جعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وبه قال النخعي.
قال أبو بكر رحمه الله تعالى: بحديث جابر أقول.
ثم أخرج بعده عن عمرو بن سعيد، أنه قال: دخلت على جابر بن
[ ١٠ / ١٤٦ ]
عبد الله، أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فقال: أقبلنا مع رسول الله -ﷺ- حتى إذا كنا بالسُّقْيَا، أو بالقَاحَةِ، قال: فخرج لبعض حاجته، فصببت له وضوءًا، فتوضأ، ثم قام، فالتحف بإزاره، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، ثم أتى آخر، فقام عن يساره، فتقدم، فصلى بنا (^١).
وأخرج أيضًا عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا، وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار، قال: رأينا جابر بن عبد الله، قال: وقام رسول الله -ﷺ-، يصلي، وجئت حتى أقوم عن يسار رسول الله -ﷺ-، فأخذني، فجعلني عن يمينه، وجاء جَبَّار ابن صخر، فقام عن يساره، فدفعنا حتى جعلنا من خلفه (^٢). انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (^٣).
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح حديث ابن مسعود المذكور في الباب: وهذا مذهب ابن مسعود، وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفًّا، لحديث جابر وجَبَّار بن صَخْر، وقد ذكره مسلم في صحيحه في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر،
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه جـ ٣ رقم ١٥٣٦.
(٢) أخرجه مسلم جـ ٨ ص ٢٣١.
(٣) الأوسط جـ ٤ ص ١٧٢ - ١٧٥.
[ ١٠ / ١٤٧ ]
وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون وراءه، وأما الواحد، فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه.
ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس، وكيف كان، فهم اليوم مُجمِعون على أنه يقف عن يمينه. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (^١).
وقال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى: ما قاله ابن مسعود ﵁ من كون الاثنين يصطفان مع الإمام، هو قول أبي حنيفة، ولا حجة في الموقوفات مع وجود الأحاديث الصحيحة المرفوعة. وقد رفع أبو داود (^٢) هذا من حديث ابن مسعود، فقال فيه: "ثم قام، فصلى بيني وبينه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- فعل". وهذا ضعيف؛ فإن في إسناده هارون بن عنترة، وقد قال فيه الدارقطني: إنه متروك يكذب. وهذا جرح مفسر، فهو مقدم على توثيق أحمد، وابن معين، وقد تابعه عليه محمد بن إسحاق فيما رواه البيهقي في سننه، إلا أنه عنعنه، وهو مدلس، قال النووي في الخلاصة: وهو ضعيف؛ لأن المدلس إذا قال: "عن" لا يحتج به بالاتفاق.
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٥ ص ١٥ - ١٦.
(٢) قال الجامع: وقد رفعه النسائي أيضًا في هذا الباب.
[ ١٠ / ١٤٨ ]
قال ولي الدين ﵀:
وكأنه أراد اتفاق من لا يحتج بالمرسل، وأما الذين يحتجون بالمرسل، فإن أكثرهم يحتجون بخبر المدلس، كما صرح به الخطيب في الكفاية.
وإذا تقرر أنه لا يصح مرفوعًا، وإنما يصح عن ابن مسعود من قوله، فالأحاديث الصحيحة المرفوعة دالّة على أن الاثنين يقفان صفًا خلف الإمام.
من ذلك في الصحيحين حديث أنس ﵁: "صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي -ﷺ-". ولمسلم من حديث جابر ﵁: "قام النبي -ﷺ-، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جَبَّار بن صخر، فقام عن يسار رسول الله -ﷺ-، فأخذ بأيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه".
وللشيخين أيضًا من حديث عتبان بن مالك ﵁: "فغدا عليّ رسول الله -ﷺ-، ومعه أبو بكر، فاستأذنا، فأذن لهما، فما جلس حتى قال: أين تحب أن أصلي في منزلك، فأشرت له إلى ناحية، فقام رسول الله -ﷺ-، فصفنا خلفه (^١)، فصلى بنا ركعتين" … الحديث.
