أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على موقف الإمام إذا كان معه رجلان، وامرأة واحدة.
٨٠١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِطَعَامٍ، قَدْ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ".
قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ، مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
[ ١٠ / ١٦٥ ]
٣ - (إِسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري أبو يحيى المدني ابن أخي أنس بن مالك، ثقة حجة، مات سنة ١٣٢، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٤/ ٦٨.
٤ - (أنس بن مالك) بن النضر بن ضمضم، أبو حمزة خادم رسول الله -ﷺ-، الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما له من الأسانيد، وهو ٥٢ من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء.
ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالتخريج لهم.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمه، فأنس عم لإسحاق بن عبد الله.
ومنها: أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٢، أو ٩٣، وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
[ ١٠ / ١٦٦ ]
شرح الحديث
(عن إِسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) ووقع عند الكشميهني، والحموي في رواية البخاري: "عن إسحاق بن أبي طلحة" منسوبًا إلى جده (عن أنس بن مالك) ﵁ (أن جدته مليكة) بصيغة التصغير، بدل من اسم "أن". والضمير في "جدته" يعود على إسحاق، كما جزم به ابن عبد البر، وعبد الحق، وعياض، وصححه النووي.
وجزم ابن سعد، وابن منده، وابن الحصار بأنها جدة أنس، والدة أمه، أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في "النهاية"، ومن تبعه، وكلام عبد الغني في "العمدة"، وهو ظاهر السياق.
قال الحافظ ﵀: ويؤيده ما رويناه في فوائد العراقيين لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدمي، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "أرسلتني جدتي إلى النبي -ﷺ-، واسمها مليكة، فجاءنا، فحضرت الصلاة" … الحديث.
وقال ابن سعد في "الطبقات": أم سليم بنت مِلْحان، فساق نسبها إلى عدي بن النجار، وقال: وهي الغُمَيصاء، ويقال الرُّميصاء، ويقال: اسمها سهلة، ويقال. أُنَيفَة -أي بالنون، والفاء، مصغرة- ويقال: رُميثة. وأمها مليكة بنت مالك بن عدي، فساق نسبها إلى مالك بن النجار، ثم قال: تزوجها -أي أم سليم- مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة، فولدت له
[ ١٠ / ١٦٧ ]
وأبا عمير.
قال الحافظ: وعبد الله هو والد إسحاق، روى هذا الحديث عن عمه أخي أبيه لأمه، أنس بن مالك. ومقتضى كلام من أعاد الضمير في "جدته" إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي -ﷺ-، وأمي أم سليم خلفنا". هكذا أخرجه البخاري في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طوّلها مالك، واختصرها سفيان، ويحتمل تعددها، فلا تخالف ما تقدم، وكون مليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق؛ لما بيناه.
لكن الرواية التي رواها الدارقطني في "غرائب مالك" عن البغوي، عن عبد الله بن عون، عن مالك، ولفظه: "صنعت مليكة لرسول الله -ﷺ- طعامًا، فأكل منه، وأنا معه، ثم دعا بوَضُوء، فتوضأ … " الحديث. ظاهرة في أن مليكة اسم أم سليم نفسها. والله أعلم. قاله في الفتح (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: حملها على التعدد أولى؛ لأنه لا يؤدي إلى التكلف، والتعسف. والله تعالى أعلم.
(دعت رسول الله -ﷺ-) جملة في محل رفع خبر لـ "أن" (لطعام) أي لأجل تناول طعام، قال الحافظ ﵀: وهو مشعر بأن مجيئه
_________________
(١) جـ ٢ ص ٤٤.
[ ١٠ / ١٦٨ ]
كان لذلك؛ لا ليصلي بهم، ليتخذوا مكان صلاته مُصلّى لهم، كما في قصة عتبان بن مالك الآتية، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي لأجله. اهـ (^١).
واعترضه العيني، فقال: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام، وبين الدعاء للصلاة، ولهذا صلى رسول الله -ﷺ- في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها. وقوله: وهذا هو السر .. إلخ فيه نظر؛ لأنه يحتمل أن الطعام كان قد حضر، وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر، فيقدم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان، لعدم حضور الطعام. اهـ (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رد به العيني على الحافظ غير صحيح، فإن ظاهر الحديثين صريح فيما قاله الحافظ، ففي حديث أنس ﵁ قال: "إن جده مليكة دعت رسول الله -ﷺ- لطعام" … وهذا صريح في كون الدعوة للطعام، وفي حديث عتبان ﵁ قال: وددت يا رسول الله أن تأتيني فتصلي في بيتي مكانًا أتخذه مُصَلَّى … " وهذا صريح في كون الدعوة للصلاة، فما أبداه الحافظ
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٤.
