أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلاة في الثياب الحُمْر.
"الحمر" -بضم فسكون-: جمع أحمر، كما قال في "الخلاصة":
فُعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا … وَفِعْلَةٌ جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى
٧٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، فَرَكَزَ عَنَزَةً، فَصَلَّى إِلَيْهَا، يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْكَلْبُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن بشار) أبو بكر بندار البصري، ثقة ثبت، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي، الإمام الحجة الثبت، أبو سعيد البصري، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٩.
[ ٩ / ٥٧٣ ]
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الثبت الكوفي، مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عون بن أبي جُحَيفة) السُّوائي الكوفي، ثقة، مات سنة ١١٦، من [٤]، تقدم في ١٠٣/ ١٣٧.
٥ - (أبو جحيفة) وهب بن عبد الله، ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، السُّوائي الصحابي ﵁، ويقال له: وهب الخير، مات سنة ٧٤، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول من غير واسطة، وقد تقدموا غير مرة. وفيه رواية الراوي عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه) وهب بن عبد الله ﵁ (أن رسول الله -ﷺ- خرج في حلة) -بضم الحاء المهملة، وتشديد اللام- جمعه حُلل، كغرفة، وغرف، قال الفيومي: الحُلَّة -بالضم- لا تكون إلا ثوبين من جنس واحد. اهـ (^١).
_________________
(١) المصباح جـ ١ ص ١٤٨.
[ ٩ / ٥٧٤ ]
وفي اللسان: وقال اليمامي: الحلة كل ثوب جيّد جديد تلبسه، غليظٍ، أو دقيقٍ، ولا يكون إلا ذا ثوبين، وقال ابن شُمَيل: الحلة القميص والإزار والرداء، لا تكون أقل من هذه الثلاث. وقال شَمِرٌ: الحلة عند الأعراب ثلاثة أثواب. وقال ابن الأعرابي: يقال للإزار والرداء حلة، ولكل منهما على انفراده حلة. قال الأزهري: وأما أبو عبيد، فإنه جعل الحلة ثوبين. والجمع حُلَل، وحِلَالٌ. أنشد ابن الأعرابي (من الرجز):
لَيْسَ الْفَتَى بِالْمُسْمِنِ الْمُخْتَالِ … وَلَا الَّذِي يَرْفُلُ فِي الْحِلَالِ
اهـ. عبارة "اللسان" باختصار (^١).
(حمراء) صفة لـ "حلّة"، فيه جواز الصلاة في الثياب الحُمْر، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية؛ فقالوا بالكراهة، وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حُلّة من برود فيها خطوط حُمْر، ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو، قال: مَرَّ بالنبي -ﷺ- رجل، وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه فلم يرد عليه". وهو حديث ضعيف الإسناد (^٢)، وإن وقع في بعض نسخ الترمذي أنه قال: حديث حسن.
وعلى تقدير أن يكون مما يحتج به فقد عارضه ما هو أقوى منه، وهو واقعة عين، فيحتمل أن يكون ترك الردّ عليه بسبب آخر. وحمله البيهقي على ما صبغ بعد النسج، وأما ما صبغ غزله، ثم نسج فلا
_________________
(١) جـ ١ ص ٩٧٨.
(٢) لأن في سنده أبا يحيى القَتَّات، ضعفه الأكثرون، وقال في "ت": لين الحديث.
[ ٩ / ٥٧٥ ]
كراهة فيه.
وقال ابن التين: زعم بعضهم أن لبس النبي -ﷺ- لتلك الحلة كان من أجل الغزو. وفيه نظر؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يكن له إذ ذاك غزو. أفاده الحافظ في الفتح (^١) واعترض عليه العيني فيما نقله عن الحنفية بما فيه تعسف (^٢).
(فركز عَنَزَة) يقال: ركَزَ الرمحَ رَكْزًا، من باب قتل: أثبته بالأرض. والعَنَزَة -بفتحات-: عَصًا أقصر من الرمح، ولها زُجّ (^٣)، من أسفلها، والجمع عَنَزٌ، وعَنَزَات، مثل قصَبٍ، وقَصَبَات. قاله في المصباح.