_________________
(١) قال الجامع: هذا الحديث ليس فيه أن الذين صلوا خلفه -ﷺ- رجلان فقط، بل الظاهر أنهم كانوا أكثر، كما يدل عليه بعض الروايات، فالاستدلال به لهذه المسألة غير واضح، فتدبر. والله أعلم.
[ ١٠ / ١٤٩ ]
أبو داود؛ إن صح، أو قول ابن مسعود، وبين هذه الأحاديث الصحيحة؛ فذهب البيهقي، وآخرون إلى أن هذه الأحاديث الصحيحة ناسخة لحديث ابن مسعود.
وذهب الحميدي شيخ البخاري إلى أن ابن مسعود اشتبه عليه ذلك بقضية أخرى، ذكرها بإسناده.
وذهب ابن سيرين إلى أنه إنما صف الاثنين معه لأن المسجد كان ضيقًا (^١).
وذهب النووي إلى أنه يحمل على فعله على تقدير ثبوته مرة لبيان الجواز، وقال: إن هذا هو المختار. والله أعلم.
انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الحديث صحيح مرفوعًا؛ لأمور:
منها: أن الأكثرين على توثيق هارون، كما تقدم.
ومنها: أنه تابعه محمد بن إسحاق في رفعه، وما ادعوه من عنعنته، ليس بصحيح، فقد صرح بالتحديث عند أحمد من رواية ابنه عبد الله، ونصه: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه، قال: دخلت أنا وعمي علقمة، على عبد الله بن
_________________
(١) هذا فيه نظر، لقوله: "وذهبنا لنقوم خلفه إلخ" فلو لم يكن في المكان سعة لما ذهبا ليقوما خلفه. فليتأمل.
(٢) طرح التثريب جـ ٢ ص ٢٨٦ - ٢٨٧.
[ ١٠ / ١٥٠ ]
مسعود بالهاجرة، قال: فأقام الظهر ليصلي، فقمنا خلفه، فأخذ بيدي، ويد عمي، ثم جعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن يساره، ثم قام بيننا، فصففنا خلفه (^١) صفًّا واحدًا، ثم قال: هكذا كان رسول الله -ﷺ- يصنع إذا كانوا ثلاثة، قال: فصلى بنا، فلما ركع طبق، وألصق ذراعيه بفخذيه، وأدخل كفيه بين ركبتيه، قال: فلما سلم أقبل علينا، فقال: إنها ستكون أئمة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فإذا فعلوا ذلك، فلا تنتظروهم بها، واجعلوا الصلاة معهم سُبْحة" (^٢).
ومنها: أن روايته لا تخالف رواية الجماعة، كما هو ظاهر من سياق مسلم المتقدم.
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا، والجواب عن التعارض بينه وبين الروايات المتقدمة، إما أن يحمل على نسيان ابن مسعود هذه السنة، كما نسي وضع اليدين على الركبتين، فقال بالتطبيق، أو أنه فعله لبيان الجواز كما اختاره النووي ﵀. والله تعالى أعلم.
وقال العلامة الشوكاني ﵀:
حديث ابن مسعود -﵁- في إسناده هارون بن عَنْتَرَة، وقد تكلم فيه بعضهم، قال أبو عمر: هذا الحديث لا يصح رفعه، والصحيح فيه عندهم أنه موقوف على ابن مسعود. انتهى. وقد أخرجه مسلم في صحيحة، والترمذي موقوفًا على ابن مسعود.
_________________
(١) هكذا النسخة: "خلفه"، ولعل صوابه: "معه". فليحرر.
(٢) المسند جـ ١ ص ٤٥٩.
[ ١٠ / ١٥١ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت أن الظاهر من سياق مسلم أنه مرفوع، كما تقدم نص سياقه. فتأمل.
