أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة في ثوب الحرير.
٧٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَا يَنْبَغِى هَذَا لِلْمُتَّقِينَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني أبو رجاء، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (عيسى بن حماد زُغْبة) (^١) التُّجيبي، أبو موسى الأنصاري، مات سنة ٢٤٩ وقد جاوز ٩٠ سنة، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات، من [١٠]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ١٣٥/ ٢١١.
_________________
(١) "زُغْبة" -بضم الزاي، وسكون المعجمة، بعدها موحدة- وهو لقبه، وهو لقب أبيه أيضًا. اهـ ت ص ٢٧٠. والزّغبة في الأصل دويبة كالفأر. قاله في القاموس. ص ١٢١.
[ ٩ / ٥٤٧ ]
٣ - (الليث) بن سعد، الإمام الفقيه الحجة المصري، مات سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٤ - (يزيد بن أبي حبيب) أبو رجاء، واسم أبيه سويد، ثقة فقيه، يُرسِل، مات سنة ١٢٨ وقد قارب ٨٠ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٣٤/ ٢٠٧.
٥ - (أبو الخير) مَرْثَد بن عبد الله الْيَزَنِي المصري، ثقة فقيه، مات سنة ٩٠، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٥٨٢.
٦ - (عقبة بن عامر) الجُهني صحابي مشهور، اختلف في كنيته عَلَى سبعة أقوال، أشهرها أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله ثقات نُبلاء.
ومنها: أنهم من رجال الجماعة، غير شيخه عيسى بن حماد، فإنه من رجال مسلم وأبي داود وابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالمصريين.
[ ٩ / ٥٤٨ ]
ومنها: أنه مسلسل بالفقهاء.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ يزيد عن أبي الخير.
ومنها: أنه شيخه عيسى مشهور بلقب، وهو زُغبة، وهو لقب لأبيه أيضًا، وأصل الزغبة دُويبة كالفأرة، ولا أدري سبب تلقيبه بها.
ومنها: أن "زغبة" يعرب بدلًا، أو عطف بيان لعيسى، فيكون مرفوعًا، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو زغبة، أو مفعولًا لفعل مقدر، أي: أعني زغبةَ وهذا بالإجماع، وأوجب البصريون إضافة الاسم إلى اللقب إذا كانا مفردين، كسعيد كُرْز، وإلى هذا أشار ابن مالك في الخلاصة، حيث قال:
وَإِنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ فَأَضِفْ … حَتْمًا وَإلاَّ أَتْبِعِ الَّذِي رَدِفْ
ومنها: أنه يُقَدّر قبل قوله: "عن الليث" لفظ "كلاهما"، يعني أن قتيبة وعيسى يرويان هذا الحديث عن الليث. وقد تقدم هذا غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عقبة بن عامر) الجهني ﵁، أنه (قال: أهدي) -بضم الهمزة- قال الفَيّومي: يقال: أهديتُ للرجل كذا -بالألف-: بعثتُ به إليه إكرامًا، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير (^١) (لرسول الله -ﷺ-) متعلق بـ "أُهدي".
_________________
(١) المصباح جـ ٢ ص ٦٣٦.
[ ٩ / ٥٤٩ ]
والذي أهدى إليه هو أُكَيدر بن عبد الملك صاحب دُومة الجَندَل (^١). وذكر أبو نعيم أنه أسلم، وأهدَى إلى النبي -ﷺ- حُلَّةَ سِيَرَاء. ومن قال: إنه أسلم فقد أخطأ خطأ ظاهرًا، وكان نصرانيًا، ولما صالحه النبي -ﷺ- عاد إلى حصنه، وبقي فيه، ثم إن خالدًا أسره لَمّا حاصر دُومة الجندل أيام أبي بكر ﵁، فقتله مشركًا نصرانيًا. قاله العيني (^٢).
(فَرُّوجُ حرير) وفي رواية ابن إسحاق عند أحمد "فروج من حرير". والفرّوج -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخره جيم-: هو القباء المُفَرَّجُ من خلف، وحكى أبو زكريا التّبريزي، عن أبي العلاء المعريّ جواز ضم أوله، وتخفيف الراء. قاله في الفتح (^٣). وقال ابن منظور: والفَرُّوج -بفتح الفاء-: القَبَاء؛ وقيل: الفرُّوج قباء فيه شق من خلفه. اهـ (^٤).
وقال العلامة العيني ﵀: قوله: "فرّوج حرير" بالإضافة، كما في ثوب خَزّ، وخاتم حديد، ويجوز أن يكون "حرير" صفة
_________________
(١) "أُكيدر" بضم الهمزة، و"دُومة الجندل": اسم حصن، قال الجوهري: أصحاب اللغة يقولون بضم الدال، وأهل الحديث يفتحونها، وهو اسم موضع فاصل بين الشام والعراق على سبعة مراحل من دمشق، وعلى ثلاثة عشر مرحلة من المدينة. اهـ. عمدة القاري جـ ٤ ص ٩٧.
