أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز إدخال الصبيان في المساجد.
وأما حديث "جَنِّبُوا مساجدكم صبيانكم" فضعيف، سيأتي الكلام عليه في المسائل إن شاء الله تعالى.
والصبيان -بكسر الصاد، وتضم- جمع صبي، قال المجد: والصبي: من لم يُفْطَمْ بعدُ، جمعه أصْبِيَةٌ، وأصْبٍ، وصَبْوَةٌ، وصِبْيَةٌ، وصِبْوانٌ، وَصِبْيَانٌ. اهـ. "ق". والله تعالى أعلم.
٧١١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ، يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَهِيَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ، يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ، وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا.
[ ٨ / ٦٩٩ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد أبو الحرث الفهمي المصري الإمام، ثقة فقيه حجة، من [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبو سَعْد المدني ثقة تغير قبل موته بأربع سنين، من [٣] تقدم في ٩٥/ ١١٧.
٤ - (عمرو بن سليم) -بالتصغير- بن خَلْدَة -بفتح المعجمة، وسكون اللام، وقيل بفتحها، فدال مهملة- بن مَخْلَد بن عامر بن زريق ابن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن عصب بن جشم، بن الخزرج الأنصاري الزُّرَقي، ثقة من كبار التابعين، من [٢] ويقال: له رؤية.
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن خراش: ثقة، في حديثه اختلاط. وقال العجلي: مدني ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر، وقال الفلاس: مات سنة ١٠٤، أخرج له الجماعة.
٥ - (أبو قتادة) الحارث بن رِبْعِي، وقيل غيره، الأنصاري السَّلَمِي المدني صحابي شهير - ﵁ -، تقدم في ٢٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.
[ ٨ / ٧٠٠ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، نُبَلاء.
ومنها: أن الجماعة اتفقوا على تخريج أحاديثهم.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، فبغلاني، والليث، فمصري.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، سعيد، عن عمرو بن سليم.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمرو بن سليم) بصيغة التصغير، كما تقدم قريبًا (الزرقي) -بضم الزاي، وفتح الراء- نسبة إلى زريق جده الأعلى، كما سبق في سلسلة نسبه (أنه سمع أبا قتادة) الأنصاري - ﵁ - (يقول: بينما نحن جلوس) جمع جالس، و"بينا" مضافة إلى الجملة الاسمية، أي بين أوقات جلوسنا (في المسجد) متعلق بجلوس (إِذ خرج علينا رسول الله - ﷺ -) الجملة جواب بينا (يحمل أمامة) جملة فعلية في محل نصب على الحال من "رسول الله"، ولفظ البخاري "وهو حاملٌ أمامةَ" بالجملة الاسمية، وتنوين حامل، على المشهور، ويروى بالإضافة.
و"أُمامة" -بضم الهمزة، وتخفيف الميمين- بنت زينب - رضي الله
[ ٨ / ٧٠١ ]
عنهما -. قال أبو عمر بن عبد البر -﵀-: تزوجها علي بعد موت فاطمة - ﵂ -، زوجها منه الزبير بن العوام، وكان أبوها قد أوصى بها إلى الزبير، فلما قتل علي، وآمَتْ منه أمامة، قالت أم الهيثم النخعية [من الوافر]:
أِشَابَ ذَوائِبِي وَأذَلَّ رَكْبِي … أُمَامَةُ حِينَ فَارَقَتِ الْقرِينَا
تُطِيفُ بِهِ لِحَاجَتِهَا إلَيْه … فَلَمَّا اسْتَيْأسَتْ رَفَعَتْ رَنِينَا
وكان علي قد أمر المغيرة بن نوفل بن الحارث أن يتزوج أمامة بنت أبي العاص، فتزوجها المغيرة، فولدت له يحيى، وبه كان يكنى، وهلكت عند المغيرة. وقيل: إنها لم تلد لعلي، ولا للمغيرة، وقال الزبير بن بكار: ليس لزينب عقب. أفاده في "الإصابة" جـ ١٢ ص ١٢٨ - ١٢٩.
(بنت أبي العاص بن الربيع) بنصب "بنت" على البدلية من "أمامة"، ويحتمل القطع إلى الرفع، بتقدير مبتدأ، أي "هي" والنصب بتقدير فعل، أي "أعني".