قال: وقد ذكر جماعة من أهل العلم، منهم الشافعي، أن حديث ابن مسعود هذا منسوخ؛ لأنه إنما تعلم هذه الصلاة من النبي -ﷺ-، وهو بمكة، وفيها التطبيق، وأحكام أخر، هي الآن متروكة، وهذا الحكم من جملتها، فلما قدم النبي -ﷺ- المدينة تركه، وعلى فرض عدم علم التاريخ لا ينتهض هذا الحديث لمعارضة الأحاديث المتقدمة في أول الباب (^١).
وقد وافق ابن مسعود على وقوف الاثنين عن يمين الإمام ويساره، أبو حنيفة، وبعض الكوفيين. ومن أدلتهم ما رواه أبو داود عن أبي هريرة -﵁- عنه -ﷺ- أنه قال: "وسطُوا الإمام، وسدوا الخلل" (^٢). وهو محتمل أن يكون المراد اجعلوه مقابلًا لوسط الصف الذي خلفه، ومحتمل أن يكون من قولهم فلان واسطة قومه: أي خيارهم، ومحتمل أن يكون المراد اجعلوه وسط الصف فيما بينكم غير متقدم، ولا متأخر، ومع الاحتمال لا ينتهض للاستدلال. وأيضًا هو مهجور الظاهر بالإجماع؛ لأن ابن مسعود، ومن معه إنما قالوا بتوسيط الإمام في الثلاثة، لا فيما زاد عليهم، فيقفون خلفه، وظاهر الحديث عدم الفرق بين الثلاثة، وأكثر منهم.
انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (^٣).
_________________
(١) يعني الأحاديث المذكورة في كلام ولي الدين ﵀.
(٢) حديث ضعيف؛ لأن فى سنده يحيى بن بشير بن خلاد، مجهول الحال، وعن أمه، وهي مجهولة.
(٣) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٨٥.
[ ١٠ / ١٥٢ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكر من الأدلة أن الراجح مذهب الجمهور، وهو أن الإمام إذا كان معه إثنان يتقدم عليهما، ويصفان خلفه. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٠٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الأَسْلَمِيُّ، عَنْ غُلَامٍ لِجَدِّهِ، يُقَالُ لَهُ: مَسْعُودٌ، فَقَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا مَسْعُودُ ائْتِ أَبَا تَمِيمٍ -يَعْنِي مَوْلَاهُ- فَقُلْ لَهُ يَحْمِلْنَا عَلَى بَعِيرٍ، وَيَبْعَثْ إِلَيْنَا بِزَادٍ، وَدَلِيلٍ يَدُلُّنَا، فَجِئْتُ إِلَى مَوْلَايَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَبَعَثَ مَعِي بِبَعِيرٍ، وَوَطْبٍ مِنْ لَبَنٍ، فَجَعَلْتُ آخُذُ بِهِمْ فِي إِخْفَاءِ الطَّرِيقِ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَدْ عَرَفْتُ الإِسْلَامَ، وَأَنَا مَعَهُمَا، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ خَلْفَهُمَا، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُمْنَا خَلْفَهُ.
[ ١٠ / ١٥٣ ]
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بُرَيْدَةُ هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبدة بن عبد الله) بن عبدة الخزاعي الصفّار، أبو سهل البصري، كوفي الأصل، مات سنة ٢٥٨، وقيل: في التي قبلها، من [١١].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث. وقال أبو القاسم: مات بالأهواز سنة ٢٥٨، وذكر مسلمة بن قاسم، وأبو علي الجياني: أنه مات بالبصرة سنة ٢٥٧. روى عنه الجماعة، إلا مسلمًا.
٢ - (زيد بن الحباب) أبو الحسين العُكْلي، الكوفي، خراساني الأصل، صدوق يخطىء في حديث الثوري، مات سنة ٢٠٣، من [٩]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٣ - (أفلح بن سعيد) الأنصاري القُبَائِيّ (^١) المدني، أبو محمد،
_________________
(١) "القبائي" -بضم القاف، وتخفيف الباء الموحدة- نسبة إلى قُبَاء موضع بالمدينة. قاله في اللباب جـ ٣ ص ١٢.
