أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز ربط الأسير الكافر بسارية من سوار المسجد.
والرَّبْطُ -بفتح فسكون- مصدرٌ، يقال: رَبَط الشيء، يَرْبِطُهُ رَبْطًا، من باب ضرب: شَدَّهُ، ومن باب قَتَلَ لغة. كما في المصباح.
والأسير: فعيل، بمعنى مفعول، قال المجد: الأسْر: الشَّدُّ، والعَصَبُ، والأسير: الأخيذُ -أي المأخوذ والمقيد، والمسجون، جمعه: أسراءُ، وأسَارى -بالضم فيهما- وأسَارَى، وأسْرَى. اهـ.
وفي المصباح: أسرته، أسْرًا، من باب ضرب، فهو أسير، وامرأة أسير أيضًا؛ لأن فعيل بمعنى مفعول ما دام جاريًا على الاسم يستوي فيه المذكر والمؤنث، فإن لم يذكر الموصوف ألْحِقَت العلامة، وقيل: قتلت الأسيرة، كما يقال: رأيت القتيلة. اهـ. ج ١ ص ١٤.
والسارية: الأسطُوَانَة، جمعها: سَوارٍ، مثل جارية، وجوارٍ. والله أعلم.
٧١٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ
[ ٩ / ٥ ]
لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرُبِطَ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. مُخْتَصَرٌ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
كلهم تكلمنا عنهم في السند الماضي، إلا الصحابي ﵁، فتقدم الكلام عليه غير مرة. والسند من رباعياته، وهو (٣٦) من رباعيات الكتاب، وتقدم الحديث سندًا ومتنًا برقم (١٢٧/ ١٨٩). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سعيد بن أبي سعيد) واسم أبيه كيسان المقبري (أنه سمع أبا هريرة) ﵁. فيه تصريح سعيد بسماعه من أبي هريرة ﵁، وهو كذلك عند البخاري، في المغازي، لكن أخرجه ابن إسحاق عن سعيد، فقال: عن أبيه، عن أبي هريرة، قال الحافظ ﵀: وهو من المزيد في متصل الأسانيد، فإن الليث موصوف بأنه أتقن الناس لحديث سعيد المقبري، ويحتمل أن يكون سعيد سمعه من أبي هريرة، وكان أبوه قد حدثه به قبلُ، أو ثبته في شيء منه، فحدث به على الوجهين.
(يقول: بعث رسول الله -ﷺ- خيلًا قبل نجد) أي بعث رُكْبَانَ
[ ٩ / ٦ ]
خيل إلى جهة نجد.
قال الفيومي ﵀: النَّجْد: ما ارتفع من الأرض، والجمع نُجُود، مثل فلس وفلوس، وبالواحد سمي بلاد معروفة من ديار العرب مما يلي العراق، وليست من الحجاز، وإن كانت من جزيرة العرب. قال في التهذيب: كل ما وراء الخندق الذي خَنْدَقَه كسرى على سواد العراق، فهو نجد إلى أن تميل إلى الحَرَّة، فإذا ملت إليها فأنت في الحجاز. وقال الصَّغَاني: كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. اهـ. المصباح ج ٢ ص ٥٩٣.
(فجاءت برجل من بني حنيفة) -بفتح المهملة، وكسر النون- ابن لجيم -بجيم- بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة شهيرة، ينزلون اليمامة بين مكة واليمن.
وقد تقدم برقم (١٢٧/ ١٨٩) -عن ابن إسحاق، قال: السرية التي أخذت ثمامة كان أميرها محمد بن مسلمة أرسله -ﷺ- في ثلاثين راكبًا إلى القُرَطاء من بني بكر بن كلاب بناحية ضَرِيَّةَ بالبَكَرَات لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست.
