أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام.
"الرخصة" وزان غرفة، وتضم الخاء للإتباع، وجمعه رُخَصٌ، ورُخُصات، مثل غُرَف، وغُرُفات: التسهيل، والتيسير (^١).
"الخميصة": -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، بعدها صاد مهملة-: كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين، ويكون من خزّ، أو صوف، فإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة. قاله الفيومي (^٢).
وقال العيني ﵀: كساء أسود مربع، له علمان، أو أعلام، ويكون من خزّ، أو صوف، ولا تسمى خَمِيصة إلا أن تكون سوداء معلمة، سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، ومأخوذ من الخَمَص، وهو ضمور البطن. وقال ابن حبيب في شرح الموطأ: الخميصة كساء صوف، أو مِرْعِزَّى (^٣) معلم الصنعة (^٤).
و"الأعلام" -بالفتح-: جمع عَلَم -بفتحتين- مثل سبب وأسباب،
_________________
(١) المصباح جـ ١ ص ٢٢٤.
(٢) المصباح جـ ١ ص ١٨٢.
(٣) "المِرْعزُّ، والمِرْعِزَّى، ويمد إذا خفف، وقد تفتح الميم في الكل: الزَّغَب الذي تحت شعر العَنْز. اهـ. "ق".
(٤) عمدة القاري جـ ٤ ص ٩٣.
[ ٩ / ٥٥٨ ]
يقال: أعلمت الثوب: جعلتُ له علَمًا من طِراز وغيره (^١). والله تعالى أعلم.
٧٧١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ، لَهَا أَعْلَامٌ، ثُمَّ قَالَ: شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِى بِأَنْبِجَانِيِّهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي تقدم قبل بابين.
٢ - (قتيبة بن سعيد) تقدم في السند الماضي.
٣ - (سفيان) بن عيينة، تقدم قبل باب.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، الإمام الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عروة بن الزبير) بن العوام المدني، الفقيه الثبت، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) المصباح جـ ٢ ص ٤٢٧.
[ ٩ / ٥٥٩ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: قوله: "واللفظ له" أي لفظ الحديث لقتيبة، وأما إسحاق، فرواه بالمعنى، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله -ﷺ- صلى في خميصة) تقدم ضبطها وتفسيرها في أول الباب (لها أعلام) جملة في محل جر صفة لـ "خميصة" (ثم قال: شغلتني أعلام هذه) أي كادت تشغلني، وتلهيني عن كمال الحضور في الصلاة، وليس المراد أنها شغلته بالفعل؛ ففي رواية البخاري: "كنت أنظر إلى علمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني". وفي رواية مالك في الموطأ: "فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني".
فإطلاق رواية الباب للمبالغة في القرب، لا لتحقق وقوع الشغل، وعلى تقدير وقوعه له -ﷺ-، فليس فيه نقص في حقه؛ لأنه بشر يؤثر فيه ما يؤثر في البشر من الأمور التي لا تؤدي إلى نقص في مرتبته الشريفة -ﷺ-. أفاده في "المنهل" (^١).
_________________
(١) جـ ٦ ص ٩ - ١٠.
[ ٩ / ٥٦٠ ]
وقال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: أثبت في هذه الرواية -يعني رواية الشيخين- إِلْهَاَءَ الخميصة له بقوله: "فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي"، وقال في رواية مالك: "نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني". قال ابن عبد البرّ: فيه دليل على أن الفتنة لم تقع. قال: والفتنة هنا الشغل عن خشوع الصلاة. انتهى.
فيحتمل أن يقال: الفتنة فوق الإلهاء، فلهذا أثبته، ولم يثبت الفتنة، ويحتمل أن يقال: هما واحد، ويكون قوله: "ألهتني" أي كادت، وقاربت، كما يقول المؤذن في الإقامة: "قد قامت الصلاة" أي قد قرب إقامتها. والله أعلم (^١).
وقال السندي في شرحه: قوله: "شغلتني أعلام هذه" هذا مبني على أن القلب قد بلغ من الصفاء عن الأغيار الغايةَ حتى يظهر فيه أدنى شيء، يظهر لك ذلك إذا نظرت إلى ثوب بلغ في البياض الغاية، وإلى ما دون ذلك، فيظهر في الأول من أثر الوسخ ما لا يظهر في الثاني. والله أعلم. انتهى (^٢).
(اذهبوا بها) أي بالخميصة (إِلى أبي جهم) -بفتح الجيم، وسكون الهاء- ابن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج ابن عديّ بن كعب القرشي العدوي. قال البخاري وجماعة: اسمه
_________________
(١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٨٠.
(٢) جـ ٢ ص ٧٢.