[ ١٠ / ١٥٤ ]
صدوق، مات سنة ١٥٦، من [٧] (^١).
قال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس. وقال ابن معين مرة: ثقة، يروي خمسة أحاديث. وقال أبو حاتم. شيخ صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، مات بالمدينة سنة ١٥٦، وذكره العقيلي في الضعفاء، فقال: لم يرو عنه ابن مهدي. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي ﵀: قلت: ابن حبان ربما قَصَّبَ (^٢) الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه، ثم إنه بَيَّنَ مستنده، فساق حديث عيسى بن يونس، حدثنا أفلح بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن طالت بك مدة، فسترى قومًا يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، يحملون سياطًا مثل أذناب البقر". ثم قال: وهذا -بهذا اللفظ- باطل. وقد رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "اثنان من أمتي لم أرهما، رجال بأيديهم سياط، مثل أذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات".
قال الذهبي: قلت: بل حديث أفلح حديث صحيح غريب، وهذا شاهد لمعناه. انتهى (^٣).
_________________
(١) "ت" ص ٣٨.
(٢) "قَصَّبَه": عابه، وشتمه. اهـ قاموس.
(٣) ميزان الاعتدال جـ ١ ص ٢٧٤ - ٢٧٥.
[ ١٠ / ١٥٥ ]
قال الحافظ ﵀: والحديث في صحيح مسلم من الوجهين، فمستند ابن حبان في تضعيفه مردود، وقد غفل مع ذلك؛ فذكره في الطبقة الرابعة من الثقات، وذهل ابن الجوزي، فأورد الحديث من الوجهين في الموضوعات، وهو من أقبح ما وقع له فيها، فإنه قلد فيه ابن حبان من غير تأمل. انتهى (^١). أخرج له مسلم، والمصنف.
٤ - (بُريدة بن سفيان بن أبي فروة (^٢) الأسلمي) المدني، ليس بالقوي، وفيه رفض، من [٥] (^٣).
روى عن أبيه، وغلام لجده يقال له مسعود بن هبيرة. وعنه أفلح بن سعيد القبائي، وابن إسحاق. قال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث، وقال الجوزجاني: رديء المذهب جدًّا، غير مقنع، مغموص (^٤) عليه في دينه.
وقال ابن عدي: ليس له كثير رواية، ولم أر له شيئًا منكرًا جدًا. وقال الآجري، عن أبي داود: لم يكن بذاك، تكلم فيه إبراهيم بن سعد، قلت لأبي داود: كان يتكلم في عثمان؟ قال: نعم. وقال الدوري: سمعت يحيى يقول: سمعت يعقوب بن إبراهيم بن سعد،
_________________
(١) "تت" جـ ١ ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٢) بفتح الفاء، وسكون الراء.
(٣) جعله في "ت" من السادسة، والظاهر أنه خطأ، بل هو من الخامسة؛ لأنه يروى عن صحابي فتنبه.
(٤) أي مطعون. "ق".
[ ١٠ / ١٥٦ ]
يقول عن أبيه: أخبرني من رأى بريدة يشرب الخمر في طريق الري. قال الدوري: أهل مكة والمدينة يسمون النبيذ خمرًا، فالذي عندنا أنه رآه يشرب نبيذًا، فقال: رأيته يشرب خمرًا.
وقال ابن حبان في ثقات التابعين: قيل: إن له صحبة. وحكى ابن شاهين في "الثقات" عن أحمد بن صالح أنه قال: هو صاحب مغاز، وأبوه سفيان بن فروة له شأن من تابعي أهل المدينة. وقال الدارقطني: متروك. وقال العقيلي: سئل أحمد عن حديثه؟ فقال: بلية (^١). انفرد به المصنف، أخرج له هذا الحديث الواحد، فقط (^٢).
