أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز إدخال البعير المسجد.
والبعير -بفتح الباء، وقد تكسرُ، وكسرِ العين المهملة-: الجملُ البَازِل، أو الجَذَع وقد يكون للأنثى- والحمارُ، وكلُّ ما يُحْمَلُ، وهاتان عن ابن خالوَيْهِ، جَمْعُهُ: أبْعِرَة، وأبَاعِرُ، وأبَاعِيرُ، وبُعْرانُ، وبِعْرَان. اهـ.
وقال الفيومي: البعير: مثل الإنسان، يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلَبْت بعيري، والجملُ بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والناقةُ بمنزلة المرأة تختص بالأنثى، والبَكْر والبكرة، مثل الفتى والفتاة، والقَلُوص، كالجارية. هكذا حكاه جماعة، منهم ابن السكيت، والأزهري، وابن جني، ثم قال الأزهري: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة.
ووقع في كلام الشافعي ﵁ في الوصية: "لو قال: أعطوه بعيرًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة"، فحمل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصية مبنية على عرف الناس لا على محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواص، وحكى في كفاية المتحفظ معنى ما تقدم، ثم قال: وإنما يقال: جمل، أو ناقة إذا أرْبَعَا، فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرَ، وبَكْرَة، وقَلُوص. اهـ "المصباح" ج ١ ص ٥٣.
[ ٩ / ١٥ ]
وقوله: "البازل" يستوي فيه الذكر والأنثى، جمعه: بَوازلُ، وبُزَّلٌ: يقال: بَزَل البعيرُ، بُزُولًا، من باب قعد: فَطرَ نَابُهُ بدخوله في السنة التاسعة.
وقوله: "أرْبَعَا" يقال: أرْبَعَ، إرْبَاعًا: إذا ألقى رَبَاعيته، والرَّبَاعية بوزن الثمانية: السِّنُّ التي بين الثنية، والناب. قاله في "المصباح". والله تعالى أعلم.
٧١٣ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
رجال هذا الأسناد: ستة
١ - (سليمان بن داود) أبو داود الربيع المَهْرِي المصري، ثقة، من [١١]، تقدم في ٦٣/ ٧٩، أخرج له أبو داود والنسائي.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد، من [٩]، تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثم المصري، ثقة من كبار [٧]، تقدم في ٩/ ٩.
[ ٩ / ١٦ ]
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة حجة، من كبار [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (عبد الله بن عباس) الحبر البحر ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فانفرد هو به، وأبو داود، وأن نصفهم الأول مصريون، والثاني مدنيون، وأن فيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، ابن شهاب، عن عبيد الله، وأن فيه ابن عباس ﵁، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثًا، وأن فيه الإخبار في موضعين، والعنعنة في الباقي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عباس) ﵄ (أن رسول الله -ﷺ- طاف في حجة الوداع) -بفتح الواو- اسم من التوديع، مثل الكلام، من التكليم، يقال: وَدَّعَهُ، تَوْديعًا: شيَّعه عند سفره، وحجة الوداع هي حجة النبي -ﷺ- التي حجها في السنة العاشرة من الهجرة، وهي
[ ٩ / ١٧ ]
حجة واحدة، لم يحج غيرها بعد الهجرة، سميت بذلك لكونه -ﷺ- وَدَّعَ الناسَ فيها، حيث كان يقول لهم: "خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا" فكان كما قال.
(على بعير) قال السندي ﵀: قد جاء أنه فعل ذلك لمرض، أو لزحام، قيل: هو من خصائصه -ﷺ-، إذ يحتمل أن تكون راحلته عُصِمَتْ من التلويث كرامَةً له، فلا يقاس عليه غيره، وذلك لأن المأمور به بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩] طو اف الإنسان، فلا ينوب طواف الدابة منابه، إلا عند الضرورة. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي غير صحيح، بل الطواف راكبًا جائز إذا احتاج إليه، ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، وما قاله من أن المأمور به طواف الإنسان إلخ باطل؛ لأنه لم تنب الدابة عن طواف الإنسان، بل هو طاف عليها، ولذا قال ابن عباس ﵁: "أن رسول الله -ﷺ- طاف على بعير"، ولم يقل: طاف عنه البعير، وهذا واضح غاية الوضوح، وسيأتي تمام البحث في المسألة في "كتاب المناسك" إن شاء الله تعالى.
قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدواب.
قال الحافظ: وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز
[ ٩ / ١٨ ]
مع الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته -ﷺ- كانت مُنَوَّقَةً، أي مدربة مُعَلَّمَةً، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهي سائرة. اهـ.
"فتح" جـ ٢ ص ١٣٢.
قال العلامة العيني ﵀: وفيه -يعني قوله: "فحيث يخشى التلويث" إلخ- نظر؛ لأن قوله -ﷺ- لأم سلمة حين قالت له: إني أشتكي: "طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة" لا يدل على أن الجواز وعدمه دائران مع التلويث، بل ظاهره يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة.
وقال في قوله: إن ناقته -ﷺ- كانت منوقة، إلخ: ما نصه: قلت: سلمنا هذا في ناقة النبي -ﷺ-، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة، وهي طائفة، ولئن قيل: إنها كانت ناقة النبي -ﷺ-، قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل. اهـ "عمدة القاري" جـ ٤ ص ٢٤١.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قالوه من التلويث وغيره مبني على نجاسة الأبوال، وقد قدمنا في شرح الحديث (١٩١/ ٣٠٥) أن الراجح طهارة أبوال الحيوانات المأكولة اللحم، اللهم إلا إذا أريد الاستقذار من غير نجاسة، كمنع النخامة والبزاق في المسجد للاستقذار، لا للنجاسة فتأمل. والله أعلم.
(يستلم الركن بمحجن) زاد مسلم في روايته: "ويقبل المحجن".
[ ٩ / ١٩ ]
قال الجوهري ﵀: استلم الحجر: لمَسَهُ، إما بالقُبْلَة، أو باليد، لا يُهْمَزُ؛ لأنه مأخوذ من السّلام، وهو الحجر، كما تقول: اسْتَنْوَقَ الجملُ، وبعضهم يَهْمِزُهُ، اهـ لسان جـ ٣ ص ٢٠٨٣.
والمراد بالركن ركن الحجر الأسود.
والمحجن -بكسر الميم، وسكون المهملة، وكسر الجيم- وِزَان مِقَوَدٍ: خشبة في طرفها اعوجاج، مثل الصَّوْلَجان. قال ابن دُرَيْدٍ: كل عود معطوف الرأس فهو محجن، والجمع: مَحَاجِنُ. قاله في المصباح.
والمعنى أنه -ﷺ- لعدم تمكنه من تقبيل الحجر الأسود كان يلمسه بمحجنه، ثم يقبل المحجن.
وفيه استحباب تقبيل الحجر الأسود إن أمكن، وإلا يمسه بشيء كالمحجن، ثم يقبل ذلك، والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عباس ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢١/ ٧١٣)، وفي "الكبرى" (٢١/ ٧٩٢)، عن
[ ٩ / ٢٠ ]
سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عنه.
وفي "المناسك" (١٥٩/ ٢٩٥٤)، عن يونس بن عبد الأعلى، وسليمان ابن داود، كلاهما عن ابن وهب، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في الحج عن أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان. ومسلم فيه عن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى. وأبو داود فيه عن أحمد بن صالح. وابن ماجه فيه عن أبي الطاهر -أربعتهم عن ابن وهب، به. وأخرجه ابن خزيمة برقم (٢٧٨٠). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز إدخال البعير المسجد.
ومنها: جواز الطواف راكبًا للمعذور، ولا كراهة فيه، قال العيني: فإن كان غير معذور يعتبر عندنا وعند الشافعي لا يجوز، لقوله -ﷺ-: "الطواف بالبيت صلاة"، ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج ٢٩٠]، وهو مطلق، والحديث للتشبيه فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر، وجماعة.
وقال القرطبي: الجمهور على كراهة ذلك. قلنا: نحن أيضًا نقول
[ ٩ / ٢١ ]
بالكراهة، حتى إنه يعيده ما دام بمكة، وسيجيء مزيد الكلام فيه في باب الحج، إن شاء الله تعالى. اهـ. "عمدة" جـ ٤ ص ٢٤١.
قال الجامع: القول بالكراهة يحتاج إلى دليل.
ومنها: استحباب استلام الحجر الأسود، وتقبيله، إن أمكن، وإلا يستلمه بمحجن، ونحوه، ثم يقبل المحجن، والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٢٢ ]