أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على موقف الإمام إذا اقتدى به صبي، وامرأة.
٨٠٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ قَزَعَةَ مَوْلًى لِعَبْدِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَعَائِشَةُ خَلْفَنَا، تُصَلِّي مَعَنَا، وَأَنَا إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ -ﷺ- أُصَلِّي مَعَهُ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن إسماعيل بن إِبراهيم) بن مِقْسَم الأسدي، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر البصري المعروف أبوه بابن عُلَيّة، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة، مات سنة ٢٦٤، من [١١].
قال النسائي: ثقة. وقال الدارقطني: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب. وقال محمد بن جعفر بن مِلاس: ثنا
[ ١٠ / ١٨٧ ]
القاضي محمد بن إسماعيل ابن علية الثقة الرضيّ بحديث ذكره. ووثقه مَسلمة، وقال المستملي: كان مستقيم الحديث.
قال محمد بن الفيض: عُزِل يحيى بن أكْثَم، وتولى جعفر بن عبد الواحد القضاءَ، فوَلَّى محمدَ بن إسماعيل ابن علية دمشق، فلم يزل قاضيًا بدمشق حتى توفي سنة ٢٦٤ وولي بعده أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز. انفرد به النسائي (^١).
٢ - (حجاج) بن محمد المِصِّيصِيّ الأعور، ثقة ثبت، اختلط آخرًا بعد دخوله بغداد، مات سنة ٢٠٦، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل، مات سنة ١٥٠ أو بعدها، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الزهري، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥١/ ٦٤.
٥ - (قزعة (^٢) مولًى لعبد قيس) المكي مقبول، من [٦].
_________________
(١) "ت" ص ٢٩٠ "تت" جـ ٩ ص ٥٥ - ٥٦، "تك" جـ ٢٤ ص ٤٦٩ - ٤٧١.
(٢) "قزعَة" -بزاي، وفتحات. اهـ "ت" ص ٢٨٢.
[ ١٠ / ١٨٨ ]
روى عن عكرمة مولى ابن عباس. وروى عنه زياد بن سعد. قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي: لا ندري من هو؟ انفرد به النسائي، له عنده حديث الباب فقط (^١).
٦ - (عكرمة مولى ابن عباس) أبو عبد الله البربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير، ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، مات سنة ١٠٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٣٢٥.
٧ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵄، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، فقد وثق قَزَعَة أبو زرعة، وابن حبان، كما مر، وأنه ممن انفرد هو به، وأنه من المقلين في الرواية، ليس له عنده غير هذا الحديث، وأن فيه ابن عباس حبر الأمة وبحرها، ومن المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) عكرمة (قال ابن عباس) ﵄ (صليت إِلى جنب النبي -ﷺ- وعائشة خلفنا) مبتدأ وخبر في محل نصب على
_________________
(١) انظر "تت" جـ ٨ ص ٣٧٧. "ت" ص ٢٨٢.
[ ١٠ / ١٨٩ ]
الحال (تصلي معنا) في محل نصب أيضًا على الحال من "عائشة" فتكون من الأحوال المتداخلة، وفيه أن المرأة تكون صفًا وحدها (وأنا إِلى جنب النبي -ﷺ-) جملة حالية مؤكدة لقوله: "صليت إلى جنب النبي -ﷺ-" يعني أنه وقف إلى جنبه، والمراد جنبه اليمين، كما تقدم بيانه في الباب الماضي (٢٠/ ٨٠٣)، ويأتي في حديث مبيته عند خالته ميمونة ﵂ الآتي في الباب التالي (٢٢/ ٨٠٦) (أصلي معه) جملة حالية مما قبلها، فتكون من الأحوال المتداخلة. وفيه أن موقف الواحد يكون إلى جانب الإمام.
وهذا الحديث يدل على أنه إذا حضر الصلاة مع الإمام رجل وامرأة كان موقف الرجل عن يمينه، وموقف المرأة خلفهما، وأنها لا تصفّ مع الرجال، قال في "الفتح": والعلة في ذلك ما يخشى من الافتتان، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور.
وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة؛ وهو عجيب، وفي توجيهه حيث قال قائلهم: قال ابن مسعود ﵁: "أخروهن من حيث أخرهن الله" والأمر للوجوب، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل، لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، و"حيث" ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخيرهن فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها.
وحكاية هذا تغني عن جوابه، والله المستعان، فقد ثبت النهي عن
[ ١٠ / ١٩٠ ]
الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف، فصلى فيه أثم، وأجزأت صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك؟
وأوضح منه لو كان لباب المسجد صُفَّةٌ مملوكة، فصلى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولاسيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة، فصلت بجنبه. انتهى (^١). والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢١/ ٨٠٤)، وفي (٤٤/ ٨٤١)، وفي "الكبرى" (٤٤/ ٩١٥) بالسند المذكور. والحديث من أفراد المصنّف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ ١/ ص ٣٠٢، وابن خزيمة رقم ١٥٣٧.
المسألة الثالثة: اختلف أهل العلم في موقف الواحد من الإمام إذا
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٤٩ - ٤٥٠.
[ ١٠ / ١٩١ ]
كانت معهما امرأة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: وقد اختلف في هذا الباب، فممن رأى أن يقوم الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلفهما: أنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، وقتادة، ومالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي.
قال: وقد روينا عن الحسن أنه قال: إذا كان الإمام، ورجل، وامرأة صلوا متواترين، بعضهم فوق بعضهم (^١). قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وبالقول الأول أقول. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أيضًا أقول بما قال به ابن المنذر رحمه الله تعالى، للأحاديث الصحيحة بذلك. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٠٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى بِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) معنى ذلك كما بينته رواية عبد الرزاق أن يقوم أحد الرجلين خلف الآخر، والمرأة خلفهما. اهـ المصنف جـ ٢ ص ٤٠٧.
(٢) الأوسط جـ ٤ ص ١٧٦ - ١٧٧.
[ ١٠ / ١٩٢ ]
وَبِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَنَا".
قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد قد تقدموا في الباب الذي قبله إلا اثنين:
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٩، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الأحول أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٩٨، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
وقوله: "وبامرأة من أهلي" يحتمل أن تكون أمه أم سليم، ويحتمل أن تكون خالته أم حرام.
وقوله. "والمرأة" يحتمل النصب عطفًا على مفعول "أقام" وهو ضمير المتكلم، والظرفُ عطف على الجار والمجرور، وفيه العطف على معمولي عامل واحد، وهو جائز باتفاق النحاة. ويحتمل الرفع على الابتداء، والظرف خبره، فتكون الجملة في محل نصب على الحال.
والظاهر أن هذه الواقعة غير الواقعة المتقدمة من طريق غندر، عن شعبة؛ فإن تلك فيها امرأتان، وفي هذه امرأة واحدة، لكن في رواية مسلم من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة ما يدل على أن المرأة هناك أيضًا واحدة، وعليه تكون القصة واحدة، ولفظه: "عن أنس بن مالك أن رسول الله -ﷺ- صلى به، وبأمه، أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه،
[ ١٠ / ١٩٣ ]
وأقام المرأة خلفنا"، ثم ساق مسلم من طريق غندر، وعبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ١٠ / ١٩٤ ]