٥ - (مسعود) بن هُبَيْرَة، أو هُنَيدة -بالنون، والدال- وهو أصح، مولى فروة الأسلمي صحابي قليل الحديث.
روى عن النبي -ﷺ- في الصف في الصلاة، وعن أنس. وعنه بريدة ابن سفيان بن فروة الأسلمي. وسمى الواقدي فيما حكاه ابن سعد في الطبقات أباه هنيدة، وكذا سماه أبو القاسم البغوي في معجمه، وغيرهما (^٣).
_________________
(١) "تت" جـ ١ ص ٤٣٢ - ٤٣٤.
(٢) "تك" جـ ٤ ص ٥٥ - ٥٦.
(٣) "تت" جـ ١٠ ص ١١٩ - ١٢٠. "تك" جـ ٢٧ ص ٤٨٠ - ٤٨١.
[ ١٠ / ١٥٧ ]
وفي "الإصابة": مسعود غلام فروة، يقال: اسم أبيه هُنيدة. قال ابن حبان: مسعود بن هنيدة الأسلمي له صحبة. وذكر الواقدي، عن ابن أبي سَبْرة، عن الحارث بن فضيل، حدثني مسعود بن هنيدة، عن أبيه قال: لقيت رسول الله -ﷺ-، فقلت: جئت لأُسَلِّم عليك، فقد أعتقني أبو تميم، أوس بن حجر، قال: "بارك الله عليك، أين تركت أهلك؟ " قلت: بموضعهم، والناس صالحون، وقد كثر الإسلام حولنا، قال: وأعطاني عشرة من الإبل، فرجعت إلى أهلي، فنحن منها بخير.
وبهذا الإسناد ذكر الواقدي قصة للمريسيع، قال ابن سعد: مسعود مولى تميم بن حجر أبي أوس، كان دليل النبي -ﷺ-، وقد حفظ عنه في المريسيع، أسلم قديمًا حين مر بهم في الهجرة، وأعطاه النبي -ﷺ- حين أعتق عشرًا من الإبل. وأخرج البغوي، وابن منده من طريق بريدة بن سفيان بن فروة، عن غلام لجده، يقال له: مسعود، قال: كان النبي -ﷺ- يصلي، وَإِلَى جنبه أبو بكر، فجئت أصلي، فدفع النبي -ﷺ- في صدر أبي بكر، فقمنا خلفة، ورواه أبو كريب، وغيره، عن زيد أتم منه. وهو عند مُطَيَّن، وابن السكن، والطبراني، وغيرهم، وفي أوله: مر بي رسول الله -ﷺ- هو، وأبو بكر، فقال أبو بكر: يا مسعود، قل لأبي تميم يَبْعثْ معنا دليلًا، قال: فقلت له، فبعثني، وبعث معي بوَطْب من لبن، فجعلت أتخلل بهم الجبال، والأودية، وكنت قد عرفت
[ ١٠ / ١٥٨ ]
الإسلام، فصلى رسول الله -ﷺ- … فذكره. انتهى (^١). انفرد به المصنف، أخرج له حديث الباب فقط، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله موثقون، غير بريدة، فقد تكلموا فيه، كما مر آنفًا، وأنهم مدنيون، غير عبدة، فكوفي، ثم بصري، وابن الحباب، فخراساني، ثم كوفي.
ومنها: أن عبدة أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، وكذا زيد أخرجوا له، إلا البخاري، وأن أفلح أخرج له مسلم، والمصنف فقط، وأن بريدة ومسعودًا من أفراد المصنف، ولا ذكر لهما في هذا الكتاب إلا في هذا الباب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) أفلح بن سعيد (حدثنا بريدة) بصيغة التصغير (بن سفيان بن فروة) بفتح الفاء، وسكون الراء المهملة (الأسلمي) بفتح الهمزة: نسبة إلى أسلم أبي قبيلة (عن غلام لجده) فروة أبي تميم الأسلمي (يقال له: مسعود) بن هنيدة، أو ابن هبيرة، والأول أصح (فقال: مر بي رسول الله -ﷺ-، وأبو بكر) الصديق ﵁ (فقال أبو بكر: يا مسعود، ائت أبا تميم -يعني مولاه-) أي مولى
_________________
(١) "الإصابة" جـ ٩ ص ١٩١ - ١٩٢.