[ ٩ / ٥٦١ ]
عامر، وقيل: اسمه عبيد -بالضم- قاله الزبير بن بكار وابن سعد، وقالا: إنه من مسلمة الفتح. وقال البغوي، عن مصعب: كان من مُعَمّري قريش، ومن مشيختهم.
وحكى ابن منده أن أبا عاصم فرق بين أبي جهم ابن حذيفة، وعبيد ابن حُذيفة. قال الزبير: كان من مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، قال: وقال عمي: كان من المعمرين، حضر بناء الكعبة مرتين؛ حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان.
وأخرج البغوي من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما أصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فَمُنِعُوا، فقال أبو جَهْم: دعوه؛ فقد صلى الله عليه ورسوله.
وأخرج ابن أبي عاصم في كتاب الحكماء من طريق عبد الله بن الوليد، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي الجهم، قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتها إلا خشية على عقلي، وما فيها من الفساد. مات في آخر خلافة معاوية. قاله ابن سعد. ويقال: إنه وفد على معاوية، ثم على ابنه يزيد، وهذا يدل على أنه تأخرت وفاته. والله أعلم. انتهى ملخصًا من "الإصابة" (^١).
_________________
(١) جـ ١١ ص ٦٦ - ٦٧.
[ ٩ / ٥٦٢ ]
قال في "الفتح": وإنما خصه -ﷺ- بإرسال الخميصة إليه لأنه كان أهداها له -ﷺ-، كما رواه مالك في الموطأ من طريق أخرى عن عائشة قالت: "أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله -ﷺ- خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: "رُدَّي هذه الخميصة إلى أبي جهم".
ووقع عند الزبير بن بكار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل "أن النبي -ﷺ- أُتِي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم"، ولأبي داود من طريق أخرى "وأخذ كرديًّا لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيرًا من الكرديّ".
وقال ابن بطال: إنما طلب منه ثوبًا غيرها ليُعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافًا به. قال: وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. قال الحافظ ﵀: وهذا مبني على أنها واحدة، ورواية الزبير والتي بعدها تصرح بالتعدد. انتهى (^١).
(وائتوني بأَنْبَجَانِيِّهِ) قال في النهاية: المحفوظ بكسر الباء، ويروى بفتحها، يقال: كساء أنْبَجَاني منسوب إلى مَنْبِج المدينة المعروفة، وهي مكسورة الباء، ففتحت في النسب، وأبدلت همزة. وقيل: إنها منسوبة إلى موضع اسمه أنبجان، وهو أشبه، والأول فيه
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٦.
[ ٩ / ٥٦٣ ]
تعسف. وهو كساء يتخذ من الصوف، وله خَمْلٌ، ولا عَلَمَ له، وهو من أدون الثياب الغليظة، قال: وإنما بعث الخميصة إلى أبي جهم لأنه هو الذي أهداها له، وإنما طلب منه الأنبجاني لئلا يؤثّر رَدّ الهدية في قلبه. والهمزة زائدة في قول (^١).
وقال القاضي عياض: يروى بفتح الهمزة، وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبتشديد الياء وتخفيفها.
وقال البدر العيني ﵀: قد اختلفوا في ضبط هذا اللفظ، ومعناه؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة. وقال ثعلب: يقال: كبش أنبجاني -بكسر الباء، وفتحها-: إذا كان ملتفًّا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك.
وقال الجوهري: إذا نسبت إلى مَنْبِج فتحت الباء، فقلت: كساء مَنَبجاني، أخرجوه مخرج مَخْبَراني، ومَنْظَرَاني.
وقال أبو حاتم في لحن العامة: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما تخطىء فيه العامة، وإنما يقول: مَنْبَجَاني -بفتح الميم والباء، قال: وقلت للأصمعي: لِمَ فتحت الباء، وإنما نسب إلى مَنبِج -بالكسر-؟، قال خرج مخرج منظراني، ومخبراني، قال: والنسب مما يُغَيِّرُ البناءَ.
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث جـ ١ ص ٧٣ بتغيير يسير.
[ ٩ / ٥٦٤ ]
وقال القزاز في الجامع: والنِّبَاج موضع تنسب إليه الثياب المنبجانية. وفي الجمهرة: ومَنْبِج موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية. وفي المحكم: إن منبج موضع.
قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنها إنما كثرت مزيدة أوّلًا فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أوّلًا في الاسم والصفة، وكذلك النِّبَاج، وهما نبَاجان؛ نباج ثَيْتَل، ونباج ابن عامر (^١)، وكساء منبجاني منسوب إليه على غير قياس.
وفي المغيث: المحفوظ كسر باء الأنبجاني. وقال ابن الحصار في تقريب المدارك: من زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وَهِمَ.