(٢) عمدة القاري جـ ٤ ص ١١١.
[ ١٠ / ١٦٩ ]
رحمه الله تعالى رأي معقول، واستنباط مقبول. والله تعالى أعلم.
(قد صنعته له) جملة فعلية في محل جر صفة لـ "طعام" (فأكل منه) أي أكل بعض ذلك الطعام (ثم قال) بعد الأكل (قوموا) قال في "الفتح": استدل به على ترك الوضوء مما مست النار، لكونه صلى بعد الطعام، وفيه نظر، لرواية الدارقطني السابقة، ففيها: "ثم دعا بوضوء، فتوضأ … " الحديث (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لكن ترك الوضوء مما مست النار، له أدلة صحيحة صريحة، قد تقدم البحث عنها مستوفىً في موضعها من كتاب الطهارة (١٢٣/ ١٨٢ - ١٨٥). فراجعه تزدد علمًا. وبالله التوفيق.
(فلأصلي) هكذا أكثر نسخ "المجتبى": "فلأصلي" باللام، وإثبات الياء. وفي النسخة التي شرح عليها السندي: "فأصلي". فقال في شرحه: وقوله: "فأصلي لكم" بالنصب على أنه جواب الأمر، أو بالرفع، لخفاء السببية. وفي بعض النسخ "فلأصلي لكم". بكسر اللام، ونصب المضارع، والفاء زائدة، أي قوموا لأصلي إمامًا لكم، أو بتقدير: فذلك القيام لأصلي لكم. اهـ (^٢).
_________________
(١) جـ ٢ ص ٤٤.
(٢) شرح السندي جـ ٢ ص ٨٥.
[ ١٠ / ١٧٠ ]
وقال في "الفتح": قال ابن مالك: روي بحذف الياء، وثبوتها مفتوحة وساكنة، ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحةً لام "كي" والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قوموا، فقيامكم لأصلي لكم، ويجوز عَلَى مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بـ "قوموا".
وعند سكون الياء يحتمل أن تكون اللام أيضًا لام كي، وسكنت الياء تخفيفًا، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزاء إِجْرَاءً للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠].
وعند حذف الياء اللامُ لامُ الأمر، وأمر التكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح، قليل الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]. قال: ويجوز فتح اللام. ثم ذكر توجيهه. وفيه لغيره بحث اختصرته؛ لأن الرواية لم ترد به. وقيل: إن في رواية الكشميهني: "فأصل" بحذف اللام، وليس هو فيما وقفت عليه من النسخ الصحيحة.
وحكى ابن قرقول عن بعض الروايات "فلنصل" بالنون، وكسر اللام، والجزم، واللام على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة. انتهى (^١) (^٢).
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٤ - ٤٥.
(٢) وقال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: قوله: "فلأصلي لكم" فيه ستة أوجه من الإعراب: =
[ ١٠ / ١٧١ ]
وقال السهيلي: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ويحتمل أن يكون أمرًا لهم بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله. اهـ (^١).
(لكم) أي لأجلكم (قال أنس) ﵁ (فقمت إِلى حصير لنا) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ "حصير" (قد اسودَّ) جملة في محل جر صفة بعد الصفة، أو في محل نصب حال من
_________________
(١) = الأولى: "فلأصليَ" -بكسر اللام، وضم الهمزة، وفتح الياء- ووجهه أن اللام فيه لام "كي" والفعل بعدها منصوب بأن مقدرة تقديره فلأن أصليَ. قال القرطبي رويناه كذا، والفاء زائدة، أو الفاء جواب الأمر، ومدخول الفاء محذوف، تقديره: قوموا، فقيامكم لأصلي لكم. ويجوز أن تكون الفاء زائدة على رأي الأخفش، واللام متعلقة بقوموا. الثاني: "فلأصلي" مثلها، إلا أنها ساكنة الياء، ووجهه أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف في مثل هذا لغة مشهورة. الثالث: "فلأصل" بحذف الياء، لكون اللام لام الأمر، وهي رواية الأصيلي. الرابع: "فأصلي" على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر. الخامس: "فلنصل" -بكسر اللام في الأصل، وبنون الجمع، ووجهه أن اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة جزمه سقوط الياء. السادس: "فلأصلي" -بفتح اللام- وروي هكذا في بعض الروايات، ووجهه أن تكون اللام لام الابتداء للتأكيد، أو تكون جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن قمتم فوالله لأصلي لكم. انتهى كلام العيني رحمه الله تعالى. عمدة القاري جـ ٤ ص ١١١.
(٢) فتح جـ ٢ ص ٤٥.