[ ١٠ / ١٥٩ ]
مسعود. و"يعني" مدرج من بعض الرواة أدرجه بيانًا لأبي تميم.
والمولى يطلق بالاشتراك على المالك، وعلى العبد المُعْتَق، والمراد به هنا المالك (فقل له، يحملنا على بعير) أي يعطنا بعيرًا نركبه في سفرنا، و"يحمل" بالجزم على أنه جواب الطلب، أي قل له: احملهما، يَحمِلْنا؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] أي قل لهم. أقيموا يقيموا. أفاده السندي ﵀. قلت: ولو رفع على الاستئناف لكان وجهًا صحيحًا أيضًا، إلا أن يُدّعَى أن الرواية على الجزم، فيتعين. والله تعالى أعلم.
ولعل إدلال أبي بكر على أبي تميم لكونه صديقًا له، أو لكونه أسلم، فلذا لم يتوقف في امتثال أمره.
قال الجامع عفا الله عنه: فإن قيل: المشهور أن أبا بكر ﵁ كان قد أعدّ للهجرة راحلتين، فلما هاجر أعطى إحداهما، وهي الجدعاء للنبي -ﷺ-، وركب هو الأخرى، فلماذا سأل أبا تميم أن يحملهما على بعير؟
قلت: لعل الراحلتين أعيتا، أو أعيت إحداهما لطول السفر، فأراد الاستعانة بالبعير على قطع بعض المسافات، أو طلب ذلك احتياطًا. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قد روي مثل ما وقع لفروة الأسلمي أيضًا لأوس بن عبد الله بن
[ ١٠ / ١٦٠ ]
حَجَر الأسلمي. يكنى أيضًا أبا تميم، وربما ينسب إلى جده، فقيل: أوس بن حجر.
قال الحافظ ﵀ في "الإصابة": روى البغوي، وابن السكن، وابن منده من طريق فيض بن وثيق، عن صخر بن مالك بن إياس بن أوس بن عبد الله بن حَجَر الأسلمي، شيخ من أهل العَرْج، قال: أخبرني أبي مالك بن إياس بن مالك، أن أباه إياسًا أخبره، أن أباه مالك ابن أوس، أخبره، أن أباه أوس بن عبد الله بن حجر الأسلمي مر به رسول الله -ﷺ-، ومعه أبو بكر، وهما متوجهان إلى المدينة، بقحدوات بين الجحفة وهَرْشَى، وهما على جمل، فحملهما على فحل إبله، وبعث معهما غلامًا له، يقال له: مسعود، فقال له: اسلك بهما حيث تعلم من محارم الطريق، ولا تفارقهما … فذكر الحديث.
ورواه الطبراني، وفي سياقه أن أباه مالك بن أوس بن حجر أخبره، أن أباه أوس بن عبد الله بن حجر قال: مر بي رسول الله -ﷺ-، فذكره. ورواه السرّاج في تاريخه عن محمد بن عباد العُكلي، عن أخيه موسى، عن عبد الله بن يسار، عن إياس بن مالك بن أوس، قال: لما هاجر رسول الله -ﷺ-، فذكره مرسلًا. قال ابن عبد البر: مخرج حديثه عن ولده، وهو حديث حسن، قال: وقد قيل: إنه أبو أوس بن تميم بن حجر.
قال الحافظ: قَلَبَه بعض الرواة، وقد أخرج الحاكم في "الإكليل" من
[ ١٠ / ١٦١ ]
طريق الواقدي، حدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن فضيل، حدثني ابن مسعود بن هنيدة، عن أبيه، عن جده مسعود، قال: لقيت رسول الله -ﷺ-، فقال: "أين تريد يا مسعود؟ " قلت: جئت لأُسَلِّمَ عليك، وقد اعتقني أبو تميم أوس بن حجَر، قال: "بارك الله عليك" (^١).