(٢) عمدة القاري جـ ٤ ص ٩٧.
(٣) جـ ٢ ص ٣٨.
(٤) لسان العرب جـ ٥ ص ٣٣٧١.
[ ٩ / ٥٥٠ ]
لـ "فرّوج"، والإعراب يحتمل ذلك، والكلام في الرواية، والظاهر أنه الأول. اهـ (^١).
(فلبسه، ثم صلّى فيه) زاد في رواية ابن إسحاق، وعبد الحميد ابن جعفر عند أحمد: "ثم صلى فيه المغرب".
وقال الحافظ ﵀: وظاهر هذا الحديث أن صلاته -ﷺ- فيه كانت قبل تحريم لبس الحرير، ويدل على ذلك حديث جابر عند مسلم بلفظ: "صلى في قباء ديباج، ثم نزعه، وقال: "نهاني عنه جبريل"، ويدل عليه أيضًا مفهوم قوله: "لا ينبغي هذا للمتقين"؛ لأن المتقي وغيره في التحريم سواء. ويحتمل أن يراد بالمتقي المسلم، أي المتقي للكفر، ويكون النهي سبب النزع، ويكون ذلك ابتداء التحريم.
وإذا تقرر هذا فلا حجة فيه لمن أجاز الصلاة في ثياب الحرير، لكونه -ﷺ- لم يعد تلك الصلاة؛ لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده فعند الجمهور تجزىء لكن مع التحريم، وعن مالك يعيد في الوقت (^٢).
وقال العيني ﵀: قال أصحابنا -يعني الحنفية- تصح الصلاة، ولكنها تكره، ويأثم لارتكابه الحرام، وبه قال الشافعي،
_________________
(١) عمدة جـ ٤ ص ٩٧.
(٢) فتح جـ ٢ ص ٣٨.
[ ٩ / ٥٥١ ]
وأبو ثور. وقال القاسم عن مالك: من صلى في ثوب حرير يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره، وعليه جل أصحابه. وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت، ولا في غيره، وهو قول أصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة للترهيب على العدو والمباهاة. وقال آخرون: إن صلى فيه، وهو يعلم أن ذلك لا يجوز يعيد (^١). والله أعلم.
(ثم انصرف) وفي رواية ابن إسحاق: "فلما قضى صلاته"، وفي رواية عبد الحميد: "فلما سلم من صلاته"، وهو المراد بالانصراف في رواية الليث (فنزعه نزعًا شديدًا) زاد أحمد في روايته عن حجاج، وهاشم: "عَنِيفًا" أي بقوة ومبادرة لذلك، على خلاف عادته في الرفق والتأني.
قال الحافظ ﵀: وهذا مما يؤكد أن التحريم وقع حينئذ (كالكاره له) زاد أحمد في رواية عبد الحميد بن جعفر: "ثم ألقاه، فقلنا: يا رسول الله، قد لبسته، وصليت فيه" (ثم قال: لا ينبغي هذا) يحتمل أن تكون الإشارة للبس، أي لا يحل هذا اللبس، ويحتمل أن تكون للحرير، فيتناول غير اللبس من الاستعمال، كالافتراش أي لا يحل استعمال هذا الحرير.
قال الفيّومي ﵀: "وينبغي أن يكون كذا": معناه يندب ندبًا
_________________
(١) عمدة القاري جـ ٤ ص ٩٩.
[ ٩ / ٥٥٢ ]
مؤكدًا، لا يحسن تركه، واستعمال ماضيه مهجور، وقد عَدُّوا "ينبغي" من الأفعال التي لا تتصرف، فلا يقال: انبغي، وقيل في توجيهه: إن انبغى مطاوع بَغَى، فلا يستعمل انفعل في المطاوعة إلا إذا كان فيه علاج وانفعال، مثل كسرته فانكسر، وكما لا يقال: طلبته فانطلب، وقصدته فانقصد، لا يقال: بغيته فانبغى؛ لأنه لا علاج فيه. وأجازه بعضهم، وحكي عن الكسائي أنه سمعه من العرب.
وما ينبغي أن يكون كذا: أي ما يستقيم، أو ما يحسن. انتهى (^١).
قال الجامع: المناسب هنا المعنى الأول، أي ما يستقيم هذا؛ لأنه محرم. والله أعلم.
(للمتقين) أي المتقين الكفر أو المعاصيَ كلها. وقال ابن بطال: يمكن أن يكون نزعه لكونه حريرًا صِرْفًا، ويمكن أن يكون نزعه لأنه من جنس لباس الأعاجم، وقد ورد حديث ابن عمر رفعه: "من تشبه بقوم فهو منهم" أخرجه أبو داود بسند حسن.