[ ١٠ / ١٧٢ ]
"حصير" (من طول ما لُبس) "ما" مصدرية و"لُبس" بالبناء للمفعول، صلتها، أي من طول لبسه. وهو كناية عن كثرة استعماله.
وقال النووي ﵀: احتج بقوله: "من طول ما لُبِسَ" أصحاب مالك في المسألة المشهورة بالخلاف، وهي إذا حلف لا يلبس ثوبًا، ففرشه، فعندهم يحنث، وأجاب أصحابنا بأن لبس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش، للقرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف من حلف لا يلبس ثوبًا، فإن أهل العرف، لا يفهمون من لبسه الافتراش. انتهى.
وقال في "الفتح": فيه أن الافتراش يسمى لُبسًا. وقد استدلّ به على منع افتراش الحرير، لعموم النهي عن لبس الحرير. ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حريرًا، فإنه لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف. اهـ (^١).
وقد اعترض العيني على كلام الحافظ هذا بما لا يسلم له (^٢). فتبصر.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٥.
(٢) حيث قال: وليس هاهنا لُبِس من لبست الثوب، وإنما هو من لبستُ المرأةَ، أي تمتعت بها زمانًا، فحينئذ يكون معناه قد اسودّ من كثرة ما تمتع به طول الزمان. ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم -يعني الحافظ ابن حجر-: وقد استدل به على منع افتراش الحرير، لعموم النهي عن لبس الحرير، وقصد بهذا الغمز فيما قال أبو حنيفة من جواز افتراش الحرير، وتوسده. ولكن الذي يدرك دقائق المعاني، ومدارك الألفاظ العربية =
[ ١٠ / ١٧٣ ]
(فنضحته بماء) من النضح، وهو الرش. وهذا النضح يحتمل أن يكون لتليين الحصير، أو لتنظيفه، ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأن الأصل الطهارة. قاله في "الفتح" (^١).
(فقام رسول الله -ﷺ-، وصففت أنا) أتى بكلمة "أنا" لأجل العطف على ضمير الرفع المتصل، كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبَلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقَدْ
(واليتيم) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى العطف على الضمير المتصل الفاعل، وأما النصب فعلى كون الواو واو المعية، والرفع أرجح، لوجود الفصل بالضمير.
وقد وقع عند البخاري في رواية المستملي، والحموي "وصففت واليتيم" بدون الضمير المنفصل، وعليه يكون النصب أرجح، لكون
_________________
(١) = يعرف ذلك، ويقر بأن أبا حنيفة لا يذهب إلى شيء سدى. اهـ كلام العيني في عمدته. جـ ٤ ص ١١١. قال الجامع: هذا الذي قاله العيني مجرد تحامل، وتعصب، فإن تفسيره للبس بالتمتع إن صح لغة، ليس معارضًا لما قاله الحافظ، فإنه فسره بالأعم، فيدخل على قوله جميع أنواع التمتع، إلا ما استثنى شرعًا، فيحرم الالتحاف به، والاتزار، والارتداء، والاشتمال، والافتراش، وجميع أنواع انتفاع الرجال به، إلا ما استثني شرعًا، كالانتفاع بالبيع، والصدقة، والهبة، ونحو ذلك، فلم يكن لدفاع العيني معنى. فتبصر. والله أعلم.
(٢) جـ ٢ ص ٤٥.
[ ١٠ / ١٧٤ ]
العطف على الضمير المتصل بلا فاصل ضعيفًا.
وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة"، فقال:
وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكنْ بلَا ضعْفٍ أَحَقّ … وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضَعْف النَّسَقْ
واليتيم هو ضُمَيْرَة بن أبي ضميرة -بضم الضاد المعجمة، وفتح الميم، بصيغة التصغير- وأبو ضميرة مولى رسول الله -ﷺ-. كذا قاله الذهبي في تجريد الصحابة، ثم قال: له ولأبيه صحبة. وقال في الكنى: أبو ضُمَيرة مولى رسول الله -ﷺ- كان من حمير، اسمه سعد، وكذا قال البخاري: إن اسمه سعد الحميري من آل ذي يزن. وقال أبو حاتم: سعد الحميري، هو جد حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة. انتهى. ويقال: اسم أبي ضميرة روح بن سندر. وقيل: روح ابن شير زاد. أفاده العيني (^١).
وقال في "الفتح": قال صاحب "العمدة": اليتيم: هو ضميرة جد حسين بن عمد الله بن ضميرة. قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن حبيب، ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله، أو من غيره من أهل المدينة. قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله -ﷺ-. وقد اختلف في اسم أبي ضميرة، فقيل: روح. وقيل: غير ذلك. انتهى. ووهم بعض الشراح، فقال: اسم اليتيم
_________________
(١) عمدة القاري جـ ٤ ص ١١١.