وقال في الفتح: وزعم سيف في "كتاب الزهد" له أن الذي أخذ ثمامة، وأسره هو العباس بن عبد المطلب. وفيه نظر؛ لأن العباس إنما قدم على رسول الله -ﷺ- في زمان فتح مكة، وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك بحيث اعتمر ثمامة، ثم رجع إلى بلاده، ثم منعهم أن
[ ٩ / ٧ ]
يَمِيرُوا أهل مكة، ثم شكا أهل مكة إلى النبي -ﷺ- ذلك، ثم بعث يشفع فيهم عند ثمامة. اهـ.
(يقال له: ثمامة بن أثال) وثمامة -بضم المثلثة، وتخفيف الميمين، بينهما ألف- و"أثال" -بضم الهمزة، وتخفيف المثلثة، والسلام بينهما ألف- ابن النعمان بن مسلمة الحنفي، وهو من فضلاء الصحابة.
(سيد أهل اليمامة) أي رئيسهم. واليمامة -بفتح الياء، وتخفيف الميمين- بلدة من بلاد العوالي، وهي بلاد بني حنيفة، قيل: من عروض اليمن، وقيل: من بلاد الحجاز. قاله الفيومي.
وأصل قصته هو ما ساقه البخاري ﵀ في "كتاب المغازي"، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني سعيد ابن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: "بعث النبي -ﷺ- خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري السجد، فخرج إليه النبي -ﷺ-، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتُرِكَ حتِى كان الغد، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر.
فتركه، حتى كان بعد الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " قال:
[ ٩ / ٨ ]
عندي ما قلت لك، فقال: "أطلقوا ثمامة"، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله -ﷺ-، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله -ﷺ-، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي -ﷺ-.
انظر "صحيح البخاري" ج ١ ص ٤١٩ بنسخة "الفتح".
وزاد ابن هشام "ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا، فكتبوا إلى النبي -ﷺ- إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم".
وقد تقدم برقم (١٢٨/ ١٨٩) أن ابن الأثير ساقه في أسد الغابة من طريق ابن إسحاق بأطول من هذا، فراجعه تزدد علمًا.
(فربط بسارية من سواري المسجد) النبوي، وهذا محل الترجمة للمصنف، إذ فيه جواز ربط الأسير بسارية المسجد.
قال الحافظ ﵀: وفي قصة ثمامة من الفوائد: ربط الكافر في
[ ٩ / ٩ ]
المسجد، والمن على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو عن المسيء؛ لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًا في ساعة واحدة لمَا أسْدَاهُ النبي -ﷺ- إليه من العفو والمن بغير مقابل.
وفيه الاغتسال عند الإِسلام، وأن "الإحسان يزيل البغض، ويثبت الحب، وأن الكافر إذا عمل عمل خير، ثم أسلم شرع له أن يستمر في عمل ذلك الخير.
وفيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه. وفيه بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر من وجد منهم، والتخيير بعد ذلك في قتله، أو الإبقاء عليه. اهـ. فتح ج ٨ ص ٤٢١. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
تنبيهان:
الأول: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. وقد مضى تخريجه، والمسائل المتعلقة به في كتاب الطهارة برقم (١٢٧/ ١٨٩) فلا نطيل الكتاب بإعادتها، فإن شئت التحقيق فارجع إليه. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
الثاني: قد وعدت برقم (١٢٧/ ١٨٩) أن أذكر في هذا الباب اختلاف العلماء في دخول الكافر المساجد، فها أنا الآن أبَيِّنُ ذلك، فأقول:
[ ٩ / ١٠ ]
ذهبت طائفة من أهل العلم إلي جواز دخول الكافر المسجد، سواء كان كتابيًا، أو غيره، وبه قال الشافعي ﵀، واستثنى من ذلك مسجد مكة وحرمه، واحتج بحديث ثمامة المذكور في الباب، وبأن ذات المشرك ليست بنجسة.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز دخوله مطلقًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومالك، والمزني، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وبقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، ودخول الكفار فيها مناقض لرفعها، وبقوله -ﷺ-: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر" رواه مسلم. والكافر لا يخلو عن ذلك، وبقوله -ﷺ-: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". والكافر جنب. أفاده في عمدة القاري ج ٤ ص ٢٣٧.