ومنبج -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وفي آخره جيم-: بلدة من كور قِنِّسْرِين، بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام، وسماها منبه، وبنى بها بيت نار، ووكل بها رجلًا، فعربت، فقيل: منبج، والنسبة إليها منبجي على الأصل، ومنبجاني على غير قياس، والباء تفتح في النسبة، كما يقال في النسبة إلى صَدِف -بكسر الدال- صَدَفي -بفتحها- ومن هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى منبج -بفتح الميم، وكسر الباء- ويقال: نسبة إلى موضع، يقال له:
_________________
(١) وفي اللسان: النِّباج، وهما نباجان؛ نباج ثَيْتَلَ، ونباج ابن عامر. وقال الجوهري: والنِّبَاج قرية بالبادية أحياها عبد الله بن عامر. وقال الأزهري: وفي بلاد العرب نِبَاجان: أحدهما على طريق البصرة، يقال له نباج بني عامر، وهو بحذاء فَيْد، والنباج الآخر نباج بني سَعْد بالقريتين. اهـ جـ ٦ ص ٤٣٢٠.
[ ٩ / ٥٦٥ ]
أنبجان، وعن هذا قال ثعلب: يقال: كساء أنبجاني، وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث.
وأما تفسيرها، فقال عبد الملك بن حبيب في شرح الموطأ: هي كساء غليظ، يشبه الشملة، يكون سداه قطنًا غليظًا، أو كتانًا غليظًا، ولحمته صوف، ليس بالمبرم في فتله لين غليظ، يلتحف به في الفراش، وقد يشتمل به في شدة البرد. وقيل: هي من أدون الثياب الغليظة تتخذ من الصوف، ويقال: هو كساء غليظ لا عَلَمَ له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة، وإن لم يكن فهو أنبجانية. انتهى كلام العيني (^١). والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٠/ ٧٧١)، وفي الكبرى (٨/ ٨٤٧) بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه
_________________
(١) عمدة القاري جـ ٤ ص ٩٣.
[ ٩ / ٥٦٦ ]
البخاري في "الصلاة" عن قتيبة، ومسلم فيه عن عمرو الناقد، وزهير ابن حرب، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبو داود فيه، وفي "اللباس" عن عثمان بن أبي شيبة، وابن ماجه في "اللباس" -عن أبي بكر بن أبي شيبة- كلهم عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عنها.
وأخرجه الحميدي: رقم ١٧٢ - وأحمد: (٦/ ٣٧، ٤٦، ٢٠٨، ١٩٩)، وابن خزيمة: رقم (٩٢٨، ٩٢٩). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو صحة الصلاة في خميصة لها أعلام، وأن غيره أولى، وذلك لأن النبي -ﷺ- صلى فيها، ولم يعد تلك الصلاة، بل أمر بإبعادها عنه خوف الافتتان بها؛ فدل على صحتها.
قال النووي ﵀: فيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر في شاغل ونحوه مما ليس متعلقًا بالصلاة، وهذا بإجماع الفقهاء. وحكي عن بعض السلف والزهاد ما لا يصح عمن يعتد به في الإجماع. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: يستحب له النظر إلى موضع سجوده، ولا يتجاوزه. قال بعضهم: يكره تغميض عينيه، وعندي لا يكره إلا أن يخاف ضررًا. انتهى (^١).
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٥ ص ٤٤.
[ ٩ / ٥٦٧ ]
ومنها: أن فيه الاجتهادَ في كمال حضور القلب في الصلاة، وتدبر أذكارها، وتلاوتها، ومقاصدها من الانقياد والخضوع لله ﷿، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يشغل القلب، وإزالة ما يخاف اشتغاله به، وكراهية تزويق محراب المسجد وحائطه ونقشه، وغير ذلك من الشاغلات؛ لأن النبي -ﷺ- جعل العلة في إزالة الخميصة هذا المعنى. أفاده النووي رحمه الله تعالى (^١).
واستدل به بعض المالكية على كراهة غرس الأشجار في المساجد لما فيه من شغل المصلي بذلك (^٢).
ومنها: جواز لبس الثوب الذي له علم، وكذلك الكساء ونحوه.
ومنها: أن اشتغال الفكر في الصلاة يسيرًا غير قادح في صحتها.
ومنها: ما قال صاحب المفهم: فيه سد الذرائع، والانتزاع عما يشغل الإنسان عن أمور دينه.
ومنها: ما قال ابن بطال: فيه أن النبي -ﷺ- آنس أبا جهم حين ردها إليه بأن سأله ثوبًا مكانها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافًا به، ولا كراهة للبسه. وقال صاحب المفهم: وفيه قبول الهدايا من الأصحاب، واستدعاؤه -ﷺ- أنبجانية أبي جهم تطييب لقلبه، ومباسطة معه، وهذا مع من يعلم طيب نفسه، وصفاء ودّه جائز.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) طرح جـ ٢ ص ٣٧٨.