ثم إن معنى قوله: "رَكَزَ": أمر بركزها، فقد بينت الروايات الأخرى أن الذي ركزها هو بلال ﵁، ففي رواية البخاري من طريق عمر بن أبي زائدة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله -ﷺ- في قبة حمراء من أدَم، ورأيت بلالًا أخذ وَضوء رسول الله -ﷺ-، ورأيت الناس يبتدرون ذاك الوَضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه، ثم رأيت بلالًا أخذ عنزة، فركزها، وخرج النبي -ﷺ- في حلة حمراء مشمرًا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيت الناس والداوب يمرون من بين يدي العنزة".
_________________
(١) جـ ٢ ص ٣٩.
(٢) انظر عمدة القاري جـ ٤ ص ٩٩.
(٣) الزُّج بالضم: الحديدة في أسفل الرمح، جمعه زِجَاج، وزِجَجَة .. "ق".
[ ٩ / ٥٧٦ ]
ولفظ مسلم: "أتيت النبي -ﷺ- بمكة، وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، فخرج بلال بوَضوئه، فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي -ﷺ-، عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ، وأذّن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه هاهنا، وهاهنا، يقول يمينًا وشمالًا يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح. قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم، فصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين، حتى رجع إلى المدينة".
(فصلى إِليها) أي صلى الظهر والعصر، لما في رواية البخاري من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال سمعت أبي: أن النبي -ﷺ- صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظهر ركعتين، والعصر ركعتين … الحديث (يمر من ورائها الكلب، والمرأة، والحمار) الجملة حال من الضمير المجرور، وفيه دليل على أن مرور هذه الأشياء وراء السترة لا يضر بالصلاة، وقد تقدم الكلام في ذلك مستوفى في أبواب السترة، فارجع إليه تزدد علمًا. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي جحيفة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢١/ ٧٧٢)، والكبرى (٩/ ٨٤٨) عن محمد بن
[ ٩ / ٥٧٧ ]
بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عون، عنه (١٠٣/ ١٣٧)، والكبرى (٩١/ ١٣٦)، عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن مالك بن مغول، عن عون عنه (١٣/ ٦٤٣)، والكبرى (١٦/ ١٦٠٧) عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان به. (١٢٣/ ٥٣٧٨)، والكبرى (١١٩/ ٩٨٢٧)، عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن محمد بن عرعرة، عن عمر بن أبي زائدة -وعن أبي الوليد، عن شعبة- وعن آدم، عن شعبة -وعن إسحاق ابن منصور، عن جعفر بن عون، عن أبي العميس- وعن محمد بن يوسف، عن سفيان -وفي "صفة النبي -ﷺ- " عن الحسن بن الصباح، عن محمد بن سابق، عن مالك بن مغول- وعن إسحاق، عن ابن شميل، عن عمر بن أبي زائدة.
ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب جميعًا عن وكيع، عن سفيان -وعن محمد بن حاتم، عن بهز، عن عمر بن أبي زائدة- وعن إسحاق بن منصور، وعبد بن حميد كلاهما عن جعفر بن عون، عن أبي العميس -وعن القاسم بن زكريا، عن حسين بن علي، عن زائدة، عن مالك بن مغول.
[ ٩ / ٥٧٨ ]
وأبو داود عن موسى بن إسماعيل، عن قيس بن الربيع -وعن محمد بن سليمان الأنباري، عن وكيع، عن سفيان- وعن حفص بن عمر، عن شعبة.
والترمذي عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن الثوري.
وابن ماجه عن أيوب بن محمد، عن عبد الواحد بن زياد، عن حجاج بن أرطاة -كلهم عن عون بن أبي جحيفة، عنه.
والحميدي رقم (٨٩٢)، وأحمد (٤/ ٣٠٧، ٣٠٨)، وابن خزيمة رقم (٣٨٧، ٣٨٨، ٢٩٩٤، ٢٩٩٥). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلاة في الثياب الحمر، وتقدم أنه قول الجمهور، وكرهها الحنفية.
ومنها: جواز لبس الحلة الحمراء.
ومنها: مشروعية حمل العنزة، لتتخذ سترة عند الصلاة. والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
[ ٩ / ٥٧٩ ]