[ ١٠ / ١٧٥ ]
ضميرة. وقيل: روح، فكأنه انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه. ووهم أيضًا من قال: إن اسمه سليم. وجزم البخاري بأن اسم أبي ضميرة سعد الحميري، ويقال: سعيد. ونَسَبَه ابنُ حبان لَيْثِيًّا. اهـ (^١).
(وراءه) وفي نسخة "خلفه" وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ "صففت" (والعجوز من ورائنا) جملة اسمية في محل نصب على الحال، ويحتمل أن يعطف "العجوز" على الفاعل، والظرف على الظرف، ففيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو "صَفَّ"، وهو جائز بلا خلاف بين النحاة، كما بينه ابن هشام الأنصاري في "مغنيه" (^٢). والعجوز: هي مليكة المذكورة أوّلًا (فصلّى لنا ركعتين) أي صَلَّى النبي -ﷺ- لأجلنا (ثم انصرف) أي من الصلاة، أو إلى بيته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٩/ ٨٠١)، وفي "الكبرى" (١٩/ ٨٧٦) عن قتيبة،
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٥.
(٢) انظر: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" جـ ٢ ص ١٠١ بنسخة حاشية الأمير.
[ ١٠ / ١٧٦ ]
عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف -وعن إسماعيل ابن أبي أويس- فرقهما، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي، والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى - خمستهم عن مالك به (مالك في الموطأ) برقم ١١٣، وأحمد في المسند جـ ٣ ص ١٣١ و١٤٩ و١٦٤، والدارمي رقم ١٢٩١ و١٣٨١. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان موقف الإمام إذا كان معه اثنان، وامرأة، وذلك أن يصُفَّ الاثنان خلفه، وتكون المرأة خلفهما صفًا وحدها.
ومنها: مشروعية إجابة الدعوة، ولو لم تكن عُرْسًا، ولو كان الداعي امرأة.
ومنها: الأكل من طعام الدعوة.
ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من حسن الخلق، والتواضع، حيث كان يزور أصحابه، ويصلي على البساط الذي عندهم، ولو كان ممتهنًا، وقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ أنه قال: كان
[ ١٠ / ١٧٧ ]
رسول الله -ﷺ- أحسن الناس خُلُقًا، فربما تحضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكَنس، ثم يُنضح، ثم يؤم رسول الله -ﷺ-، ونقوم خلفه، فيصلي بنا، وكان بساطهم من جريد النخل (^١).
ومنها: صلاة النافلة جماعة في البيوت. قال في "الفتح": وكأنه -ﷺ- أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة، لأجل المرأة، فإنها يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقفها. اهـ.
ومنها: أن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردًا حيث لا يكون هناك مصلحة، كالتعليم، بل يمكن أن يقال: هو إذ ذاك أفضل، ولاسيما في حقه -ﷺ-. قاله في "الفتح" (^٢).
ومنها: تنظيف مكان المصلي.
ومنها: قيام الصبي مع الرجل صفّا.
ومنها: قيام المرأة صفًّا وحدها إذ لم تكن معها امرأة غيرها.
ومنها: تأخير النساء عن صفوف الرجال.
ومنها: أن بعضهم استدل به على جواز صلاة المنفرد خلف الصفّ وحده. وفيه نظر.
ومنها: أن نافلة النهار يقتصر فيها على ركعتين، خلافًا لأبي حنيفة
_________________
(١) صحيح مسلم جـ ٢ ص ١٢٧.
(٢) جـ ٢ ص ٤٦.
[ ١٠ / ١٧٨ ]
في قوله الأفضل أن يتنفل بأربع، سواء كان ليلًا، أو نهارًا. وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومنها: صحة صلاة المميز، ووضوئه.
ومنها: جواز الصلاة على الحصير، ومثله سائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع، إلا من شذ. وقد تقدم البحث مستوفى برقم (٤٣/ ٧٣٧).
(تَتِمّة) حديث أنس ﵁ المذكور في هذا الباب غير حديثه المتقدم برقم (٤٣/ ٧٣٧) فإن المرأة التي دعت النبي -ﷺ- هناك أم سليم، أم أنس، دعته ليصلي في بيتها لتتخذه مصلى، وهنا مليكة جدته، وقد علمتَ الخلافَ في كونها جدته، أو جدة إسحاق، دعته لطعام صنعته، ولكنه صلى في بيتها مكافأة على إحسانها، وقد تقدم هذا التنبيه بالرقم المذكور، وإنما أعدته تذكيرًا. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ١٠ / ١٧٩ ]