[ ٩ / ٥٦٨ ]
ومنها: أن الواهب والمهدي إذا ردت إليه عطيته، من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها، إذ لا عار عليه في قبولها. قاله ابن بطال، وابن عبد البر.
ومنها: أن للإنسان أن يشتري ما أهداه بخلاف الصدقة. قاله أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى.
ومنها: ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى: جرت عادة الأنبياء والصالحين بإخراج ما شغلهم عن بعض العبادات عن ملكهم رأسًا، وكذلك ما أعجبهم من ملكهم، كما قال الله تعالى في حق سليمان ﵇: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٢، ٣٣].
وأخرج النبي -ﷺ- الخميصة عن ملكه، ورمى بالخاتم أيضًا لما شغله، كما رواه النسائي من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله -ﷺ- اتخذ خاتمًا، ولبسه، قال: "شغلني هذا عنكم منذ اليوم، إليه نظرة، وإليكم نظرة، ثم ألقاه".
وأما نزعه خاتم الذهب عند التحريم فهو متفق عليه من حديث ابن عمر.
وفي "الصحيحين" من حديث أنس أنه كان من فضة. وقال القرطبي: إنه وَهَمٌ. قال ولي الدين ﵀: ولعله كان لما شغله عنهم، وإن كان فضة، فيكون لا لحرمته، ولكن لاشتغاله به عنهم، ولا
[ ٩ / ٥٦٩ ]
حاجة حينئذ إلى الحكم عليه بالوهم. والله أعلم.
قال: وروينا في الزهد لابن المبارك عن مالك، عن أبي النضر، قال: انقطع شراك نعل رسول الله -ﷺ-، فوصله بشيء جديد، فجعل ينظر إليه، وهو يصلي، فلما قضى صلاته قال: انزعوا هذا، واجعلوا الأول مكانه، فقيل: كيف يا رسول الله؟ قال: إني كنت أنظر إليه وأنا أصلي.
وروى محمد بن خفيف الشيرازي بإسناده إلى عائشة أنه -ﷺ- احتذى نعلًا، فأعجبه حسنها، ثم خرج بها، فدفعها إلى أول مسكين لقيه، ثم قال: اشتر لي نعلين مخصوفتين.
وروى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائطه، فطار دُبْسِيّ (^١)، فطفق يتردد يلتمس مخرجًا، فأعجبه ذلك، فجعل يتبعه ببصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله -ﷺ-، فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة، وقال: يا رسول الله، هو صدقة لك، فضعه حيث شئت. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى (^٢). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الدُّبْسِيّ" -بالضم ضرب من الفواخيت، قيل: نسبة إلى طير دُبْسٍ، وهو الذي لونه بين السواد والحمرة. اهـ. المصباح جـ ١ ص ١٨٩. والفواخيت جمع فاختة: طائر معروف. "ق" ص ٢٠١.
(٢) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٧٩.
[ ٩ / ٥٧٠ ]
المسألة الخامسة: في الأسئلة والأجوبة:
فإِن قيل: كيف بعث النبي -ﷺ- بالخميصة إلى أبي جهم، وقد أخبر عن نفسه بأنها ألهته في صلاته مع قوته -ﷺ-، فكيف لا تشغل أبا جهم عن صلاته؟
أجيب: بأنه لم يبعث بها إليه ليلبسها في الصلاة، بل لينتفع بها في غير الصلاة، كما قال في حلة عُطارد لعمر ﵁: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها" … قاله ولي الدين العراقي ﵀ (^١). وقال في الفتح: ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله: "كل فإني أناجي من لا تناجي" انتهى (^٢).
فإِن قيل: كيف يخاف الافتتان من لا يلتفت إلى الأكوان ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧].
أجيب بأنه كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا ردّ إلى طبعه البشري، فإنه يؤثر فيه ما يؤثر في البشر.
فإِن قيل: إن المراقبة شغلت خلقًا من أتباعه حتى وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار، ولم يعلم به.
_________________
(١) طرح جـ ٢ ص ٣٧٨.
(٢) جـ ٢ ص ٣٦.
[ ٩ / ٥٧١ ]
أجيب بأن أولئك يؤخذون عن طباعهم، فيغيبون عن وجودهم، وكان النبي -ﷺ- يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص قال: "لست كأحدكم"، وإذا سلك طريق غيرهم قال: "إنما أنا بشر"؛ فنزع الخميصة يكون من الثاني (^١). والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) "عمدة القاري" بتصرف جـ ٤ ص ٩٤ - ٩٥.
[ ٩ / ٥٧٢ ]