قال الجامع: الحديث رواه أبو داود، وحسنه ابن القطان، وابن سيد الناس -كما تقدم- (١٢٧/ ١٨٩).
وقال القرطبي ﵀ في "تفسيره" ما حاصله: وقال قتادة: لا يقرب المسجد الحرام مشرك، إلا أن يكون صاحب جزية، أو عبدًا كافرًا لمسلم. وروى إسماعيل بن إسحاق، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا شريك، عن أشعث، عن الحسن، عن جابر، عن النبي -ﷺ-، قال: "لا يقرب المسجد مشرك، إلا أن يكون عبدًا أو أمة، فيدخله
[ ٩ / ١١ ]
لحاجة". وبهذا قال جابر بن عبد الله؛ فإنه قال: العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام، وهو مخصوص في العبد، والأمة.
قال الجامع: تقدم آنفًا أن قتادة ممن يقول بالمنع مطلقًا، فلعل له قولين في المسألة. والله أعلم.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]: إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمة. وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال الإِمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن أشعث بن سوَّار، عن الحسن، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك، غير أهل الكتاب، وخدمهم"، وفي لفظ: "إلا أهل العهد، وخدمهم". انظر مسند أحمد ج ٣ ص ٣٣٩، ٣٩٢.
قال الحافظ ابن كثير: تفرد به الإِمام أحمد مرفوعًا، والموقوف أصح إسنادًا. انظر تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٣٦٠.
قال الجامع: في سند أحمد شريك القاضي، وهو متكلم فيه، وأشعث بن سوار الكندي ضعيف. كما قاله الحافظ في التقريب. والله أعلم.
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه يجوز للكتابي دخول المسجد،
[ ٩ / ١٢ ]
دون غيره، واحتج بالحديث المذكور.
وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى: ودخول المشركين في جميع المساجد جائز، حاشا حرم مكة كله، والمسجد وغيره، فلا يحل البتة أن يدخله كافر، وهو قول الشافعي، وأبي سليمان. وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يدخله اليهودي والنصراني، ومنع سائر الأديان. وكره مالك دخول أحد من الكفار في شيء من المساجد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فخص الله المسجد الحرام، فلا يجوز تعديه إلى غيره بغير نص، وقد كان الحرم قبل بنيان المسجد، وقد زيد فيه، وقال رسول الله -ﷺ-: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، فصح أن الحرم كله هو المسجد الحرام، ثم ذكر حديث قصة ثمامة المذكور.
وقال أبو محمد رحمه الله تعالى: وأما أبو حنيفة فإنه قال: إن الله تعالى قد فرق بين المشركين، وبين سائر الكفار، فقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ١٧]، قال: والمشرك هو من جعل لله شريكًا لا من لم يجعل له شريكًا.
قال: فأما تعلقه بالآيتين فلا حجة له فيهما؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، والرمان من الفاكهة.
[ ٩ / ١٣ ]
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وهما من الملائكة. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب: ٧]، وهؤلاء من النبيين. إلى آخر ما قاله ابن حزم في الرد على أبي حنيفة رحمه الله تعالى. انظر: المحلى ج ٤ ص ٢٤٣ - ٢٤٦.
قال الجامع عفا الله عنه:
الراجح عندي ما رجحه ابن حزم، وهو قول الشافعي وداود الظاهري رحمهم الله تعالى، وحاصله جواز دخول الكافر مطلقًا المساجد، إلا المسجد الحرام لظاهر الآية، ولحديث قصة ثمامة بن أثال ﵁، وهذا هو الأولى مما ادعاه القائلون بالمنع مطلقًا من نسخ الحديث بالآية، وغير ذلك من التأويلات التي ذكرها القرطبي في تفسيره جـ ٨ ص ١٠٥؛ لأن الجمع إذا أمكن لا يصار إلى غيره، والله أعلم، ومنه العون والتوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ١٤ ]