هكذا وقع عند المصنف -﵀-، والأكثرين: بنت أبي العاص ابن الربيع، على الصواب. ووقع عند البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، "ولأبي العاص بن ربيعة".
قال في الفتح: قوله: ابن رييعة، كذا رواه الجمهور عن مالك،
[ ٨ / ٧٠٢ ]
ورواه يحيى بن بكير، ومعن ابن عيسى، وأبو مصعب وغيرهم، عن مالك، فقالوا: ابن الربيع، وهو الصواب. وغفل الكرماني، فقال:
خالف البخاري، فقال: ربيعة، وعندهم الربيع، والواقع أن من أخرجه من القوم من طريق مالك، كالبخاري، فالمخالفة فيه إنما هي من مالك. وادعى الأصيلي أنه ابن الربيع بن ربيعة، فنسبه مالك مرة إلى جده. ورده عياض، والقرطبي، وغيرهما، لإطباق النسابين على خلافه. نعم قد نسبه مالك إلى جده في قوله: ابن عبد شمس، وإنما هو ابن عبد العزى بن عبد شمس، أطبق على ذلك النسابون أيضًا.
واسم أبي العاص: لقيط، وقيل: مِقْسم، وقيل: القاسم، وقيل: مِهْشم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، وهو مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح، وهاجر، ورد عليه النبي - ﷺ - ابنته زينب، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة أبي بكر الصديق - ﵄ -. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٧٦.
(وأمها زينب بنت رسول الله - ﷺ -) بَيَّنَ بهِذه الجملة قربها من النبي - ﷺ -، حث حملها، وهو يصلي.
وزينب هي أكبر بناته - ﷺ -، وأول من تزوج منهن، ولدت قبل البعثة بمدة، قيل: إنها عشر سنين، واختلف هل القاسم قبلها، أو بعدها؟ وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هالة بنت خُوَيْلِد. فولدت له عليًا، مات وقد ناهز الاحتلام، ومات في
[ ٨ / ٧٠٣ ]
حياته، وأمامة عاشت حتى تزوجها علي بعد فاطمة. وتوفيت زينب - ﵂ - في أول سنة ثمان من الهجرة. أفاده في "الإصابة" جـ ٢ ص ٢٧٣ - ٢٧٤.
(وهي صبية، يحملها) جملة معترضة بين المعطوف، وهو قوله: "فصلى"، والمعطوف عليه، وهو قوله: "خرج". بَيَّنَ بها اعتياده - ﷺ - لحملها في غير الصلاة، يعني أنه جرت عادته - ﷺ - يحمل أمامة - ﵂ - (فصلى رسول الله - ﷺ -) أظهر الفاعل، وإن كان المحل محل إضمار، تلذذا بذكر رسول الله - ﷺ - (وهي على عاتقه) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل.
ولم تعين تلك الصلاة في رواية المصنف. وقد وقع تعيينها في رواية أبي داود، قال: "بينما نحن ننتظر رسول الله - ﷺ - في الظهر، أو العصر، وقد دعا بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، فكبرنا، وهي في مكانها". وعند الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي الصبح.
(يضعها إِذا ركع، ويعيدها إِذا قام) أي إذا انحنى للركوع وضعها على الأرض، وإذا قام من السجود أعادها إلى محلها، وهو عاتقه.
وللبخاري "فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها". قال في الفتح: كذا لمالك أيضًا، ورواه مسلم أيضًا من طريق عثمان بن أبي سليمان،
[ ٨ / ٧٠٤ ]
ومحمد بن عجلان، والنسائي من طريق الزبيدي، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي العميس، كلهم عن عامر بن
عبد الله شيخ مالك، فقالوا: إذا ركع وضعها".
ولأبي داود من طريق المقبري، عن عمرو بن سليم: "حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع، وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده قام، وأخذها، فردها في مكانها".
قال الحافظ -﵀-: وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه، لا منها، بخلاف ما أوله الخطابي، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية كانت قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه، والتزمته، فينهض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع، فيرسلها. قال: هذا وجهه عندي.