قال الحافظ: وهذا التردد مبني على تفسير المراد بالمتقين، فإن كان المراد به مطلق المؤمن حمل على الأول، وإن كان المراد به قدرًا زائدًا على ذلك حمل على الثاني. والله أعلم.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: اسم التقوى يعم
_________________
(١) المصباح جـ ٢ ص ٥٧.
[ ٩ / ٥٥٣ ]
جميع المؤمنين، لكن الناس فيه على درجات. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]. فكل من دخل في الإسلام فقد اتقى، أي وقى نفسه من الخلود في النار، وهذا مقام العموم، وأما مقام الخصوص فهو الإحسان، كما قال -ﷺ-: "أن تعبد الله كأنك تراه" انتهى. وقد رجح عياض ﵀ أن المنع فيه لكونه حريرًا.
وقال القرطبي ﵀ في المفهم: المراد بالمتقين المؤمنون؛ لأنهم الذين خافوا الله تعالى، واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له. وقال غيره: لعل هذا من باب التهييج للمكلف على الأخذ بذلك؛ لأن من سمع أن من فعل ذلك كان غير متق، فَهِم منه أنه لا يفعله إلا المستخف، فيأنف من فعل ذلك، لئلا يوصف بأنه غير متق.
قال البدر العيني ﵀: فإن قلت: النساء يدخلن فيهم مع أن الحرير حلال لهن. قلت: هذه مسألة مختلف فيها، والأصح أن جمع المذكر السالم لا يدخل فيه النساء، فلا يقتضي الاشتراك، ولئن سلمنا دخولهن فالحل لهن علم بدليل آخر. اهـ (^١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
_________________
(١) عمدة جـ ٤ ص ٩٨.
[ ٩ / ٥٥٤ ]
حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا متفق عليه. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٩/ ٧٧٠)، وفي الكبرى (٧/ ٨٤٦) عن قتيبة، وعيسى بن حماد، كلاهما عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله ابن يوسف، وفي "اللباس" عن قتيبة -كلاهما عن الليث، به.
ومسلم في "اللباس" عن قتيبة به. وعن أبي موسى، عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب به.
وأحمد (٤/ ٢٤٣، ٢٤٩، ١٥٠). وابن خزيمة رقم (٧٧٤). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: جواز الصلاة في ثوب الحرير، والظاهر أن هذا هو مراد المصنف رحمه الله تعالى بالترجمة، ووجهه أنه -ﷺ- لم يعد تلك الصلاة، فدل على جوازها في الحرير، لكن هذا إنما يتم إن قلنا بأن تلك الصلاة وقعت بعد تحريم الحرير على الرجال، وقد تقدم ترجيح كون نزعه للفَرُّوج ابتداء التحريم، فالصلاة وقعت قبله. والله أعلم.
ومنها: أنه يدل على تحريم الحرير على الرجال دون النساء؛ لأن
[ ٩ / ٥٥٥ ]
اللفظ لا يتناولهن على الراجح، ودخولهن بطريق التغليب مجاز يمنع منه ورود الأدلة الصريحة على إباحته لهن.
ومنها: أن الصبيان لا يحرم عليهم لبسه؛ لأنهم لا يوصفون بالتقوى. وقد قال الجمهور بجواز إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأما في غيره فكذلك في الأصح عند الشافعية، وعكسه عند الحنابلة، وفي وجه ثالث يمنع بعد التمييز.
ومنها: أنه لا كراهة في لبس الثياب الضيقة والمُفَرّجة لمن اعتادها، أو احتاج إليها (^١).
ومنها: أن فيه جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة:
قال العلامة أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال: الأول: محرم بكل حال، والثاني: محرم إلا في الحرب، والثالث: يحرم إلا في السفر، والرابع: يحرم إلا في المرض، والخامس: يحرم إلا في الغزو، والسادس: يحرم إلا في العَلَم، والسابع: يحرم على الرجال والنساء، والثامن: يحرم لبسه من فوق، دون لبسه من أسفل، وهو الفرش. قاله أبو حنيفة، وابن الماجشون، والتاسع: مباح بكل حال، والعاشر: يحرم، وإن خلط مع
_________________
(١) فتح جـ ١١ ص ٤٤٦.
[ ٩ / ٥٥٦ ]
غيره، كالخزّ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الجمهور على تحريم الحرير على الرجال دون النساء، إلا فيما استثني؛ كالمرض، ونحوه، وسيأتي تحقيق هذه الأقوال بأدلتها مستوفى في "كتاب الزينة" إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) انظر عمدة القاري جـ ٤ ص ٩٨.
[ ٩ / ٥٥٧ ]