وقد أشار الحافظ رحمه الله تعالى للجمع بين القصتين بالحمل على التعدد (^٢). والله تعالى أعلم.
(ويبعث لنا) بالجزم، عطفًا على "يحمل"، ولو رفع لكان له وجه أيضًا كما مر في المعطوف عليه (بزاد) قال الفيومي: زاد المسافر: طعامه المتخذ لسفره، والجمع: أزواد (^٣) (ودليل) فعيل بمعنى فاعل، من دل على الشيء وإليه، من باب قتل، وهو المرشد، والكاشف (يدلنا) جملة في محل جر صفة لـ "دليل"، أي يرشدنا طريق هجرتنا إلى المدينة.
(فجئت إِلى مولاي، فأخبرته) أي بما قال أبو بكر (فبعث معي ببعير) بفتح الباء، وقد تكسر، كما في "ق". وقال الفيومي: البعير: مثلُ الإنسان، يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبت بعيري، والجملُ
_________________
(١) "الإصابة" جـ ١ ص ١٣٨.
(٢) انظر: "الإصابة" جـ ٨ ص ٩٧.
(٣) "المصباح" جـ ١ ص ٢٥٩ - ٢٦٠.
[ ١٠ / ١٦٢ ]
بمنزلة الرجل؛ يختص بالذَّكَر، والناقة بمنزلة المرأة، تختص بالأنثى (^١).
(ووطب) بفتح الواو، وسكون الطاء: سقاء اللبن، وهو جلد الْجَذعَ، فما فوقه، جمعه أوْطُب، ووِطَاب، وأوْطَاب، وجمع جمعه: أوَاطِب. قاله المجد (^٢) (من لبن) جار ومجرور متعلق بمحذوف، صفة للوطْب. أي فبعثني ببعير لركوبهما، ووطب من لبن للزاد، وجعلني دليلًا لهما.
(فجعلت) أي شرعت (آخذ بهم في إِخفاء الطريق) بكسر الهمزة. قال السندي ﵀: هو مصدر "أخفى" كما هو المضبوط، أي في طريقٍ، تُخِفيهِما عن الناس، ولو جعل اسم تفضيل لكان له وجه.
(وحضرت الصلاة، فقام رسول الله -ﷺ- يصلي) جملة حالية من الفاعل (وقام أبو بكر عن يمينه) فيه أن موقف الواحد يكون عن يمين الإمام (وقد عرفت الإِسلام) أي ومن جملته الصلاة (وأنا معهما) جملة حالية من الفاعل (فجئت، فقمت خلفهما، فدفع رسول الله -ﷺ- في صدر أبي بكر) أي ليتأخر (فقمنا خلفه) فيه أن موقف الاثنين يكون خلف الإمام، لا عن اليمين والشمال، خلاف ما تقدم في حديث ابن مسعود ﵁، فإنه أفاد أنهما يقفان عن
_________________
(١) المصباح جـ ١ ص ٥٣.
(٢) "ق" ص ١٨١.
[ ١٠ / ١٦٣ ]
يمينه وشماله، وهذا هو الاختلاف الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى في الترجمة.
لكن هذا الحديث ضعيف، كما بينه المصنف بقوله: (قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (بريدة هذا ليس بالقوي في الحديث) وقد ضعفه أحمد، والبخاري، والجُوزجاني، وأبو داود، وقال الدارقطني: متروك. وقد تقدم تفاصيل أقوالهم في ترجمته. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث مسعود بن هنيدة ﵁ هذا ضعيف. وهو من أفراد المصنف ﵀ أخرجه هنا (١٨/ ٨٠٠) وفي الكبرى (١٨/ ٨٧٥) بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ١٠ / ١٦٤ ]