وقال ابن دقيق العيد: من المعلوم أن لفظ "حمل" لا يساوي لفظ "وضع" في اقتضاء فعل الفاعل؛ لأنا نقول: فلان حمل كذا، ولو كان غيره حمَّلَه، بخلاف "وضع"، فعلى هذا فالفعل الصادر منه هو الوضع، لا الرفع، فيقل العمل. قال: وكنت أحسب هذا حسنًا إلى أن رأيت في بعض طرقه الصحيحة: "فإذا قام أعادها".
قال الجامع: وهي رواية مسلم -كما قال الحافظ- ولفظ المصنف: "ويعيدها إذا قام". قال الحافظ: ورواية أبي داود التي قدمناها أصرح في ذلك، وهي: "ثم أخذها، فردها في مكانها"، ولأحمد من
[ ٨ / ٧٠٥ ]
طريق ابن جريج: "وإذا قام حملها، فوضعها على رقبته".
قال الحافظ: ووهم من عزاه للصحيحين.
(حتى قضى صلاته) أي حتى أتم صلاته (يفعل ذلك بها) أي يفعل ذلك الفعل، من الوضع، والرفع، بأمامة ﵂. والجملة مستأنفة ذكرت تأكيدًا لما قبلها.
والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٨/ ٧١١) -وفي "الكبرى"- ١٨/ ٧٩٠ عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم الزرقي، عنه.
وفي (٣٧/ ٨٢٧)، و"الكبرى" (٣٧/ ٩٠١)، (٤٨/ ١١٢٨) عن قتيبة، عن سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم، عنه.
وفي (٤٨/ ١١٢٧)، عن قتيبة عن مالك، عن عامر بن عبد الله، به. قال الحافظ المزي ﵀: وعن محمد بن صدقة الحمصي، عن محمد بن حرب، عامر بن عبد الله نحوه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
[ ٨ / ٧٠٦ ]
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، به. وفي "الأدب" عن أبي الوليد الطيالسي، عن ليث بن سعد، به.
ومسلم في "الصلاة" عن القعنبي، ويحيى بن يحيى، وقتيبة، ثلاثتهم، عن مالك به، وعن قتيبة، عن ليث به، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، ومحمد بن عجلان، كلاهما عن عامر بن عبد الله به، وعن محمد بن المثنى، عن أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، به. وعن أبي الطاهر بن السرح، وهارون بن سعيد الأيلي، كلاهما عن ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمرو بن سليم، به.
وأبو داود فيه عن القعنبي، به. وعن قتيبة، عن الليث، به.
وعن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، به. وعن يحيى بن خلف، عن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد المقبري نحوه، وهو أتمها. اهـ. "تحفة الأشراف" ج ٩ ص ٢٦٣، ٢٦٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز إدخال الصبيان المساجد، وأما ما أخرجه الطبراني بسنده عن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "جنبوا مساجدكم صبيانكم، وخصوماتكم، وحدودكم، وشراءكم، وبيعكم،
[ ٨ / ٧٠٧ ]
وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا على أبوابها مطاهركم"؛ فهو منقطع، لأن الراوي عن معاذ مكحول، وهو لم يسمع منه.
وكذا ما أخرجه ابن ماجه بسنده عن واثلة بن الأسقع أن النبي -ﷺ- قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع". ففي سنده الحارث بن شهاب، وهو ضعيف.
وقد عارضهما حديث أمامة المذكرر في الباب، وهو متفق عليه، وحديث أنس ﵁ المتفق عليه أيضًا: أن النبي -ﷺ-، قال: "إني لأسمع بكاء الصبي، وأنا في الصلاة، فأخفف مخافة أن تفق أمه".
وعلى تقدير الصحة، فيجمع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتجنيب على الندب، كما قال العراقي في شرح الترمذي، أو بأنه تُنَزَّهُ المساجدُ عمن لا يؤمن حدثه فيها. أفاده في "نيل الأوطار" جـ ٢ ص ٢٢٢.
ومنها: أن بعضهم استدل به على أن لمس المحارم، أو من لا تشتهى غير ناقض للطهارة. قال ابن دقيق العيد: وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل، وهذا يستمد من أن حكايات الحال لا عموم لها. اهـ.
قال الجامع: مسألة نقض الطهارة بلمس المرأة قد قدمنا تحقيقها في
[ ٨ / ٧٠٨ ]
الطهارة، وأن الراجح من أقوال أهل العلم فيها القول بعدم النقض مطلقًا، لرجحان دليله. راجع باب رقم ١٢٠، وباب رقم ١٢١ تستفد.
ومنها: أن الظاهر طهارة ثياب من لا يحترز من النجاسة كالأطفال.
ومنها: جواز صحة صلاة من حمل آدميًا، وكذا من حمل حيوانًا طاهرًا، قال في الفتح: وللشافعية تفصيل بين المستجمر وغيره، وقد يجاب عن هذه القصة بأنها واقعة حال، فيحتمل أن تكون أمامة كانت حينئذ قد غسلت.
قال الجامع: هذا فيه نظر، بل الظاهر أن الحمل جائز إلى أن تتحقق النجاسة، والله أعلم.
منها: أن فيه تواضع النبي -ﷺ-، وشفقته على الصغار، وإكرامه لهم، جبرًا لهم، ولوالديهم.
ومنها: ما قاله الفاكهي: وكأن السر في حمله أمامة في الصلاة دفع ما كانت العرب تألفه من كراهة البنات، وحملهن، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة، للمبالغة في ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول والله أعلم.
المسألة الخامسة: قال النووي رحمه الله تعالى: هذا الحديث يدل لمذهب الشافعي، ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي، والصبية، وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض، والنفل، للإمام، والمنفرد، والمأموم.
[ ٨ / ٧٠٩ ]
وقال القرطبي ﵀: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك، أنه كان في النافلة، وهو تأويل بعيد، فإن ظاهر الأحاديث أنه كان في فريضة، وسبقه إلى استبعاد ذلك المازري، وعياض، لِمَا ثبت في مسلم: "رأيت النبي -ﷺ-، يؤم الناس، وأمامة على عاتقه". قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة. ولأبي داود: "بينما نحن ننتظر رسول الله -ﷺ- في الظهر -أو العصر- وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، فكبرنا، وهي في مكانها". وعند الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي "الصبح".
قال القرطبي: وروى أشهب، وعبد الله بن نافع، عن مالك: أن ذلك للضرورة، حيث لم يجد من يكفيه أمرها. انتهى. وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت، وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها. وفرق بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما.
قال القرطبي: وروى عبد الله بن يوسف التنيسي، عن مالك، أن الحديث منسوخ. قال الحافظ: روى ذلك الإسماعيلي عقب روايته للحديث من طريقه، لكنه غير صريح، ولفظه: قال التنيسي قال مالك: من حديث النبي -ﷺ- ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا.
وقال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة. وتعقب
[ ٨ / ٧١٠ ]
بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن القصة كانت بعد قوله -ﷺ-: "إن في الصلاة لشغلًا"، لأن ذلك كان قبل الهجرة، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة.
وذكر عياض عن بعضهم أن ذلك كان من خصائصه -ﷺ-، لكونه معصومًا من أن تبول وهو حاملها. ورُدَّ بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك.
وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال، لوجود الطمأنينة في أركان صلاته.
وقال النووي: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه كان للضرورة. وكل ذلك دعاوى باطلة مردودة، لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي -ﷺ- ذلك لبيان الجواز. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٧٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النووي ﵀ حسن جدًا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
[ ٨ / ٧١١ ]
توكلت وإليه أنيب.
"الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".
"سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".
"اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. السلام على النبي ورحمة الله وبركاته".
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن العلامة علي ابن آدم بن موسى الإتْيُوبّيّ نزيل مكة عفا الله عنه، وعن والديه: بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه تم الجزء الثامن من شرح سنن الإِمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى المسمى "ذَخِيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى" وذلك في شهر ربيع الأول، يوم الأربعاء المبارك ٣/ ٣/ ١٤١٥ هـ، الموافق ١٠ أغسطس/ ١٩٩٤ م.
ويليه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع مفتتحًا بـ"باب ربط الأسير في المسجد" رقم ٢٠/ ٧١٢.
***
[ ٨ / ٧١٢ ]
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجُزْءُ التّاسِع
دَار آل بُروم
للنشر والتوزيع
[ ٩ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٤٥ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
[ ٩ / ٢ ]